اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
" الرِّبَا " في اللُّغة(١) : عبارةٌ عن الزِّيادة ؛ يقال ربا الشيء يربو ربواً، ومنه قوله :﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، أي زادت، وأربى الرَّجل : إذا عامل في الربا، ومنه الحديث " مَنْ أَجْبَى فَقَدْ أَرْبَى "، أي : عامل بالرِّبا، والإجباء : بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه(٢).
والمادة تدلُّ على الزيادة والارتفاع، ومنه الرَّبوة. وقال حاتم الطائيُّ يصف رمحاً :[ الطويل ]
والرِّبا : لامه واوٌ ؛ لقولهم : ربا يربو ؛ فلذلك يثنَّى بالواو، ويكتب بالألف. وجوَّز الكوفيُّون تثنيته بالياء، وكذلك كتابته، قالوا : لكسر أوَّله، ولذلك أمالوه، وليس هذا مختصّاً بمكسور الأول، بل الثُّلاثيُّ من ذوات الواو، المكسور الأول، أو المضمومه ؛ نحو :" رِبا "، و " عُلا " حكمه ما ذكرته عنهم، فأمَّا المفتوح الأول نحو : عصا، وقفا، فلم يخالفوا البصريين، وكتب في القرآن بخطِّ الصحابة بواوٍ بعدها ألفٌ.
وقيل : إنما بالواو ؛ لأنَّ أهل الحجاز تعلَّموا الخطَّ من أهل الحيرة، وأهل الحيرة يقولون :" الرِّبَوا " بالواو، فكتبوها كذلك، ونقلها أهل الحجاز كذلك ؛ خطّاً لا لفظاً.
قرأ العدويُّ :" الرِّبَو " كذلك بواوٍ خالصةٍ بعد فتحة الباء(٤). فقيل : هذا القارئ أَجرى الوصل مجرى الوقف، وذلك أنَّ من العرب من يقلب ألف المقصور واواً ؛ فيقول : هذه أفعو، وهذا من ذاك، إلاَّ أنه أجْرَى الوصل مُجْرى الوقف.
وقد حكى أبو زيدٍ ما هو أغرب من ذلك، فقال :" قرأ بعضهم(٥) بكسر الراء، وضمِّ الباء، وواو بعدها "، ونسب هذه للغلط ؛ وذلك لأنَّ العرب لا يبقى واواً بعد ضمة في الأسماء المعربة، بل إذا وجد ذلك، لم يقرَّ على حاله، بل تقلب الضَّمَّة كسرةً، والواو ياءً، نحو : دلوٍ وأدلٍ، وجروٍ وأَجْرٍ ؛ وأنشد أبو عليّ :[ البسيط ]
ونهاية ما قيل فيها : أنَّ قارئها قلب الألف واواً ؛ كقولهم في الوقف : أَفْعَو، ثم أجري الوصل مجرى الوقف في ذلك، قيل : ولم يضبط الرَّاوي عنه ما سمع ؛ فظنَّه بضمِّ الباء ؛ لأجل الواو ؛ فنقلها كذلك، وليت الناس أخلوا تصانيفهم من مثل هذه القراءات التي لو سمعها العامة لمجُّوها، ومن تعاليلها، ولكن صار التارك لها، يعده بعضهم جاهلاً بالاطِّلاع عليها.
ويقال : رِبا ورِما، بإبدال بائه ميماً ؛ كما قالوا : كثم في كثب. والألف واللام في " الرِّبا " : يجوز أن تكون للعهد، إذ المراد الرِّبا الشرعيُّ، ويجوز أن تكون لتعريف الجنس.
اعلم أنَّ بين الصدقة، والرِّبا مناسبةٌ من جهة التضادِّ ؛ لأن الصدقة عبارةٌ عن تنقيص المال بسبب أمر الله تبارك وتعالى بذلك ؛ والرِّبا عبارةٌ عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله - سبحانه وتعالى - عنه، فكانا كالمتضادَّين، ولهذا قال تعالى :﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فلما حصلت المناسبة بينهما من هذا النوع، ذكر حكم الربا عقيب حكم الصدقات، وخصَّ الأكل ؛ لأنه معظم الأمر ؛ كقوله :﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] فنبَّه بالأَكل على ما سواه من وجوه الإتلافات، ولأنَّ نفس الرِّبا الذي هو الزيادة لا يؤكل، وإنما يصرف في المأكول، وقال - ﷺ - :" لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه وشاهده وكَاتِبَهُ، والمحلِّلَ لَهُ(٧) " فعلمنا أنَّ الحرمة غير مختصة بالأكل.
الرِّبا قسمان : ربا النَّسيئة، وربا الفضل.
أمَّا ربا النسيئة، فهو الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهليَّة، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلَّ شهرٍ قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حلَّ الدَّين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا(٨) في الحقِّ والأجل، فهذا هو الرِّبا الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية.
وأمَّا " ربا الفضل " فهو أن يباع منٌّ من الحنطة بمنوين منها، أو ما أشبه ذلك.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان لا يحرِّم إلاَّ القسم الأول، فكان يقول لا ربا إلاَّ في النَّسيئة، وكان يجوِّز ربا الفضل ؛ فقال له أبو سعيدٍ الخدريّ : أشهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله - ﷺ - ما لم نسمع ! ثمَّ روى له الحديث المشهور في هذا الباب، ثم قال أبو سعيدٍ : لا أواني وإيَّاك ظلُّ بيتٍ، ما دمت على هذا.
ثمَّ روي أنه رجع عنه.
قال محمد بن سيرين : كنَّا في بيتٍ، ومعنا عكرمة، فقال رجلٌ : يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلانٍ، ومعنا ابن عباس فقال : إنما كنت استحللت الصرف برأيي، ثم بلغني أنَّ رسول الله - ﷺ - حرَّمه، فاشهدوا أنِّي حرمته، وبرئت منه إلى الله.
وحجَّة ابن عباس أنَّ قوله :﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ يتناول بيع الدرهم بالدِّرهمين نقداً ؛ وقوله :﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [ لا يتناوله ؛ لأن الرِّبا عبارةٌ عن الزيادة، وليست كلُّ زيادةٍ محرمةً ؛ بل قوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(٩) ] إنما يتناول العقد المخصوص المسمَّى فيما بينهم رباً، وذلك هو ربا النَّسيئة، فكان ذلك مخصوصاً بالنَّسيئة ؛ فثبت أنَّ قوله ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ يتناول ربا الفضل، وقوله :﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ لا يتناوله ؛ فوجب أن يبقى على الحلِّ ولا يمكنه أن يقال إنما يحرمه بالحديث ؛ لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد، وهو غير جائزٍ وهذا هو عرف ابن عباسٍ، وحقيقته راجعةٌ إلى أنَّ تخصيص القرآن بخبر الواحد : هل يجوز أم لا ؟
وأمَّا جمهور العلماء، فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أمَّا القسم الأوَّل، ربا النَّسيئة فبالقرآن، وأمَّا ربا الفضل، فبالخبر، ثم إن الخبر دلَّ على حرمة ربا الفضل في الأشياء الستة، ثم اختلفوا. فقال جمهور الفقهاء(١٠) : حرمة ربا الفضل غير مقصورةٍ على هذه النسيئة ؛ بل ثابتةٌ في غيرها بالعلَّة الجامعة وقال نفاةُ القياس : بل الحرمة مقصورة عليها.
ذكروا في سبب تحريم الرِّبا وجوهاً :
أحدها : أنه يُفضي إلى أخد الإنسان مال غيره من غير عوضٍ ؛ لأنه إذا باع الدِّرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئةً، فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض ومال الإنسان له حرمةٌ عظيمةٌ، قال - ﷺ - :" حُرْمَةُ مَالِ المسلمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ(١١) " ؛ فكان أخذ ماله بغير عوض محرَّماً.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكونَ لبقاء رأس المال في يده مدَّةً مديدةً عوضاً عن الدِّرهم الزَّائد ؟ لأنَّ رأس المال لو بقي في يد مالكه، لتمكّن من التجارة به، والربح، فلمَّا تركه في يد المديون، وانتفع المديون به، لم يبعد أن يدفع إلى ربِّ المال ذلك الدرهم الزَّائد ؛ عوضاً عن انتفاعه بماله.
فالجواب أنَّ هذا الانتفاع المذكور أمرٌ موهومٌ قد يحصل له منه كسبٌ، وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمرٌ متيقنٌ فتفويت المتيقن لأجل أمر موهوم، لا ينفكُّ عن نوع ضرر.
وثانيها : أنَّ الرِّبا يمنع النَّاس عن الاشتغال بالمكاسب ؛ لأنه إذا حصّل الدرهم بالربا، فلا يكاد يحتمل مشقَّة التَّكسُّب بالتجارة، والصناعة، فيفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أنَّ [ مصالح العالم ](١٢) لا تنتظم إلاَّ بالتجارات، والعمارات، والحرف، والصِّناعات.
وثالثها : أنَّ الربا يفضي(١٣) إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض ؛ لأن الرِّبا إذا حرم، طابت النفوس بقرض الدرهم، واسترجاع مثله، ولو حلَّ الربا، لكانت حاجة المحتاج تحمله حاجته على أخذ الدرهم بالدرهمين، فيفضي ذلك إلى قطع المواساة، والمعروف، والإحسان.
ورابعها : أنَّ الغالب أنَّ المقرض يكون غنيّاً، والمستقرض يكون فقيراً، فالقول بتجويز الرِّبا تمكينٌ للغني من أن يأخذ من الفقير الضَّعيف مالاً زائداً(١٤)، وهو غير جائزٍ برحمة الرَّحيم.
وخامسها : أنَّه غير معقولٍ المعنى.
قوله :" لاَ يَقُومُونَ " الظَّاهر أنَّها خبر الموصول المتقدِّم، وقال بعضهم : إنها حالٌ، وهو سهوٌ، وقد يتكلَّف تصحيحه بأن يضمر الخبر ؛ كقراءة من قرأ ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] ؛ وقوله :[ الطويل ]
في أحد الوجهين.
والمراد القيام يوم القيامة أو من القبور.
قوله :﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ﴾ فيه الوجهان المشهوران وهما :
النصب على النعت ؛ لمصدر محذوف، أي : لا يقومون إلا قياماً مثل قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو المشهور عند المعربين.
أو النصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المقدَّر، أي : لا يقومونه، أي : القيام إلاَّ مشبهاً قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو رأي سيبويه(١٦)، وقد قدَّمت تحقيقهما.
و " ما " الظاهر أنها مصدريةٌ، أي : كقيام. وجوَّز بعضهم أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، والتقدير : إلا كالقيام الذي يقومه الذي يتخبَّطه الشيطان، وهو بعيدٌ.
و " يتخبَّطه " يتفعَّله، وهو بمعنى المجرد أي يخبطه ؛ فهو مثل : تعدَّى الشيء وعداه فهو تفعَّل بمعنى فعل، نحو تقسَّمه : بمعنى قسمه، وتقطَّعه : بمعنى قطعه. ومعنى ذلك مأخوذٌ من خبط البعير بأخفافه : إذا ضرب بها الأرض. ويقال : فلانٌ يخبط خبط عشواء ؛ قال علقمة :[ الطويل ]
وقال زهير :[ الطويل ]
والتخبط معناه : الضَّرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه، إنه يخبط خبط عشواء، وخبط البعير الأرض بأخفافه، وتخبطه الشيطان، إذا مسَّه بخبلٍ، أو جنونٍ ؛ لأنه كالضَّرب على غير استواء في الإدهاش.
قوله :" مِنَ الْمَسِّ " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه متعلقٌ بيتخبَّطه من جهة الجنون، فيكون في موضع نصبٍ، قاله أبو البقاء(١٩).
الثاني : أنه يتعلَّق بقوله تبارك وتعالى :﴿لاَ يَقُومُونَ﴾، أي : لا يقومون من المسِّ الذي بهم، إلا كما يقوم المصروع.
الثالث : أنه يتعلَّق بقوله :" يَقومُ "، أي : كما يقوم المصروع من جنونه ؛ ذكر هذين الوجهين الأخيرين الزمخشريُّ.
قال أبو حيَّان(٢٠) : وكان قدَّم في شرح المسِّ أنه الجنون، وهذا الذي ذهب إليه في تعلُّق " مِنَ المَسِّ " بقوله :" لاَ يَقُومُونَ " ضعيفٌ ؛ لوجهين :
أحدهما(٢١) : أنه قد شرح المسَّ بالجنون، قلت : وهو بابٌ في البلاغة مشهورٌ، وهو أعلى رتب التشبيه ؛ ومنه قوله :[ الطويل ]
القوم كانوا في تحليل الرِّبا على هذه الشُّبه
والمادة تدلُّ على الزيادة والارتفاع، ومنه الرَّبوة. وقال حاتم الطائيُّ يصف رمحاً :[ الطويل ]
| وَأَسْمَرَ خَطِّيًّا كَأَنَّ كُعُوبَهُ | نَوَى القَسْبِ قَدْ أَرْبَى ذِرَاعاً عَلَى العُشْرِ(٣) |
وقيل : إنما بالواو ؛ لأنَّ أهل الحجاز تعلَّموا الخطَّ من أهل الحيرة، وأهل الحيرة يقولون :" الرِّبَوا " بالواو، فكتبوها كذلك، ونقلها أهل الحجاز كذلك ؛ خطّاً لا لفظاً.
قرأ العدويُّ :" الرِّبَو " كذلك بواوٍ خالصةٍ بعد فتحة الباء(٤). فقيل : هذا القارئ أَجرى الوصل مجرى الوقف، وذلك أنَّ من العرب من يقلب ألف المقصور واواً ؛ فيقول : هذه أفعو، وهذا من ذاك، إلاَّ أنه أجْرَى الوصل مُجْرى الوقف.
وقد حكى أبو زيدٍ ما هو أغرب من ذلك، فقال :" قرأ بعضهم(٥) بكسر الراء، وضمِّ الباء، وواو بعدها "، ونسب هذه للغلط ؛ وذلك لأنَّ العرب لا يبقى واواً بعد ضمة في الأسماء المعربة، بل إذا وجد ذلك، لم يقرَّ على حاله، بل تقلب الضَّمَّة كسرةً، والواو ياءً، نحو : دلوٍ وأدلٍ، وجروٍ وأَجْرٍ ؛ وأنشد أبو عليّ :[ البسيط ]
| لَيْثٌ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عِنْدَ خِيسَتِهِ | بِالرَّقْمَتَيْنِ لَهُ أَجْرٍ وأَعْرَاسُ(٦) |
ويقال : رِبا ورِما، بإبدال بائه ميماً ؛ كما قالوا : كثم في كثب. والألف واللام في " الرِّبا " : يجوز أن تكون للعهد، إذ المراد الرِّبا الشرعيُّ، ويجوز أن تكون لتعريف الجنس.
فصل في وجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها
اعلم أنَّ بين الصدقة، والرِّبا مناسبةٌ من جهة التضادِّ ؛ لأن الصدقة عبارةٌ عن تنقيص المال بسبب أمر الله تبارك وتعالى بذلك ؛ والرِّبا عبارةٌ عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله - سبحانه وتعالى - عنه، فكانا كالمتضادَّين، ولهذا قال تعالى :﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فلما حصلت المناسبة بينهما من هذا النوع، ذكر حكم الربا عقيب حكم الصدقات، وخصَّ الأكل ؛ لأنه معظم الأمر ؛ كقوله :﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] فنبَّه بالأَكل على ما سواه من وجوه الإتلافات، ولأنَّ نفس الرِّبا الذي هو الزيادة لا يؤكل، وإنما يصرف في المأكول، وقال - ﷺ - :" لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه وشاهده وكَاتِبَهُ، والمحلِّلَ لَهُ(٧) " فعلمنا أنَّ الحرمة غير مختصة بالأكل.
فصل في تقسيم الرِّبا
الرِّبا قسمان : ربا النَّسيئة، وربا الفضل.
أمَّا ربا النسيئة، فهو الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهليَّة، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلَّ شهرٍ قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حلَّ الدَّين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا(٨) في الحقِّ والأجل، فهذا هو الرِّبا الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية.
وأمَّا " ربا الفضل " فهو أن يباع منٌّ من الحنطة بمنوين منها، أو ما أشبه ذلك.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان لا يحرِّم إلاَّ القسم الأول، فكان يقول لا ربا إلاَّ في النَّسيئة، وكان يجوِّز ربا الفضل ؛ فقال له أبو سعيدٍ الخدريّ : أشهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله - ﷺ - ما لم نسمع ! ثمَّ روى له الحديث المشهور في هذا الباب، ثم قال أبو سعيدٍ : لا أواني وإيَّاك ظلُّ بيتٍ، ما دمت على هذا.
ثمَّ روي أنه رجع عنه.
قال محمد بن سيرين : كنَّا في بيتٍ، ومعنا عكرمة، فقال رجلٌ : يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلانٍ، ومعنا ابن عباس فقال : إنما كنت استحللت الصرف برأيي، ثم بلغني أنَّ رسول الله - ﷺ - حرَّمه، فاشهدوا أنِّي حرمته، وبرئت منه إلى الله.
وحجَّة ابن عباس أنَّ قوله :﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ يتناول بيع الدرهم بالدِّرهمين نقداً ؛ وقوله :﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [ لا يتناوله ؛ لأن الرِّبا عبارةٌ عن الزيادة، وليست كلُّ زيادةٍ محرمةً ؛ بل قوله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(٩) ] إنما يتناول العقد المخصوص المسمَّى فيما بينهم رباً، وذلك هو ربا النَّسيئة، فكان ذلك مخصوصاً بالنَّسيئة ؛ فثبت أنَّ قوله ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ يتناول ربا الفضل، وقوله :﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ لا يتناوله ؛ فوجب أن يبقى على الحلِّ ولا يمكنه أن يقال إنما يحرمه بالحديث ؛ لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد، وهو غير جائزٍ وهذا هو عرف ابن عباسٍ، وحقيقته راجعةٌ إلى أنَّ تخصيص القرآن بخبر الواحد : هل يجوز أم لا ؟
وأمَّا جمهور العلماء، فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أمَّا القسم الأوَّل، ربا النَّسيئة فبالقرآن، وأمَّا ربا الفضل، فبالخبر، ثم إن الخبر دلَّ على حرمة ربا الفضل في الأشياء الستة، ثم اختلفوا. فقال جمهور الفقهاء(١٠) : حرمة ربا الفضل غير مقصورةٍ على هذه النسيئة ؛ بل ثابتةٌ في غيرها بالعلَّة الجامعة وقال نفاةُ القياس : بل الحرمة مقصورة عليها.
فصل في سبب تحريم الربا
ذكروا في سبب تحريم الرِّبا وجوهاً :
أحدها : أنه يُفضي إلى أخد الإنسان مال غيره من غير عوضٍ ؛ لأنه إذا باع الدِّرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئةً، فقد حصل له زيادة درهم من غير عوض ومال الإنسان له حرمةٌ عظيمةٌ، قال - ﷺ - :" حُرْمَةُ مَالِ المسلمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ(١١) " ؛ فكان أخذ ماله بغير عوض محرَّماً.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكونَ لبقاء رأس المال في يده مدَّةً مديدةً عوضاً عن الدِّرهم الزَّائد ؟ لأنَّ رأس المال لو بقي في يد مالكه، لتمكّن من التجارة به، والربح، فلمَّا تركه في يد المديون، وانتفع المديون به، لم يبعد أن يدفع إلى ربِّ المال ذلك الدرهم الزَّائد ؛ عوضاً عن انتفاعه بماله.
فالجواب أنَّ هذا الانتفاع المذكور أمرٌ موهومٌ قد يحصل له منه كسبٌ، وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمرٌ متيقنٌ فتفويت المتيقن لأجل أمر موهوم، لا ينفكُّ عن نوع ضرر.
وثانيها : أنَّ الرِّبا يمنع النَّاس عن الاشتغال بالمكاسب ؛ لأنه إذا حصّل الدرهم بالربا، فلا يكاد يحتمل مشقَّة التَّكسُّب بالتجارة، والصناعة، فيفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أنَّ [ مصالح العالم ](١٢) لا تنتظم إلاَّ بالتجارات، والعمارات، والحرف، والصِّناعات.
وثالثها : أنَّ الربا يفضي(١٣) إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض ؛ لأن الرِّبا إذا حرم، طابت النفوس بقرض الدرهم، واسترجاع مثله، ولو حلَّ الربا، لكانت حاجة المحتاج تحمله حاجته على أخذ الدرهم بالدرهمين، فيفضي ذلك إلى قطع المواساة، والمعروف، والإحسان.
ورابعها : أنَّ الغالب أنَّ المقرض يكون غنيّاً، والمستقرض يكون فقيراً، فالقول بتجويز الرِّبا تمكينٌ للغني من أن يأخذ من الفقير الضَّعيف مالاً زائداً(١٤)، وهو غير جائزٍ برحمة الرَّحيم.
وخامسها : أنَّه غير معقولٍ المعنى.
قوله :" لاَ يَقُومُونَ " الظَّاهر أنَّها خبر الموصول المتقدِّم، وقال بعضهم : إنها حالٌ، وهو سهوٌ، وقد يتكلَّف تصحيحه بأن يضمر الخبر ؛ كقراءة من قرأ ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] ؛ وقوله :[ الطويل ]
| . . . لاَ أَنَا بَاغِيَا | . . . (١٥) |
والمراد القيام يوم القيامة أو من القبور.
قوله :﴿إِلاَّ كَمَا يَقُومُ﴾ فيه الوجهان المشهوران وهما :
النصب على النعت ؛ لمصدر محذوف، أي : لا يقومون إلا قياماً مثل قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو المشهور عند المعربين.
أو النصب على الحال من ضمير ذلك المصدر المقدَّر، أي : لا يقومونه، أي : القيام إلاَّ مشبهاً قيام الذي يتخبطه الشيطان، وهو رأي سيبويه(١٦)، وقد قدَّمت تحقيقهما.
و " ما " الظاهر أنها مصدريةٌ، أي : كقيام. وجوَّز بعضهم أن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، والتقدير : إلا كالقيام الذي يقومه الذي يتخبَّطه الشيطان، وهو بعيدٌ.
و " يتخبَّطه " يتفعَّله، وهو بمعنى المجرد أي يخبطه ؛ فهو مثل : تعدَّى الشيء وعداه فهو تفعَّل بمعنى فعل، نحو تقسَّمه : بمعنى قسمه، وتقطَّعه : بمعنى قطعه. ومعنى ذلك مأخوذٌ من خبط البعير بأخفافه : إذا ضرب بها الأرض. ويقال : فلانٌ يخبط خبط عشواء ؛ قال علقمة :[ الطويل ]
| وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ | فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ(١٧) |
| رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ | تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِئ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ(١٨) |
قوله :" مِنَ الْمَسِّ " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه متعلقٌ بيتخبَّطه من جهة الجنون، فيكون في موضع نصبٍ، قاله أبو البقاء(١٩).
الثاني : أنه يتعلَّق بقوله تبارك وتعالى :﴿لاَ يَقُومُونَ﴾، أي : لا يقومون من المسِّ الذي بهم، إلا كما يقوم المصروع.
الثالث : أنه يتعلَّق بقوله :" يَقومُ "، أي : كما يقوم المصروع من جنونه ؛ ذكر هذين الوجهين الأخيرين الزمخشريُّ.
قال أبو حيَّان(٢٠) : وكان قدَّم في شرح المسِّ أنه الجنون، وهذا الذي ذهب إليه في تعلُّق " مِنَ المَسِّ " بقوله :" لاَ يَقُومُونَ " ضعيفٌ ؛ لوجهين :
أحدهما(٢١) : أنه قد شرح المسَّ بالجنون، قلت : وهو بابٌ في البلاغة مشهورٌ، وهو أعلى رتب التشبيه ؛ ومنه قوله :[ الطويل ]
| وَرَمْلٍ كَأَوْرَاكِ العَذَارَى قَطَعْتُهُ | . . . (٢٢) |
فصل في دفع شبهة في تحليل الرِّبا
القوم كانوا في تحليل الرِّبا على هذه الشُّبه
١ - تقدم..
٢ - تقدم..
٣ - ينظر: ديوانه (٨٠)، الدر المصون ١/٦٦٠..
٤ - انظر: الشواذ ١٧، والبحر المحيط/ ٢/٣٤٦، والدر المصون ١/٦٦٠..
٥ - ينظر: المصدر السابق..
٦ - البيت لمالك بن خالد (أو خويلد) الخناعي ينظر شرح أشعار الهذليين ١/٤٤٢، ولسان العرب (عرس)، ولمالك بن خالد أو لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ١/٢٢٦، وشرح شواهد الإيضاح ٦٩، وشرح المفصل ٤/١٢٣، ٥/٣٥، والدر المصون ١/٦٦٠..
٧ - أخرجه مسلم كتاب المساقاة باب لعن الله آكل الربا وموكله رقم (١٥٩٧) وأبو داود (البيوع باب ٤) والترمذي (١٢٠٦) وابن ماجه (٢٢٧٧) والنسائي (٨/١٤٧) والبيهقي (٥/٢٨٥) وابن حبان (١١٢) والبغوي في "شرح السنة" (٨/٥٤) والخطيب (١١/٤٢٣)..
٨ - في ب: فلا يصبر عليه إلا إذا زاد..
٩ - سقط في ب..
١٠ - في ب: العلماء..
١١ - أخرجه البزار (١٣٧٢-كشف) وأبو نعيم في "الحلية" (٧/٣٣٤) والدارقطني (٣/٢٦).
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٤/١٧٢) وقال: رواه البزار وأبو يعلى وفيه محمد بن دينار وثقه ابن حبان وجماعة وضعفه جماعة وبقية رجال أبي يعلى ثقات ورجال البزار فيهم عمرو بن عثمان الكلابي وثقه ابن حبان وقال الأزدي: متروك..
١٢ - في ب: منافع الخلق..
١٣ - في ب: يؤدي..
١٤ - في ب: ما لا بد..
١٥ - تقدم برقم (٤٢٠)..
١٦ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١١٦..
١٧ - البيت لعلقمة الفحل ينظر ديوانه ص ٤٨، والكتاب ٤/٤٧١، وشرح أبيات سيبويه ٢/٤٠٠، وشرح المفصل ٥/٤٨، ١٠/١٥١، ولسان العرب (جنب)، (شأس)، (خبط)، ومجالس ثعلب ص ٩٧، وسر صناعة الإعراب ص ٢١٩، والممتع في التصريف ص ٣٦١، والمنصف ٢/٣٣٢..
١٨ - ينظر ديوانه (٢٩) الشنقيطي (٨٦) الدر المصون ١/٦٦١..
١٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٢٠ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٤٨..
٢١ - ذكره الوجه الأول ولم يذكر الوجه الثاني..
٢٢ - صدر بيت لذي الرمة وعجزه:
إذا جللته المظلمات الحنادس
ينظر ديوانه ١١٣١، الخصائص ١/٣٠٠، الدر المصون ١/٦٦٣..
٢ - تقدم..
٣ - ينظر: ديوانه (٨٠)، الدر المصون ١/٦٦٠..
٤ - انظر: الشواذ ١٧، والبحر المحيط/ ٢/٣٤٦، والدر المصون ١/٦٦٠..
٥ - ينظر: المصدر السابق..
٦ - البيت لمالك بن خالد (أو خويلد) الخناعي ينظر شرح أشعار الهذليين ١/٤٤٢، ولسان العرب (عرس)، ولمالك بن خالد أو لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ١/٢٢٦، وشرح شواهد الإيضاح ٦٩، وشرح المفصل ٤/١٢٣، ٥/٣٥، والدر المصون ١/٦٦٠..
٧ - أخرجه مسلم كتاب المساقاة باب لعن الله آكل الربا وموكله رقم (١٥٩٧) وأبو داود (البيوع باب ٤) والترمذي (١٢٠٦) وابن ماجه (٢٢٧٧) والنسائي (٨/١٤٧) والبيهقي (٥/٢٨٥) وابن حبان (١١٢) والبغوي في "شرح السنة" (٨/٥٤) والخطيب (١١/٤٢٣)..
٨ - في ب: فلا يصبر عليه إلا إذا زاد..
٩ - سقط في ب..
١٠ - في ب: العلماء..
١١ - أخرجه البزار (١٣٧٢-كشف) وأبو نعيم في "الحلية" (٧/٣٣٤) والدارقطني (٣/٢٦).
وذكره الهيثمي في "المجمع" (٤/١٧٢) وقال: رواه البزار وأبو يعلى وفيه محمد بن دينار وثقه ابن حبان وجماعة وضعفه جماعة وبقية رجال أبي يعلى ثقات ورجال البزار فيهم عمرو بن عثمان الكلابي وثقه ابن حبان وقال الأزدي: متروك..
١٢ - في ب: منافع الخلق..
١٣ - في ب: يؤدي..
١٤ - في ب: ما لا بد..
١٥ - تقدم برقم (٤٢٠)..
١٦ - ينظر: الكتاب لسيبويه ١/١١٦..
١٧ - البيت لعلقمة الفحل ينظر ديوانه ص ٤٨، والكتاب ٤/٤٧١، وشرح أبيات سيبويه ٢/٤٠٠، وشرح المفصل ٥/٤٨، ١٠/١٥١، ولسان العرب (جنب)، (شأس)، (خبط)، ومجالس ثعلب ص ٩٧، وسر صناعة الإعراب ص ٢١٩، والممتع في التصريف ص ٣٦١، والمنصف ٢/٣٣٢..
١٨ - ينظر ديوانه (٢٩) الشنقيطي (٨٦) الدر المصون ١/٦٦١..
١٩ - ينظر: الإملاء لأبي البقاء ١/١١٦..
٢٠ - ينظر: البحر المحيط ٢/٣٤٨..
٢١ - ذكره الوجه الأول ولم يذكر الوجه الثاني..
٢٢ - صدر بيت لذي الرمة وعجزه:
إذا جللته المظلمات الحنادس
ينظر ديوانه ١١٣١، الخصائص ١/٣٠٠، الدر المصون ١/٦٦٣..