تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) وسبب نزول الآية : أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، قال المشركون : إنا لا نعبد إلها يذكر الذباب والعنكبوت، فنزل قوله تعالى :( إن الله لا يستحيي ) أي : لا يمتنع ولا يترك ( أن يضرب مثلا ) أي : يذكر مثلا ( ما بعوضة ) ( ما ) للصلة هاهنا، أي : مثلا بالبعوضة. قال الشاعر (١) :
قالتْ ألا لَيْتَماَ هذا الحَمَامُ لناإلى حمامتِنَا أو نِصْفَه فَقَدِ
معناه أي : ليت هذا الحمام لنا. والبعوض : صغار البق، سميت بعوضة لأنها بعض البق.
( فما فوقها ) معناه : فما دونها ؛ كما يقال : فلان جاهل، فيقال : وفوق ذلك. يعني : أجهل من ذلك، فكذلك قوله تعالى :( فما فوقها ) يعني : في الصغر، وأصغر من ذلك، وقيل : فما فوقها على الحقيقة ؛ لأنه ضرب المثل بالذباب، والعنكبوت. قال الربيع بن أنس : مثل البعوضة مثل صاحب الدنيا ؛ لأن دأب البعوضة أنها إذا شبعت هلكت، وإذا جاعت عاشت ؛ كذلك صاحب الدنيا إذا استكثر من الدنيا هلك، وإذا استقل منها فاز ونجا. وقيل : إن حكم الله تعالى في صغار خلقه أكثر من حكمه في كبار خلقه. قوله تعالى :( فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ) يعني : أنه الصدق من ربهم.
( وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) أي شيء أراد الله بهذا المثل ؟ يقول الله تعالى :( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) أي : أراد هذا، والإضلال : هو الصرف عن الحق إلى الباطل. وقيل : الإضلال هو الإهلاك ؛ يقال : ضل اللبن في الماء أي : هلك.
( ويهدي به كثيرا ) أي : ويُرشد به كثيرا. ( وما يضل به إلا الفاسقين ) يعني : الكافرين. والفسق : هو الخروج عن طاعة الرب ؛ يقال : فسقت ( الرطبة ) (٢) إذا خرجت عن قشرها، ومعنى إضلالهم بالمثل أنه لما ضرب المثل فكفروا به ازدادوا ضلالا.
١ - وهي زرقاء اليمامة وهو بيت من كلام النابغة الذبياني من قصيدة مطلعها:
يا دارَ ميةَ بالعلياء فالسَّنَدِ أَفْوَتْ وطَالَ عليها سَالِفُ الأمدِ.

٢ - في "ك": الوطية وهو تحريف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى