تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
قد يبدو في بادىء النظر عدم التناسب بين مساق الآيات السالفة ومساق هاته الآية، فبينما كانت الآية السابقة ثناء على هذا الكتاب المبين، ووصف حالي المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه والتحدي به مع ما تخلل وأعقب ذلك من المواعظ والزواجر النافعة والبيانات البالغة والتمثيلات الرائعة، إذا بالكلام قد جاء يخبر بأن الله تعالى لا يعبأ أن يضرب مثلاً بشيء حقير أو غير حقير، فحقيق بالناظر عند التأمل أن تظهر له المناسبة لهذا الانتقال، ذلك أن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريقة الطعن في المعاني فلبسوا على الناس بأن في القرآن من سخيف المعنى ما ينزه عنه كلام الله ليصلوا بذلك إلى إبطال أن يكون القرآن من عند الله بإلقاء الشك في نفوس المؤمنين وبذر الخصيب في تنفير المشركين والمنافقين.
روى الواحدي في « أسباب النزول » عن ابن عباس أن الله تعالى لما أنزل قوله :﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه﴾ [الحج: ٧٣] وقوله :﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً﴾ [العنكبوت: ٤١] قال المشركون أرأيتم أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله :﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها﴾ وروي عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب بها المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله فأنزل الله :﴿إن الله لا يستحي﴾ الآية.
والوجه أن نجمع بين الروايتين ونبين ما انطوتا عليه بأن المشركين كانوا يفزعون إلى يهود يثرب في التشاور في شأن نبوءة محمد ﷺ وخاصة بعد أن هاجر النبيء ﷺ إلى المدينة، فيتلقون منهم صوراً من الكيد والتشغيب فيكون قد تظاهر الفريقان على الطعن في بلاغة ضرب المثل بالعنكبوت والذباب فلما أنزل الله تعالى تمثيل المنافقين بالذي استوقد ناراً وكان معظمهم من اليهود هاجت أحناقهم وضاق خناقهم فاختلقوا هذه المطاعن فقال كل فريق ما نسب إليه في إحدى الروايتين ونزلت الآية للرد على الفريقين ووضح الصبح لذي عينين.
فيحتمل أن ذلك قاله علماء اليهود الذين لا حظ لهم في البلاغة، أو قد قالوه مع علمهم بفنون ضرب الأمثال مكابرة وتجاهلاً. وكون القائلين هم اليهود هو الموافق لكون السورة نزلت بالمدينة، وكان أشد المعاندين فيها هم اليهود، ولأنه الأوفق بقوله تعالى :﴿وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله﴾ وهذه صفة اليهود، ولأن اليهود قد شاع بينهم التشاؤم والغلو في الحذر من مدلولات الألفاظ حتى اشتهروا باستعمال الكلام الموجه بالشتم والذم كقولهم﴿رَاعنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، قال تعالى :﴿فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم﴾ [البقرة: ٥٩] كما ورد تفسيره في « الصحيح » ولم يكن ذلك من شأن العرب.
وإما أن يكون قائله المشركون من أهل مكة مع علمهم بوقوع مثلِه في كلام بلغائهم كقولهم أَجرأُ من ذُبابة، وأسْمَع من قُرادٍ، وأطْيَشُ من فَراشة، وأضعف من بَعُوضَة. وهذا الاحتمال أدَلُّ، على أنهم ما قالوا هذا التمثيل إلا مكابرة ومعاندة فإنهم لما غُلبوا بالتحدي وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله تعلقوا في معاذيرهم بهاته السفاسف، والمكابرُ يقول ما لا يعتقد، والمحجوج المبهوت يستعوج المستقيم ويخفي الواضح، وإلى هذا الثاني ينزع كلام صاحب « الكشاف » وهو أوفق بالسياق.
والسورة وإن كانت مدنية فإن المشركين لم يزالوا يُلقون الشبه في صحة الرسالة ويشيعون ذلك بعد الهجرة بواسطة المنافقين. وقد دل على هذا المعنى قوله بعده :﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا﴾ إلى قوله :﴿ويهدي به كثيراً﴾.
فإن قيل : لم يكن الرد عقب نزول الآيات الواقع فيها التمثيل الذي أنكروه فإن البدار بالرد على من في مقاله شبهة رائجة يكون أقطع لشبهته من تأخيره زماناً.
قلنا : الوجه في تأخير نزولها أن يقع الرد بعد الإتيان بأمثال معجبة اقتضاها مقام تشبيه الهيآت، فذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة فيظنه ناس جبناً فيسرها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا، والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه. فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها وهي قوله :﴿مثلهم كمثل الذي استوقد﴾ [البقرة: ١٧] ﴿أو كصيب﴾ [البقرة: ١٩] الآيات وقوله :﴿صم بكم عمي﴾ [البقرة: ١٨] أتى إثر ذلك بالرد عليهم فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي قبلها وقد غفل عن بيانه المفسرون.
والمراد بالمثل هنا الشبه مطلقاً لا خصوص المركب من هيئة، بخلاف قوله فيما سبق ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾ لأن المعنىَّ هنا ما طعنوا به في تشابيه القرآن مثل قوله :﴿لن يخلقوا ذباباً﴾ [الحج: ٧٣] وقوله :﴿كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً﴾ [العنكبوت: ٤١].
وموقع ( إنّ ) هنا بيِّن.
وأما الإتيان بالمسند إليه علماً دون غيره من الصفات فلأن هذا العلم جامع لجميع صفات الكمال فذكره أوقع في الإقناع بأن كلامه هو أعلى كلام في مراعاة ما هو حقيق بالمراعاة وفي ذلك أيضاً إبطال لتمويههم بأن اشتمال القرآن على مثل هذا المثل دليل على أنه ليس من عند الله فليس من معنى الآية أن غير الله ينبغي له أن يستحي أن يضرب مثلاً من هذا القبيل.
ولهذا أيضاً اختير أن يكون المسند خصوص فعل الاستحياء زيادة في الرد عليهم لأنهم أنكروا التمثيل بهاته الأشياء لمراعاة كراهة الناس ومثل هذا ضرب من الاستحياء كما سنبينه فنبهوا على أن الخالق لا يستحي من ذلك إذ ليس مما يستحي منه، ولأن المخلوقات متساوية في الضعف بالنسبة إلى خالقها والمتصرف فيها، وقد يكون ذكر الاستحياء هنا محاكاة لقولهم أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت.
فإن قلت : إذا كان استعمال هذه الألفاظ الدالة على معان حقيرة غير مخل بالبلاغة فما بالُنا نرى كثيراً من أهل النقد قد نقدوا من كلام البلغاء ما اشتمل على مثل هذا كقول الفرزدق :
من عِزّهم حجرَتْ كليبٌ بيتهازَرباً كأنهمُ لديهِ القُمَّل
وقول أبي الطيب :
أماتكمُ من قبل موتِكم الجهلُوجركمُ من خفة بكمُ النمل
وقول الطرمّاح :
ولو أن بُرغوثاً على ظهر قملةيكرُّ على ضَبْعَيْ تميم لولَّت
قلت أصول الانتقاد الأدبي تؤول إلى بيان ما لا يحسن أن يشتمل عليه كلام الأديب من جانب صناعة الكلام، ومن جانب صور المعاني، ومن جانب المستحسن منها والمكروه وهذا النوع الثالث يختلف باختلاف العوائد ومدارك العقول وأصالة الأفهام بحسب الغالب من أحوال أهل صناعة الأدب، ألا ترى أنه قد يكون اللفظ مقبولاً عند قوم غير مقبول عند آخرين، ومقبولاً في عصر مرفوضاً في غيره، ألا ترى إلى قول النابغة يخاطب الملك النعمان :
فإنكَ كالليل الذي هو مُدْركيوإن خِلْتُ أن المُنْتَأَى عنك واسع
فإن تشبيه الملك بالليل لو وقع في زمان المولدين لعُدَّ من الجفاء أو العجرفة، وكذلك تشبيههم بالحية في الإقدام وإهلاك العدو في قول ذي الإصبع :
عَذير الحي من عَدوَانَ كانُوا حَيَّةَ الأرض
وقول النابغة في رثاء الحارث الغسّاني :
ماذا رُزِئْنا به من حيَّةٍ ذَكَرٍنَضْنَاضَةٍ بالرزايا صِلّ أَصلاَلِ
وقد زعم بعض أهل الأدب أن عليًّا بن الجهم مدح الخليفة المتوكل بقوله :
أنت كالكلب في وفائك بالعهد وكالتيْس في قراع الخطوب
وأنه لما سكن بغداد وعلقت نضارة الناس بخياله قال في أول ما قاله :
عيون المها بين الرصافة والجسرجلبن الهوى من حيث أَدري ولا أدري(١)
وقد انتقد بشارٌ على كُثيِّر قوله :
ألا إنما ليلى عصا خيزُرانةإذا لمسوها بالأكُف تلينُ
فقال لو جعلها عصا مخ أو عصا زبد لما تجاوز من أن تكون عصا، على أن بشاراً هو القائل :
إذا قامت لجارتها تثنتكأن عظامها من خيزران
وشبَّه بشار عبدة بالحيَّة في قوله :
وكأنها لما مشتأَيْمٌ تأود في كثيبْ
والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأخر واستجاب، وهو انقباض النفس من صدور فعل أو تلقيه لاستشعار أنه لا يليق أو لا يحسن في متعارف أمثاله، فهو هيئة تعرض للنفس هي من قبيل الانفعال يظهر أثرها على الوجه وفي الإمساك عن ما من شأنه أن يُفعل.
والاستحياء هنا منفي عن أن يكون وصفاً لله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل في صحة إسناده إلى الله، والتعللُ لذلك بأن نفي الوصف يستلزم صحة الاتصاف تعللٌ غير مسلم.
والضرب في قوله :﴿أن يضرب مثلاً﴾ مستعمل مجازاً في الوضع والجعل من قولهم ضربَ خيمة وضرب بيتاً قال عبدة بن الطبيب :
إنَّ التي ضربتْ بيتاً مُهاجِرَةًبكوفةِ الجُندِ غالت ودَّها غُولُ
وقول الفرزدق :
ضربت عليك العنكبوت بنسجهاوقضى عليك به الكتابُ المُنْزَلُ
أي جعل شيئاً مثلاً أي شبهاً، قال تعالى :﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤] أي لا تجعلوا له مماثلاً من خلقه فانتصاب ﴿مثلاً﴾ على المفعول به. وجوز بعض أئمة اللغة أن يكون فعل ضرب مشتقاً من الضرب بمعنى المماثل فانتصاب ﴿مثلاً﴾ على المفعولية المطلقة للتوكيد لأن مثلاً مرادف مصدر فعله على هذا التقدير، والمعنى لا يستحي أن يشبِّه بشيء ما.
والمثل المثيل والمشابه وغلب على مماثلة هيئة بهيئة وقد تقدم عند قوله تعالى :﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾ [البقرة: ١٧] وتقدم هناك معنى ضرب المثل بالمعنى الآخر وتنكير ﴿مثلاً﴾ للتنويع بقرينة بيانه بقوله ﴿بعوضة فما فوقها﴾.
وما إبهامية تتصل بالنكرة فتؤكد معناها من تنويع أو تفخيم أو تحقير، نحو لأمر ما وأعطاه شيئاً ما. والأظهر أنها مزيدة لتكون دلالتها على التأكيد أشد. وقيل اسم بمعنى النكرة المبهمة.
و ﴿بعوضة﴾ بدل أو بيان من قوله :﴿مثلاً﴾. والبعوضة واحدة البعوض وهي حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقيق تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من دمه غذاء لها، وتعرف في لغة هذيل بالخموش، وأهل تونس يسمونه الناموس واحدته الناموسة وقد جعلت هنا مثلاً لشدة الضعف والحقارة.
وقوله :﴿فما فوقها﴾ عطف على ﴿بعوضة﴾، وأصل فوق اسم للمكان المعتلي على غيره فهو اسم مبهم فلذلك كان ملازماً للإضافة لأنه تتميز جهته بالاسم الذي يضاف هو إليه فهو من أسماء الجهات الملازمة للإضافة لفظاً أو تقديراً ويستعمل مجازاً في المتجاوز غيره في صفة تجاوزاً ظاهراً تشبيهاً بظهور الشيء المعتلي على غيره على ما هو معتل عليه، ففوق في مثله يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة سواء كانت من المحامد أو من المذام يقال : فلان خسيس وفوق الخسيس وفلان شجاع وفوق الشجاع، وتقول : أعطى فلان فوق حقه أي زائداً على حقه. وهو في هذه الآية صالح للمعنيين أي ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجماً. ونظيره قول النبيء ﷺ « ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خط
١ - انظر صفحة ٤ جزء ٣ من محاضرات الأبرار لابن عربي طبع حجر بمطبعة شعراوي ١٢٨٢ بالقاهرة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى