اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ﴾ كقوله :﴿مَا نَنسَخْ﴾ [البقرة: ١٠٦] ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقد تقدَّم. وأيضاً تقدَّم الكلام في مادة " نَذَرَ " في قوله :﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، إلاَّ أنَّ النَّذر له خصوصيَّة : وهو عقد الإنسان ضميره على شيءٍ، يقال : نذر فهو ناذرٌ ؛ قال عنترة :[ الكامل ]
ب- الشَّاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتِمْهُمَاوالنَّاذِرَيْنِ إِذَا لَم الْقَهُمَا دَمِي(١)
وأصله من التَّخويف تقول أنذرت القوم إنذاراً بالتخويف، وفي الشرع على ضربين : مفسر : كقوله للهِ عليَّ عَتْق رَقَبةٍ، ولِلَّهِ عليَّ حجٌّ فهاهنا يلزم الوفاء، ولا يجزيه غيره، وغير مفسَّر كقوله : نذرت لله تعالى ألاَّ أفعل كذا، ثم يفعله، أو يقول : لله عليَّ نذرٌ، ولم يسمِّه، فيلزمه كفارة يمينٍ ؛ لقوله - ﷺ - :" َمَنْ نَذَرَ نَذْراً، وسَمَّى فَعَلْيهِ ما سمَّى، ومَنْ نَذَرَ نَذْراً، ولَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفَّارةُ يَمِينٍ(٢) ".
قوله :﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ جواب الشرط ؛ إن كانت " ما " شرطيةً، أو زائدة في الخبر، إن كانت موصولة.
فإن قيل : لم وحَّد الضمير في " يَعْلَمُه " وقد تقدم شيئان النفقة، والنذر ؟
فالجواب أن العطف هنا ب " أو "، وهي لأحد الشيئين، تقول :" إنْ جاء زيدٌ، أو عمروٌ أكرمتُه "، ولا يجوز : أكرمتها، بل يجوز أن تراعي الأول نحو : زيدٌ أو هندٌ منطلقٌ، أو الثاني، نحو : زيدٌ أو هندٌ منطلقة، والآية من هذا، ولا يجوز أن يقال : منطلقان. ولهذا أوَّل النحاة :﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ومن مراعاة الأول قوله :﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، على هذا لا يحتاج إلى تأويلات ذكرها المفسرون. وروي عن النَّحاس(٣) أنه قال : التقدير : وما أنفقتم من نفقةٍ، فإنَّ الله يعلمها، أو نذرتم من نذر، فإنَّ الله يعلمه، فحذف، ونظَّره بقوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] وقوله :[ المنسرح ]
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَاعِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ(٤)
وقول الآخر في هذا البيت :[ الطويل ]
رَمَانِي بأَمْرٍ كُنْتُ مِنْه وَوَالِدِيبَرِيئاً وَمِنْ أَجْلِ الطَوِيِّ رَمَانِي(٥)
وهذا لا يحتاج إليه ؛ لأنَّ ذلك إنما هو في الواو المقتضية للجمع بين الشيئين، وأمَّا " أَوْ " المقتضية لأحد الشيئين، فلا. وقال الأخفش : الضمير عائدٌ إلى الأخير كقوله :﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ [النساء: ١١٢] وقيل : يعود إلى " ما " في قوله :" وَمَا أَنْفَقْتُمْ " لأنها اسمٌ كقوله :﴿وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١]، ولا حاجة إلى هذا أيضاً ؛ لما عرفت من حكم " أو ".
قوله :﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ أفاد : الوعد العظيم للمطيعين، والوعيد الشديد للمتمردين، لأنه يعلم ما في قلب المتصدق من الإخلاص فيتقبل منه تلك الطاعة ؛ كما قال :﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وقوله :﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
قوله :﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ اعلم أنَّ الظالم قسمان :
الأول : من ظلم نفسه وهو يشتمل على كل المعاصي.
الثاني : من ظلم غيره بأن لا ينفق أو لا يصرف الإنفاق عن المستحق إلى غيره، أو ينفق على المستحقِّ رياءً وسمعةً، أو يفسدها بالمعاصي وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظُّلم على الغير، بل من باب الظلم على النَّفس.

فصل في دحض شبهة للمعتزلة في إنكار الشفاعة


تمسَّك المعتزلة بهذه الآية، في نفي الشَّفاعة عن أهل الكبائر، قالوا : لأنَّ ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه، فلو اندفعت العقوبة عنهم بالشفاعة، لكان أولئك الشفعاء أنصاراً لهم، وذلك يضاد الآية.
وأجيبوا بوجوه :
الأول : أن الشفيع لا يسمَّى في العرف ناصراً، بدليل قوله :﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] ففرَّق تعالى بين الشفيع، والناصر ؛ فلا يلزم من نفي الناصر نفي الشفيع.
الثاني : أن الشفيع إنما يشفع عن المشفوع عنده على سبيل استعطافه، والناصر ينصره عليه، والفرق ظاهرٌ.
وأجاب آخرون : بأنه ليس لمجموع الظالمين من أنصارٍ.
فإن قيل : لفظ " الظَّالِمِينَ "، ولفظ " الأَنْصَارِ " جمعٌ، والجمع إذا قوبل بالجمع، توزع الفرد على الفرد، فكان المعنى : ليس لأحدٍ من الظالمين، أحدٌ من الأنصار.
قلنا لا نسلّم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد ؛ لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد.
الوجه الثالث : أن هذا الدليل للشفاعة عامٌّ في حقِّ الكلِّ في الأشخاص، والأوقات، ودليل إثبات الشفاعة خاصٌّ في بعض الأوقات، والخاصُّ مقدمٌ على العامِّ.
الوجه الرابع : ما بينا أن اللفظ العامَّ لا يكون قاطعاً في الاستغراق ؛ بل ظاهرٌ على سبيل الظن القويِّ، فصار الدليل ظنياً، والمسألة ليست ظنِّية، فسقط التمسُّك بها.
و " الأَنْصَارُ " جمع نصير ؛ كأشرافٍ، وشريف، وأحبابٍ، وحبيب.
١ - ينظر: ديوانه (٢٢٢)، شرح القصائد العشر (٣٧٧)، العيني ٢/٥٥١، الأشموني ٢/٢٤٦، التصريح ٢/٦٩، شرح شواهد الألفية ٣/٥٥١ والمقاصد النحوية ٣/٥٥١، والشعر والشعراء ١/٢٥٩. والأغاني ٩/٢١٢، البحر ٢/٣٢٨، الدر المصون ١/٦٤٩..
٢ - ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (٣/٣٠٠) وقال: غريب وأخرجه أبو داود (٣٣٢٢) وابن ماجه (٢١٢٧، ٢١٢٨) والدارقطني (٤/١٦٠) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/١٣٠) والطبراني في "الكبير" (١١/٤١٢) عن ابن عباس بلفظ: من نذر نذرا ولم يسم فعليه كفارة يمين وأخرجه الترمذي (١/١٩٧) عن عقبة بن عامر مرفوعا بلفظ: كفارة النذر إذا لم تسم كفارة يمين.
وقال: حديث حسن صحيح غريب.
وأخرجه مسلم (٢/٤٥) بلفظ كفارة النذر كفارة يمين..

٣ - ينظر: إعراب القرآن للنحاس ١/٢٩٠..
٤ - البيت لمالك بن العجلان وقيل لقيس بن الخطيم وهو في ديوانه (١٧٣) ينظر الكتاب (١/٣٨) الأشموني ٣/١٥٢، أمالي ابن الشجري ١/٩٦، الدر المصون ١/٦٤٩..
٥ - البيت لعمرو بن أحمر ينظر ديوانه ص ١٨٧، والدرر ٢/٦٢، وشرح أبيات سيبويه ١/٢٤٩، والكتاب ١/٧٥، وله أو للأزرق بن طرفة بن العمرد في لسان العرب (جول)، والدر المصون ١/٦٤٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى