جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرْضِ وَلاَ تَيَمّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَنِيّ حَمِيدٌ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله : يا أيها الذين آمنوا صدّقوا بالله ورسوله وآي كتابه. ويعني بقوله :﴿أنْفِقُوا﴾ زكوا وتصدّقوا. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله :﴿أنْفِقُوا مِنْ طَيّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ يقول : تصدقوا.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿مِنْ طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
يعني بذلك جل ثناؤه : زكوا من طيب ما كسبتم بتصرّفكم إما بتجارة، وإما بصناعة من الذهب والفضة، ويعني بالطيبات : الجياد. يقول : زكوا أموالكم التي اكتسبتموها حلالاً، وأعطوا في زكاتكم الذهب والفضة، الجياد منها دون الرديء. كما :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال : من التجارة.
حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال : حدثنا زيد بن الحباب، قال : وأخبرني شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.
حدثني حاتم بن بكر الضبي، قال : حدثنا وهب، عن شعبة، عن الحكم، عن جاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في قوله :﴿وَأنْفِقُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال : التجارة الحلال.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل :﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال : ليس في مال المؤمن من خبيث، ولكن لا تيمموا الخبيث منه تنفقون.
حدثني عصام بن رواد بن الجراح، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال : سألت عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه عن قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قال : من الذهب والفضة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿مِنْ طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال : التجارة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله :﴿أنْفِقُوا مِنْ طَيّبَاتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ يقول : من أطيب أموالكم وأنفسه.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال : من الذهب والفضة.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : وأنفقوا أيضا مما أخرجنا لكم من الأرض، فتصدقوا وزكوا من النخل والكرم والحنطة والشعير، وما أوجبت فيه الصدقة من نبات الأرض. كما :
حدثني عصام بن روّاد، قال : ثني أبي، قال : حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال : سألت عليا صلوات الله عليه عن قول الله عزّ وجل :﴿ومِمّا أخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ قال : يعني من الحبّ والثمر وكل شيء عليه زكاة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله :﴿ومِمّا أخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ قال : النخل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد :﴿ومِمّا أخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ قال : من ثمر النخل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال : من التجارة، ﴿وَمِمّا أخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ من الثمار.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَمِمّا أخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ قال : هذا في التمر والحبّ.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثَ﴾.
يعني بقوله جل ثناؤه ﴿وَلاَ تَيَمّمُوا الخَبِيثَ﴾ ولا تعمدوا ولا تقصدوا. مق وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله :«ولا تأمموا »، من أممت، وهذه من تيممت، والمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ، يقال : تأممت فلانا وتيممته وأممته، بمعنى : قصدته وتعمدته، كما قال ميمون بن قيس الأعشى :
| تيمّمْتُ قَيْسا وكَمْ دُونَهُ | مِنَ الأرْضِ من مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ |
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة :﴿وَلا تَيَمّمُوا﴾ لا تعمّدوا.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، مثله.
( القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
يعني جل ثناؤه بالخبث : الرديء غير الجيد، يقول : لا تعمدوا الرديء من أموالكم في صدقاتكم، فتصدّقوا منه، ولكن تصدّقوا من الطيب الجيد. وذلك أن هذه الآية نزلت في سبب رجل من الأنصار علق قِنْوا من حَشَف في الموضع الذي كان المسلمون يعلقون صدقة ثمارهم صدقة من تمره. ) ذكر من قال ذلك :
حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العن قزي، قال : حدثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عديّ بن ثابت، عن البراء بن عازب في قول الله عزّ وجلّ ﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمّا أخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ إلى قوله :﴿وَاللّهُ غَنِيّ حَمِيدٌ﴾ قال : نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها أقناء البسر، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر، يظنّ أن ذلك جائز، فأنزل الله عزّ وجلّ فيمن فعل ذلك :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال لا تيمموا الحَشَفَ منه تنفقون.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، زعم السدي، عن عديّ بن ثابت، عن البراء بن عازب بنحوه، إلا أنه قال : فكان يعمد بعضهم، فيدخل قنو الحشف، ويظن أنه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك :﴿وَلاَ تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ القنو الذي قد حَشِفَ، ولو أهدي إليكم ما قبلتموه.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب، قال : كانوا يجيئون في الصدقة بأردإ تمرهم وأردإ طعامهم، فنزلت :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّبَاتِ ما كَسَبْتُمْ﴾. . . الآية.
حدثني عصام بن رواد، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أبو بكر الهذلي، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال : سألت عليا عن قول الله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَلاَ تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال : فقال علي : نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه، فيعزل الجيد ناحية، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء، فقال عزّ وجلّ :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني عبد الجليل بن حميد اليحصبي، أن ابن شهاب حدثه، قال : ثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله عزّ وجلّ :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال : هو الجُعْرُور، ولون حُبَيْق، فنهى رسول الله ﷺ أن يؤخذ في الصدقة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَلاَ تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال : كانوا يتصدّقون، يعني من النخل بحشفه وشراره، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتصدّقوا بطيبه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قوله :﴿وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ غَنِيّ حَمِيدٌ﴾ ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان على عهد نبيّ الله ﷺ، فيعمد إلى أردئهما تمرا فيتصدّق به ويخلط فيه من الحشف، فعاب الله ذلك عليهم ونهاهم عنه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال : تعمد إلى رذالة مالك فتصدّق به، ولست بآخذه إلا أن تغمض فيه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال : كان الرجل يتصدّق برذالة ماله، فنزلت :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثِ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرنا عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال : في الأقناء التي تعلّق، فرأى فيها حشفا، فقال :«ما هذا ؟ ». قال ابن جريج : سمعت عطاء يقول : علق إنسان حشفا في الأقناء التي تعلق بالمدينة، فقال رسول الله ﷺ :«ما هَذَا ؟ بِئْسَمَا عَلّقَ هَذَا ! » فنزلت :﴿وَلا تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
وقال آخرون : معنى ذلك : ولا تيمموا الخبيث من الحرام منه تنفقون، وتدعوا أن تنفقوا الحلال الطيب. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وسألته عن قول الله عزّ وجلّ :﴿وَلاَ تَيَمّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال : الخبيث : الحرام، لا تتيمه : تنفق منه، فإن الله عزّ وجلّ لا يقبله.
وتأويل الآية : هو التأويل الذي حكيناه عمن حكينا من أصحاب رسول الله ﷺ واتفاق أهل التأويل في ذلك دون الذي قاله ابن زيد.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
( يعني بذلك جل ثناؤه : ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم. والهاء في قوله :﴿بآخِذِيهِ﴾ من ذِكر الخبيث. ﴿إلاّ أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يعني إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخصوا فيه لأنفسكم، ) يقال منه : أغمض فلان لفلان عن بعض حقه فهو يغمض، ومن ذلك قول الطرِمّاح بن حكيم :
| لَمْ يَفُتْنا بالوِتْرِ قَوْمٌ وللضّيْ | يْمِ رِجالٌ يَرْضَوْنَ بالإغْماضِ |