تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وهذا مثل المؤمنين المنفقين ﴿أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه﴾ عنهم في ذلك ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي : وهم متحققون مُثَبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا في المعنى، قوله عليه السلام(١) في الحديث المتفق على صحته :" من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا. . . " أي : يؤمن أن الله شرعه، ويحتسب عند الله ثوابه.
قال الشعبي :﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي : تصديقا ويقينا(٢). وكذا قال قتادة، وأبو صالح، وابن زيد. واختاره ابن جرير. وقال مجاهد والحسن : أي : يتثبتون أين يضعون(٣) صدقاتهم.
وقوله :﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أي : كمثل بستان بربوة. وهو عند الجمهور : المكان المرتفع المستوي من الأرض. وزاد ابن عباس والضحاك : وتجري فيه الأنهار.
قال ابن جرير : وفي الربوة ثلاث لغات هن ثلاث قراءات : بضم الراء، وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق. وفتحها، وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة، ويقال : إنها لغة تميم. وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس.
وقوله :﴿أَصَابَهَا(٤) وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد، كما تقدم، ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا﴾ أي : ثمرتها(٥) ﴿ضِعْفَيْن﴾ أي : بالنسبة إلى غيرها من الجنان. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك : هو الرَّذَاذ، وهو اللين من المطر. أي : هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدًا ؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله ويكثره وينميه، كل عامل بحسبه ؛ ولهذا قال :﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي : لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.
١ في جـ، أ، و: "صلى الله عليه وسلم"..
٢ في و: "وتيقنا"..
٣ في ج: "أي يضعوا"..
٤ في جـ، أ: "فأصابها" وهو خطأ..
٥ في جـ، أ، و: "أي ثمرها"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى