فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَمَا أَنفَقْتُم من نفَقَةٍ﴾ " ما " شرطية، ويجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف أي : الذي أنفقتموه، وهذا بيان لحكم عام يشمل كل صدقة مقبولة، وغير مقبولة، وكل ندر مقبول، أو غير مقبول. وقوله :﴿فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ﴾ فيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول، والوعيد لمن جاء بعكس ذلك. ووحد الضمير مع كون مرجعه شيئين، هما النفقة، والنذر ؛ لأن التقدير : وما أنفقتم من نفقة، فإن الله يعلمها، أو نذرتم من نذر، فإن الله يعلمه، ثم حذف أحدهما استغناء بالآخر، قاله النحاس. وقيل : إن ما كان العطف فيه بكلمة :«أو » كما في قولك : زيد، أو عمرو، فإنه يقال : أكرمته، ولا يقال : أكرمتهما، والأولى أن يقال : إن العطف ب " أو " يجوز فيه الأمران توحيد الضمير، كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَوْا تجارة أو لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. وقوله :﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ [النساء: ١١٢]، وتثنيته كما في قوله تعالى :﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] ومن الأوّل في العطف بالواو قول امرئ القيس :
فتُوضِح فالمِقْراةِ لم يَعْفُ رسمهالِما نَسَجَتْه من جَنُوبِ وَشَمأَلِ
ومنه قول الشاعر :
نَحْن بِما عِنْدنا وَأنتَ بِماعِنْدكَ رَاضٍ وَالرَّأي مُخْتَلِفٌ
ومنه ﴿والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] وقيل : إنه إذا وحد الضمير بعد ذكر شيئين، أو أشياء، فهو بتأويل المذكور أي : فإن الله يعلم المذكور، وبه جزم ابن عطية، ورجحه القرطبي، وذكر معناه كثير من النحاة في مؤلفاتهم.
قوله :﴿وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ﴾ أي : ما للظالمين أنفسهم، بما وقعوا فيه من الإثم لمخالفة ما أمر الله به من الإنفاق في وجوه الخير من أنصار ينصرونهم يمنعونهم من عقاب الله بما ظلموا به أنفسهم، والأولى الحمل على العموم من غير تخصيص لما يفيده السياق، أي : ما للظالمين بأيّ مظلمة كانت من أنصار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى :﴿يا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا أَنفِقُوا مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال : من الذهب، والفضة ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم منَ الأرض﴾ يعني من الحبّ، والثمر، وكل شيء عليه زكاة. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن مجاهد في قوله :﴿أَنفِقُوا مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال : من التجارة :﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم منَ الأرض﴾ قال : من الثمار. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب في قوله :﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ قال : نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته، وقلته، وكان الرجل يأتي بالقِنْو والقِنْوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القِنو فضربه بعصاه، فيسقط البسر، والتمر، فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص، والحشف، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله :﴿يا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا أَنفِقُوا مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم منَ الأرض وَلاَ تَيَمَّمُوا الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إلا أن تغمضوا فيه﴾ قال : لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض، وحياء.
قال : فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده.
وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة قال : ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان، فينظر إلى أردئهما تمراً، فيتصدق به، ويخلط به الحشف، فنزلت الآية، فعاب الله ذلك عليهم، ونهاهم عنه. وأخرج عبد بن حميد، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : لما أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر، فجاء رجل بتمر رديء، فأمر النبي ﷺ الذي يخرص النخل أن لا يجيز. فأنزل الله تعالى الآية هذه. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي في سننه عن سهل بن حنيف قال : أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فجاء رجل بكبائس من هذا السخل : يعني : الشيص فوضعه، فخرج رسول الله ﷺ، فقال :«من جاء بهذا ؟» وكان كل من جاء بشيء نسب إليه، فنزلت :﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الخبيث﴾ الآية. ونهى رسول الله ﷺ عن لونين من التمر أن يوجدوا في الصدقة، الجعرور ولون الحُبَيْق. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : كان أصحاب رسول الله ﷺ يشترون الطعام الرخيص، ويتصدّقون، فأنزل الله :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، عن عَبِيدة السَّلماني قال : سألت علي بن أبي طالب عن قول الله تعالى :﴿يا أَيُّهَا الذين ءامَنُوا أَنفِقُوا﴾ الآية، فقال : نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر، فيصرمه، فيعزل الجيد ناحية، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء﴾ قال : المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله.
وأخرج ابن مردويه عنه : أنها القرآن يعني : تفسيره. وأخرج ابن المنذر عنه أنها النبوّة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال : إنها الفقه في القرآن. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء :﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ﴾ قال : قراءة القرآن، والفكرة فيه. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية قال : هي الكتاب، والفهم به. وأخرج أيضاً عن النخعي نحوه، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال : هي الكتاب يؤتى إصابته من يشاء. وأخرج عبد بن حميد عنه قال : هي الإصابة في القول. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال : هي الخشية لله. وأخرج أيضاً عن مَطَر الوَرَّاق مثله. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير مثله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ﴾ قال : يحصيه. وقد ثبت عن النبي ﷺ في نذر الطاعة، والمعصية في الصحيح، وغيره ما هو معروف، كقوله ﷺ :«لانذر في معصية الله» وقوله :«من نذر أن يطيع الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصيه، فلا يعصه» وقوله :«النذر ما ابتغى به وجه الله» وثبت عنه في كفارة النذر ما هو معروف.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِن تُبْدُوا الصدقات فَنِعما هِىَ﴾ الآية، قال : فجعل السرّ في التطوّع يفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً. وكذلك جميع الفرائض، والنوافل في الأشياء كلها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿إِن تُبْدُوا الصدقات﴾ الآية، قال : كان هذا يعمل قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات، وتفصيلها انتهت الصدقات إليها. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿إِن تُبْدُوا الصدقات﴾ الآية، قال : هذا منسوخ. وقوله :﴿فِى أموالهم حَقٌّ معْلُومٌ للسَّائِلِ والمحروم﴾ [المعارج: ٢٥] قال : منسوخ، نسخ كل صدقة في القرآن الآية التي في سورة التوبة :﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء﴾ [التوبة: ٦٠] وقد ورد في فضل صدقة السرّ أحاديث صحيحة مرفوعة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى