فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي

عن الكتاب
﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذوو العقول.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾.
[٢٧٠] ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ في طاعةٍ أو معصيةٍ.
﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ أَوْجَبْتُموه على أنفسكم، والنذرُ: هوُ إلزامُ مكلَّفٍ مختارٍ نفسَه للهِ تعالى شيئًا بقولٍ غيرِ لازمٍ بأصلِ الشرعِ، فإذا نذرَ في طاعة، انعقدَ ولزمَه فعلُه بالاتفاق، وإذا نذرَ في معصيةٍ، لم يَجُزِ الوفاءُ به بالاتفاق، ويلزمُه عند أحمدَ كفارةُ يمينٍ، خلافًا للثلاثةِ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ يحفظُه، فيَجْزيكم به.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الواضعينَ الصدقةَ في غير محلِّها.
﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أعوانٍ يدفعونَ عذابَ الله عنهم.
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾.
[٢٧١] ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أي: تُظْهروا.
﴿الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: نعمَ الخصلةُ. قرأ أبو عمرٍو، وقالونُ، وأبو بكرٍ: بكسر النون، واختلاسِ كسرة العين، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتح النون، وكسر العين، وأبو جعفرٍ، بكسر النون،
وسكون العين، وتخفيف الميم، والباقون: بكسر النون والعين، وكلها لغاتٌ صحيحة (١).
﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ تستُروها.
﴿وَتُؤْتُوهَا﴾ أي: تعطوها.
﴿الْفُقَرَاءَ﴾ سِرًّا.
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وأفضلُ، في الحديث: "صدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ" (٢) قيل: هذا في صدقة (٣) التطوع، وأما الزكاةُ، فإظهارُها أفضلُ؛ ليقتدَى به.
(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٩٠)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٦ - ١٤٧)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩٠)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣١٦)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٠ - ٢١١).
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/ ٤٢١)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٢)، عن معاوية -رضي الله عنه-. ورواه الحاكم في "المستدرك" (٦٤١٨)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٩)، عن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه-. وروى الترمذي (٦٦٤)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في فضل الصدقة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- بلفظ: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" وقال: حسن غريب. وفي الباب: عن أبي سعيد الخدري، وأبي أمامة -رضي الله عنهما-. وأسانيدها ضعاف، انظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (٣/ ١١٤).
(٣) في "ت": "الصدقة".
﴿وَيُكَفِّرُ﴾ يخففْ.
﴿عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يعني: الصغائرَ من الذنوب. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، وأبو بكرٍ: بالنون، ورفعِ الراء؛ أي: ونحنُ نكفرُ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ: بالياءِ والرفع؛ أي: ويكفرُ الله، ونافعٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو جعفرٍ: بالنون وجزم الراءِ نسقًا على الفاء التي في قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأن موضعها جزمٌ بالجزاء (١).
﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ترغيبٌ في الإسرار.
قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: كانوا يتصدَّقونَ على فقراءِ أهلِ الذمَّةِ، فلما كثرَ فقراءُ المسلمينَ، قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "لا تتصدقوا إِلَّا عَلَى أَهْلِ دينكُم" فنزلَ قولُه تعالى (٢):
(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٢٩١)، و "الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٤٧ - ١٤٨)، و "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٩١)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٢)، و "الكشف" لمكي (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، و "الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٠)، و "تفسير البغوي" (١/ ٢٩٤)، و"تفسير القرطبي" (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٦)، و"تفسير الرازي" (٢/ ٣٥٢)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٣٢٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢١٢ - ٢١٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٢٩٥)، و"العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (١/ ٦٣١)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٨٧).

تفسير هذه الآية من كتب أخرى