محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢٦ من سورة البقرة في ١٢٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٤١ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢٦ من سورة البقرة

١٢٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿إِنّ اللّهَ لاَ يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمّا الّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ وَأَمّا الّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللّهُ بِهََذَا مَثَلاً يُضِلّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الْفَاسِقِينَ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها.
فقال بعضهم بما :
حدثني به موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نارا وقوله : أوْ كَصَيّبٍ مِنَ السّماءِ الآيات الثلاث، قال المنافقون : الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله إنّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مّا بَعُوضَةً إلى قوله : أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ.
وقال آخرون بما :
حدثني به أحمد بن إبراهيم، قال : حدثنا قُراد عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، في قوله تعالى : إنّ اللّهَ لا يَسْتَحِيِي أنْ يَضرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا قال : هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلئوا من الدنيا رِيّا أخذهم الله عند ذلك. قال : ثم تلا فلَمّا نَسُوا ما ذُكّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ الآية.
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس بنحوه، إلا أنه قال : فإذا خلت آجالهم، وانقطعت مدتهم، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت وتموت إذا رويت فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل إذا امتلئوا من الدنيا ريّا أخذهم الله فأهلكهم، فذلك قوله : حَتّى إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أخَذْناهُمْ بَغْتَةً فإذا هُمْ مُبْلِسُونَ.
وقال آخرون بما :
حدثنا به بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله : إن اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا أي إن الله لا يستحيي من الحقّ أن يذكر منه شيئا ما قل منه أو كثر. إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت، قال أهل الضلالة : ما أراد الله من ذكر هذا ؟ فأنزل الله : إنّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا.
وحدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، قال : لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ؟ فأنزل الله : إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَها.
وقد ذهب كل قائل ممن ذكرنا قوله في هذه الآية وفي المعنى الذي نزلت فيه مذهبا، غير أن أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحقّ ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس. وذلك أن الله جل ذكره أخبر عباده أنه لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها عقيب أمثال قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول، أعني قوله : إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما جوابا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرب لهم من الأمثال في هذه السورة أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور.
فإن قال قائل : إنما أوجب أن يكون ذلك جوابا لنكيرهم ما ضرب من الأمثال في سائر السور لأن الأمثال التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور أمثال موافقة المعنى، لما أخبر عنه أنه لا يستحي أن يضربه مثلاً، إذْ كان بعضها تمثيلاً لاَلهتهم بالعنكبوت وبعضها تشبيها لها في الضعف والمهانة بالذباب، وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة فيجوز أن يقال : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما فإن ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن قول الله جل ثناؤه : إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا إنما هو خبر منه جل ذكره أنه لا يستحيي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرها وكبيرها ابتلاءً بذلك عباده واختبارا منه لهم ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به، إضلالاً منه به لقوم وهداية منه به لآخرين كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : مَثَلاً مَا بَعُوضَةً يعني الأمثال صغيرها وكبيرها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحقّ من ربهم، ويهديهم الله بها، ويضلّ بها الفاسقين. يقول : يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.
وحدثني المثنى، قال حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.
وحدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
قال أبو جعفر : لا أنه جل ذكره قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحيي من ضرب المثل بها، ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق، كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال : البعوضة أضعف ما خلق الله.
وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج بنحوه. خصها الله بالذكر في القلة، فأخبر أنه لا يستحيي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحقّ وأحقرها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع جوابا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرب لهم من المثل بموقد النار والصيّب من السماء على ما نَعَتهما به من نَعْتهما.
فإن قال لنا قائل : وأين ذكر نكير المنافقين الأمثال التي وصفت الذي هذا الخبر جوابه، فنعلم أن القول في ذلك ما قلت ؟ قيل : الدلالة على ذلك بينها جلّ ذكره في قوله : فأمّا الّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنّهُ الحَقّ مِنْ رَبّهِمْ وأمّا الّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذَا أرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلاً وأن القوم الذين ضرب لهم الأمثال في الآيتين المقدمتين، اللتين مثّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما بمُوقِدِ النار وبالصيب من السماء على ما وصف من ذلك قبل قوله : إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً قد أنكروا المثل وقالوا : ماذَا أرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلاً، فأوضح خطأ قيلهم ذلك، وقبح لهم ما نطقوا به وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه، وأنه ضلال وفسوق، وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه.
وأما تأويل قوله : إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى : إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي إن الله لا يخشى أن يضرب مثلاً، ويستشهد على ذلك من قوله بقول الله تعالى : وَتَخْشَى الناسَ وَاللّهُ أحَقّ أنْ تَخْشاهُ ويزعم أن معنى ذلك : وتستحي الناسَ والله أحقّ أن تستحيه فيقول : الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء.
وأما معنى قوله : أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً فهو أن يبين ويصف، كما قال جل ثناؤه : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ بمعنى وصف لكم، وكما قال الكميت :
وذَلِكَ ضَرْبُ أخْماسٍ أُرِيدَت ْلأِسْدَاسٍ عَسَى أنْ لا تَكُونا
بمعنى وصف أخماس. والمثل : الشبه، يقال : هذا مَثَلُ هذا ومِثْلُه، كما يقال : شَبَهُه وشِبْهُه، ومنه قول كعب بن زهير :
كانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلاًوَمَا مَوَاعِيدُها إلاّ الأباطِيلُ
يعني شَبَها.
فمعنى قوله إذا : إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً : إن الله لا يخشى أن يصف شبها لما شبه به وأما «ما » التي مع «مثل » فإنها بمعنى «الذي »، لأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة في الصغر والقلة فما فوقها مثلاً.
فإن قال لنا قائل : فإن كان القول في ذلك كما قلت فما وجه نصب البعوضة، وقد علمت أن تأويل الكلام على ما تأوّلت : إنّ اللّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أن يَضْرِبَ مَثَلاً الذي هو بعوضة، فالبعوضة على قولك في محل الرفع، فأنّى أتاها النصب ؟ قيل : أتاها النصب من وجهين : أحدهما أن «ما » لما كانت في محل نصب بقوله : يَضْرِب وكانت البعوضة لها صلة أعربت بتعريبها فألزمت إعرابها كما قال حسان بن ثابت :
وكَفَى بِنا فَضْلاً على مَنْ غَيْرِنا حُبّ النّبِيّ مُحَمّدٍ إيّانا
فعرّبت غير بإعراب «مَنْ »، فالعرب تفعل ذلك خاصة في «من » و«ما » تعرب صلاتهما بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة أحيانا ونكرة أحيانا.
وأما الوجه الآخر، فأن يكون معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف ذكر «بين » و«إلى »، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في «ما » الثانية دلالة عليهما، كما قالت العرب :«مُطرنا ما زبالة فالثعلبية »، و«له عشرون ما ناقة فجملاً »، و«هي أحسن الناس ما قرنا فقدما »، يعنون : ما بين قرنها إلى قدمها، وكذلك يقولون في كل ما حسن فيه من الكلام دخول «ما بين كذا إلى كذا »، ينصبون الأول والثاني ليدلّ النصب فيهما على المحذوف من الكلام. فكذلك ذلك في قوله : ما بعوضة فما فوقها.
وقد زعم بعض أهل العربية أن «ما » التي مع المَثَل صلة في الكلام بمعنى التطوّل، وأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلاً فما فوقها. فعلى هذا التأويل يجب أن تكون بعوضة منصوبة ب«يضرب »، وأن تكون «ما » الثانية التي في «فما فوقها » معطوفة على البعوضة لا على «ما ».
وأما تأويل قوله : فَمَا فَوْقَهَا : فما هو أعظم منها عندي لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذا كانت أضعف خلق الله فهي نهاية في القلة والضعف، وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلا أقوى منه، فقد يجب أن يكون المعنى على ما قالاه فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهاية في الضعف والقلة.
وقيل في تأويل قوله : فَمَا فَوْقَها في الصغر والقلة، كما يقال في الرجل يذكره الذاكر فيصفه باللؤم والشحّ، فيقول السامع : نعم، وفوق ذاك، يعني فوق الذي وصف في الشحّ واللؤم. وهذا قول خلاف تأويل أهل العلم الذين تُرتضى معرفتهم بتأويل القرآن.
فقد تبين إذا بما وصفنا أن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يصف شبها لما شبه به الذي هو ما بين بعوضة إلى ما فوق البعوضة. فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة فغير جائز في «ما » إلا ما قلنا من أن تكون اسما لا صلة بمعنى التطول.

القول في تأويل قوله تعالى : فَأما الّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنهُ الحَقّ مِنْ رَبّهِمْ وأما الّذِينَ كَفَروا فَيَقُولُونَ ماذَا أرَادَ الله بِهَذَا مَثَلاً.


قال أبو جعف
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الصالحات. والهاء والألف في"فيها" على الجنات. وخلودهم فيها دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الْحَبْرَةِ والنعيم المقيم (١).
* * *

القول في تأويل قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ


(١) في الدر المنثور ١: ٤١، والشوكاني ١: ٤٢، أن ابن جرير أخرج عن ابن عباس في قوله"وهم فيها خالدون" -"أي خالدون أبدًا، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له".
وهذا الخبر سيأتي عند تفسير الآية: ٨٢ من هذه السورة (١: ٣٠٧ بولاق). فنقله السيوطي إلى هذا الموضع، وتبعه الشوكاني.
مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها.
فقال بعضهم بما:
٥٥٤- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدّي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا" وقوله:"أو كصيِّب من السماء"، الآيات الثلاث - قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله:"إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً" إلى قوله:"أولئك همُ الخاسرُون".
وقال آخرون بما:
٥٥٥- حدثني به أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا قُرَاد، عن أبي جعفر الرازي، عن الرّبيع بن أنس، في قوله تعالى:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها". قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ، فإذا سمنت ماتتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: ٤٤] (١).
٥٥٦- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس بنحوه - إلا أنه قال: فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم (٢)، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله فأهلكهم. فذلك قوله: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [سورة الأنعام: ٤٤].
وقال آخرون بما:
٥٥٧- حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد عن سعيد، عن قتادة، قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"، أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرَ منه شيئًا ما قل منه أو كثر (٣). إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله:
(١) الأثر ٥٥٥-"قراد" بضم القاف وفتح الراء مخففة: لقب له، واسمه"عبد الرحمن بن غزوان بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي، الخزاعي"، وهو ثقة، وقال أحمد: "كان عاقلا من الرجال". وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/٢/٢٧٤.
(٢) في المطبوعة: "خلى آجالهم"، وفي المخطوطة"خلا"، والصواب ما أثبته. وخلا العمر يخلو خلوا: مضى وانقضى.
(٣) في المخطوطة: "شيئًا قل منه أو كثر" بحذف"ما"، وفي ابن كثير"مما قل أو كثر" وكلها متقاربة.
"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها".
٥٥٨- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" (١).
وقد ذهب كلّ قائل ممن ذكرنا قوله في هذه الآية، وفي المعنى الذي نزلت فيه، مذهبًا؛ غير أنّ أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحقّ، ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس.
وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول - أعني قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما" - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور.
فإن قال قائل: إنما أوْجبَ أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرَب من الأمثال في سائر السور، لأن الأمثال التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور أمثالٌ موافقة المعنى لما أخبر عنه: أنه لا يستحي أن يضربه مثلا إذ كان بعضها تمثيلا لآلهتهم بالعنكبوت، وبعضها تشبيهًا لها في الضّعف والمهانة بالذباب. وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة، فيجوزَ أنْ يقال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا (٢).
(١) الآثار: ٥٥٤ - ٥٥٨ أكثرها في ابن كثير ١: ١١٧، وبعضها في الدر المنثور ١: ٤١، والشوكاني ١: ٤٥.
(٢) في المطبوعة: "أن يضرب مثلا ما"، وليست بشيء.
فإن ذلك بخلاف ما ظنّ. وذلك أنّ قول الله جلّ ثناؤه:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"، إنما هو خبرٌ منه جلّ ذكره أنه لا يستحي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرِها وكبيرِها، ابتلاءً بذلك عبادَه واختبارًا منه لهم، ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به، إضلالا منه به لقوم، وهدايةً منه به لآخرين.
٥٥٩- كما حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"مثلا ما بعوضة"، يعني الأمثال صغيرَها وكبيرَها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها ويُضل بها الفاسقين. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.
٥٦٠- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.
٥٦١- حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج عن مجاهد، مثله (١).
قال أبو جعفر:- لا أنه جلّ ذكره قصَد الخبرَ عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرْب المثل بها، ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق -
٥٦٢- كما حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال: البعوضة أضعفُ ما خلق الله.
٥٦٣- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، بنحوه (٢).
(١) الآثار: ٥٥٩ - ٥٦١، وهي واحد كلها، في الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥، وسيأتي برقم: ٥٦٦.
(٢) الأثر: ٥٦٢ في الدر المنثور ١: ٤١.
- (١) خصها الله بالذكر في القِلة، فأخبر أنه لا يستحي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحق وأحقرَها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع، جوابًا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرَب لهم من المثل بمُوقِد النار والصيِّب من السماء، على ما نَعَتهما به من نَعْتهما.
فإن قال لنا قائل: وأين ذكر نكير المنافقين الأمثالَ التي وصفتَ، الذي هذا الخبر جوابه، فنعلم أنّ القول في ذلك ما قلت؟
قيل: الدلالة على ذلك بينة في قول الله تعالى ذكره (٢) ": فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا". وإن القوم الذين ضرَب لهم الأمثال في الآيتين المقدَّمتين - اللتين مثَّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما (٣)، بمُوقِد النار وبالصيِّب من السماء (٤)، على ما وصف من ذلك قبل قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا" - قد أنكروا المثل وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ فأوضح لهم تعالى ذكره خطأ قِيلهم ذلك، وقبّح لهم ما نطقوا به، وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه، وأنه ضلال وفسوق، وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه.
وأما تأويل قوله:"إن الله لا يستحيي"، فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى"إن الله لا يستحيي": إن الله لا يخشى أن يضرب مثلا ويستشهدُ على ذلك من قوله بقول الله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) [سورة الأحزاب: ٣٧]، ويزعم أن معنى ذلك: وتستحي الناسَ والله أحقُّ أن تستحيه - فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء (٥).
(١) قوله: "خصها.. " جواب قوله آنفًا: ".. لما كانت أضعف الخلق".
(٢) في المطبوعة: "الدلالة على ذلك بينها جل ذكره في قوله".
(٣) قوله: "فيهما" متعلق بقوله"مثل"، أي: اللتين مثل فيهما -ما عليه المنافقون مقيمون- بموقد النار..
(٤) في المطبوعة: "وبالصيب من السماء".
(٥) لم أعرف قائل هذا القول من المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب، ولكني رأيت أبا حيان يقول في تفسيره ١: ١٢١، يزعم أن هذا المعنى هو الذي رجحه الطبري، ومن البين أنه أخطأ فيما توهمه، فإن لفظ الطبري دال على أنه لم يحقق معناه، ولم يرضه، ولم ينصره. هذا على أني أظن أن مجاز اللفظ يجيز مثل هذا الذي قاله المنسوب إلى المعرفة بلغة العرب، وإن كنت أكره أن أحمل هذه الآية على هذا المعنى.
وأما معنى قوله:"أن يضرب مثلا"، فهو أن يبيِّن ويصف، كما قال جل ثناؤه: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ) [سورة الروم: ٢٨]، بمعنى وصف لكم، وكما قال الكُمَيْت:
وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْلأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا (١)
بمعنى: وصف أخماس.
والمثَل: الشبه، يقال: هذا مَثَل هذا ومِثْله، كما يقال: شبَهُه وشِبْهه، ومنه قول كعب بن زهير:
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلاوَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ (٢)
يعني شَبَهًا، فمعنى قوله إذًا:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا": إن
(١) هذا بيت استرقه الكميت استراقًا، على أنه مثل اجتلبه. وأصله: أن شيخًا كان في إبله، ومعه أولاده رحالا يرعونها، قد طالت غربتهم عن أهلهم. فقال لهم ذات يوم: "ارعوا إبلكم ربعا" (بكسر فسكون: وهو أن تحبس عن الماء ثلاثًا، وترد في اليوم الرابع)، فرعوا ربعًا نحو طريق أهلهم. فقالوا: لو رعيناها خمسًا! (بكسر فسكون: أن تحبس أربعًا وترد في الخامس) فزادوا يومًا قبل أهلهم. فقالوا: لو رعيناها سدسًا! (أن تحبس خمسًا وترد في السادس). ففطن الشيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس، ما همتكم رعيها، إنما همتكم أهلكم! وأنشأ يقول:
وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرَاهُ،لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا
فصار قولهم: "ضرب أخماس لأسداس" مثلا مضروبًا للذي يراوغ ويظهر أمرًا وهو يريد غيره.
وحقيقة قوله"ضرب: بمعنى وصف"، أنه من ضرب البعير أو الدابة ليصرف وجهها إلى الوجه الذي يريد، يسوقها إليه لتسلكه. فقولهم: ضرب له مثلا، أي ساقه إليه، وهو يشعر بمعنى الإبانة بالمثل المسوق. وهذا بين.
(٢) ديوانه: ٨، وفي المخطوطة: "وما مواعيده"، وعرقوب -فيما يزعمون-: هو عرقوب ابن نصر، رجل من العمالقة، نزل المدينة قبل أن تنزلها يهود بعد عيسى ابن مريم عليه السلام. وكان يحتال في إخلاف المواعيد بالمماطلة، كما هو معروف في قصته.
الله لا يخشى أن يصف شبهًا لما شبّه به (١).
وأما "ما" التي مع "مثل"، فإنها بمعنى "الذي"، لأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةً في الصغر والقِلة فما فوقها - مثلا.
فإن قال لنا قائل: فإن كان القول في ذلك ما قلت (٢)، فما وجه نصب البعوضة، وقد علمتَ أنّ تأويل الكلام على ما تأولت (٣) : أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الذي هو بعوضة؛ فالبعوضةُ على قولك في محل الرفع؟ فأنى أتاها النصب؟
قيل: أتاها النصب من وجهين: أحدُهما، أن"ما" لما كانت في محل نصْب بقوله"يضرب"، وكانت البعوضة لها صلة، عُرِّبت بتعريبها (٤) فألزمت إعرابها، كما قال حسان بن ثابت:
وَكَفَى بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَاحُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا (٥)
فعُرِّبت"غيرُ" بإعراب"من". والعرب تفعل ذلك خاصة في"من" و"ما" (٦)، تعرب صِلاتهما بإعرابهما، لأنهما يكونان معرفة أحيانًا، ونكرة أحيانًا.
(١) هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به الطبري، وتفسير الطبري صريح بين في آخر تفسير الآية.
(٢) في المطبوعة: "كما قلت".
(٣) في المطبوعة: "على ما تأولت"، وليست بجيدة.
(٤) في المطبوعة"أعربت بتعريبها". وقوله"عربت": أي أجريت مجراها في الإعراب، وهذا هو معنى"التعريب" في اصطلاح قدماء النحاة، وستمر بك كثيرًا فاحفظها، وهي أوجز مما اصطلح عليه المحدثون منهم.
(٥) ليس في ديوانه، ويأتي في الطبري ٤: ٩٩ غير منسوب، وفي الخزانة: ٢: ٥٤٥ - ٥٤٦ أنه لكعب بن مالك، ونسب إلى حسان بن ثابت ولم يوجد في شعره. ونسب لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ونسب أيضًا لعبد الله بن رواحة. وذكره السيوطي في شرح شواهد المغني: ١١٦، ٢٥٢، وأثبت بيتا قبله:
نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ بِنَصْرِ وَلِيِّهِفالله، عَزَّ، بِنَصْرِهِ سَمَّانَا
قال: يعني أن الله عز وجل سماهم"الأنصار"، لأنهم نصروا النبي ﷺ ومن والاه. والباء في"بنصر وليه"، بمعنى"مع".
(٦) في المطبوعة: "فالعرب تفعل... ".
وأما الوجه الآخر، فأن يكون معنى الكلام: إن الله لا يستحْيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف ذكر"بين" و"إلى"، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في"ما" الثانية، دلالة عليهما، كما قالت العرب:"مُطِرنا ما زُبالة فالثَعْلَبِيَّة" و"له عشرون ما ناقة فجملا"، و"هي أحسنُ الناس ما قرنًا فقدمًا"، يعنون: ما بين قرنها إلى قدمها (١). وكذلك يقولون في كل ما حسُن فيه من الكلام دخول:"ما بين كذا إلى كذا"، ينصبون الأول والثاني، ليدلّ النصبُ فيهما على المحذوف من الكلام (٢). فكذلك ذلك في قوله:"ما بعوضة فما فوقها" (٣).
وقد زعم بعضُ أهل العربية أنّ "ما" التي مع المثَل صلةٌ في الكلام بمعنى التطوُّل (٤) وأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضربَ بعوضةً مثلا فما فوقها. فعلى هذا التأويل، يجب أن تكون"بعوضةً" منصوبةً بـ "يضرب"، وأن تكون"ما" الثانية التي في"فما فوقها" معطوفة على البعوضة لا على"ما".
وأما تأويل قوله"فما فوقها": فما هو أعظم منها (٥) -عندي- لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج: أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف. وإذ كانت كذلك، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه. فقد يجب أن يكون المعنى
(١) في المخطوطة: "يعنون بذلك من قرنها.. ".
(٢) في المخطوطة: "ليدل النصب في الأسماء على المحذوف... "، وهما سواء
(٣) أكثر هذا من كلام الفراء في معاني القرآن ١: ٢١ - ٢٢، وذكر الوجهين السالفين جميعًا، وكلامه أبسط من كلام الطبري وأبين.
(٤) قد مضى قديمًا شرح معنى التطول (انظر: ١٨، ٢٢٤ وما يأتي ص: ٤٠٦، ١٥٤ من بولاق)، وهو الزيادة في الكلام. وهذا الذي قال عنه: "زعم بعض أهل العربية"، هو الفراء نفسه، فقد ذكر هذا أول وجه من ثلاثة وجوه في الآية في معاني القرآن ١: ٢١، وقال: "أولها: أن توقع الضرب على البعوضة، وتجعل ما صلة، كقوله: "عما قليل ليصبحن نادمين"، يريد: عن قليل. المعنى -والله أعلم-: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلا".
والذي يسميه الطبري البغدادي المذهب في النحو"تطولا"، يسميه الفراء الكوفي المذهب في النحو"صلة"، وهي الزيادة في الكلام.
(٥) في المخطوطة: "فهو ما قد عظم منها"، وهو خطأ بلا معنى.
-على ما قالاه- فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة.
وقيل في تأويل قوله"فما فوقها"، في الصغر والقلة. كما يقال في الرجل يذكرُه الذاكرُ فيصفه باللؤم والشحّ، فيقول السامع:"نعم، وفوقَ ذاك"، يعني فوقَ الذي وصف في الشحّ واللؤم (١)، وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن.
فقد تبين إذًا، بما وصفنا، أن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يصف شبَهًا لما شبَّه به الذي هو ما بين بعوضةٍ إلى ما فوق البعوضة.
فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة، فغير جائز في"ما"، إلا ما قلنا من أن تكون اسما، لا صلة بمعنى التطول (٢).
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فأما الذين آمنوا"، فأما الذين صدّقوا الله ورسوله. وقوله:"فيعلمون أنه الحق من ربهم". يعني: فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله، لِما ضرَبه له، مثَل.
٥٦٤- كما حدثني به المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"فأما الذين آمنوا
(١) في المطبوعة: "فوق الذي وصف". وهذا التأويل الذي ذكره الطبري، قد اقترحه الفراء في معاني القرآن ١: ٢٠ - ٢١ وأبان عنه، وقال: "ولو جعلت في مثله من الكلام"فما فوقها"، تريد أصغر منها، لجاز ذلك. ولست أستحبه"، يعني: أنه لا يستحبه في هذا الموضع من تفسير كتاب الله.
(٢) قد شرحنا معنى"صلة" و"تطول" فيما مضى ص: ٤٠٥.
فيعلمون أنه الحق من ربهم"، أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلامُ الله ومن عنده (١).
٥٦٥- وكما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله"فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم"، أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله (٢).
"وأما الذين كفروا فيقولونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا".
قال أبو جعفر: وقوله"وأما الذين كفرُوا"، يعني الذين جحدوا آيات الله، وأنكرُوا ما عرفوا، وستروا ما علموا أنه حق، وذلك صفةُ المنافقين، وإياهم عَنَى الله جلّ وعز - ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم - بهذه الآية، فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلا كما قد ذكرنا قبل من الخبر الذي رويناه عن مجاهد الذي:-
٥٦٦- حدثنا به محمد عن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فأما الذين آمنوا فيعلمونَ أنه الحقّ من ربهم" الآية، قال: يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها، ويَضلّ بها الفاسقون. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به (٣).
وتأويل قوله:"ماذا أراد الله بهذا مثلا"، ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا."فذا"، الذي مع"ما"، في معنى"الذي"، وأراد صلته، وهذا إشارةٌ إلى المثل (٤).
* * *
(١) الأثر: ٥٦٤- هو عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، كما مر كثيرًا، وكذلك جاء في الدر المنثور ١: ٤٣.
(٢) الأثر ٥٦٥- في ابن كثير ١: ١١٨.
(٣) الأثر ٥٦٦- قد مضى برقم: ٥٥٩.
(٤) في المطبوعة: "فذا مع ما في معنى.. "

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل وعز:"يضلّ به كثيرًا"، يضلّ الله به كثيرًا من خلقه. والهاء في"به" من ذكر المثل. وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدَأٌ، ومعنى الكلام: أن الله يُضلّ بالمثل الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر:-
٥٦٧- كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدّي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"يضلّ به كثيرًا" يعني المنافقين،"ويهدي به كثيرًا"، يعني المؤمنين (١).
- فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له، وأنه لما ضرَبه له موافق. فذلك إضْلال الله إياهم به. و"يهدي به"، يعني بالمثل، كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به.
وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن المنافقين، كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضلّ به هذا ويهدي به هذا. ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله، فقال الله:"وما يضل به إلا الفاسقين". وفيما في سورة المدثر - من قول الله:"وليقولَ الذينَ في قلوبهمْ مَرَضٌ والكافرونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا. كذلك يُضلّ اللهُ مَن يشاءُ ويهدي من يشاء" - ما ينبئ عن أنه في سورة البقرة كذلك، مبتدأٌ - أعني قوله:"يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا".
* * *
(١) الخبر: ٥٦٧- في ابن كثير ١: ١١٩، والدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥، وهو فيها تام متصل، وتمامه الأثر الذي يليه: ٥٦٨. ولكن ابن كثير أخطأ، فوصل هذا الخير بكلام الطبري الذي يليه، كأنه كله من تفسير ابن عباس وابن مسعود، وهو خطأ محض. فقول الطبري بعد"فيزيد هؤلاء ضلالا.. " هو من تمام قوله قبل هذا"أن الله يضل بالمثل الذي يضربه كثيرا من أهل النفاق والكفر".

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾


وتأويل ذلك ما:-
٥٦٨- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:"وما يُضلّ به إلا الفاسقين"، هم المنافقون (١).
٥٦٩- وحدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"وما يُضِلّ به إلا الفاسقين"، فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم (٢).
٥٧٠- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"وما يضل به إلا الفاسقين"، هم أهل النفاق (٣).
قال أبو جعفر: وأصلُ الفسق في كلام العرب: الخروجُ عن الشيء. يقال منه: فسقت الرُّطَبة إذا خرجت من قشرها. ومن ذلك سُمّيت الفأرةُ فُوَيْسِقة، لخروجها عن جُحرها (٤)، فكذلك المنافق والكافر سُمّيا فاسقيْن، لخروجهما عن طاعة ربهما. ولذلك قال جل ذكره في صفة إبليس: (إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [سورة الكهف: ٥٠]، يعني به خرج عن طاعته واتباع أمره.
٥٧١- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق،
(١) الخبر ٥٦٨- تمام الأثر السالف، وقد ذكرنا موضعه.
(٢) الأثر: ٥٦٩- في ابن كثير ١: ١١٩، وفي الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥، وفيهما مكان"على فسقهم"، "بفسقهم".
(٣) الأثر: ٥٧٠- في ابن كثير ١: ١١٩.
(٤) انظر الطبري ١٥: ١٧٠ (بولاق). وقوله: "يحكى عن العرب سماعًا: فسقت الرطبة من قشرها، إذا خرجت. وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها"، وسائر ما قال هناك.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة : لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] الآيات الثلاث، قال المنافقون : الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله :﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة : لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون : ما بال العنكبوت والذباب يذكران ؟ فأنزل الله [ تعالى هذه الآية ](١) ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾(٢).
وقال سعيد، عن قتادة : أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا ما، قل أو كثر، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة : ما أراد الله من ذكر هذا ؟ فأنزل الله :﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
قلت : العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد، عن قتادة أقرب والله أعلم. وروى ابن جُرَيج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم : روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال : هذا مثل ضربه الله للدنيا ؛ إذ البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت. وكذلك مثل هؤلاء(٣) القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلؤوا من الدنيا ريا أخذهم الله تعالى عند ذلك، ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، بنحوه، فالله أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول، وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي ؛ لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، ومعنى الآية : أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي : لا يستنكف، وقيل : لا يخشى أن يضرب مثلا ما، أي : أيّ مثل كان، بأي شيء كان، صغيرًا كان أو كبيرًا.
و " ما " هاهنا للتقليل(٤) وتكون ﴿بَعُوضَةً﴾ منصوبة على البدل، كما تقول : لأضربن ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء [ أو تكون " ما " نكرة موصوفة ببعوضة ](٥). واختار ابن جرير أن ما موصولة، و ﴿بَعُوضَةً﴾ معربة بإعرابها، قال : وذلك سائغ(٦) في كلام العرب، أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى، كما قال حسان بن ثابت :
وَكَفَى(٧) بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَاحُب(٨) النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيَّانَا(٩)
قال : ويجوز أن تكون ﴿بَعُوضَةً﴾ منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها.
[ وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورويت " بعوضة " بالرفع، قال ابن جني : وتكون صلة لما وحذف العائد كما في قوله :﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي : على الذي أحسن هو أحسن، وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي : يعني بالذي هو قائل لك شيئًا ](١٠).
وقوله :﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فيه قولان : أحدهما : فما دونها في الصغر، والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع(١١) : نعم، وهو فوق ذلك، يعني فيما وصفت. وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة، قال الرازي : وأكثر المحققين، وفي الحديث :" لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء " (١٢). والثاني : فما فوقها : فما هو أكبر منها ؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة. وهذا [ قول قتادة بن دعامة و ](١٣) اختيار ابن جرير.
[ ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة، رضي الله عنها : أن رسول الله ﷺ قال :«ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة »(١٤) ](١٥).
فأخبر أنه لا يستصغر(١٦) شيئًا يَضْرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، كما [ لم يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من ](١٧) ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله :﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، وقال :﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] وقال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٧]، وقال تعالى :﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا ](١٨) الآية [النحل: ٧٥]، ثم قال :﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ](١٩) الآية [النحل: ٧٦]، كما قال :﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٨]. وقال :﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ [ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ](٢٠) الآية [الزمر: ٢٩]، وقد قال تعالى :﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وفي القرآن أمثال كثيرة.
قال بعض السلف : إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي ؛ لأن الله تعالى يقول :﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾
وقال مجاهد قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها.
وقال قتادة :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي : يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه من عند الله.
وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال أبو العالية :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني : هذا المثل :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ كما قال في سورة المدثر :﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وكذلك قال هاهنا :﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾
قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة :﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني : المنافقين، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالهم(٢١) لتكذيبهم بما قد علموه حقًا يقينًا، من المثل الذي ضربه الله بما ضربه لهم(٢٢) وأنه لما ضربه له موافق، فذلك(٢٣) إضلال الله إياهم به ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ يعني بالمثل كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم، لتصديقهم بما قد علموه حقًا يقينًا أنه موافق ما(٢٤) ضربه الله له مثلا وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ قال : هم المنافقون(٢٥).
وقال أبو العالية :﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ قال : هم أهل النفاق. وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال ابن جريج عن مجاهد، عن ابن عباس :﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ يقول : يعرفه الكافرون فيكفرون به.
وقال قتادة :﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ فسقوا، فأضلهم الله على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم : حُدّثتُ عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سِنان، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني الخوارج.
وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال : سألت أبي فقلت : قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى آخر الآية، فقال : هم الحرورية. وهذا الإسناد إن صح عن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، فهو تفسير على المعنى، لا أن(٢٦) الآية أريد منها التنصيص على الخوارج، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل ؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم على(٢٧) طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة : هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب : فسقت الرطبة : إذا خرجت من قشرتها(٢٨) ؛ ولهذا يقال للفأرة : فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد. وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال :" خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم : الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور " (٢٩).
فالفاسق يشمل(٣٠) الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل(٣١) أنه وصفهم بقوله :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
١ زيادة من ط..
٢ تفسير عبد الرزاق (١/٦٤)..
٣ في أ: "هذا"..
٤ في جـ، ط، ب، أ، و: "للتقليل زائدة"..
٥ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٦ في جـ، أ، و: "شائع"..
٧ في جـ، ب، أ، و: "يكفي"..
٨ في جـ: "حث"..
٩ البيت في تفسير الطبري (١/٤٠٤)..
١٠ زيادة من جـ، ط، ب..
١١ في جـ: "القابل"..
١٢ رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٠) من طريق عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه به مرفوعا، وفيه عبد الحميد بن سليمان ضعيف..
١٣ زيادة من جـ، ط..
١٤ صحيح مسلم برقم (٢٥٧٢).
١٥ زيادة من جـ، ط، أ، و..
١٦ في جـ: "لا يستنكف"..
١٧ زيادة من جـ، ط..
١٨ زيادة من جـ، ط..
١٩ زيادة من جـ..
٢٠ زيادة من جـ.
.

٢١ في جـ، ط، ب: "ضلالتهم"..
٢٢ في جـ، ط، أ: "لما ضربه له"..
٢٣ في جـ: "فوافق ذلك"..
٢٤ في جـ، ط: "لما"..
٢٥ في أ: "أهل النفاق"..

وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال : سألت أبي فقلت : قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى آخر الآية، فقال : هم الحرورية. وهذا الإسناد إن صح عن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، فهو تفسير على المعنى، لا أن(٢٦) الآية أريد منها التنصيص على الخوارج، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل ؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم على(٢٧) طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة : هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب : فسقت الرطبة : إذا خرجت من قشرتها(٢٨) ؛ ولهذا يقال للفأرة : فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد. وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال :" خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم : الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور " (٢٩).
فالفاسق يشمل(٣٠) الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل(٣١) أنه وصفهم بقوله :﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ بْنَ عُمَرَ الْبَزِيعِيَّ (١) هَذَا قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ البُسْتي: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ (٢).
قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هَذَا (٣) هُوَ تَمَامُ السَّعَادَةِ، فَإِنَّهُمْ مَعَ هَذَا النَّعِيمِ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ مِنَ الْمَوْتِ وَالِانْقِطَاعِ فَلَا آخِرَ لَهُ وَلَا انْقِضَاءَ، بَلْ فِي نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ أَبَدِيٍّ على الدوام، والله المسؤول أَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، بر رحيم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾
قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧] وَقَوْلُهُ ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩] الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، قَالَ الْمُنَافِقُونَ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ الْعَنْكَبُوتَ وَالذُّبَابَ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا بَالُ الْعَنْكَبُوتِ وَالذُّبَابِ يُذْكَرَانِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ] (٤) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٥).
وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: أَيْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مَا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَإِنَّ اللَّهَ حِينَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ قَالَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ: مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
قُلْتُ: الْعِبَارَةُ الْأُولَى عَنْ قَتَادَةَ فِيهَا إِشْعَارٌ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعِبَارَةُ رِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ أَقْرَبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى ابْنُ جُرَيج عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَ هَذَا الثَّانِي عَنْ قَتَادَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ نَحْوَ قَوْلِ السُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ للدنيا؛ إذ
(١) في أ: "الربعي".
(٢) المجروحين (٢/١٦٠).
(٣) في جـ، ط: "وهذا".
(٤) زيادة من ط.
(٥) تفسير عبد الرزاق (١/٦٤).
الْبَعُوضَةُ تَحْيَا مَا جَاعَتْ، فَإِذَا سَمِنَتْ مَاتَتْ. وَكَذَلِكَ مَثَلُ هَؤُلَاءِ (١) الْقَوْمِ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ فِي الْقُرْآنِ، إِذَا امْتَلَؤُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلَا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٤٤].
هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، بِنَحْوِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي سَبَبِ النُّزُولِ، وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ مَا حَكَاهُ السُّدي؛ لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالسُّورَةِ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي، أَيْ: لَا يَسْتَنْكِفُ، وَقِيلَ: لَا يَخْشَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا، أَيْ: أَيَّ مَثَلٍ كَانَ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا.
وَ "مَا" هَاهُنَا لِلتَّقْلِيلِ (٢) وَتَكُونُ ﴿بَعُوضَةً﴾ مَنْصُوبَةً عَلَى الْبَدَلِ، كَمَا تَقُولُ: لَأَضْرِبَنَّ ضَرْبًا مَا، فَيَصْدُقُ بِأَدْنَى شَيْءٍ [أَوْ تَكُونُ "مَا" نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِبَعُوضَةٍ] (٣). وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أن ما موصولة، و ﴿بَعُوضَةً﴾ مُعْرَبَةٌ بِإِعْرَابِهَا، قَالَ: وَذَلِكَ سَائِغٌ (٤) فِي كَلَامِ العرب، أنهم يعربون صلة ما ومن بِإِعْرَابِهِمَا لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ مَعْرِفَةً تَارَةً، وَنَكِرَةً أُخْرَى، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَكَفَى (٥) بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَاحُب (٦) النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيَّانَا (٧)
قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ﴿بَعُوضَةً﴾ مَنْصُوبَةً بِحَذْفِ الْجَارِّ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَهَا.
[وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَرُوِيَتْ "بَعُوضَةٌ" بِالرَّفْعِ، قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وَتَكُونُ صلة لما وَحُذِفَ الْعَائِدُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٤] أَيْ: عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ هُوَ أَحْسَنُ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: مَا أَنَا بِالَّذِي قَائِلٌ لَكَ شَيْئًا، أَيْ: يَعْنِي بِالَّذِي هُوَ قَائِلٌ لَكَ شَيْئًا] (٨).
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: فَمَا دُونَهَا فِي الصِّغَرِ، وَالْحَقَارَةِ، كَمَا إِذَا وُصِفَ رَجُلٌ بِاللُّؤْمِ وَالشُّحِّ، فَيَقُولُ السَّامِعُ (٩) : نَعَمْ، وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ، يَعْنِي فِيمَا وَصَفْتَ. وَهَذَا قَوْلُ الْكِسَائِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ الرَّازِيُّ: وَأَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ، وَفِي الْحَدِيثِ: "لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ" (١٠). وَالثَّانِي: فَمَا فَوْقَهَا: فَمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَحْقَرُ وَلَا أَصْغَرُ مِنَ الْبَعُوضَةِ. وَهَذَا [قَوْلُ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ وَ] (١١) اخْتِيَارُ ابْنُ جرير.
(١) في أ: "هذا".
(٢) في جـ، ط، ب، أ، و: "للتقليل زائدة".
(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٤) في جـ، أ، و: "شائع".
(٥) في جـ، ب، أ، و: "يكفي".
(٦) في جـ: "حث".
(٧) البيت في تفسير الطبري (١/٤٠٤).
(٨) زيادة من جـ، ط، ب.
(٩) في جـ: "القابل".
(١٠) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٣٢٠) من طريق عبد الحميد بن سليمان عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه به مرفوعا، وفيه عبد الحميد بن سليمان ضعيف.
(١١) زيادة من جـ، ط.
[وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ" (١) ] (٢).
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَصْغِرُ (٣) شَيْئًا يَضْرب بِهِ مَثَلًا وَلَوْ كَانَ فِي الْحَقَارَةِ وَالصِّغَرِ كَالْبَعُوضَةِ، كَمَا [لَمْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ خَلْقِهَا كَذَلِكَ لَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ] (٤) ضَرْبِ الْمَثَلِ بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الْحَجِّ: ٧٣]، وَقَالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٤-٢٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا] (٥)﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ: ٧٥]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ [هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ] (٦)﴾ الْآيَةَ [النَّحْلِ: ٧٦]، كَمَا قَالَ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الْآيَةَ [الرُّومِ: ٢٨]. وَقَالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ [وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ] (٧)﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٢٩]، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٣] وَفِي الْقُرْآنِ أَمْثَالٌ كَثِيرَةٌ.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِذَا سَمِعْتُ الْمَثَلَ فِي الْقُرْآنِ فَلَمْ أَفْهَمْهُ بِكَيْتُ عَلَى نَفْسِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ الْأَمْثَالُ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ بِهَا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَلَامُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي: هَذَا الْمَثَلُ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٣١]،
(١) صحيح مسلم برقم (٢٥٧٢)
(٢) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(٣) في جـ: "لا يستنكف".
(٤) زيادة من جـ، ط.
(٥) زيادة من جـ، ط.
(٦) زيادة من جـ.
(٧) زيادة من جـ.
وَكَذَلِكَ قَالَ هَاهُنَا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾
قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، فَيَزِيدُ هَؤُلَاءِ ضَلَالَةً إِلَى ضَلَالِهِمْ (١) لِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا، مِنَ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ بِمَا ضَرَبَهُ لَهُمْ (٢) وَأَنَّهُ لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ مُوَافِقٌ، فَذَلِكَ (٣) إِضْلَالُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِهِ ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ يَعْنِي بِالْمَثَلِ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، فَيَزِيدُهُمْ هُدًى إِلَى هُدَاهُمْ وَإِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِمْ، لِتَصْدِيقِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا أَنَّهُ مُوَافِقٌ مَا (٤) ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا وَإِقْرَارِهِمْ بِهِ، وَذَلِكَ هِدَايَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ بِهِ ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ قال: هم الْمُنَافِقُونَ (٥).
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ: هُمْ أَهْلُ النِّفَاقِ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ يَقُولُ: يَعْرِفُهُ الْكَافِرُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ فَسَقُوا، فَأَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى فِسْقِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حُدّثتُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي سِنان، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي الْخَوَارِجَ.
وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي فَقُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ: هُمُ الْحَرُورِيَّةُ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ إِنْ صَحَّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ عَلَى الْمَعْنَى، لَا أَنَّ (٦) الْآيَةَ أُرِيدَ مِنْهَا التَّنْصِيصُ عَلَى الْخَوَارِجِ، الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى عليٍّ بِالنَّهْرَوَانِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا حَالَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا هُمْ دَاخِلُونَ بِوَصْفِهِمْ فِيهَا مَعَ مَنْ دَخَلَ؛ لِأَنَّهُمْ سُمُّوا خَوَارِجَ لِخُرُوجِهِمْ عَلَى (٧) طَاعَةِ الْإِمَامِ وَالْقِيَامِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ.
وَالْفَاسِقُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ أَيْضًا. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرَتِهَا (٨) ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْفَأْرَةِ: فُوَيْسِقَةٌ، لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرها لِلْفَسَادِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَمْسُ فَوَاسَقَ يُقتلن فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العقور" (٩).
(١) في جـ، ط، ب: "ضلالتهم".
(٢) في جـ، ط، أ: "لما ضربه له".
(٣) في جـ: "فوافق ذلك".
(٤) في جـ، ط: "لما".
(٥) في أ: "أهل النفاق".
(٦) في جـ: "لأن"، وفي ط: "إلا أن".
(٧) في جـ، ط، ب، أ: "عن".
(٨) في أ: "قشرها".
(٩) صحيح البخاري برقم (٣٣١٤) وصحيح مسلم برقم (١١٩٨).
فَالْفَاسِقُ يَشْمَلُ (١) الْكَافِرَ وَالْعَاصِيَ، وَلَكِنَّ فسْق الْكَافِرِ أَشَدُّ وَأَفْحَشُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْفَاسِقُ الْكَافِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، بِدَلِيلِ (٢) أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
وَهَذِهِ الصِّفَاتُ صِفَاتُ الْكُفَّارِ الْمُبَايِنَةُ لِصِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ الْآيَاتِ، إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٩-٢٥].
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي مَعْنَى الْعَهْدِ الَّذِي وُصِفَ هَؤُلَاءِ الْفَاسِقِينَ بِنَقْضِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ وَصِيَّةُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَنَهْيِهِ إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ فِي كُتُبِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ، وَنَقْضُهُمْ (٣) ذَلِكَ هُوَ تَرْكُهُمُ الْعَمَلَ بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ (٤) فِي كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، وَعَهْدُ اللَّهِ الَّذِي نَقَضُوهُ هُوَ مَا أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا وَاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بُعِثَ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ هُوَ جُحُودُهُمْ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنْكَارِهِمْ ذَلِكَ، وَكِتْمَانِهِمْ عِلْمَ ذَلِكَ [عَنِ] (٥) النَّاسِ بَعْدَ إِعْطَائِهِمُ اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْمِيثَاقَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَوْلُ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ جَمِيعَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ. وَعَهْدُهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ فِي تَوْحِيدِهِ: مَا وَضَعَ لَهُمْ (٦) مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ، وَعَهْدُهُ إِلَيْهِمْ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا احْتَجَّ بِهِ لِرُسُلِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرُهُمْ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهَا (٧) الشَّاهِدَةِ لَهُمْ عَلَى صِدْقِهِمْ، قَالُوا: وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ: تَرْكُهُمُ (٨) الْإِقْرَارَ بِمَا ثَبَتَتْ لَهُمْ صِحَّتُهُ بِالْأَدِلَّةِ وَتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ وَالْكُتُبَ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ حَقٌّ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ (٩) نَحْوَ هَذَا، وَهُوَ حَسَنٌ، [وَإِلَيْهِ مَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا الْمُرَادُ بِعَهْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: مَا رَكَّزَ فِي عُقُولِهِمْ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى التَّوْحِيدِ، كَأَنَّهُ أَمْرٌ وَصَّاهُمْ بِهِ وَوَثَّقَهُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] إِذْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَيْهِمْ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٤٠] (١٠).
وَقَالَ آخَرُونَ: الْعَهْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ [اللَّهُ] (١١) تَعَالَى هُوَ الْعَهْدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من
(١) في جـ: "شمل".
(٢) في طـ: "الدليل".
(٣) في جـ: "وبغضهم".
(٤) في جـ: "هو".
(٥) زيادة من جـ، ط.
(٦) في جـ، ط: "إليهم".
(٧) في و: "بمثله".
(٨) في جـ: "عدم".
(٩) في جـ، ط، أ، و: "بن حيان أيضا".
(١٠) زيادة من جـ، ط، أ، و.
(١١) زيادة من جـ.
صُلْبِ آدَمَ الَّذِي وَصَفَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [شَهِدْنَا]﴾ (١) الْآيَتَيْنِ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢، ١٧٣] وَنَقْضُهُمْ (٢) ذَلِكَ تَرْكُهُمُ الْوَفَاءَ بِهِ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَيْضًا، حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ قَالَ: هِيَ سِتُّ خِصَالٍ مِنَ (٣) الْمُنَافِقِينَ إِذَا كَانَتْ فِيهِمُ الظَّهْرَة (٤) عَلَى النَّاسِ أَظْهَرُوا هَذِهِ الْخِصَالَ: إِذَا حَدَّثُوا كَذَبُوا، وَإِذَا وَعَدُوا أَخْلَفُوا، وَإِذَا اؤْتُمِنُوا خَانُوا، وَنَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَقَطَعُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا كَانَتِ الظَّهْرَةُ (٥) عَلَيْهِمْ أَظْهَرُوا الْخِصَالَ (٦) الثَّلَاثَ: إِذَا حَدَّثُوا كَذَبُوا، وَإِذَا وَعَدُوا أَخْلَفُوا، وَإِذَا اؤْتُمِنُوا خَانُوا.
وَكَذَا (٧) قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ أَيْضًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادِهِ، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قَالَ: هُوَ مَا عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ فَأَقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا فَنَقَضُوهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ صِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتُ، كَمَا فَسَّرَهُ قَتَادَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] وَرَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ وَفِعْلِهِ قَطَعُوهُ وَتَرَكُوهُ.
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قَالَ (٨) فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٥].
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَسَبَهُ اللَّهُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنَ اسْمٍ مِثْلِ خَاسِرٍ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْكُفْرَ، وَمَا نَسَبَهُ إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الذَّنْبَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الْخَاسِرُونَ: جَمْعُ خَاسِرٍ، وَهُمُ النَّاقِصُونَ أَنْفُسَهُمْ [وَ] (٩) حُظُوظَهُمْ بِمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ مِنْ رَحْمَتِهِ، كَمَا يَخْسَرُ الرَّجُلُ فِي تِجَارَتِهِ بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ فِي بَيْعِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ خَسِرَ بِحِرْمَانِ اللَّهِ إِيَّاهُ رَحْمَتَهُ الَّتِي خَلَقَهَا لِعِبَادِهِ فِي الْقِيَامَةِ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَى رَحْمَتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: خَسِرَ الرَّجُلُ يَخْسَرُ خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا، كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ (١٠) إِنَّ سَلِيطًا فِي الخَسَارِ إنَّه... أولادُ قَومٍ خُلقُوا أقِنَّه (١١)
(١) زيادة من جـ.
(٢) في جـ: "وبغضهم".
(٣) في جـ، ط: "في".
(٤) في جـ: "الظهيرة".
(٥) في جـ: "الظهيرة".
(٦) في جـ: "أخفوا هذه الخصال".
(٧) في جـ: "وقال".
(٨) في أ: "أي".
(٩) زيادة من جـ.
(١٠) في أ: "خطيئة".
(١١) اليت في تفسير الطبري (١/٤١٧).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
يقول تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ أي : أيَّ مثل كان ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا، جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك. فليس في ذلك محل اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر. ولهذا قال :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فيتفهمونها، ويتفكرون فيها.
فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال :﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية. قال تعالى :﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [ وضلالة ] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ ورحمة ] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال.
ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى(١)  فقال :﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ أي : الخارجين عن طاعة الله، المعاندين لرسل الله، الذين صار الفسق وصفهم، فلا يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.
والفسق نوعان : نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان، كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [ الآية ].
١ - في ب: ثم ذكر حكمته وعدله في إضلال من يضل..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٦ - ٢٧} ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
يقول تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا﴾ أي: أيَّ مثل كان ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا، جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك. فليس في ذلك محل اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر. ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فيتفهمونها، ويتفكرون فيها.
فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال.
ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى (١) فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم; فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.
والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان; كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الآية].
ثم وصف الفاسقين فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه (٢) والذي بينهم وبين عباده (٣) الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق.
-[٤٨]-
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب; وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق (٤) التي أمر الله أن نصلها.
فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم; معتاضين عنها بالفسق والقطيعة; والعمل بالمعاصي; وهو: الإفساد في الأرض.
فـ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي: من هذه صفته ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم; لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم; ليس لهم نوع من الربح؛ لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان; فمن لا إيمان له لا عمل له; وهذا الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا; وقد يكون معصية; وقد يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ فهذا عام لكل مخلوق; إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح; والتواصي بالحق; والتواصي بالصبر; وحقيقة فوات الخير; الذي [كان] العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه.
(١) في ب: ثم ذكر حكمته وعدله في إضلال من يضل.
(٢) في ب: وبين ربهم.
(٣) في ب: الخلق.
(٤) في ب: "بحقوقهم".
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
يَسْتَحْيِي
الاستحياء: افتعال من الحياء وهو تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم، ومحلّه الوجه ومنبعه من القلب. واشتقاقه من الحياة، وضده القحة. والحياء والاستحياء والانخزال والانقماع والانقلاع متقاربة المعنى. وقيل: الاستحياء: الامتناع والارتداع.
يَضْرِبَ مَثَلًا
أن يذكر شبها. وقيل معنى يضرب: يبيّن، وقيل معناه يضع من ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ فيتعدّى إلى واحد. وقيل: معناه يجعل ويصير فيتعدّى إلى مفعولين.
بَعُوضَةً
هي واحد البعوض، وهي طائر صغير جدّا معروف، وهو في الأصل صفة على فعول فغلبت، أو اشتقاقه من البعض بمعنى القطع.
فَما فَوْقَها
قيل: في الكبر، وقيل: في الصغر. وقال ابن قتيبة : فوق من الأضداد يطلق على الأكثر والأقل.
الْحَقُّ
الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. والباطل مقابله وهو المضمحلّ الزائل.
أَرادَ
الإرادة نقيضة الكراهة، مصدر أردت الشيء: طلبته. وقيل:الإرادة: المشيئة. والمشهور ترادفهما، فهي صفة مخصّصة لأحد طرفي الممكن بما هو جائز عليه من وجود أو عدم أو هيئة دون هيئة أو حالة دون حالة أو زمان دون زمان، وجمع ما يمكن أن يتصف به الممكن بدلا من خلافه أو ضدّه أو نقيضه أو مثله، غير أنها في الشاهد لا يجب لها حصول مرادها، وفي حق الله- تعالي- يجب لها ذلك لأنها في الشاهد عرض مخلوق مصرّف بالقدرة الإلهية، والمشيئة الربّانية هي مرادها. وفي حق الله- تعالى- معنى ليس بعرض واجب الوجود متعلّقة لذاتها أزليّة أبديّة واجبة النّفوذ بما تعلّقت به.
كَثِيراً
هو ضد القليل.
الْفاسِقِينَ
الخارجين عن أمر الله عز وجل، وقوله: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عنه. وكلّ خارج عن أمر الله فهو فاسق. فأعظم الفسق:الشّرك بالله، ثم ما أدّى إلى معاصيه ، وحكي عن العرب: فسقت الرّطبة، إذا خرجت من قشرها .وقيل: الفاسق شرعا: الخارج عن الحقّ، وجاء في مضارعه الضّمّ والكسر، قال ابن الأعرابيّ : «لم يسمع قطّ في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق، قال:وهذا عجيب وهو كلام عربيّ» .قلت: قال القرطبي: قد ذكر ابن الأنباريّ في «الزاهر» لما تكلّم علىمعنى الفسق قول الشاعر:يهوين في نجد وغورا غائرا ... فواسقا عن قصدهم جوائرا

إعراب الآية ٢٦ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

مُطَهَّرَةٌ نعت وواحد الأزواج زوج. قال الأصمعي، ولا تكاد العرب تقول: زوجة.
قال أبو جعفر «١» : حكى الفراء أنه يقال: زوجة وأنشد: [الطويل] ١٠-
إنّ الذي يمشي يحرش زوجتيكماش إلى أسد الشّرى يستبيلها «٢»
وَهُمْ مبتدأ، خالِدُونَ خبره والظرف ملغى، ويجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦]

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)
إِنَّ اللَّهَ اسم «إنّ» والجملة الخبر. لغة تميم وبكر بن وائل. لا يستحى بياء واحدة وهكذا قرأ ابن كثير وابن محيصن وشبل «٣» وفيه قولان: قال الخليل:
أسكنت الياء الأولى كما سكنت في «باع» وسكنت الثانية لأنها لام الفعل، قال سيبويه «٤» وقال غيره: لمّا كسر وكانتا ياءين حذفوها وألقوا حركتها على الحاء. قال أبو جعفر: شرح قول الخليل أنّ الأصل استحيا فأعلّه من جهتين أعلّ الياء الأولى كما يقال: استباع، وأعلّ الثانية كما يقال: يرمي فحذف الأولى لئلا يلتقي ساكنان، وهذا بعيد جدا لأنهم يجتنبون الإعلال من جهتين. والقول الآخر هو قول سيبويه سمعت أبا إسحاق يقول: إذا قال سيبويه بعد قول الخليل: وقال غيره فإنما يعني نفسه ولا يسمّي نفسه بعد الخليل إجلالا منه له، وشرح قول سيبويه أنّ الأصل: استحيا كثر استعمالهم إيّاه فحذفوا الياء الأولى وألقوا حركتها على الحاء فأشبه افتعل نحو اقتضى فصرفوه تصريفه فقالوا: استحى يستحي. أَنْ يَضْرِبَ في موضع نصب أي من أن يضرب.
مَثَلًا منصوب بيضرب. ما بَعُوضَةً في نصبها ثلاثة أوجه: تكون «ما» زائدة و «بعوضة» بدلا من مثل، ويجوز أن تكون «ما» في موضع نصب نكرة و «بعوضة» نعتا لما، وصلح أن تكون نعتا لأنها بمعنى قليل، والوجه الثالث قول الكسائي والفراء «٥» قالا: التقدير: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة حذفت «بين» وأعربت بعوضة بإعرابها
(١) انظر البحر المحيط ١/ ٢٥١.
(٢) الشاهد للفرزدق في ديوانه ٦١، ولسان العرب (زوج) و (بول)، وإصلاح المنطق ٣٣١، وبلا نسبة في ديوان الأدب ٣/ ٣٠٨ والمذكّر والمؤنث للأنباري ص ٣٧٥، والمذكر والمؤنث للفراء ص ٩٥، وفي الديوان:
«وإنّ الذي يسعى ليفسد زوجتي» [.....]
(٣) شبل بن عياد أبو داود المكي، مقرئ مكة، ثقة، هو أجلّ أصحاب ابن كثير (ت ١٦٠ هـ). ترجمته في غاية النهاية ١/ ٣٢٣.
(٤) انظر الكتاب ٤/ ٥٤٠.
(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٢٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٦ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾. [٢٦].
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله تعالى هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال: فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين [به] المثل - ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن إسحاق الحافظ في كتابه، أخبرنا سليمان بن أيوب الطبراني، حدَّثنا بكر بن سهل، حدَّثنا عبد العزيز بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ قال:
وذلك أن الله ذكر آلهة المشركين فقال ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً﴾ وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أيّ شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية.

الموضوعات القرآنية للآية ٢٦ من سورة البقرة

١١ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٤١ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٦ قولًا
١
عن سعد بن أبي وقاص -من طريق ابنه مصعب- ﴿يضل به كثيرا﴾، يعني: الخوارج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٠.
٢
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿يضل به كثيرا﴾، يقول: يَعْرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿ويهدي به كثيرا﴾، يعني: المؤمنين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٠.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يضل به﴾ أي: يُضِلُّ الله بهذا المثل ﴿كثيرًا﴾ من الناس، يعني: اليهود، ﴿ويهدي به﴾ أي: بهذا المثل ﴿كثيرا﴾ من الناس، يعني: المؤمنين١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَجَّحَ ابنُ جرير (١/٤٣٢-٤٣٣ بتصرف) أن يكون قوله تعالى: ﴿يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا﴾ خبرًا مُسْتَأْنَفًا من الله ﷻ؛ مُسْتَنِدًا في ذلك إلى النظائر، وما ورد عن السلف، فقال: «وهذا خبر من الله -جل ثناؤه- مبتدأ، ومعنى الكلام: أنّ الله يُضِلُّ بالمَثَل الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر. وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن المنافقين، كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بمَثَلٍ لا يعرفه كل أحد، يضل به هذا ويهدي به هذا. ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله، فقال الله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾. وفيما في سورة المدثر من قول الله: ﴿وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا. كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [المدثر:٣١] ما يُنبِئ عن أنه في سورة البقرة كذلك مبتدأ». وذكر ابن عطية (١/١٥٨) احتمالًا آخر، وهو: «أن يكون قوله تعالى: ﴿ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ إلى آخر الآية ردًّا من الله تعالى على قول الكفار: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾».
٥
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾: هم المنافقون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٤٣٤. وعزاه السيوطي إليه دون ذكر ابن عباس.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج، عن مجاهد- في قوله: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾، يقول: يعني: الكافرين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٠. وعزاه السيوطي إليه بلفظ: يعرفه الكافرون؛ فيكفرون به.
٧
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿واما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا الفاسقين﴾، قال: فهم أهل النفاق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٠.
٨
وعن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٣٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٠.
٩
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾، يقول: يَعْرِفُه الفاسقون، ويكفرون به١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص١٩٨. وعزا السيوطيُّ نحوه إلى عبد بن حميد.
١٠
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾، يقول: فسقوا؛ فأَضَلَّهم الله بفسقهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٣٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٧٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾، قال: هم المنافقون١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختار ابنُ جرير (١/٤٣٤-٤٣٥) أن يكون المعنى: وما يضل الله ﷻ به إلا أهل الفسق من الكفار والمنافقين، فقال: «معنى قوله: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾: وما يُضِلُّ الله بالمَثَل الذي يضربه لأهل الضَّلال والنِّفاق إلا الخارجين عن طاعته، والتّارِكين اتِّباع أمرِه، مِن أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضَّلال من أهل النِّفاق»، واستدل على ذلك بما ورد عن السلف. ورَجَّحَ ابنُ تيمية (١/١٧٨) أن يكون المعنى: كلُّ من ضل به فهو فاسق. فهو ذم لمن يَضِلُّ به؛ فإنه يفسق بذلك، وإن لم يكن فاسقًا من قبل؛ مستدلًا على ذلك بتأوّل سعد بن أبي وقاص لها في الخوارج، وسماهم فاسقين؛ لأنهم ضلوا بالقرآن.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وما يضل به﴾ أي: بهذا المثل ﴿إلا الفاسقين﴾ يعني: اليهود. ثم أخبر فقال سبحانه: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
١٣
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، لا تَغْتَرُّوا بالله؛ فإنّ الله لو كان مُغْفِلًا شيئًا لأغفل البعوضة، والذَّرَّة، والخَرْدَلَة»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو الشيخ في العظمة ٢‏/‏٥٣٣-٥٣٤. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٩٣٧ (١٦٦٥٩). وأورده الديلمي في الفردوس ٥‏/‏٢٧٤ (٨١٦٧)، ويحيى بن سلام ١‏/‏٣١٩. قال الألباني في الضعيفة ٣‏/‏٣٥٩ (١٢١٤): «ضعيف جدًّا».
١٤
عن عبد الله بن عباس: ﴿فما فوقها﴾، يعني: الذباب، والعنكبوت١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١‏/‏١٧٢.
١٥
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- قال: البعوضةُ أضْعَفُ ما خلق الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٢٦.
١٦
عن ابن جُرَيْج -من طريق حَجّاج- قال: خَصَّها الله بالذِّكْرِ في القِلَّة١، فأخبر أنه لا يستحيي أن يضرب أقلَّ الأمثال في الحقِّ، وأحقرها، وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع؛ جوابًا منه -جَلَّ ذِكْرُه- لِمَن أنكر من منافقي خلقه ما ضرب لهم من المثل بموقد النار، والصَّيِّب من السماء على ما نعَتَهما به مِن نَعْتِهما٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٢٦.
تعليقات المحققين
  1. ١رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٣٠ بتصرف) أن يكون معنى ﴿فما فوقها﴾ أي: فما هو أعظم منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، مستندًا في ذلك إلى ما ورد عن قتادة وابنِ جريج من أنّ البعوضة أضعف ما خلق الله. وأيّدَه ابن كثير (١/٣٢٦) مُستندًا إلى السّنّة، فقال: «يؤيده ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها». فأخبر أنه لا يَسْتَصْغِر شيئًا يَضْرِب به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصِّغَر كالبعوضة، كما لا يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها». وانتَقَد ابنُ جرير (١/٤٣١) قولَ من جعل معنى ﴿فما فوقها﴾ أي: في الصغر والقِلَّة والحقارة؛ لمخالفتِه تأويلَ أهلِ التأويل، فقال: «وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتُهم بتأويل القرآن». وعلَّقَ ابن عطية (١/١٥٧) على القولين قائلًا: «والكُلُّ مُحْتَمَل».
١٧
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾، يعني: هذا المَثَل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٩. وعزاه السيوطي إليه بلفظ الربيع التالي.
١٨
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق﴾، قال: يؤمن به المؤمنون، ويعلمون أنّه الحق من ربهم، ويهديهم الله به١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص١٩٨، وأخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٣٢. وعلّق ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٩ نحوه مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٩
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- في قوله: ﴿فَأَمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾، أي: يعلمون أنهم ابْتُلُوا بذلك؛ ليعلم اللهُ من يَعْرِفُ أمرَه، ويُصَدِّق قولَه، ويَسْتَيْقِنُ بما أنزل الله من كتابه أنّه حق، وأنّ ما قال كما قال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٩.
٢٠
عن قتادة -من طريق سعيد- قوله: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾ أي: يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه الحق من الله، ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الدارمي (٢‏/‏٥٣٢)، وابن جرير ١‏/‏٤٣١، وابن أبي حاتم ١‏/‏٦٩ من طريق سعيد بن أبي عروبة، وسعيد بن بشير. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾، أي: أنّ هذا المثل الحقُّ من ربهم، وأنّه كلام الله، ومِن عندِه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٣١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢جمع ابن جرير (١/٤٣١-٤٣٢) بين قول الربيع بن أنس وقول قتادة، وقال مبيّنًا معنى قوله تعالى: ﴿فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾: «يعني: فيعرفون أن المثل الذي ضربه الله لما ضربه له مثلًا مثلٌ».
٢٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فأما الذين آمنوا﴾ يعني: يُصَدِّقون بالقرآن ﴿فيعلمون أنه﴾ أي: هذا المثل هو ﴿الحق من ربهم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
٢٣
عن قتادة -من طريق سعيد-: ﴿وأَمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في قلوبهم مرض ﴿فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٩.
٢٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقرآن، يعني: اليهود ﴿فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا﴾ الذي ذكر ﴿مثلا﴾، إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه، وليس من الله. فأنزل الله عز وجل: ﴿يضل به كثيرا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
٢٥
عن ابن جُرَيْج: ﴿فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾، قال غير مجاهد: قال ذلك الكافرون لَمّا سمعوا ذِكْر العنكبوت والذباب وغير ذلك لِما ضربه مثلًا من خلقه في كتابه، قالوا: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ أي: ذِكْر العنكبوت والذباب. فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٧٠ (٢٨٠).
٢٦
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿يضل به كثيرا﴾ يعني: المنافقين، ﴿ويهدي به كثيرا﴾ يعني: المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالًا إلى ضلالهم؛ لتكذيبهم بما قد عَلِمُوه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لِما ضربه له، وأنه لِما ضربه له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به. و﴿يهدي به﴾ -يعني: بالمثل- كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدًى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافقٌ ما ضربه الله له مثلًا، وإقرارهم به، وذلك هداية الله لهم به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٤٣٣. وعزاه السيوطي إليه مختصرًا دون ذكر ابن عباس.

