اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
اعلم أنَّه - تعالى - لَمَّا بَيَّنَ كون القرآن مُعْجزاً، أورد الكُفَّار هنا شبهةً قدحاً في ذلك، وهي أنَّهُ جاء في القرآن ذِكْرُ النَّحلِ، والعنكبوت، والنَّملِ، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفُصَحَاء، فاشتمالُ القرآن عليها يقدحُ في فصاحته، فَضْلاً عن كونه مُعْجزاً، وأجاب الله - تعالى - عنه بأنَّ صِغَر هذه الأَشْيَاء لا يقدح في فصاحةٍ، إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تَعَلُّق هذه الآية بما قبلها.
روي عن ابن عبّاس - رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّه لما قال :
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فطعن في أصنامهم، ثُمَّ شَبَّه عبادتها ببيت العَنْكَبُوت.
قالت اليهود : أي قدر للذُّبَاب والعنكبوت حتَّى يَضْربَ اللهُ المَثَلَ بهما ؟ ! فنزلت هذه الآية(١).
وقيل : إنَّ المُنَافقين طَعَنوا في ضرب الأمثالِ بالنَّار، والظلمات، والرَّعد، والبَرْق في قوله :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [البقرة: ١٧] وقوله :﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾. قالوا : اللهُ أَجَلُّ وأعلى من أن يضرِبَ الأمثالَ، فأنزل اللهُ هذه الآية(٢)، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عبّاس.
وروى عطاء عن ابن عبّاس أيضاً أنَّ هذا الطعن كان من المشركين(٣).
فقال القَفَّالُ رحمه الله : الكُلُّ محتملