مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
اعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد، وذلك لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه، فكانا متضادين، ولهذا قال الله تعالى :﴿يمحق الله الربا ويربى الصدقات﴾ فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا.
أما قوله ﴿الذين يأكلون الربا﴾ فالمراد الذين يعاملون به، وخص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال :﴿الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ [النساء: ١٠] وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] وأيضا فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل، إنما يصرف في المأكول فيؤكل، والمراد التصرف فيه، فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد، وأيضا فقد ثبت أنه ﷺ :" لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له " فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل، وأيضا فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس، أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا، وأما الربا ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال : ربا الشيء يربو ومنه قوله ﴿اهتزت وربت﴾ [الحج: ٥] أي زادت، وأربى الرجل إذا عامل في الربا، ومنه الحديث " من أجبى فقد أربى " أي عامل بالربا، والإجباء بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، هذا معنى الربا في اللغة.
المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي ﴿الربا﴾ بالإمالة لمكان كسرة الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو، وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء، قال صاحب «الكشاف » : الربا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع.
المسألة الثالثة : اعلم أن الربا قسمان : ربا النسيئة، وربا الفضل.
أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به.
وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك.
إذا عرفت هذا فنقول : المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول فكان يقول : لا ربا إلا في النسيئة، وكان يجوز بالنقد، فقال له أبو سعيد الخدري : شهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله ﷺ ما لم تسمع ثم روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين : كنا في بيت ومعنا عكرمة، فقال رجل : يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس، فقال : إنما كنت استحللت التصرف برأيي، ثم بلغني أنه ﷺ حرمه، فاشهدوا أني حرمته وبرئت منه إلى الله، وحجة ابن عباس أن قوله ﴿وأحل الله البيع﴾ يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقدا، وقوله ﴿وحرم الربا﴾ لا يتناوله لأن الربا عبارة عن الزيادة، وليست كل زيادة محرمة، بل قوله ﴿وحرم الربا﴾ إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما بينهم بأنه ربا. وذلك هو ربا النسيئة، فكان قوله ﴿وحرم الربا﴾ مخصوصا بالنسيئة، فثبت أن قوله ﴿وأحل الله البيع﴾ يتناول ربا النقد، وقوله ﴿وحرم الربا﴾ لا يتناوله، فوجب أن يبقى على الحل، ولا يمكن أن يقال : إنما يحرمه بالحديث، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز، وهذا هو عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم لا ؟
وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أما القسم الأول فبالقرآن، وأما ربا النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة، ثم اختلفوا فقال عامة الفقهاء : حرمة التفاضل غير مقصورة على هذه الستة، بل ثابتة في غيرها، وقال نفاة القياس : بل الحرمة مقصورة عليها وحجة هؤلاء من وجوه :
الحجة الأولى : أن الشارع خص من المكيلات والمطعومات والأقوات أشياء أربعة، فلو كان الحكم ثابتا في كل المكيلات أو في كل المطعومات لقال : لا تبيعوا المكيل بالمكيل متفاضلا، أو قال : لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم متفاضلا، فإن هذا الكلام يكون أشد اختصارا، وأكثر فائدة، فلما لم يقل ذلك بل عد الأربعة، علمنا أن حكم الحرمة مقصور عليها فقط.
الحجة الثانية : أنا بينا في قوله تعالى :﴿وأحل الله البيع﴾ يقتضي حل ربا النقد فأنتم أخرجتم ربا النقد من تحت هذا العموم بخبر الواحد في الأشياء الستة، ثم أثبتم الحرمة في غيرها بالقياس عليها، فكان هذا تخصيصا لعموم نص القرآن في الأشياء الستة بخبر الواحد، وفي غيرها بالقياس على الأشياء الستة، ثبت الحكم فيها بخبر الواحد، ومثل هذا القياس يكون أضعف بكثير من خبر الواحد، وخبر الواحد أضعف من ظاهر القرآن، فكان هذا ترجيحا للأضعف على الأقوى، وإنه غير جائز.
الحجة الثالثة : أن التعدية من محل النص إلى غير محل النص، لا تمكن إلا بواسطة تعليل الحكم في مورد النص، وذلك غير جائز، أما أولا : فلأنه يقتضي تعليل حكم الله، وذلك محال على ما ثبت في الأصول، وأما ثانيا : فلأن الحكم في مورد النص معلوم، واللغة مظنونة وربط المعلوم بالمظنون غير جائز، وأما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة ربا النقد غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل هي ثابتة في غيرها، ثم من المعلوم أنه لا يمكن تعدية الحكم عن محل النص إلى غير محل النص إلا بتعليل الحكم الثابت في محل النص بعلة حاصلة في غير محل النص فلهذا المعنى اختلفوا في العلة على مذاهب.
فالقول الأول : وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن العلة في حرمة الربا الطعم في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس، وفي الذهب والفضة النقدية.
والقول الثاني : قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أن كل ما كان مقدرا ففيه الربا، والعلة في الدراهم والدنانير الوزن، وفي الأشياء الأربعة الكيل واتحاد الجنس.
والقول الثالث : قول مالك رضي الله عنه أن العلة هو القوت أو ما يصلح به القوت، وهو الملح.
والقول الرابع : وهو قول عبد الملك بن الماجشون : أن كل ما ينتفع به ففيه الربا، فهذا ضبط مذاهب الناس في حكم الربا، والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير.
المسألة الرابعة : ذكروا في سبب تحريم الربا وجوها أحدها : الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة، قال ﷺ :« حرمة مال الإنسان كحرمة دمه » فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرما.
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضا عن الدرهم الزائد، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحا فلما تركه في يد المديون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد عوضا عن انتفاعه بماله.
قلنا : إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر وثانيها : قال بعضهم : الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات وثالثها : قيل : السبب في تحريم عقد الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، لأن الربا إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان ورابعها : هو أن الغالب أن المقرض يكون غنيا، والمستقرض يكون فقيرا، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغنى من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالا زائدا، وذلك غير جائز برحمة الرحيم وخامسها : أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد الربا، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه.
أما قوله تعالى :﴿لا يقومون﴾ فأكثر المفسرين قالوا : المراد منه القيام يوم القيامة، وقال بعضهم : المراد منه القيام من القبر، واعلم أنه لا منافاة بين الوجهين، فوجب حمل اللفظ عليهما.
أما قوله تعالى :﴿إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : التخبط معناه الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه : إنه يخبط خبط عشواء، وخبط البعير للأرض بأخفافه، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون لأنه كالضرب على غير الاستواء في الادهاش، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل خبطة، ويقال : به خبطة من جنون، والمس الجنون، يقال : مس الرجل فهو ممسوس وبه مس، وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مسا، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط بالرجل والمس باليد، ثم فيه سؤالان :
السؤال الأول : التخبط تفعل، فكيف يكون متعديا ؟.
الجواب : تفعل بمعنى فعل كثير، نحو تقسمه بمعنى قسمه، وتقطعه بمعنى قطعه.
السؤال الثاني : بم تعلق قوله ﴿من المس﴾.
قلنا : فيه وجهان أحدهما : بقوله ﴿لا يقومون﴾ والتقدير : لا يقومون من المس الذي لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان والثاني : أنه متعلق بقوله ﴿يقوم﴾ والتقدير لا يقومون إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس.
المسألة الثانية : قال الجبائي : الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل، لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم ويدل عليه وجوه :
أحدها : قوله تعالى حكاية عن الشيطان ﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ [إبراهيم: ٢٢] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء والثاني : الشيطان إما أن يقال : إنه كثيف الجسم، أو يقال : إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بح

تفسير هذه الآية من كتب أخرى