محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٧ من سورة البقرة في ١١٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٧ من سورة البقرة

١١٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿الّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولََئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
قال أبو جعفر : وهذا وصف من الله جل ذكره الفاسقين الذين أخبر أنه لا يضلّ بالمثل الذي ضربه لأهل النفاق غيرهم، فقال : ومَا يُضِلّ اللّهُ بالمثل الذي يضربه على ما وصف قبل في الآيات المتقدمة إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.
ثم اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم : هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.
وقال آخرون : إنما نزلت هذه الاَيات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وإياهم عنى الله جل ذكره بقوله : إنّ الّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ وبقوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبالْيَوْمِ الآخر فكل ما في هذه الاَيات فعذل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قصصهم. قالوا : فعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه : هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن الناس، بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً.
وقال بعضهم : إن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم. قالوا : ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق.
وقال آخرون : العهد الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله : وَإذْ أخَذَ رَبّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ على أنْفُسِهِمْ الآيتين، ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به.
وأولى الأقوال عندي بالصواب في ذلك، قول من قال : إن هذه الاَيات نزلت في كفار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ، وما قرب منها من بقايا بني إسرائيل، ومن كان على شركه من أهل النفاق الذين قد بينا قصصهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وقد دللنا على أن قول الله جل ثناؤه : إنّ الّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ وقوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبالْيَوْمِ الاَخِرِ فيهم أنزلت، وفيمن كان على مثل الذي هم عليه من الشرك بالله. غير أن هذه الاَيات عندي وإن كانت فيهم نزلت، فإنه معنيّ بها كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الضلال، ومعنيّ بما وافق منها صفة المنافقين خاصةً جميعُ المنافقين، وبما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود جميع من كان لهم نظيرا في كفرهم. وذلك أن الله جل ثناؤه يعمّ أحيانا جميعهم بالصفة لتقديمه ذكر جميعها في أول الاَيات التي ذكرتْ قصصهم، ويخصّ أحيانا بالصفة بعضهم لتفصيله في أول الاَيات بين فريقيهم، أعني فريق المنافقين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بالله، وفريق كفار أحبار اليهود.
فالذين ينقضون عهد الله : هم التاركون ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمد ﷺ وبما جاء به وتبيين نبوّته للناس الكاتمون بيان ذلك بعد علمهم به وبما قد أخذ الله عليهم في ذلك، كما قال الله جل ذكره : وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ الّذِينَ أوتُوا الكِتابَ لَتُبَيّنُنّهُ للنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنبذوهُ وراءَ ظهُورهِمْ ونبذهم ذلك وراء ظهورهم : هو نقضهم العهد الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه، وتَرْكُهم العمل به.
وإنما قلت : إنه عنى بهذه الاَيات من قلت إنه عَنَى بها، لأن الاَيات من ابتداء الاَيات الخمس والستّ من سورة البقرة فيهم نزلت إلى تمام قصصهم، وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانه في قوله : يا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُروا نِعْمَتِي الّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وأوْفُوا بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدِكُمْ وخطابه إياهم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر ما يدلّ على أن قوله : الّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ مقصود به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم.
غير أن الخطاب وإن كان لمن وصفت من الفريقين فداخل في أحكامهم وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذمّ والتوبيخ كل من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي. فمعنى الآية إذا : وما يضلّ به إلا التاركين طاعة الله، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه، الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم في الكتب التي أنزلها إلى رسله وعلى ألسن أنبيائه باتباع أمر رسوله محمد ﷺ وما جاء به، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبا عندهم أنه رسول من عند الله مفترضة طاعته وترك كتمان ذلك لهم. ونَكْثُهم ذلك ونَقْضُهم إياه، هو مخالفتهم الله في عهده إليهم فيما وصفت أنه عهد إليهم بعد إعطائهم ربهم الميثاق بالوفاء بذلك كما وصفهم به جل ذكره بقوله : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتابَ يأخُذونَ عَرَضَ هَذَا الأدنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإنْ يأتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يأخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا على اللّهِ إلاّ الحَقّ.
وأما قوله : مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ : فإنه يعني من بعد توثق الله فيه بأخذ عهوده بالوفاء له بما عهد إليهم في ذلك، غير أن التوثق مصدر من قولك : توثقت من فلان توثّقا، والميثاق اسم منه، والهاء في الميثاق عائدة على اسم الله.
وقد يدخل في حكم هذه الآية كل من كان بالصفة التي وصف الله بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفار في نقض العهد وقطع الرحم والإفساد في الأرض. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله : الّذِينَ يَنْقُضونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ فإياكم ونقض هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضه وأوعد فيه وقدم فيه في آي القرآن حجة وموعظة ونصيحة، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعد في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق، فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليف به لله.
وحدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : الّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ الله بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ فهي ست خلال في أهل النفاق إذا كانت لهم الظّهَرَة أظهروا هذه الخلال الستّ جميعا : إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظّهَرَة أظهروا الخلال الثلاث : إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.

القول في تأويل قوله تعالى : ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ.


قال أبو جعفر : والذي رغب الله في وصله وذمّ على قطعه في هذه الآية : الرحم، وقد بين ذلك في كتابه فقال تعالى : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وتُقَطّعُوا أرْحَامَكُمْ وإنما عنى بالرحم : أهل الرجل الذين جمعتهم وإياه رحم والدة واحدة، وقطع ذلك ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها وأوجب من برّها ووصلها أداء الواجب لها إليها : من حقوق الله التي أوجب لها، والتعطف عليها بما يحقّ التعطف به عليها. و«أن » التي مع «يوصل » في محل خفض بمعنى ردّها على موضع الهاء التي في «به » فكان معنى الكلام : ويقطعون الذي أمر الله بأن يوصل. والهاء التي في «به » هي كناية عن ذكر «أن يوصل ».
وبما قلنا في تأويل قوله : ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ وأنه الرحم كان قتادة يقول :
حدثنا بشر بن معاذ. قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة : وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ فقطع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة.
وقد تأوّل بعضهم ذلك أن الله ذمهم بقطعهم رسول الله ﷺ والمؤمنين به وأرحامهم، واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية، وأن لا دلالة على أنه معنيّ بها : بعض ما أمر الله بوصله دون بعض.
قال أبو جعفر : وهذا مذهب من تأويل الآية غير بعيد من الصواب، ولكن الله جل ثناؤه قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرة تلك، غير أنها وإن كانت كذلك فهي دالة على ذمّ الله كل قاطع قطع ما أمر الله بوصله رحما كانت أو غيرها.

القول في تأويل قوله تعالى : ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ.


قال أبو جعفر : وفسادهم في الأرض هو ما تقدم وَصْفُنَاه قبل من معصيتهم ربهم وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم نبوّته، وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حق من عنده.

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ.


قال أبو جعفر : والخاسرون جمع خاسر، والخاسرون : الناقصون أنفسهم حظوظها بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه. فكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كان إلى رحمته، يقال منه : خَسِرَ الرجل يَخْسَر خَسْرا وخُسْرانا وخَسَارا، كما قال جرير بن عطية :
إنّ سَلِيطا فِي الخسَارِ إنّهْأوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أقِنّهْ
يعني بقوله في الخسار : أي فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم.
وقد قيل : إن معنى أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ : أولئك هم الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية بحرمان الله إياه ما حرمه من رحمته بمعصيته إياه وكفره به. فحمل تأويل الكلام على معناه دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه.
وقال بعضهم في ذلك بما :
حدثت به عن المنجاب. قال : حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل «خاسر »، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
عن داود بن الحُصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس في قوله: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [سورة البقرة: ٥٩]، أي بما بعُدوا عن أمري (١). فمعنى قوله:"وما يُضلّ به إلا الفاسقين"، وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضّلال من أهل النفاق.
* * *

القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾


قال أبو جعفر: وهذا وصف من الله جل ذكره الفاسقين الذين أخبر أنه لا يُضلّ بالمثَل الذي ضربه لأهل النفاق غيرَهم، فقال: وما يُضِلّ الله بالمثل الذي يضربه - على ما وصف قبلُ في الآيات المتقدمة - إلا الفاسقين الذين ينقُضُون عهد الله من بعد ميثاقه.
ثم اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه:-
فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به.
وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وإياهم عَنى الله جل ذكره بقوله:"إنّ الذين كفرُوا سواءٌ عليهم أأنذرتهم"، وبقوله:"ومن الناس مَنْ يَقول آمنَّا بالله وباليوم الآخر". فكل ما في هذه الآيات، فعَذْل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قَصَصهم. قالوا: فعهدُ الله الذي
(١) الخبر: ٥٧١- لم أجده في مكانه من تفسير آية البقرة، ولا في أية آية ذكر فيها هذا الحرف. ولم يخرجه أحد ممن اعتمدنا ذكره. وفي المخطوطة: "من أمري".
نقضوه بعدَ ميثاقه، هو ما أخذه الله عليهم في التوراة - منَ العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بُعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضُهم ذلك، هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علمَ ذلك الناسَ (١)، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا.
وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميعَ أهل الشرك والكفر والنفاق. وعهدُه إلى جميعهم في توحيده: ما وضعَ لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته. وعهدُه إليهم في أمره ونهيه: ما احتجّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدرُ أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدةِ لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك، تركهم الإقرارَ بما قد تبيَّنت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبُهم الرسلَ والكُتُب، مع علمهم أن ما أتوا به حقّ.
وقال آخرون: العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم، الذي وصفه في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) [سورة الأعراف: ١٧٢-١٧٣]. ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به.
وأولى الأقوال عندي بالصواب في ذلك قولُ من قال: إن هذه الآيات نزلت في كفّار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظَهْرَانَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(١) في المطبوعة: "عن الناس"، و"الناس" منصوب، مفعول ثان، للمصدر"كتمانهم". والفعل"كتم" يتعدى إلى مفعول ومفعولين، تقول: كتمت فلانًا سرى، وكتمت عن فلان سرى، وهما سواء.
وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيل، ومن كان على شِركه من أهل النفاق الذين قد بينا قصَصهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وقد دللنا على أن قول الله جل ثناؤه:"إنّ الذين كفروا سواء عليهم"، وقوله:"ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر"، فيهم أنزِلت، وفيمن كان على مثل الذي هم عليه من الشرك بالله. غيرَ أن هذه الآيات عندي، وإن كانت فيهم نزلتْ، فإنه معنيٌّ بها كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الضّلال، ومعنيٌّ بما وافق منها صفة المنافقين خاصّةً، جميعُ المنافقين (١) ؛ وبما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود، جميعُ من كان لهم نظيرًا في كفرهم.
وذلك أن الله جلّ ثناؤه يعم أحيانًا جميعَهم بالصّفة، لتقديمه ذكر جميعهم في أول الآيات التي ذكرتْ قَصَصهم، ويخصّ أحيانا بالصفة بعضَهم، لتفصيله في أول الآيات بين فريقيْهم، أعني: فريقَ المنافقين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بالله، وفريقَ كفار أحبار اليهود. فالذين ينقضون عهدَ الله، هم التاركون ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمد ﷺ وبما جاء به، وتبيين نبوته للناس، الكاتمون بيان ذلك بعدَ علمهم به، وبما قد أخذَ الله عليهم في ذلك، كما قال الله جل ذكره: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) [سورة آل عمران: ١٨٧]، ونبذُهم ذلك وراء ظهورهم، هو نقضُهم العهدَ الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه، وتركُهم العمل به.
وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات من قلتُ إنه عنى بها، لأن الآيات - من مبتدأ الآيات الخمس والست من سورة البقرة (٢) - فيهم نزلتْ، إلى تمام قصصهم.
(١) سياق العبارة: "ومعنى جميع المنافقين، بما وافق منها صفة المنافقين" وعبارة الطبري أعرب.
(٢) في المطبوعة: "من ابتداء الآيات"، وكأنه تغيير من المصححين.
وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانِهِ في قوله (١). (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [سورة البقرة: ٤٠]. وخطابه إياهم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصّة دون سائر البشر (٢) - ما يدل على أن قوله:"الذين ينقضُون عَهدَ الله من بعد ميثاقه" مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غيرَ أنّ الخطاب - وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين - فداخلٌ في أحكامهم، وفيما أوجبَ الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كلّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي.
فمعنى الآية إذًا: وما يُضِلّ به إلا التاركين طاعةَ الله، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه، الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم، في الكتب التي أنزلها إلى رُسله وعلى ألسن أنبيائه، باتباع أمر رسوله محمد ﷺ وما جاء به، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارِهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم أنه رسولٌ من عند الله مفترضةٌ طاعتُه، وترك كتمان ذلك لهم (٣). ونكثُهم ذلك ونقضُهم إياه، هو مخالفتهم الله في عهده إليهم - فيما وصفتُ أنه عهد إليهم - بعد إعطائهم ربهم الميثاقَ بالوفاء بذلك. كما وصفهم به ربنا تعالى ذكره بقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ). [سورة الأعراف: ١٦٩].
(١) في المطبوعة"عن خلق آدم وأبنائه في قوله"، وهو خطأ محض. وقوله"وبيانه"، مجرور معطوف على قوله: "وفي الآية التي بعد الخبر.. " أي، "وفي بيانه في قوله:.. ".
(٢) قوله: "وخطابه" مجرور معطوف على قوله: "وفي الآية.. " و"وبيانه.. " كما أسلفنا في التعليق قبله. وفي المطبوعة: "في ذلك خاصة". ولست بشيء.
(٣) هكذا في الأصول، ولعل الأجود أن يقول: وترك كتمان ذلك عنهم.
وأما قوله:"من بعد ميثاقه"، فإنه يعني: من بعد توَثُّق الله فيه (١)، بأخذ عهوده بالوفاء له، بما عهد إليهم في ذلك (٢). غيرَ أن التوثق مصدر من قولك: توثقت من فلان تَوَثُّقًا، والميثاقُ اسمٌ منه. والهاء في الميثاق عائدة على اسمِ الله.
وقد يدخل في حكم هذه الآية كلّ من كان بالصفة التي وصف الله بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفار، في نقض العهد وقطع الرّحم والإفساد في الأرض.
٥٧٢- كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله:"الذين ينقضُون عهدَ الله من بعد ميثاقه"، فإياكم ونقضَ هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضَه وأوعدَ فيه، وقدّم فيه في آي القرآن حُجة وموعظة ونصيحة، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعدَ في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق. فمن أعطى عهدَ الله وميثاقه من ثمرَة قلبه فَلْيَفِ به لله (٣).
٥٧٣- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله:"الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويَقطعون ما أمرَ الله به أن يُوصَل ويفسدون في الأرض أولئك همُ الخاسرون"، فهي ستُّ خلال في أهل النفاق، إذا كانت لهم الظَّهَرَة، (٤) أظهرُوا هذه الخلال الست
(١) في المطبوعة: "منه" مكان"فيه".
(٢) في المطبوعة والمخطوطة"بما عهد إليه"، وهو خطأ بين.
(٣) الأثر: ٥٧٢- في الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥. وقوله"من ثمرة قلبه"، أي خالص قلبه، مأخوذ من ثمرة الشجرة، لأنها خلاصتها وأطيب ما فيها. وفي حديث المبايعة: "فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه"، أي خالص عهده وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، في المسند: ٦٥٠١، ٦٥٠٣، ٦٧٩٣. ويقال: خصني فلان بثمرة قلبه: أي خالص مودته.
(٤) الظهرة (بثلاث فتحات) : الكثرة، وأراد بها ظهور الأمر والغلبة. ولو أسكنت الهاء، كان صوابًا، من قولهم: ظهرت على فلان: إذا علوته وغلبته.
جميعًا: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وَعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضُوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمرَ اللهُ به أن يوصل، وأفسدُوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظَّهَرَةُ، أظهروا الخلالَ الثلاثَ إذا حدّثوا كذَبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا (١).
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾


قال أبو جعفر: والذي رَغب اللهُ في وَصْله وذمّ على قطعه في هذه الآية: الرحم. وقد بين ذلك في كتابه، فقال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [سورة محمد: ٢٢]. وإنما عَنى بالرّحم، أهل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة. وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من بِرِّها. وَوَصْلُها: أداءُ الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجبَ لها، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها.
"وأن" التي مع"يوصل" في محل خفض، بمعنى رَدِّها على موضع الهاء التي في"به": فكان معنى الكلام (٢) : ويقطعون الذي أمرَ الله بأن يُوصَل. والهاء التي في"به"، هي كناية عن ذكر"أن يوصل". وبما قلنا في تأويل قوله:"ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل"، وأنه الرّحم، كان قتادة يقول:
(١) الأثر: ٥٧٣- في ابن كثير ١: ١٢٠ - ١٢١ عن أبي العالية، ثم قال: "وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا". هذا، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور، والشوكاني خبرًا خرجوه عن ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال: "الحرورية هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، قال: إياكم ونقض هذا الميثاق. وكان يسميهم: الفاسقين" الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥. أما ابن كثير فقد رواه في تفسيره ١: ١١٩ نقلا عن ابن أبي حاتم؛ بإسناده، ولم ينسبه إلى الطبري. وأخشى أن يكون وهمًا من السيوطي والشوكاني.
(٢) في المطبوعة: "وكان معنى الكلام" بالواو.
٥٧٤- حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"ويقطعون ما أمر الله به أنْ يوصَل"، فقطع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة (١).
وقد تأول بعضهم ذلك: أن الله ذمهم بقطعهم رسول الله ﷺ والمؤمنين به وأرحامَهم. واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية، وأن لا دلالة على أنه معنيٌّ بها بعضُ ما أمر الله وصله دون بعض (٢).
قال أبو جعفر: وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب، ولكن الله جل ثناؤه قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرةُ تلك، غير أنها -وإن كانت كذلك- فهي دَالَّةٌ على ذمّ الله كلّ قاطعٍ قطعَ ما أمر الله بوصله، رَحمًا كانتْ أو غيرَها.
* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ﴾


قال أبو جعفر: وفسادُهم في الأرض: هو ما تقدم وَصَفْناه قبلُ من معصيتهم ربَّهم، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم نبوته، وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حقٌّ من عنده.
* * *
(١) الأثر: ٥٧٤- في الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٦ مختصرًا، ونصه هناك: "ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، قال: الرحم والقرابة".
(٢) في المخطوطة: "واستشهد على ذلك عموم ظاهر الآية، ولا دلالة.. ".

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾


قال أبو جعفر: والخاسرون جمع خاسر (١)، والخاسرون: الناقصُون أنفسَهم حظوظَها -بمعصيتهم الله- من رحمته، كما يخسرُ الرجل في تجارته، بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه (٢). فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته. يقال منه: خَسِرَ الرجل يَخْسَرُ خَسْرًا وخُسْرَانا وخَسَارًا، كما قال جرير بن عطية:
إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَارِ إِنَّهُأَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ (٣)
يعني بقوله:"في الخسار"، أي فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم. وقد قيل: إن معنى"أولئك هم الخاسرون": أولئك هم الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية، بحرمان الله إياه ما حرَمه من رحمته، بمعصيته إياه وكفره به. فحمل تأويلَ الكلام على معناه، دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه.
وقال بعضهم في ذلك بما:
٥٧٥- حُدِّثت به عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل"خاسر"، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب.
* * *
(١) في المطبوعة: "جمع الخاسر"، وليست بشيء.
(٢) وضع في البيع يوضع (مبني للمجهول) وضيعة: إذا خسر خسارة من رأس المال.
(٣) ديوانه: ٥٩٨، والنقائض: ٤، واللسان (قنن)، وروايته: "أبناء قوم". وسليط: بطن من بني يربوع قوم جرير، واسم سليط: كعب بن الحارث بن يربوع. وكان غسان ابن ذهيل السليطي هجا بني الخطفي، فهجاه جرير بهذا الرجز. وأقنة جمع قن (بكسر القاف)، والقن: العبد الذي ملك هو وأبواه. والأنثى، قن أيضًا بغير هاء.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال : سألت أبي فقلت : قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى آخر الآية، فقال : هم الحرورية. وهذا الإسناد إن صح عن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، فهو تفسير على المعنى، لا أن(٢٦) الآية أريد منها التنصيص على الخوارج، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل ؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم على(٢٧) طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة : هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب : فسقت الرطبة : إذا خرجت من قشرتها(٢٨) ؛ ولهذا يقال للفأرة : فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد. وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال :" خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم : الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور " (٢٩).
فالفاسق يشمل(٣٠) الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل(٣١) أنه وصفهم بقوله :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد :﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ الآيات، إلى أن قال :﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٥].
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم : هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه، وعلى لسان رسله، ونقضهم(١) ذلك هو تركهم العمل به.
وقال آخرون : بل هي(٢) في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد ﷺ إذا بعث والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك [ عن ](٣) الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا. وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله وقول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون : بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق. وعهده إلى جميعهم في توحيده : ما وضع لهم(٤) من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها(٥) الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا : ونقضهم ذلك : تركهم(٦) الإقرار بما ثبتت لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وروي أيضًا عن مقاتل بن حيان(٧) نحو هذا، وهو حسن، [ وإليه مال الزمخشري، فإنه قال : فإن قلت : فما المراد بعهد الله ؟ قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم وهو معنى قوله :﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] إذ أخذ الميثاق عليهم في الكتب المنزلة عليهم لقوله :﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠](٨).
وقال آخرون : العهد الذي ذكره [ الله ](٩) تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله :﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [ شَهِدْنَا ]﴾(١٠) الآيتين [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] ونقضهم(١١) ذلك تركهم الوفاء به. وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى قوله :﴿الْخَاسِرُونَ﴾ قال : هي ست خصال من(١٢) المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهْرَة(١٣) على الناس أظهروا هذه الخصال : إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظَّهْرَةُ(١٤) عليهم أظهروا الخصال(١٥) الثلاث : إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.
وكذا(١٦) قال الربيع بن أنس أيضًا. وقال السدي في تفسيره بإسناده، قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قال : هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.
وقوله :﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل : المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة كقوله تعالى :﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ورجحه ابن جرير. وقيل : المراد أعم من ذلك فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.
وقال مقاتل بن حيان في قوله :﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال(١٧) في الآخرة، وهذا كما قال تعالى :﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وقال الضحاك عن ابن عباس : كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير في قوله :﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الخاسرون : جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم [ و ](١٨) حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه : خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا، كما قال جرير بن عطية(١٩) :
إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنَّهأولادُ قَومٍ خُلقُوا أقِنَّه(٢٠)
١ في جـ: "وبغضهم"..
٢ في جـ: "هو"..
٣ زيادة من جـ، ط..
٤ في جـ، ط: "إليهم"..
٥ في و: "بمثله"..
٦ في جـ: "عدم"..
٧ في جـ، ط، أ، و: "بن حيان أيضا"..
٨ زيادة من جـ، ط، أ، و..
٩ زيادة من جـ.
.

١٠ زيادة من جـ..
١١ في جـ: "وبغضهم"..
١٢ في جـ، ط: "في"..
١٣ في جـ: "الظهيرة"..
١٤ في جـ: "الظهيرة"..
١٥ في جـ: "أخفوا هذه الخصال"..
١٦ في جـ: "وقال"..
١٧ في أ: "أي"..
١٨ زيادة من جـ..
١٩ في أ: "خطيئة"..
٢٠ اليت في تفسير الطبري (١/٤١٧).
.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم وصف الفاسقين فقال :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه(١)  والذي بينهم وبين عباده(٢)  الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق، بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه، وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب، وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق(٣)  التي أمر الله أن نصلها.
فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم، معتاضين عنها بالفسق والقطيعة، والعمل بالمعاصي، وهو : الإفساد في الأرض.
ف ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي : من هذه صفته ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم، ليس لهم نوع من الربح، لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان، فمن لا إيمان له لا عمل له، وهذا الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا، وقد يكون معصية، وقد يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى :﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ فهذا عام لكل مخلوق، إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وحقيقة فوات الخير، الذي [ كان ] العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه.
١ - في ب: وبين ربهم..
٢ - في ب: الخلق..
٣ - في ب: "بحقوقهم"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٦ - ٢٧} ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
يقول تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا﴾ أي: أيَّ مثل كان ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا، جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك. فليس في ذلك محل اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر. ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فيتفهمونها، ويتفكرون فيها.
فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال.
ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى (١) فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم; فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.
والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان; كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الآية].
ثم وصف الفاسقين فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه (٢) والذي بينهم وبين عباده (٣) الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق.
-[٤٨]-
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب; وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق (٤) التي أمر الله أن نصلها.
فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم; معتاضين عنها بالفسق والقطيعة; والعمل بالمعاصي; وهو: الإفساد في الأرض.
فـ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي: من هذه صفته ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم; لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم; ليس لهم نوع من الربح؛ لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان; فمن لا إيمان له لا عمل له; وهذا الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا; وقد يكون معصية; وقد يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ فهذا عام لكل مخلوق; إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح; والتواصي بالحق; والتواصي بالصبر; وحقيقة فوات الخير; الذي [كان] العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه.
(١) في ب: ثم ذكر حكمته وعدله في إضلال من يضل.
(٢) في ب: وبين ربهم.
(٣) في ب: الخلق.
(٤) في ب: "بحقوقهم".
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ
الميثاق: العهد موثّق من الوثيقة والنّقض: فكّ تركيب الشيء وردّه إلى ما كان عليه أوّلا، فنقض البناء:هدمه، ونقض المبرم: حلّه. والعهد: الموثوق، وعهد إليه في كذا: وصّاه به ووثقه عليه، والعهد في أبيات العرب له ستة محامل: الوصيّة، والضّمان، والأمر، والالتقاء، والرؤية، والنّزل. وأما الميثاق فالعهد المؤكد باليمين، والميثاق:الوثيقة، كالميعاد بمعنى الوعد والميلاد بمعنى الولادة.
يَقْطَعُونَ
القطع: فصل الشيء عن الشيء بحيث يمكن أن يكون بينهما حاجز غيرهما.
الْخاسِرُونَ
المغبونون لاستبدالهم النّقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح، قال العزيزي : خسروا أنفسهم: غبنوها، انتهى.وقيل: الخسار: النقصان أو الهلاك.

إعراب الآية ٢٧ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

والفاء بمعنى «إلى» أي إلى ما فوقها، ومعنى ضربت له مثلا مثّلت له مثلا وهذه الأبنية على ضرب واحد أي على مثال واحد فَما فَوْقَها عطف على «ما» الأولى، وحكي أنه سمع رؤبة يقرأ إنّ الله لا يستحي أن يضرب مثلا مّا بعوضة «١» بالرفع وهذه لغة تميم، جعل «ما» بمعنى الذي ورفع بعوضة على إضمار ابتداء والحذف في «ما» أقبح منه في الذي لأن الذي إنّما له وجه واحد والاسم معه أطول. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا «الذين» :
رفع بالابتداء وخبره ما بعد الفاء فلا بدّ من الفاء في جواب أَمَّا لأن فيها معنى الشرط أي مهما يكن من شيء فالأمر كذا. فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ «أنّ» في موضع نصب بيعلمون والهاء اسمها والحق خبرها. مِنْ رَبِّهِمْ خفض بمن. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ولغة تميم وبني عامر «أيما» يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] ١١-
رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضتفيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر «٢»
فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا إن شئت جعلت «ما» و «ذا» شيئا واحدا في موضع نصب بأراد. قال ابن كيسان: وهو أجود وإن شئت جعلت «ما» اسما تاما في موضع رفع بالابتداء و «ذا» بمعنى الذي هو خبر الابتداء، ويكون التقدير: ما الذي أراد الله بهذا مثلا. قال أحمد بن يحيى ثعلب: «مثلا» منصوب على القطع وقال ابن كيسان: هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال. يُضِلُّ فعل مستقبل.
كَثِيراً مفعول به. وَيَهْدِي أسكنت الياء فيه استثقالا للجمع بينها وبين ياء وكسرة. وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ بوقوع الفعل عليهم، والتقدير وما يضلّ به أحدا إلّا الفاسقين، ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلّا بعد تمام الكلام.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٧]

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)
الَّذِينَ: في موضع نصب على النعت للفاسقين وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف أي هم الذين. يَنْقُضُونَ فعل مستقبل والمضمر الذي فيه
(١) انظر مختصر ابن خالويه ٤، والبحر المحيط ١/ ٢٦٦.
(٢) الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص ٩٤، والأزهية ص ١٤٨، والأغاني ١/ ٨١، وخزانة الأدب ٥/ ٣١٥، والدرر ٥/ ١٠٨، وشرح شواهد المغني ص ١٧٤، والمحتسب ١/ ٢٨٤، ومغني اللبيب ١/ ٥٥، وبلا نسبة في تذكرة النحاة ص ١٢٠، والجنى الداني ص ٥٢٧، ورصف المباني ص ٩٩، وشرح الأشموني ٣/ ٦٠٨، وهمع الهوامع ٢/ ٦٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

آيات مشابهة للآية ٢٧ من سورة البقرة

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٧ من سورة البقرة

١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٠ قولًا
١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿أولئك هم الخاسرون﴾، يقول: هم أهل النار١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٢ (٢٩٩) من رواية محمد بن مزاحم، عن بكير، وأخرجه ١‏/‏٧٢ (٢٩٨) من رواية الوليد عن بكير، بلفظ: في الآخرة. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾، قال: هو ما عَهِد عليهم في القرآن، فأقَرُّوا به، ثم كفروا، فنَقَضُوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧١. وعزا السيوطي آخره إلى ابن جرير من قول ابن مسعود وناس من الصحابة.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ فنقضوا العهد الأول، ونقضوا ما أخذ عليهم في التوراة -أن يعبدوا الله، ولا يُشْرِكوا به شيئًا، وأن يؤمنوا بالنبي ﷺ-، وكفروا بعيسى وبمحمد عليهما السلام، وآمنوا ببعض الأنبياء، وكفروا ببعض١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
٤
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿الذين ينقضون عهد الله﴾ يعني: ميثاقه الأول الذي أخذ عليهم أن يعبدوه ولا يُشْرِكوا، ﴿من بعد ميثاقه﴾ في التوراة أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، ويُصَدِّقُوه. فكفروا، ونَقَضُوا الميثاقَ الأول١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧١.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ عطية (١/١٥٩) على قولٍ مشابهٍ لهذا، واستبعدَه لدلالة السّياق، بقوله: «فالآية على هذا في أهل الكتاب، وظاهر ما قبلُ وبعدُ أنّها في جميع الكفار».
٥
عن يحيى بن سلّام: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾، قال: هو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وتفسيره في سورة الأعراف١٢
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٣٠. وآخر كلامه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ (١٧٢)﴾.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّحَ ابنُ جرير (١/٤٣٨) بالسياق أن تكون هذه الآية نازلةً في كُفّارِ أحْبارِ أهل الكتاب، والمنافقين منهم، وأن يكون المراد بالعهد ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتِّباع محمد ﷺ إذا بُعِث، والتصديق به، ونقضهم ذلك: هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم عِلْمَ ذلك الناسَ. ويدخل في أحكامهم كلُّ مَن كان على مِثْلِ ما كانوا عليه من الضَّلال، فقال: «وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات مَن قلتُ إنه عنى بها؛ لأن الآيات من ابتداء الآيات الخمس والست من سورة البقرة فيهم نزلت إلى تمام قصصهم، وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانه في قوله: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة:٤٠]، وخطابِه إيّاهم -جَلَّ ذكره- بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر؛ ما يَدُلُّ على أن قوله: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ مقصودٌ به كفارُهم ومنافقوهم ومَن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غير أنّ الخطاب -وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين- فداخل في أحكامهم وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ كُلُّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق، وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي». وحَسَّنَ ابنُ كثير (١/٣٢٩-٣٣٠) أن يكون عُنِي بهذه الآية جميعُ أهل الشرك والكفر والنفاق، وأنّ المراد بالعهد: هو ما وضعه الله لجميع الكُفّار من الأدلة الدّالَّة على ربوبيته، وما احتج به لرسله من المعجزات. ونقضُهم إياه: تركُهم الإقرارَ بما ثبتت لهم صحتُه، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أنّ ما أتوا به حقٌّ. ونقل ابن عطية (١/١٥٩) في معنى العهد أقوالًا أخرى، فقال: «وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد. وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله: أن يوحدوه، وأن لا يعبدوا غيره... وقال قتادة: هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي ﷺ ثم كفر به فنقض العهد».
٦
عن سعد بن أبي وقاص -من طريق ابنه مصعب- قال: الحَرُورِيَّةُ الذين قال الله: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٢.
٧
عن عبد الله بن عباس: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾، يعني: ما أمر الله به من الإيمان بالنبيين كلهم١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٣٠-.
٨
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾، قال: الرَّحِم، والقَرابَة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٤١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٩
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصَل﴾ من الأرحام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٢.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: نظيرها في الرعد [٢٥]: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ من إيمانٍ بمحمد ﷺ، ﴿ويُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
١١
عن مُقاتِل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ في محمد ﷺ، والنبيين والمرسلين من قبله، أن يؤمنوا جميعًا، ولا يُفَرِّقوا بين أحد منهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٤٠) بدلالة القرآن، والنّظائر أنّ الذي رَغّب اللهُ في وصْله، وذَمّ على قطعه في هذه الآية: الرَّحِمُ، فقال: «الذي رَغَّب اللهُ في وصْله، وذمّ على قطعه في هذه الآية: الرَّحِمُ، وقد بَيَّن ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ [محمد: ٢٢]». ثُمَّ حَكى (١/٤٤١) القولَ بالعموم في المراد من القطع، بقوله: «وقد تَأَوَّل بعضُهم ذلك أنّ الله ذَمَّهم بقطعهم رسول الله ﷺ، والمؤمنين به، وأرحامَهم، واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية، وأَن لا دلالة على أنه مَعْنِيٌّ بها بعض ما أمر الله بوصله دون بعض. وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب، ولكن الله -جَلَّ ثناؤه- قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرة تلك، غير أنها وإن كانت كذلك فهي دالَّةٌ على ذَمِّ اللهِ كُلَّ قاطعٍ قطع ما أمر الله بوصله رَحِمًا كانت أو غيرها». ورَجَّحَ ابنُ عطية (١/١٥٩-١٦٠ بتصرف) العمومَ في الآية، فقال: «قال جمهور أهل العلم: الإشارة في هذه الآية إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده. وهذا هو الحقُّ، والرَّحِمُ جزءٌ من هذا».
١٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿ويفسدون في الأرض﴾، قال: يعملون فيها بالمعصية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٢.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾، يعني: ويعملون فيها بالمعاصي١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
١٤
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله: ﴿ويفسدون في الأرض﴾، قال: أعمالهم السيئة التي يعملون بها في الأرض١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٢ (٢٩٧).
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: كُلُّ شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم -مثل: خاسِر، ومُسْرِف، وظالِم، وفاسِق- فإنما يعني به: الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به: الذَّنب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٤٢. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
١٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ يعني: ويعملون فيها بالمعاصي، ﴿أُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ في العقوبة، يعني: اليهود١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
١٧
عن سعد بن أبي وقاص -من طريق ابنه مصعب- قال: الحَرُورِيَّةُ هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين١٢
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري (٤٧٢٨)، وابن جرير ١٥‏/‏٤٢٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧١-٧٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّقَ ابنُ كثير (١/٣٢٨) على قول سعد رضي الله عنهما بقوله: «وهذا الإسناد إن صحَّ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما فهو تفسير على المعنى، لا أنّ الآية أُرِيد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على عليّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سُمُّوا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام».
١٨
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم الخاسرون﴾، قال: هي سِتُّ خِصال في المنافقين، إذا كانت فيهم الظَّهرَة على الناس أظهروا هذه الخصائص: إذا حَدَّثوا كَذَبوا، وإذا وعدوا أخْلَفُوا، وإذا ائْتُمِنُوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يُوصَل، وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت الظَّهرَة عليهم أظهروا الخصال: إذا حَدَّثوا كَذَبُوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائْتُمِنُوا خانوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧١.
١٩
وعن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، نحوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٣٩. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧١.
٢٠
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾، قال: إيّاكم ونقضَ هذا الميثاق، فإن الله قد كَرِه نقضَه، وأَوْعَد فيه، وقدَّم فيه في آيٍ من القرآن تقدمة ونصيحة وموعظة وحجة، ما نعلم اللهَ أوْعَد في ذنب ما أوْعَد في نقض هذا الميثاق، فمَن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فلْيُوفِ به الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٣٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن أنس، قال: خَطَبَنا رسول الله ﷺ، فقال: «ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٩‏/‏٣٧٥-٣٧٦ (١٢٣٨٣)، ٢٠‏/‏٣٢-٣٣ (١٢٥٦٧)، ٢٠‏/‏٤٢٣ (١٣١٩٩)، ٢١‏/‏٢٣١ (١٣٦٣٧)، وابن حبان ١‏/‏٤٢٣ (١٩٤). قال البزار في مسنده ١٣‏/‏٤٣٩ (٧١٩٦): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن النبي ﷺ بهذا اللفظ إلا أنسًا، ولا نعلم له طريقًا عن أنس إلا هذا الطريق، وأبو هلال قد روى عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه، وإن كان غير حافظ». وقال البغوي في شرح السنة ١‏/‏٧٤-٧٥ (٣٨): «هذا حديث حسن». وقال الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ٥‏/‏٧٣-٧٤ (١٦٩٩): «كذا رواه مُؤَمّل، وخالفه حجاج، فرواه عن حماد، عن ثابت وحميد ويونس، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا. قال الدارقطني: والمرسل أصح». وقال الهيثمي في المجمع ١‏/‏٩٦ (٣٤١): «وفيه أبو هلال، وثَّقَه ابنُ معين وغيره، وضَعَّفَه النسائيُّ وغيره».
٢
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «حُسْنُ العَهْد من الإيمان»١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ١‏/‏٦٢ (٤٠). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين؛ فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة، وليس له عِلَّة». ولم يتعقبه الذهبي. وقال ابن حجر في الفتح ١٠‏/‏٤٣٦: «وإسناده ضعيف». وصَحَّحه الألباني في الصحيحة ١‏/‏٤٢٤ (٢١٦).
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٧ من سورة البقرة

٩ وقفات في هذه الآية

  • سورة البقرة (27)

    — محمد الربيعة

  • (الَّذِينَ يَنقُضُونَ) . أول علامات الفسق هو نقض العهد ، والعهد هنا هو عهد الفطرة في التفكير في النافع لهم .

    — محمد متولي الشعراوي

  • (الذين ينقضون عهد الله) كلما رأيت شخصا قد فرط في واجب،أو فعل محرما،فإن ذلك من نقض العهد الذي بينه وبين الله. ابن عثيمين

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • آية (٢٧) : (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) * إن النقض يدل على فسخ ما وصله المرء وركّبه فنقض الحبل يعني حلّ ما أبرمته أما قطع الحبل أي جعله أجزاءً، ونقض الإنسان لعهد ربّه يدلك على عظمة ما أتى به الإنسان من أخذ العهد وتوثيقه ثم حلّ هذا العهد والتخلي عنه فهو أبلغ من القطع لأن فيه إفساداً لما عمله الإنسان بنفسه من ذي قبل.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ (27) البقرة) تأمل قوله تعالى (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) انظر كيف جعل الله تعالى التخلي عن الميثاق والوعد نقضاً. فما سبب اختيار لفظ النقض في هذه الآية؟ إن النقض يدل على فسخ ما وصله المرء وركّبه فنقض الحبل يعني حلّ ما كنت قد أبرمته وقطعك الحبل يعني جعله أجزاءً ونقض الإنسان لعهد ربّه يدلك على عظمة ما أتى به الإنسان من أخذ العهد وتوثيقه ثم حلّ هذا العهد والتخلي عنه فهو أبلغ من القطع لأن فيه إفساداً لما عمله الإنسان بنفسه من ذي قبل.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • *ما وجه الاختلاف بين قوله تعالى(وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿26﴾ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿27﴾ البقرة) - (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿25﴾ الرعد) في قوله تعالى (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿26﴾ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿27﴾ البقرة) تنتهي بقوله (أولئك هم الخاسرون)، نفس الآية في سورة الرعد (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿25﴾ الرعد) هنا تنتهي (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) فلماذا في النقض الأول في البقرة قال أولئك هم الخاسرون والنقض الثاني في الرعد قال أولئك عليهم اللعنة ولهم سوء الدار؟ الخطاب في البقرة لبني إسرائيل وبنو إسرائيل من حقهم بل من واجبهم أن يتّبعوا سيدنا موسى وهم اتبعوا سيدنا موسى إلا أنهم حرّفوا في هذا الدين، المهم أنهم على شريعتهم وعلى ما أوجب الله عليهم من إتباع التوراة وما جاء به سيدنا موسى عليه السلام وعندما حرّفوا حرّفوا ضمن المشروع، ضمن هذا الدين فرب العالمين قال هؤلاء الذين نقضوا الميثاق. والميثاق هو الذي أخذ الله به على البشرية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴿172﴾ الأعراف) الميثاق الذي أخذه الله على كل بني آدم أنني أنا الله لا إله إلا أنا وقالوا بلى، فمن كفر بعد ذلك فقد نقض الميثاق. الميثاق الثاني للأنبياء جميعاً وأممهم أن يؤمنوا بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿81﴾ آل عمران) هذان هما الميثاق، جميع البشرية أخذ الله عليها هذا الميثاق، بعض البشرية حرّفوا ونقضوا هذا الميثاق إما كُلاً أو جزءاً، جزءاً هم بنو إسرائيل ولهذا الله قال أولئك هم الخاسرون نقضوا بعض ما جاء به سيدنا موسى ولم يتبعوه وحرفوه وإلى هذا اليوم هم يتّبعون هذا التحريف والله قال هم خاسرون لأنهم لا يزالوا أتباع سيدنا موسى، هذا في سورة البقرة. في سورة الرعد خطاب للمسلمين المسلمون إذا نقضوا العهد وتركوا الإسلام وحرفوه واتبعوا ما جاء به بنو إسرائيل (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) فانحراف بني إسرائيل جزئي، انحراف المسلم الذي يترك دينه ويتبع ما جاءت به التوراة في تعليماته في أوامرها في ولائه لهم في خدمته لهم (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) فاليهود الذين حرّفوا (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) لأنهم ضمن دينهم. المسلمون الذين حرّفوا تبعاً لإرادات اليهود ومشيئتهم وهذا في التاريخ كثير (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ). هؤلاء اليهود صنعوا من المسلمين فرقاً فرقاً أعدى ما تكون للإسلام نفسه (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).

    — عبدالرحمن بن معاضة الشهري

  • *ما دلالة كلمة (خلفك) وما الفرق بينها وبين (بعدك) ؟ بعد نقيضة قبل وأظهر استعمال لها في الزمان. أما خلف فهي نقيضة قُدّام (وهي في الغالب للمكان) هذا من حيث اللغة. والخلف في اللغة هو الظهر أيضاً. أحياناً لا يصح وضع إحداهما مكان الأخرى فلا يمكننا أن نضع خلف مكان بعد ففي هذه الآيات لا يمكن أن تحلّ خلف محل بعد (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) البقرة) (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) البقرة) (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) البقرة) (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة) (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) البقرة) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (230) البقرة) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران) لأن كلها متعلقة بالزمان. أما خلف فهي في الأصل للمكان، (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) يس) (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة) (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء) أي يلونهم مباشرة كأنهم واقفين خلفهم.

    — فاضل السامرائي

  • من أحكام القرآن

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

  • التفسير الفقهي سورة البقرة آية 27

    — سعد الشثري

ترجمات معاني الآية ٢٧ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(27) Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال