تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ. . .﴾(١).
قال ابن عرفة : الخطاب خاص بالنبي ﷺ أو عام له ولسائر المؤمنين كقوله تعالى :﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾(٢). ﴿وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾(٣). وهو راجع إلى الخلاف الّذي ( حكاه )(٤) ابن عطية لأن ما نقله عن سعيد بن جبير وعن النّقاش يقتضي الخصوص وما نقله عن ابن عباس يقتضي العموم(٥).
قال ابن عرفة : وعلى تقدير الخصوص يستلزم العموم فهو خصوص لأنه إذا رفع التكليف عن النبي ﷺ الذي هو رسول مأمور بالتبليغ والدعاء إلى الإيمان فأحرى أن يرفع عن من سواه.
قال ابن عطية(٦) : ذكر النّقاش أن النبي ﷺ أتِىَ بصدقة فجاءه يهودي فقال : أعطني. فقال له عليه الصلاة والسلام :« ليس لك من صدقة المسلمين شيء » فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية، فدعاه رسول الله ﷺ ثم أعطاه، ثم نسخ الله ذلك بقوله :﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾(٧). قال ابن عرفة : هذا ليس بنسخ ولكن المتقدمين يطلقون عليه نسخا والمتأخرين يقولون : العام إن عمل به ثم ورد بعد ذلك خاص فهو نسخ له وإن ورد الخاص بعده وقبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ.
قال ابن عطية : والهدى المنفي هو خلق الإيمان في قلوبهم، وأما الهدى الذي هو الدعاء إلى الإيمان فهو عليه(٨).
قال ابن عرفة : أما خلق الهدى ( فمنفي )(٩) معلوم بالضرورة لا يحتاج إلى نفيه، وأما الدعاء إلى الإيمان فغير منفي، ويبقى قسم ثالث وهو الدعاء المحصل للإيمان الكسبي لا الجبري فيقال هديت فلانا إلى الإيمان، أي دعوته إليه فاهتدى بخلاف ما إذا دعوته إليه فلم يهتد فإنك لا تقول : هديته إلى الإيمان، فهذا هو المنفي في الآية، أي ليس مطلوبا بتحصيل الهداية الكسبية لهم إنّما عليك أن تدعوهم فقط، والإضافة على ما قلناه للمفعول. أي ليس عليك أن تهديهم.
قيل لابن عرفة : لعل المراد لا يجب عليك أن تهديهم إلى الإيمان ؟ فرده بقول الله تعالى :﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ فَإِنَّه ليس المراد به الجبر على الإيمان بل خلق الهداية.
قال ابن عرفة : وهذا تسكين لروعته لأنه مضى قبل الآية مقدار ربع حزب في الحض على الصدقة، وعلى ( خلوص )(١٠) النّية، وكرر ذلك وأكد فخشي أن يتهالك عليه النبي ﷺ لأجل عدم امتثالهم فأتت هذه الآية تسكينا لروعته وتطمينا لجنانه.
قوله تعالى :﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ. . .﴾.
فالتشديد كما في قوله تعالى :﴿ولكن الله رمى﴾(١١) وفي بعضها ولكن بالتخفيف. وسبب ذلك أنه إذا كان المخاطب منكرا وظهرت عليه مخائل الإنكار فيؤتي بها مشددة.
ابن عرفة : وهذا أعمّ من قول الله تعالى :﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾(١٢) ( فإن عليك أن تهدي من أحببت )(١٣) أخص من قولك أنت تهدي من أحببت، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم.
فإن قلت : الأصل في نسبة المتكلم إلى نفسه فعلا أن يأتي باسمه مضمرا فيقول : ليس عليك إكرام محمد ولكنه علي، ولا تقول : ولكنه على زيد، يعني نفسه.
قال : وتقدم لنا الجواب بأنّه لما كان المعنى خاصا بالله تعالى أتى فيه باسم الجلالة الخاص به ولو قال : ولكنّا نهدي من نشاء لكان عاما لأن الضمائر كلية.
قلت : ولأن النون والألف تكون للمتكلم وحده إذا عظّم نفسه [ ٦٥و ] وللمتكلم ومعه غيره بخلاف / اسم الجلالة فإنه خاص بلا شك(١٤).
قوله تعالى :﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله. . .﴾(١٥).
يحتمل أن تكون الواو واو الحال ( أي )(١٦) وما تنفقوا من ( خير )(١٧) فلأنفسكم حالة كونهم يقصدون به وجه الله وهذا خبر في معنى الطلب ( أو )(١٨) الأمر أو النهي. انتهى.
قوله تعالى :﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾(١٩).
تأسيس، والمراد بالتوفية في المقدار وعدم الظلم في الصفة لأن من لك عليه طعام موصوف تارة يعطيك مثل الصفة وأقل في المقدار، وتارة يعطيك مثل القدر ( وأدوَن )(٢٠) في الصفة.
١ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى:
﴿ليس عليكم هداهم﴾: إن قلت: هل هذه مثل قوله ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ أو خلافها؟
قلت: بل خلافها لأن تلك اقتضت نفي كون الهداية مقدورة له وإثبات القدرة عليها لله تعالى وهذه اقتضت نفي التكليف بالهداية عنه وإثبات القدرة عليها لله تعالى فهذه أعم من تلك لأن قولك أنت قادر على أن تهدي من أحببت أخص من قولك أنت تهدي من أحببت ونفي الأخص أعم من نفي الأعم.
وهل هذا الخطاب خاص بالنبي ﷺ أو عام ولسائر المؤمنين؟ فعلى ما نقل ابن عطية عن سعيد بن جبير وعن النقاش يقتضي الخصوص وما نقله عن ابن عباس يقتضي العموم وعلى تقدير الخصوص فهو خصوص يستلزم العموم لأنه إذا رفع التكليف بذلك عن النبي ﷺ الذي هو رسول مأمور بالتبليغ والدعاء إلى الإيمان فأحرى أن يرفع عمن سواه.
ابن عطية: ذكر النقاش أن النبي ﷺ أتي بصدقة فجاءه يهودي فقال: أعطني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لك من صدقة المسلمين شيء. فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية. فدعاه رسول الله ﷺ فأعطاه ثم نسخ الله ذلك بقوله ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾.
والظاهر أن هذا ليس بنسخ، ولكن المتقدمين يطلقون عليها نسخا، والمتأخرين يقولون: العام إن عمل به ثم ورد بعده الخاص فهو ناسخ له وإن ورد الخاص بعده قبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ.
ابن عطية: والهدى المنفي هو خلق الإيمان في قلوبهم وأما الهدى بمعنى الدعاء إلى الإيمان فهو عليه.
أما خلق الهدى فنفيه معلوم بالضرورة فلا يحتاج إلى ذكره، وأما الدعاء إلى الإيمان فغير منفي ويبقى قسم ثالث وهو الدعاء المحصل للإيمان الكسبي لا الجبري فيقال: هديت فلانا إلى الإيمان أي دعوته إليه فاهتدى بخلاف ما إذا دعوته إليه فلم يهتد فإنك لا تقول: هديته إلى الإيمان. فهذا هو المنفي في الآية أي لست مطلوبا بتحصيل الهداية الكسبية لهم وإنما عليك أن تدعوهم فقط.
والإضافة إلى هذا المفعول أي أن تهديهم. فإن قلت: لعل المعنى لا يجب عليك أن تجبرهم على الإيمان؟
قلت: يرده قولك ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ ليس المراد به الجبر على الإيمان بل خلق الهداية..