تفسير الآية

٥ أقوال
١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾، يعني: الأمثال كلها؛ صغيرها وكبيرها١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص١٩٨، وأخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٢٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٦٨ (٢٧١).
٢
عن قتادة -من طريق سعيد- قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾، أي: إنّ الله لا يستحيي مِن الحق أن يذكر منه شيئًا، قَلَّ منه أو كَثُر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٢٤.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾، يعني: إنّ الله عز وجل لا يمنعه الحياء أن يَصِف للخلق مثلًا ما؛ بعوضة فما فوقها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
٤
عن أبي العالية -من طريق الرَّبيع بن أنس- في قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾: فإذا جاءت آجالهم وانقطعت مدتهم صاروا كالبعوضة، تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَوِيت. فكذلك هؤلاء الذين ضُرِب لهم هذا المثل إذا امْتَلَؤُوا من الدنيا رِيًّا أخذهم الله، فأهلكهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٨ (٢٧٠).
٥
عن الربيع بن أنس -من طريق ابن أبي جعفر الرازي، عن أبيه- نحوه، وزاد في آخره: فذلك قوله: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾ [الأنعام: ٤٤]١، وفي رواية أخرى -من طريق قُرادٍ، عن أبي جعفر الرازي- قال: هذا مَثَل ضربه الله للدنيا، إنّ البعوضة تَحْيا ما جاعت، فإذا سَمِنَت ماتت، وكذلك مَثَل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المَثَل في القرآن، إذا امْتَلَؤُوا من الدنيا رِيًّا أخذهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ الآية [الأنعام: ٤٤]٢٣
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٤٢٤.
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١/ ٤٢٣.
تعليقات المحققين
  1. ٣انتَقَد ابنُ عطية (١/ ١٥٤) القولَ بأنّ هذه الآية مَثَلٌ للدنيا، مُستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا ضعيف؛ يأباه رَصْف الكلام، واتِّساقُ المعنى».

نزول الآية

١٠ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- قالوا: لَمّا ضرب الله هذين المثلين للمنافقين؛ قوله تعالى ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا﴾، وقوله: ﴿أو كصيب من السماء﴾، قال المنافقون: الله أعلى وأَجَلُّ من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا﴾إلى قوله: ﴿أولئك هم الخاسرون﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٤٢٣، والواحدي في أسباب النزول ص ٢٣ عن ابن عباس من رواية أبي صالح. قال ابن حجر في العُجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦: «الروايتان عن ابن عباس واهيتان».
٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٨.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج، عن عطاء- قال: إنّ الله ذكر آلهة المشركين، فقال: ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا﴾ [الحج:٧٣]. وذَكَر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيتم حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أُنزِل من القرآن على محمد، أيَّ شيء كان يصنع بهذا؟! فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٢٣-٢٤. فيه عبد الغني بن سعيد، قال ابن حجر في العُجاب في بيان الأسباب ١‏/‏٢٤٥-٢٤٦: «الروايتان عن ابن عباس واهيتان». وقال السيوطي في لباب النقول ص٨-٩: «عبد الغني واهٍ جدًّا».
٤
قال الحسن، وقتادة، وعطاء، عن ابن عباس: لما ذكر الله عز وجل الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله. فأنزل الله هذه الآية١
التخريج
  1. ١علَّقه الواحدي في الوسيط ١‏/‏١٠٧.
٥
عن الحسن البصري، قال: لَمّا نزلت: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل﴾ [الحج:٧٣] قال المشركون: ما هذا من الأمثال فيُضْرَب -أو: ما يشبه هذا الأمثال-. فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾، لم يُرِد البعوضة، إنما أراد المَثَل١
التخريج
  1. ١علّق ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٩ نحوه. وعزاه السيوطي إليه، ويبدو أن ابن أبي حاتم أسنده في تفسير سورة الحج (وهو في القطعة المفقودة من تفسيره). كذلك علّق نحوه الواحدي في أسباب النزول ص١٢٥، وفيه: ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله.
٦
عن قتادة -من طريق سعيد- قوله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾، أي: إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر منه شيئًا، قَلَّ منه أو كَثُر. إنّ الله -جَلَّ ذكرُه- حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذِكْرِ هذا؟ فأنزل الله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١‏/‏٤٢٤.
٧
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- قال: لَمّا ذَكَر الله العنكبوت والذباب قال المشركون -ولفظ ابن المنذر: قال أهل الكتاب-: ما بالُ العنكبوت والذباب يُذْكَران؟! فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾١٢٣
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٤١، وابن جرير ١‏/‏٤٢٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٦٩ (٢٧٣). وعلّق نحوه الواحدي في أسباب النزول ص١٢٥ وفيه: ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ كثير في تفسيره (١/٣٢٤) أنّ عبارة رواية سعيد أقرب؛ لأن عبارة رواية مَعْمَر فيها إشعار بأن الآية مكية، وليس كذلك.
  2. ٣رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٢٤-٤٢٥ بتصرف) ما حكاه السدي في تفسيره عن ابن مسعود، وعن ابن عباس -من طريق أبي صالح-، وعن ناس من الصحابة مِن أنّ الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِبَ لهم من الأمثال في سورة البقرة، وعَلَّل ابن جرير ذلك بدلالة السياق، وأن «الله -جَلَّ ذِكْرُه- أخبر عبادَه أنّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، عقيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السُّوَر غيرها. فلأن يكون هذا القول... جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة أحَقُّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضُرِب لهم من الأمثال في غيرها من السور». وارتضى ترجيحَه ابنُ كثير (١/٣٢٥) بقوله: «وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمَسُّ بالسورة، وهو مناسب». وانتقد ابنُ جرير (١/٤٢٥-٤٢٦) ما يمكن أن يَظُنَّه ظانٌّ من أنه إذا كانت هذه الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة، فالواجب أن يكون ذلك في بقية الأمثال في غيرها من السور؛ لموافقتها لها في المعنى. وذكرَ أنّ الأمر بخلاف ما ظن؛ لكون الآية خبرًا منه -جَلَّ ذِكْرُه- أنه لا يستحي أن يضرب في الحق من الأمثال صغيرها وكبيرها؛ ابتلاءً بذلك عباده؛ ليميز به أهلَ الإيمان والتصديق به من أهلِ الضلال والكفر به، لا أنّه -جَلَّ ذِكْرُه- قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرب المثل بها، ولكن البعوضة لَمّا كانت أضعف الخلق خَصَّها الله بالذِّكْرِ في القِلَّة.
٨
عن إسماعيل بن أبي خالد، نحوه١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٦٨ (عَقِب ٢٧٣).
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾، وذلك أنّ الله عز وجل ذَكَر العنكبوت والذباب في القرآن، فضَحِكَت اليهود، وقالت: ما يُشْبِهُ هذا من الأمثال. فقال سبحانه: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٩٥.
١٠
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا﴾ الآية، وذلك أنّ الله لما ذكر في كتابه العنكبوت والنمل والذباب قال المشركون ماذا أراد الله بذكر هذا في كتابه؟! وليس يُقِرُّون أنّ الله أنزله، ولكن يقولون للنبي ﷺ: إن كنت صادقًا فماذا أراد الله بهذا مَثَلًا. فأنزل الله: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٢٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢ونقل ابن عطية (١/١٥٣) عن ابن قتيبة أن الآية: «إنما نزلت لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت».
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٦ من سورة البقرة

١٥ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿ فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحقُّ من ربّهم ﴾ يزدادون إيماناً ويقيناً في المواضع التي يزداد بها غيرهم ريباً وشكا.

    — تفسير السعدي

  • في القرآن بضعة وأربعون مثلًا، والله تعالى -بحكمته- يجعل ضرب المثل سببًا لهداية قوم فهموه، وسببًا لضلال لقوم لم يفهموا حكمته، كما قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً )

    — محمد الأمين الشنقيطي / تفسير أضواء البيان

  • سورة البقرة (26)

    — محمد الربيعة

  • برنامج لطائف قرآنية سورة البقرة آية 26 الجزء الأول

    — محمد حسان

  • نقض العهد من الفسوق ..! قال تعالى: "وما يضل به إلا الفاسقين *الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه"

    — مجالس التدبر

  • يضرب الله الأمثال فتكون سبباً لضلال أقوام وهداية آخرين.. "يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين"

    — مجالس التدبر

  • *(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) ما المقصود بـ (فما فوقها)؟ القدامى يفسرون هذه الآية أنها دلالة على قدرة الله تعالى وفي دراسة علمية حديثة تبين أن فوق البعوضة جرثومة صغيرة لا ترى بالعين المجردة فهل هذا ما كان يُقصد بالآية أن ما فوقها هو هذا الكائن الحيّ؟ هنالك أشياء تعيش على البعوضة وقد ثبت علمياً هذا. على أي حال من أبرز التفاسير قالوا فما دونها وقالوا فما فوقها في الدلالة يعني يذكر البعوضة وغيرها فلا يستحي أن يضرب بعوضة فما فوقها في الاستدلال على الأشياء التي يريدها وليس بالضرورة أن تكون (فما فوقها) يعني ما أكبر منها وإنما ما فوقها في الاستدلال فهذا يشمل ما هو أصغر من البعوضة وما هو أعلى من البعوضة كالذباب.إذن (فما فوقها) يقولون في الاستدلال على قوة الله وقدرته والحكمة في مظاهر القوة والاستدلال فتكون عامة لما ذكر ولما لم يذكر، لما ذكر وأشار إليه الأخ السائل ولغيره.

    — فاضل السامرائي

  • * ما تفسير قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) البقرة)؟ قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26)) يقول علماؤنا أن هذه الآية نزلت بعد أن تكلم بعض يهود وبعض المشركين على الأمثال التي يضربها القرآن الكريم وعلى ذِكر بعض مخلوقات الله سبحانه وتعالى: ذكر الذباب فى سورة الحج، بعض يهود قالوا هذا كلام لا يقوله الله سبحانه وتعالى وما هذه الأمثلة؟ وهو نوع من المعاندة هذا المثل لما يضربه القرآن نوع من التوضيح. هذه الآيات جاءت بعد ضرب مثلين في القرآن الكريم للمنافقين (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) البقرة)، (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) البقرة) ضرب مثلين. نحن لو نظرنا في المثل: أولاً المثل مستعمل عند العرب وفيه حكمة بالغة أي يؤدي رسالة وكثير من أبيات المتنبي صارت أمثالاً "مصائب قوم عند قوم فوائد" عبارة هي صغيرة لكن تعطي صورة فالقرآن الكريم يستعمل هذه الأمثال. أما كون أن الله سبحانه وتعالى ذكر الذبابة وذكر العنكبوت والبعوضة، لو فكّر الإنسان وتمعّن هل البعوضة شيء سهل؟ أولاً المراد بالبعوضة هي صِغار البقّ لأنها بعض البقّ وسميت بعوضة من البعضية التي هي الجزئية. القرآن كأنه يريد أن يقول: الله سبحانه وتعالى لا يُحجم عن ذكر هذه الأشياء، لأن كل واحدة من هذه الأشياء لو تفكرت فيه لسجدت لله سبحانه وتعالى لعظيم صنعه. البعوضة هي أصغر ما يعرفه العربي حتى عندنا الآن ما معروف أصغر من البعوضة. الذبابة كبيرة، البقة كبيرة، هذا صغار البقّ صغير جداً أصغر منه لا يعرفه العربي من الأحياء، فلما يقول الباري (إن الله لا يستحي) أي لا يتحرج ولله المثل الأعلى أن يضرب مثلاً ما، أيّ مثل، مطلق بعوضة فما فوقها. هي بالنسبة للعربي ولنظرنا اليوم لا نعرف في حياتنا الاجتماعية خلقاً لله سبحانه وتعالى أدق من التي تسمى البعوضة (البقّة هي كبيرة يمكن أن ترى وتنقل الملاريا) البعوضة أصغر أصغر من البقّة حتى أحياناً تكون بقدر خرطومها لصغرها. لكن بعض العلماء (فما فوقها) يقولون المقصود ما هو دونها ونحن لا نميل إلى هذا وإن كانت اللغة تحتمل ذلك، تقول "فلان جاهل" فيقول آخر: "وفوق ذلك" يقصد دون ذلك، فما فوقها أي مما فوقها من البعوضة إلى البقة إلى الذبابة إلى العنكبوت إلى الطير ، كل واحد من هذه المخلوقات لو تفكر فيها الإنسان يسجد لله سبحانه وتعالى لعجيب صنعه تبارك وتعالى فغير مستغرب أن يضرب الله هذه الأمثال.هذا معنى ضرب المثل (بعوضة فما فوقها) لا نُغلِّط الذي يقول فما تحتها لكن نرجح نختار فما فوقها أي فما فوقها لأن العربي لا يعرف شيئاً دون البعوضة ونحن الآن هذه حالنا. الحياء – ولله المثل الأعلى – هذا كلام الله عز وجل، الحياء في اللغة حالة في نفس الإنسان تجعله يُحجِم عن شيء، يحجم عن كلام استحياء لا يتكلم أحياناً، عن فعل ينوي أن يفعله أو فعل شيئاً إذا وُجه فيه يصيبه الحياء. هي حالة نفسية لكنها لا تنطبق على الباري سبحانه وتعالى وإنما لأنه يستعمل الطريقة التي يتكلم بها العرب فيُفهم من ذلك أن كتاب الله تعالى يرد فيه من غير إحجام ومن غير تردد ذكرٌ لهذه الأمثال. إذا ضرب هذا المثل المؤمن الواعي المدرك يعلم أنه حق لأنه سيتفكر.أما الذين كفروا (فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا) فيرد عليهم القرآن (يضل به كثيراً) هذا المثال يكون سبباً للإضلال وسبباً للهداية. المؤمن لما يتفكر يهتدي وغير المؤمن أو الفاسق كما عبّرت الآية (وما يضل به إلا الفاسقين) الفاسق الخارج من طبعه أو الخارج من فطرته - لأن المخلوق يولد على الفطرة.

    — حسام النعيمي

  • *ما وجه الاختلاف بين قوله تعالى(وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿26﴾ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿27﴾ البقرة) - (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿25﴾ الرعد) في قوله تعالى (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴿26﴾ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿27﴾ البقرة) تنتهي بقوله (أولئك هم الخاسرون)، نفس الآية في سورة الرعد (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿25﴾ الرعد) هنا تنتهي (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) فلماذا في النقض الأول في البقرة قال أولئك هم الخاسرون والنقض الثاني في الرعد قال أولئك عليهم اللعنة ولهم سوء الدار؟ الخطاب في البقرة لبني إسرائيل وبنو إسرائيل من حقهم بل من واجبهم أن يتّبعوا سيدنا موسى وهم اتبعوا سيدنا موسى إلا أنهم حرّفوا في هذا الدين، المهم أنهم على شريعتهم وعلى ما أوجب الله عليهم من إتباع التوراة وما جاء به سيدنا موسى عليه السلام وعندما حرّفوا حرّفوا ضمن المشروع، ضمن هذا الدين فرب العالمين قال هؤلاء الذين نقضوا الميثاق. والميثاق هو الذي أخذ الله به على البشرية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴿172﴾ الأعراف) الميثاق الذي أخذه الله على كل بني آدم أنني أنا الله لا إله إلا أنا وقالوا بلى، فمن كفر بعد ذلك فقد نقض الميثاق. الميثاق الثاني للأنبياء جميعاً وأممهم أن يؤمنوا بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿81﴾ آل عمران) هذان هما الميثاق، جميع البشرية أخذ الله عليها هذا الميثاق، بعض البشرية حرّفوا ونقضوا هذا الميثاق إما كُلاً أو جزءاً، جزءاً هم بنو إسرائيل ولهذا الله قال أولئك هم الخاسرون نقضوا بعض ما جاء به سيدنا موسى ولم يتبعوه وحرفوه وإلى هذا اليوم هم يتّبعون هذا التحريف والله قال هم خاسرون لأنهم لا يزالوا أتباع سيدنا موسى، هذا في سورة البقرة. في سورة الرعد خطاب للمسلمين المسلمون إذا نقضوا العهد وتركوا الإسلام وحرفوه واتبعوا ما جاء به بنو إسرائيل (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) فانحراف بني إسرائيل جزئي، انحراف المسلم الذي يترك دينه ويتبع ما جاءت به التوراة في تعليماته في أوامرها في ولائه لهم في خدمته لهم (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) فاليهود الذين حرّفوا (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) لأنهم ضمن دينهم. المسلمون الذين حرّفوا تبعاً لإرادات اليهود ومشيئتهم وهذا في التاريخ كثير (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ). هؤلاء اليهود صنعوا من المسلمين فرقاً فرقاً أعدى ما تكون للإسلام نفسه (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).

    — عبدالرحمن بن معاضة الشهري

  • أمثال القرآن - سورة البقرة

    — عبدالرحمن بن معاضة الشهري

  • (فَمَا فَوْقَهَا ) . تحتمل معنيين : 1-أي في الصغر الذي تنتقدونه ، وليس المراد أكبر منها ، فكما جعل الله الفيل كائناً حياً بكل أجهزته الحيوية، جعل البعوضة والذبابة كائنين حيين بنفس الأجهزة التي لدى الفيل ، والإعجاز في البعوضة والذبابة أعظم منه في الفيل وغيره . 2- فوقها في الغرابة وليس في الحجم .(في المطبوع 1/211)

    — محمد متولي الشعراوي

  • برنامج لمسات بيانية (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (26) البقرة) ما معنى فما فوقها؟ هل هو بمعنى دونها؟ كلمة فوق قد تستعمل للزيادة في الحجم أكبر منها أو الزيادة في الوصف لما تقول هو حقير وفوق الحقير يعني هذا دون هذا، فوق الحقير هو دون الحقير. إذن (فوق) فيها أمرين في الوصف إذا قلنا فوق سيصبح ترقي إلى أسفل وإذا في المدح سيكون أعلى هو كريم فوق الكريم والخسيس فوق الخسيس. إذن فوقها جمعت أمرين متناقضين تماماً لما قال (فما فوقها) سواء كان في حجمها أو في صفاتها، الآن جمع أمرين سواء في الحجم ضرب مثلاً في العنكبوت (كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ (41) العنكبوت) والذباب (وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا (73) الحج) لا يستحي، وما فوقها بمعنى ما دونها في الصفات. إذن فما فوقها جمعت أمرين لو قال فما دونها لا تجمع الأمرين. نقول هو لئيم وفوق اللئيم أي أسوأ منه.إذن فما فوقها في الصفات وفي الكبر والحجم. استطراد من المقدم: كيف نفهم فما؟ (فما) بمعنى الذي فوقها ولا يفهم منها أن ما دونها غير مخصوص بالكلام. فما فوقها تجمع أمرين وأصلاً فوق في اللغة تأتي بهذين المعنيين وهي ظرف.

    — فاضل السامرائي

و٣ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٦ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٦ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(26) Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller[15] than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,
[15]- Literally, "above it," i.e., greater in smallness.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال