غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ولا تيمموا﴾ بتشديد التاء ومد الألف : البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بكسر التاء : يعقوب أي من يؤتيه الله. الباقون بالفتح ﴿فنعما هي﴾ ساكنة العين : أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿فنعما هي﴾ بفتح النون وكسر العين : ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿فنعما هي﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ونكفر﴾ بالنون والراء ساكنة : أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ويكفر﴾ بالياء والراء مرفوعة : ابن عامر وحفص والمفضل. الباقون ﴿ونكفر﴾ بالنون ورفع الراء ﴿يحسبهم﴾ وبابه بفتح السين : ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. ﴿بسيماهم﴾ بالإمالة : حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان " فعلى ".
الوقوف :﴿من الأرض﴾ " ز " لعطف المتفقتين ﴿تغمضوا فيه﴾ ( ط )، ﴿حميد﴾ ه، ﴿الفحشاء﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿فضلاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿من يشاء﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف. ومن قرأ ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بالكسر فالوصل أجوز. ﴿كثيراً﴾ ط، ﴿الألباب﴾ ه، ﴿يعلمه﴾ ط، ﴿أنصار﴾ ه، ﴿فنعما هي﴾ ج، ﴿خير لكم﴾ ط، لمن قرأ ﴿ونكفر﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿سيئاتكم﴾ ط، ﴿خبير﴾ ه، ﴿من يشاء﴾ ط لابتداء الشرط ﴿فلأنفسكم﴾ ط لابتداء النفي، ﴿وجه الله﴾ ط، ﴿لا يظلمون﴾ ه، ﴿في الأرض﴾ ز لأن ﴿يحسبهم﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر. ﴿التعفف﴾ ز لأن ﴿تعرفهم﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل ﴿لا يسألون﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿سيماهم﴾ ﴿إلحافاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، ﴿عند ربهم﴾ ج ﴿يحزنون﴾ ه.
عن الكلبي أنه قال : اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت : لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله ﷺ فإنكما لستما على ديني. فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى :﴿ليس عليك هداهم﴾ فأمرها رسول الله ﷺ بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما. قال الكلبي : ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا. فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله ﷺ فنزلت فأعطوهم بعد نزولها. وعن سعيد بن جبير قال :" قال رسول الله ﷺ :" لا تصدقوا إلا على أهل دينكم " فأنزل الله ﴿ليس عليك هداهم﴾ فقال رسول الله ﷺ :" تصدقوا على أهل الأديان " " وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك. والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون الآية مخصوصة بالتطوع. وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره، ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه ﷺ كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله تعالى أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك. فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم. وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.
لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني. ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول. وفي الكشاف : أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه. ثم ظاهر قوله :﴿ليس عليك هداهم﴾ إنه خطاب مع النبي ﷺ ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ وما بعده عام ﴿وما تنفقوا من خير﴾ من مال ﴿فلأنفسكم﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ أي لستم في صدقتكم على أقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم. وقيل : خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل : معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل : ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله ؟ وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً. وأيضاً قول القائل :" فعلت هذا الفعل له " احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال " فعلت لوجهه " فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿إليكم﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه : أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته. وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله. وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله. ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾[الحشر: ٩] وخامسها ليستحق البر ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾[آل عمران: ٩٢]. وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته. فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾[النساء: ٤٠] وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله ﷺ " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ومما أخرجنا لكم﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقهاً من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسها فلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا تحقيق قوله ﷺ " إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة. فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾[النساء: ٤٣] ثم أحياكم بالإيمان ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾[النحل: ٩٧] ثم يرزقكم من الطيبات ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾[البقرة: ٥٧] فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿إلا أن تغمضوا فيه﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله تعالى كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله " ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾[الزمر: ٧٣] ﴿واعلموا أن الله غني﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿حميد﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي. ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية. فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه. فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾[يونس: ٢٦] فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات. فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء﴾[النور: ٣٥] ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور. ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿وما للظالمين﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿من أنصار﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله ﷺ :" سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال :" ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله. فصاحبها يكون في ظل الله قال ﷺ :" إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية. فمعنى قوله :﴿إن تبدو الصدقات﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿فنعما هي﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿إن الأبرار لفي نعيم﴾[الانفطار: ١٣] ﴿وإن تخفوها﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿وتؤتوها الفقراء﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿فهو خير لكم﴾ لأن جزاءها لقاء الله. ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ليس عليك هداهم﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.
ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.
﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية " أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غير ي يا محمد " ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾[الأنفال: ١٧] وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ لا بقليل ولا بكثير. لأن أثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿وما تنفقوا من خير﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿فإن الله به عليم﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿فلهم أجرهم عند ربهم﴾ عند مليك مقتدر ﴿ولا هم يحزنون﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة
﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾[الأنبياء: ١٠٣]﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾[فاطر: ٣٤].
الوقوف :﴿من الأرض﴾ " ز " لعطف المتفقتين ﴿تغمضوا فيه﴾ ( ط )، ﴿حميد﴾ ه، ﴿الفحشاء﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿فضلاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿من يشاء﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف. ومن قرأ ﴿ومن يؤت الحكمة﴾ بالكسر فالوصل أجوز. ﴿كثيراً﴾ ط، ﴿الألباب﴾ ه، ﴿يعلمه﴾ ط، ﴿أنصار﴾ ه، ﴿فنعما هي﴾ ج، ﴿خير لكم﴾ ط، لمن قرأ ﴿ونكفر﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿سيئاتكم﴾ ط، ﴿خبير﴾ ه، ﴿من يشاء﴾ ط لابتداء الشرط ﴿فلأنفسكم﴾ ط لابتداء النفي، ﴿وجه الله﴾ ط، ﴿لا يظلمون﴾ ه، ﴿في الأرض﴾ ز لأن ﴿يحسبهم﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر. ﴿التعفف﴾ ز لأن ﴿تعرفهم﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل ﴿لا يسألون﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿سيماهم﴾ ﴿إلحافاً﴾ ط، ﴿عليم﴾ ه، ﴿عند ربهم﴾ ج ﴿يحزنون﴾ ه.
عن الكلبي أنه قال : اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت : لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله ﷺ فإنكما لستما على ديني. فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى :﴿ليس عليك هداهم﴾ فأمرها رسول الله ﷺ بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما. قال الكلبي : ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا. فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله ﷺ فنزلت فأعطوهم بعد نزولها. وعن سعيد بن جبير قال :" قال رسول الله ﷺ :" لا تصدقوا إلا على أهل دينكم " فأنزل الله ﴿ليس عليك هداهم﴾ فقال رسول الله ﷺ :" تصدقوا على أهل الأديان " " وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك. والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون الآية مخصوصة بالتطوع. وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره، ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه ﷺ كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله تعالى أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك. فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم. وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.
لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني. ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول. وفي الكشاف : أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه. ثم ظاهر قوله :﴿ليس عليك هداهم﴾ إنه خطاب مع النبي ﷺ ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿إن تبدوا الصدقات﴾ وما بعده عام ﴿وما تنفقوا من خير﴾ من مال ﴿فلأنفسكم﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله﴾ أي لستم في صدقتكم على أقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم. وقيل : خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل : معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل : ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله ؟ وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً. وأيضاً قول القائل :" فعلت هذا الفعل له " احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال " فعلت لوجهه " فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿إليكم﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.
ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.
| كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها | عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً |
﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾[الأنبياء: ١٠٣]﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾[فاطر: ٣٤].