٢ - سورة السجدة: الآية: ١٢..
٣ - سورة سبأ الآية: ٣١..
٤ - هـ: ذكره..
٥ - انظر ما نقله ابن عطية عن سعيد بن جبير وعن النقاش وعن ابن عباس بالمحرر الوجيز ٢/٣٣٥ – ٣٣٦..
٦ - المحرر الوجيز ٢/٣٣٤..
٧ - سورة التوبة الآية: ٦٠..
٨ - المحرر الوجيز: ٢/٣٣٦..
٩ - د هـ: المنفى..
١٠ - أ: خصوص..
١١ - سورة الأنفال: الآية: ١٧..
١٢ - سورة القصص الآية: ٥٧..
١٣ - أ: نقص..
١٤ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ ما يلي:
قال ابن عصفور: الجملة التي بعد (لكن) تكون مضادة لما قبلها ولا يجوز أن تكون موافقة. واختلف هل تكون مخالفة لما قبلها أم لا؟ وهذه الجملة في الآية مخالفة لما قبلها. لأن ما قبلها اقتضى أنه ليس مكلفا بالهداية وما بعدها اقتضى أنه ليس مكلفا بالهداية، وما بعدها اقتضى إثبات القدرة على الهداية لله تعالى، وأما في قوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ فما بعدها مضاد لما قبلها، لأن ما قبلها يقتضي نفي القدرة على الهداية وما بعدها اقتضى إثباتها لله تعالى.
فإن قلت: الأصل في نسبة المتكلم إلى نفسه فعلا أن يأتي باسمه مضمرا فعلى هذا كان يقال هنا: (ولكنا نهدي)؟ فالجواب أنه لما كان ذلك خاصا بالله تعالى أتى باسم الجلالة الخاص به بخلاف المضمر إذ هو غير خاص لأن الضمائر كلية ولأن ضمير (نا) للنون والألف يكون للمتكلم وحده إذا عظم نفسه وللمتكلم ومعه غيره بخلاف اسم الجلالة فإنه خاص قطعا وقوله: ﴿من يشاء﴾. دليل لأهل السنة، ورده على الزمخشري للألطاف على مذهبه..

١٥ - وقال البسيلي في تفسير قوله تعالى: ﴿وما تنفقون﴾: تحمل الواو على الحال أي وما تنفقون من خير فلأنفسكم حالة كونكم تقصدون به وجه الله وهذا خبر في معنى الطلب إما الأمر النهي..
١٦ - أ: نقص..
١٧ - أ: خيركم – هـ: نقص..
١٨ - د: اما – هـ: أي – ج: نقص..
١٩ - قال البسيلي أيضا: أي في المقدار.
- ﴿وأنتم لا تظلمون﴾: أي في الصفة وهو تأسيس..

٢٠ - هـ: نقص – هـ: أقل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى