إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ شروع في تنزيه ساحةِ التنزيل عن تعلق ريبٍ خاصَ اعتراهم من جهة ما وقع فيه من ضرب الأمثال وبيانٌ لحكمته، وتحقيقٌ للحق إثرَ تنزيهها عما اعتراهم من مطلق الريب بالتحدِّي، وإلقامِ الحجر، وإفحامِ كافة البلغاء من أهل المدَر والوبَر. روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المنافقين طعَنوا في ضرب الأمثال بالنارِ والظلماتِ والرعدِ والبرق، وقالوا : الله أجلُّ وأعلى من ضرب الأمثال. وروى عطاءٌ رضي الله عنه : أن هذا الطعنَ كان من المشركين.
ورُوي عنه أيضاً أنه لما نزل قوله تعالى :﴿يا أَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ﴾ [ الحج، الآية ٧٣ ] الآية، وقوله تعالى :﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء﴾ [ العنكبوت، الآية ٤١ ] الآية، قالت اليهود : أيُّ قدْرٍ للذباب والعنكبوت حتى يضرِب الله تعالى بهما وجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار كونِه من عند الله تعالى، مع أنه لا يخفى على أحد ممن له تمييزٌ أنه ليس مما يتصور فيه الترددُ فضلاً عن النكير، بل هو من أوضح أدلةِ كونِه خارجاً عن طَوْق البشر، نازلاً من عند خلاق القُوى والقدَر، كيف لا وإن التمثيل كما مر ليس إلا إبرازاً للمعنى المقصودِ في معرض الأمرِ المشهود، وتحلية المعقولِ بحِلْية المحسوس، وتصويرُ أوابد المعاني بهيئة المأنوس، لاستمالة الوهم واستنزالِه عن معارضتِه للعقل، واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية، وفهمِ الدقائق الأبية، كي يتابعَه فيما يقتضيه ويشايعُه إلى ما يرتضيه، ولذلك شاعت الأمثالُ في الكتب الإلهية والكلمات النبويةِ وذاعت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء، ومن قضية وجوبِ التماثل بين الممثَّل والممثَّل به في مناط التمثيل تمثيلُ العظيم بالعظيم، والحقير بالحقير، وقد مُثل في الإنجيل غلُّ الصدر بالنُخالة، ومعارضةُ السفهاء بإثارة الزنابير، وجاء في عبارات البلغاء : أجمعُ مِنْ ذرةٍ، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قُراد(١)، وأضعفُ من بعوضة، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر.
والحياء تغيُر النفس وانقباضُها عما يُعاب به أو يُذم عليه، يقال : حيي الرجل وهو حَيِيٌّ، واشتقاقه من الحياة اشتقاقَ شظِي وحشِي ونسِيَ من الشظي والنسْي والحشي، يقال : شظِي الفرس ونسي وحشي إذا اعتلت منه تلك الأعضاء كأن من يعتريه الحياء تعتل قوتُه الحيوانية وتنتقص، واشتكى بمعناه خلا أنه يتعدى بنفسه وبحرف الجر، يقال : استحييتُه واستحييتُ منه، والأول لا يتعدى إلا بحرف الجر، وقد يحذف منه إحدى الياءين، ومنه قوله :[ الطويل ]
وقولُه :[ الطويل ]
فكما أنه إذا أسند إليه سبحانه بطريق الإيجاب في مثل قوله ﷺ :« إن الله يستحْيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه »، وقوله عليه السلام :« إن الله حِييّ كريمٌ يستحيي إذا رفع إليه العبدُ يديه أن يُردَّهما صِفراً حتى يضع فيهما خيراً »، يراد به الترك الخاصُّ على طريقة التمثيل حيث مُثل في الحديثين الكريمين تركهُ تعذيبَ ذي الشيبة، وتخييبُ العبد من عطائه بترك مَنْ يتركهما حياءً، كذلك إذا نُفي عنه تعالى في المواد الخاصة كما في هذه الآية الشريفة، وفي قوله تعالى :﴿والله لاَ يَسْتَحْي مِنَ الحق﴾ [ الأحزاب، الآية ٥٣ ] يراد به سلبُ ذلك التركِ الخاصِّ المضاهي لترك المستحي عنه، لا سلبُ وصفِ الحياء عنه تعالى رأساً، كما في قولك : إن الله لا يوصف بالحياء، لأن تخصيصَ السلب ببعض الموادِّ يوهم كونَ الإيجاب من شأنه تعالى في الجملة، فالمراد ههنا عدمُ ترك ضربِ المثل المماثل لترك من يستحي مِنْ ضَرْبه، وفيه رمز إلى تعاضُد الدواعي إلى ضربه وتآخُذ البواعث إليه، إذ الاستحياءُ إنما يُتصور في الأفعال المقبولة للنفس، المرضية عندها، ويجوز أن يكون ورودُه على طريقة المشاكلة، فإنهم كانوا يقولون : أما يستحي ربُّ محمدٍ أن يضرِب مثلاً بالأشياء المُحَقّرة، كما في قول من قال :
وضرب المثل استعمالُه في مضرِبه وتطبيقُه به لا صنعُه وإنشاؤه في نفسه، وإلا لكان إنشاء الأمثال السائرةِ في مواردها ضرباً لها دون استعمالها بعد ذلك في مضاربها، لفقدان الإنشاء هناك. والأمثالُ الواردة في التنزيل وإن كان استعمالُها في مضاربها عينَ إنشائها في أنفسها، لكن التعبيرَ عنه بالضرب ليس بهذا الاعتبار، بل بالاعتبار الأولِ قطعاً، وهو مأخوذ إما من ضرب الخاتم بجامع التطبيق، فكما أن ضربَه تطبيقُه بقالبه، كذلك استعمالُ الأمثال في مضاربها تطبيقُها بها، كأن المضاربَ قوالبُ تُضرب الأمثالُ على شاكلتها، لكن لا بمعنى أنها تنشأ بحسَبها بعد أن لم تكنْ كذلك، بل بمعنى أنها تورَدُ منطبقة عليها سواءٌ كان إنشاؤها حينئذ كعامة الأمثالِ التنزيلية، فإن مضاربها قوالبُها، أو قبل ذلك كسائر الأمثال السائرة، فإنها وإن كانت مصنوعةً من قبلُ إلا أن تطبيقها أي إيرادَها منطبقةً على مضاربها إنما يحصُل عند الضرب، وإما من ضرب الطين على الجدار ليلتزق به بجامع الإلصاق، كأنه من يستعملها يُلصِقها بمضاربها ويجعلها ضربةَ لازب لا تنفك عنها لشدة تعلّقها بها.
ومحلُّ ( أن يضرب ) على تقدير تعدية يستحي بنفسه النصبُ على المفعولية، وأما على تقدير تعديته بالجار فعند الخليل الخفضُ بإضمار مِن، وعند سيبويه النصبُ بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها، و( مثلاً ) مفعول ليضرب، و( ما ) اسمية إبهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاماً وشياعاً، كما في قولك : أعطني كتاباً ما، كأنه قيل مثلاً ما من الأمثال، أيَّ مثلٍ كان. فهي صفة لما قبلها، أو حرفية مزيدة لتقوية النسبةِ وتوكيدها كما في قوله تعالى :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله﴾ [ آل عمران، الآية ١٥٩ ] وبعوضةً بدل من مثلاً أو عطف بيان عند من يجوِّزه في النكرات، أو مفعول ليضرب ومثلاً حال تقدمت عليها لكونها نكرة، أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل والتصيير، وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي هو بعوضة.
والجملة على تقدير كون ما موصولةً صلة لها محذوفة الصدر كما في قوله تعالى :﴿تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ [ الأنعام، الآية ١٥٤ ] على قراءة الرفع، وعلى تقدير كونها موصوفة لها كذلك، ومحل ما، على الوجهين النصبُ على أنه بدل من مثلاً، أو على أنه مفعول ليضرب، وعلى تقدير كونِها إبهاميةً صفةٌ لمثَلاً كذلك، وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهي خبرٌ لها، كأنه لما رُدّ استبعادُهم ضربَ المثل قيل : ما بعوضة، وأيُّ مانع فيها حتى لا يُضرب بها المثل، بل له تعالى أن يمثل بما هو أصغر منها وأحقر كجناحها على ما وقع في قوله ﷺ :« لو كانت الدنيا تزن عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى الكافرَ منها شربة ماء » والبعُوض فعُول من البعض وهو القطع كالبَضْع والعَضْب غلب على هذا النوع كالخُموش في لغة هذيل من الخمش وهو الخَدْش.
﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ عطف على بعوضة على تقدير نصبها على الوجوه المذكورة وما موصولة أو موصوفة صلتَها أو صفتُها الظرفُ، وأما على تقدير رفعها فهو عطفٌ على ما الأولى على تقدير كونِها موصولةً أو موصوفة، وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهو عطفٌ على خبرها أعني بعوضة لا على نفسها كما قيل، والمعنى ما بعوضة فالذي فوقها أو فشيءٌ فوقها، حتى لا يُضْرَب بها المثل، وكذا على تقدير كونِها صفةً للنكرة أو زائدة، وبعوضة خبرٌ للمضمر، وذكرُ البعوضة فما فوقها من بين أفراد المَثَل إنما هو بطريق التمثيل دون التعيين والتخصيص، فلا يُخل بالشيوع بل يقرّره ويؤكده بطريق الأولوية، والمراد بالفوقية إما الزيادةُ في المعنى الذي أريد بالتمثيل أعني الصِّغَر والحقارة، وإما الزيادةُ في الحجم والجُثة لكن لا بالغاً ما بلغ، بل في الجملة كالذباب والعنكبوت.
وعلى التقدير الأول يجوز أن تكون ما الثانية خاصة استفهاميةً إنكارية والمعنى : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فأيَّ شيء فوقها في الصغر والحقارة، فإذن له تعالى أن يمثّل بكل ما يريد، ونظيرُه في احتمال الأمرين ما رُوي أن رجلاً بمِنىً خرَّ على طُنُب فُسطاط فقالت عائشة رضي الله عنها حين ذكر لها ذلك : سمعت رسول الله ﷺ قال :« ما من مسلم يُشاك شوْكةً فما فوقها إلا كُتبت له بها درجة ومُحِيَتْ عنه بها خطيئة » فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في القِلة كنَخْبة النملة بقوله عليه السلام :« ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارةٌ لخطاياه حتى نَخبةُ النملة » وما تجاوزها من الألم كأمثال ما حكي من الحَرور.
﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحُكم إثرَ تحقيق حقية صدوره عنه تعالى. والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها، كأنه قيل : فيضرِبه فأما الذين الخ، وتقديمُ بيانِ حال المؤمنين على ما حكي من الكفرة مما لا يفتقر إلى بيان السبب، وفي تصدير الجُملتين بأما من إحْماد أمرِ المؤمنين وذمِّ الكفرة ما لا يخفى، وهو حرف متضمنٌ لمعنى الشرط، وفعلُه بمنزلة مهما يكن من شيء، ولذلك يُجاب بالفاء، وفائدتُه توكيد ما صُدِّر به وتفصيلُ ما في نفس المتكلم من الأقسام، فقد تُذكر جميعاً وقد يُقتصر على واحد منها، كما في قوله عز من قائل :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [ آل عمران، الآية ٧ ] الخ، قال سيبويه :( أما ) زِيد معناه مهما يكن من شيء فهو ذاهب لا محالة، وأنه منه عزيمة، وكان الأصلُ دخولَ الفاء على الجملة لأنها الجزاءُ لكن كرِهوا إيلاءَها حرفَ الشرط، فأدخلوها الخبرَ وعُوِّض المبتدأ عن الشرط لفظاً، والمراد بالموصول فريقُ المؤمنين المعهودين كما أن المرادَ بالموصول الآتي فريقُ الكفرة لا مَنْ يؤمِنُ بضرب المثل، ومَنْ يكفرُ به، لاختلال المعنى أيْ فأما المؤمنين فيعلمون. . .
﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ﴾ كسائر ما ورد منه تعالى، والحقُّ هو الثابت الذي يحِق ثبوتُه لا محالة، بحيث لا سبيل للعقل إلى إنكاره لا الثابتُ مطلقاً، واللامُ للدلالة على أنه مشهود له بالحقية، وأن له حِكَماً ومصالحَ، ومن لابتداء الغايةِ المجازية، وعاملُها محذوفٌ وقع حالاً من الضمير المستكنِّ في الحق، أو من الضمير العائد إلى المثَل، أو إلى ضَرْبه، أي كائناً وصادراً من ربهم، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم، وللإيذان بأن ضرْبَ المَثَل تربيةٌ لهم، وإرشادٌ إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم، والجملةُ سادّةٌ مسدَّ مفعوليْ ( يعلمون ) عند الجمهور، ومسدُّ مفعولِه الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش، أي فيعلمون حقيتَه ثابتةً، ولعل الاكتفاءَ بحكاية علمهم المذكورِ عن حكاية ا
ورُوي عنه أيضاً أنه لما نزل قوله تعالى :﴿يا أَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ﴾ [ الحج، الآية ٧٣ ] الآية، وقوله تعالى :﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء﴾ [ العنكبوت، الآية ٤١ ] الآية، قالت اليهود : أيُّ قدْرٍ للذباب والعنكبوت حتى يضرِب الله تعالى بهما وجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار كونِه من عند الله تعالى، مع أنه لا يخفى على أحد ممن له تمييزٌ أنه ليس مما يتصور فيه الترددُ فضلاً عن النكير، بل هو من أوضح أدلةِ كونِه خارجاً عن طَوْق البشر، نازلاً من عند خلاق القُوى والقدَر، كيف لا وإن التمثيل كما مر ليس إلا إبرازاً للمعنى المقصودِ في معرض الأمرِ المشهود، وتحلية المعقولِ بحِلْية المحسوس، وتصويرُ أوابد المعاني بهيئة المأنوس، لاستمالة الوهم واستنزالِه عن معارضتِه للعقل، واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية، وفهمِ الدقائق الأبية، كي يتابعَه فيما يقتضيه ويشايعُه إلى ما يرتضيه، ولذلك شاعت الأمثالُ في الكتب الإلهية والكلمات النبويةِ وذاعت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء، ومن قضية وجوبِ التماثل بين الممثَّل والممثَّل به في مناط التمثيل تمثيلُ العظيم بالعظيم، والحقير بالحقير، وقد مُثل في الإنجيل غلُّ الصدر بالنُخالة، ومعارضةُ السفهاء بإثارة الزنابير، وجاء في عبارات البلغاء : أجمعُ مِنْ ذرةٍ، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قُراد(١)، وأضعفُ من بعوضة، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر.
والحياء تغيُر النفس وانقباضُها عما يُعاب به أو يُذم عليه، يقال : حيي الرجل وهو حَيِيٌّ، واشتقاقه من الحياة اشتقاقَ شظِي وحشِي ونسِيَ من الشظي والنسْي والحشي، يقال : شظِي الفرس ونسي وحشي إذا اعتلت منه تلك الأعضاء كأن من يعتريه الحياء تعتل قوتُه الحيوانية وتنتقص، واشتكى بمعناه خلا أنه يتعدى بنفسه وبحرف الجر، يقال : استحييتُه واستحييتُ منه، والأول لا يتعدى إلا بحرف الجر، وقد يحذف منه إحدى الياءين، ومنه قوله :[ الطويل ]
| ألا يستحي منا الملوك ويتقي | محارمَنا لا يبؤ الدمُ بالدم(٢) |
| إذا ما استحَيْنَ الماءَ يعرِضُ نفسه | كَرَعن بسبْتٍ في إناءٍ من الورد |
| مَنْ مبلغٌ أفناءَ يعرُبَ كلَّها | أني بنيتُ الجارَ قبل المنزل |
ومحلُّ ( أن يضرب ) على تقدير تعدية يستحي بنفسه النصبُ على المفعولية، وأما على تقدير تعديته بالجار فعند الخليل الخفضُ بإضمار مِن، وعند سيبويه النصبُ بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها، و( مثلاً ) مفعول ليضرب، و( ما ) اسمية إبهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاماً وشياعاً، كما في قولك : أعطني كتاباً ما، كأنه قيل مثلاً ما من الأمثال، أيَّ مثلٍ كان. فهي صفة لما قبلها، أو حرفية مزيدة لتقوية النسبةِ وتوكيدها كما في قوله تعالى :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله﴾ [ آل عمران، الآية ١٥٩ ] وبعوضةً بدل من مثلاً أو عطف بيان عند من يجوِّزه في النكرات، أو مفعول ليضرب ومثلاً حال تقدمت عليها لكونها نكرة، أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل والتصيير، وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي هو بعوضة.
والجملة على تقدير كون ما موصولةً صلة لها محذوفة الصدر كما في قوله تعالى :﴿تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ﴾ [ الأنعام، الآية ١٥٤ ] على قراءة الرفع، وعلى تقدير كونها موصوفة لها كذلك، ومحل ما، على الوجهين النصبُ على أنه بدل من مثلاً، أو على أنه مفعول ليضرب، وعلى تقدير كونِها إبهاميةً صفةٌ لمثَلاً كذلك، وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهي خبرٌ لها، كأنه لما رُدّ استبعادُهم ضربَ المثل قيل : ما بعوضة، وأيُّ مانع فيها حتى لا يُضرب بها المثل، بل له تعالى أن يمثل بما هو أصغر منها وأحقر كجناحها على ما وقع في قوله ﷺ :« لو كانت الدنيا تزن عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى الكافرَ منها شربة ماء » والبعُوض فعُول من البعض وهو القطع كالبَضْع والعَضْب غلب على هذا النوع كالخُموش في لغة هذيل من الخمش وهو الخَدْش.
﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ عطف على بعوضة على تقدير نصبها على الوجوه المذكورة وما موصولة أو موصوفة صلتَها أو صفتُها الظرفُ، وأما على تقدير رفعها فهو عطفٌ على ما الأولى على تقدير كونِها موصولةً أو موصوفة، وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهو عطفٌ على خبرها أعني بعوضة لا على نفسها كما قيل، والمعنى ما بعوضة فالذي فوقها أو فشيءٌ فوقها، حتى لا يُضْرَب بها المثل، وكذا على تقدير كونِها صفةً للنكرة أو زائدة، وبعوضة خبرٌ للمضمر، وذكرُ البعوضة فما فوقها من بين أفراد المَثَل إنما هو بطريق التمثيل دون التعيين والتخصيص، فلا يُخل بالشيوع بل يقرّره ويؤكده بطريق الأولوية، والمراد بالفوقية إما الزيادةُ في المعنى الذي أريد بالتمثيل أعني الصِّغَر والحقارة، وإما الزيادةُ في الحجم والجُثة لكن لا بالغاً ما بلغ، بل في الجملة كالذباب والعنكبوت.
وعلى التقدير الأول يجوز أن تكون ما الثانية خاصة استفهاميةً إنكارية والمعنى : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فأيَّ شيء فوقها في الصغر والحقارة، فإذن له تعالى أن يمثّل بكل ما يريد، ونظيرُه في احتمال الأمرين ما رُوي أن رجلاً بمِنىً خرَّ على طُنُب فُسطاط فقالت عائشة رضي الله عنها حين ذكر لها ذلك : سمعت رسول الله ﷺ قال :« ما من مسلم يُشاك شوْكةً فما فوقها إلا كُتبت له بها درجة ومُحِيَتْ عنه بها خطيئة » فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في القِلة كنَخْبة النملة بقوله عليه السلام :« ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارةٌ لخطاياه حتى نَخبةُ النملة » وما تجاوزها من الألم كأمثال ما حكي من الحَرور.
﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحُكم إثرَ تحقيق حقية صدوره عنه تعالى. والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها، كأنه قيل : فيضرِبه فأما الذين الخ، وتقديمُ بيانِ حال المؤمنين على ما حكي من الكفرة مما لا يفتقر إلى بيان السبب، وفي تصدير الجُملتين بأما من إحْماد أمرِ المؤمنين وذمِّ الكفرة ما لا يخفى، وهو حرف متضمنٌ لمعنى الشرط، وفعلُه بمنزلة مهما يكن من شيء، ولذلك يُجاب بالفاء، وفائدتُه توكيد ما صُدِّر به وتفصيلُ ما في نفس المتكلم من الأقسام، فقد تُذكر جميعاً وقد يُقتصر على واحد منها، كما في قوله عز من قائل :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [ آل عمران، الآية ٧ ] الخ، قال سيبويه :( أما ) زِيد معناه مهما يكن من شيء فهو ذاهب لا محالة، وأنه منه عزيمة، وكان الأصلُ دخولَ الفاء على الجملة لأنها الجزاءُ لكن كرِهوا إيلاءَها حرفَ الشرط، فأدخلوها الخبرَ وعُوِّض المبتدأ عن الشرط لفظاً، والمراد بالموصول فريقُ المؤمنين المعهودين كما أن المرادَ بالموصول الآتي فريقُ الكفرة لا مَنْ يؤمِنُ بضرب المثل، ومَنْ يكفرُ به، لاختلال المعنى أيْ فأما المؤمنين فيعلمون. . .
﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ﴾ كسائر ما ورد منه تعالى، والحقُّ هو الثابت الذي يحِق ثبوتُه لا محالة، بحيث لا سبيل للعقل إلى إنكاره لا الثابتُ مطلقاً، واللامُ للدلالة على أنه مشهود له بالحقية، وأن له حِكَماً ومصالحَ، ومن لابتداء الغايةِ المجازية، وعاملُها محذوفٌ وقع حالاً من الضمير المستكنِّ في الحق، أو من الضمير العائد إلى المثَل، أو إلى ضَرْبه، أي كائناً وصادراً من ربهم، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم، وللإيذان بأن ضرْبَ المَثَل تربيةٌ لهم، وإرشادٌ إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم، والجملةُ سادّةٌ مسدَّ مفعوليْ ( يعلمون ) عند الجمهور، ومسدُّ مفعولِه الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش، أي فيعلمون حقيتَه ثابتةً، ولعل الاكتفاءَ بحكاية علمهم المذكورِ عن حكاية ا
١ القراد: مفردها قردان وهو دويبة تعض الإبل ويسمع أصوات أخفافها من مسيرة يوم فيتحرك لها..
٢ ورد في المعجم المفصل: لا تنتهي عنا ملوك وتتقي... إلى آخر البيت وهو لجابر بن حني التغلبي في شرح اختيارات المفصل ص ٩٥١ ولسان العرب ١/٣٨ (بوأ)، ٦/٢٢١ (مكس) وبلا نسبة في الكتاب ٣/٩٥ والشاهد فيه قوله: "يبؤ" حيث جزمه على ما تضمنه "ألا تنتهي" من معنى الأمر والتقدير: انتهوا عنا لا يبؤ..
٢ ورد في المعجم المفصل: لا تنتهي عنا ملوك وتتقي... إلى آخر البيت وهو لجابر بن حني التغلبي في شرح اختيارات المفصل ص ٩٥١ ولسان العرب ١/٣٨ (بوأ)، ٦/٢٢١ (مكس) وبلا نسبة في الكتاب ٣/٩٥ والشاهد فيه قوله: "يبؤ" حيث جزمه على ما تضمنه "ألا تنتهي" من معنى الأمر والتقدير: انتهوا عنا لا يبؤ..