اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :" الَّذِينَ يَنْقُضُونَ " فيه أربعة وجوه :
أحدها : أَنُ يكون نعتاً ل " الفاسقين ".
والثاني : أَنَّهُ منصوبٌ على الذَّمِّ.
والثالث : أَنَّهُ مرفوعٌ بالابتداء، وخبره الجملة من قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
والرابع : أَنَّهُ خبر لمبتدأ محذوف أي : هم الفاسقون. والعهدُ(١) في كلامهم على(٢) معانٍ :
منها الوصيَّةُ والضَّمان، والاكتفاء، والأمر.
و " مِنْ بَعْدِ " متعلِّق ب " ينقضون "، و " من " لابتداء الغاية، وقيل : زائدة، وليس بشيء. والضميرُ في ميثاقه يجوز أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله تعالى، فهو على الأوّل مصدرٌ مضاف إلى المفعول، وعلى الثَّاني مضافٌ للفاعل.
و " الميثاقُ " العَهْدُ المؤكَّدُ باليمين مِفْعَال الوثاقةِ والمعاهدةِ، والجمع : المواثيق على الأصل ؛ لأن أصل مِيِثَاق : مِوْثَاق، صارت " الواو " " ياء " ؛ لانكسار ما قبلها وهو مصدرٌ ك " الميلاد " و " المِيعَاد " بمعنى الولادة، والوعد ؛ وقال ابن عطية(٣) : هو اسْمٌ في وضع المصدر ؛ كقوله :[ الوافر ]
أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوتِ عَنِّيوَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا(٤)
أي : إِعْطَائِكَ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمادة تَدُلُّ على الشَّدِّ والرَبْطِ، وجمعه مَوَاثِيق، ومَيَاثِق، أيضاً، ومَيَاثيق ؛ وأنشد ابن الأعرابيِّ :[ الطويل ]
حِمًى لاَ يَحُلُّ الدَّهْرُ إلاَّ بإِذْنِنَاوَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيَاثِقِ(٥)
والمَوْثِق : المِيثَاق والمُواثَقَة والمُعَاهَدَة ؛ ومنه قوله تعالى :﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ﴾ [المائدة: ٧].
فَصْلٌ في النقض
النقضُ إفسادُ ما أبرمته من بناءٍ أو حبل أو عهد، والرجوع به إلى الحالة الأولى.
والنقاضة : ما نُقِضَ من حبل الشعر، والمُنَاقضةُ في القولِ : أَنْ يتكَلَّمَ بما يناقض معناه، والنَّقيضةُ في الشّعر ما ينقضُ به.
والنِّقض : المَنْقُوض، واختلف النَّاسُ في هذا العَهْدِ، فقيل : هو الذي أخذه اللهُ على بني آدم - عليه السَّلام - حين استخرجهم من ظهره.
قال المتكلمون :" هذا ساقطٌ " ؛ لأنَّه - تعالى - لا يحتج على العبادِ بعهد وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بالسَّهْوِ والنسيان وقيل : هو وصيَّةُ اللهِ - تعالى - إلى خلقه، وأمره إياهم بها أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل : بل نَصبَ الأدلّة على وحدانيته بالسماوات، والأرضِ، وسائر الصنعة، وهو بمنزلة العَهْدِ، ونقضهم ترك النَّظَر في ذلك.
وقيل : هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوَّة محمد عليه السَّلام، ولا يكتموا أمره، فالآية على هذا في أَهْل الكتاب.
وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج : عهده جَلَّ وعَزَّ ما أخذه على النَّبيين ومَنْ تبعهم، ألاَّ يَكْفُرُوا بالنبي - ﷺ - ودليلُ ذلك :﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾ إلى قوله :﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أي : عهدي.
قوله :﴿وَيَقْطَعُونَ﴾ عطف على ﴿يَنْقُضُونَ﴾ فهي صلة أيضاً، و " ما " موصولة، و﴿أَمَرَ اللهُ به﴾ صلتها وعائدها.
وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرةً موصوفةً، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير عليها إلاَّ عند أبي الحَسَن وابن السراج وهي مفعولة ب " يَقْطَعُونَ " والقطع معروف، والمصدر - في الرّحم - القطيعة، يقال : قطع رحمه قطيعة فهو رجل قُطَعٌ وَقُطَعَةٌ، مثل " هُمَزَة "، وقَطَعْتُ الحبل قَطْعاً، وقطعت النهر قُطُوعاً، وقَطَعَت الطير قُطُوعاً، وقُطَاعاً، وقِطَاعاً إذا خرجت من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ.
وأصاب الناسَ قُطْعَةٌ : إذا قلت مياههم، ورجل به قُطْعٌ أي انبهار.
قوله :﴿مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ " ما " في موضع نصب ب " يقطعون " و " أَنْ يُوصلَ " فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : الجر على البدل من الضمير في " بِهِ " أي ما أمر الله بِوَصْلِهِ ؛ كقول امرئ القيس :[ الطويل ]
أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُفَتَقْصُرُ عَنْهَا خُطْوَةٌ أَوْ تَبُوصُ(٦)
أي : أمِنْ نَأْيِهَا.
والنصب وفيه وجهان :
أحدهما : أنه بدل من " مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ " بدل اشتمال.
والثاني : أنه مفعول من أجله، فقدره المَهْدوِيّ : كراهية أن يوصل، وقدره غيره : ألا يوصل.
والرفع على أنه خبر مبتدأ [ مضمر ](٧) أي : هو أن يوصل، وهذا بعيداً جداً، وإن كان أبو البقاء ذكره.
واختلف في الشيء الذي أمر بوصله فقيل : صلة الأَرْحام، وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها، وهو كقوله تعالى :﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - ﷺ - من القرابة، وعلى هذا فالآية خاصة.
وقيل : أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا، ولم يعملوا. وقيل : أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب بعضهم. وقيل : الإشارة إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله - تعالى - به أن يوصل، هذا قول الجمهور.
وقيل : إن الله - تعالى - أمرهم أن يصلوا حَبْلَهُمْ بِحَبْلِ المؤمنين، فانقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفار.
وقيل : إنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن، وهم كانوا مشتغلين بذلك.
و " يُفْسِدُونَ " عطف على الصّلة أيضاً، و " في الأَرْضِ " متعلق به.
والأظهر أن يراد به الفساد في الأرض الذي يتعدى دون ما يقف عليهم.
وقيل : يعبدون غير الله، ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، ثم إنه - تعالى - أخبر أن من فعل هذه الأَفَاعيل خسر فقال :" أُولِئَكَ هُمُ الخَاسِرُونَ " كقوله :﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[البقرة: ٥]، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون هذه الجملة خبر " الذِينَ يَنْقُضُونَ " إذا جعل مبتدأ.
وإن لم يجعل مبتدأ، فهي مستأنفة، فلا مَحلّ لها حينئذ، و " هم " زائدة، ويجوز أن يكون " هم " مبتدأ ثان، و " الخَاسِرُونَ " خبره، والثاني وخبره خبر الأول.
والخاسر : الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز.
والخسران : النقصان، كان في ميزان أو غيره ؛ قال جرير :[ الرجز ]
إِنَّ سَلِيطاً فِي الخَسَارِ إِنَّهْأَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ(٨)
يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم.
قال الجوهري : وخسرت الشيء بالفتح - وأخسرته نقصته.
والخَسَار والخَسَارَة والْخَيْسَرَى : الضَّلال والهلاك. فقيل للهالك : خاسر ؛ لأنه خسر نفسه، وأهله يوم القيامة، ومنع منزله من الجَنّة.

فصل


قال القرطبي : في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الوفاء بالعهد والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله - تعالى - من نقض عهده.
وقد قال :﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام :﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فنهاه عن الغَدْرِ، وذلك لا يكون إلاَّ بنقض العهد، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
١ - في أ: العمل..
٢ - في ب: في..
٣ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١١٣..
٤ - البيت للقطامي ينظر ديوانه: ص ٣٧، وتذكرة النحاة: ص ٤٥٦، وخزانة الأدب: ٨/١٣٦، ١٣٧، والدرر: ٣/٦٢، وشرح التصريح: ٢/٦٤، وشرح شواهد المغني: ٢/٨٤٩، وشرح عمدة الحافظ: ص ٦٩٥، ولسان العرب (عطا)، (رهف)، ومعاهد التنصيص: ١/١٧٩، والمقاصد النحوية: ٣/٥٠٥، والأشباه والنظائر: ٢/٤١١، وأوضح المسالك: ٣/٢١١، وشرح الأشموني: ٢/٣٣٦، وشرح شذورة الذهب: ص ٥٢٨، وشرح ابن عقيل: ص ٤١٤، وهمع الهوامع: ١/١٨٨، ٢/٩٥، والدر المصون: ١/١٦٨..
٥ - البيت لعياض بن درة الطائي ينظر لسان العرب (وثق)؛ والمقاصد النحوية: ٤/٥٣٧، ونوادر أبي زيد: ص ٦٥، وبلا نسبة في إصلاح المنطق: ص ١٣٨، والخصائص: ٣/١٥٧، وشرح الأشموني: ٣/٧١٥، وشرح شافية ابن الحاجب: ١/٢١٠، وشرح شواهد الشافية: ص ٩٥، وشرح المفصل: ٥/١٢٢، الدر المصون: ١/١٦٩..
٦ - ينظر ديوانه: ص ١٧٧، ولسان العرب (قصر)، (بوص)، رصف المباني: ص ٤٣٥، الدر المصون: ١/١٦٩..
٧ - سقط في أ..
٨ - ينظر البيت في ديوانه: (٥٩٨)، القرطبي: (١/٢٤٨)، الطبري: (١/٤١٧)، الدر المصون: (١/١٦٨)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى