تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ( البقرة : ٢٦٢ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ ذكره مرة أخرى ليبني عليها ما بعدها ؛ وهي قوله تعالى :﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى﴾.
قوله تعالى :﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا﴾ أي لا يحصل منهم بعد الصدقة مَنٌّ بأن يظهر المنفِق مظهر المترفع على المنفَق عليه ؛ ﴿ولا أذى﴾ أي أذى المنفَق عليه بأن يقول المنفِق :«لقد أنفقت على فلان كذا، وكذا » أمام الناس ؛ فإن هذا يؤذي المنفق عليه.
قوله تعالى :﴿لهم أجرهم﴾ ؛ «الأجر » ما يعطاه العامل في مقابلة عمله ؛ ومنه أجرة الأجير ؛ وسمى الله سبحانه وتعالى الثواب أجراً ؛ لأنه عز وجل تكفل للعامل بأن يجزيه على هذا العمل ؛ فصار كأجر الأجير.
قوله تعالى :﴿عند ربهم﴾ : أصل العندية تكون في المكان ؛ وقد يراد بها ما يعم المكان، والالتزام، كما تقول : عندي لفلان كذا، وكذا ؛ أي في عهدي، وفي ذمتي له كذا، وكذا - حتى وإن لم يكن ذلك عنده في مكانه - فالعندية قد يراد بها المكان ؛ وقد يراد بها ما يلتزم به الإنسان في ذمته، وعهده ؛ وهنا ﴿عند ربهم﴾ يحتمل المعنيين ؛ يحتمل أنه عند الله سبحانه وتعالى ملتزم به، ولا بد أن يوفيه ؛ ويحتمل معنى آخر - وكلاهما صحيح - أن الثواب هذا يكون في الجنة التي سقفها عرش الرحمن ؛ وهذه عندية مكان - ولا ينافي ما سبق من عندية العهد، والالتزام بالوفاء ؛ فتكون الآية شاملة للمعنيين.
قوله تعالى :﴿ولا خوف عليهم﴾ أي مما يستقبل ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي على ما مضى - لكمال نعيمهم - لأن المنعَّم لو أصابه الحزن، أو الخوف لتنغص نعيمه.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : الحث على الإنفاق في سبيل الله ؛ لقوله تعالى :﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾.
٢ - ومنها : الإشارة إلى الإخلاص لله، ومتابعة الشرع ؛ لقوله تعالى :﴿في سبيل الله﴾.
٣ - ومنها : أن من أتبع نفقته منًّا، أو أذى، فإنه لا أجر له ؛ لقوله تعالى :﴿ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم﴾ ؛ فإذا أتبع منًّا، أو أذًى بطل أجره، كما هو صريح قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
٤ - ومنها : أن المن والأذى يبطل الصدقة ؛ وعليه فيكون لقبول الصدقة شروط سابقة، ومبطلات لاحقة ؛ أما الشروط السابقة فالإخلاص لله، والمتابعة ؛ وأما المبطلات اللاحقة فالمن، والأذى.
مسألة :
هل مجرد إخبار المنفِق بأنه أعطى فلاناً دون منّ منه بذلك يعتبر من الأذى ؟ الجواب : نعم ؛ لأن المعطى تنزل قيمته عند من علم به ؛ لكن لو أراد بالخبر أن يقتدي الناس به فيعطوه فليس في هذا أذًى ؛ بل هو لمصلحة المعطى ؛ أما إن ذكر أنه أعطى، ولم يعيِّن المعطى فهذا ليس فيه أذى ؛ ولكن يخشى عليه الإعجاب، أو المراءاة.
مسألة أخرى :
هل المنفق عليه إذا أحس بأن المنفق منّ عليه، أو ربما أذاه هل الأفضل أن يبقى قابلاً للإنفاق أو يرده ؟ الجواب الأفضل أن يرده لئلا يكون لأحد عليه منة ؛ ولكن إذا رده بعد القبض فهل يلزم المنفِق قبوله ؟ الجواب : لا يلزمه قبوله ؛ لأنه خرج عن ملكه إلى ملك المنفق عليه ؛ فيكون رده إياه ابتداء عطية.
٥ - ومن فوائد الآية : إثبات العندية لله عز وجل ؛ لقوله تعالى :﴿عند ربهم﴾ ؛ والعندية تفيد القرب ؛ فيكون الله عز وجل في مكان، وبعض الأشياء عنده، وبعض الأشياء بعيدة عنه ؛ ولكن كلها قد أحاط الله بها ؛ كلها بالنسبة إليه - إلى علمه، وقدرته، وسلطانه، وربوبيته - كلها سواء - لكن لا شك أن من كان حول العرش ليس كمن حول الفرش ؛ ولكن يجب أن نعلم أن المكان ليس محيطاً به، كما قال تعالى :﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] ؛ لأنه سبحانه وتعالى فوق كل شيء ؛ لا يحيط به شيء من مخلوقاته.
٦ - ومن فوائد الآية : أن الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، ويَسْلَمون من المحبطات لا ينالهم خوف في المستقبل، ولا حزن على الماضي ؛ لقوله تعالى :﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى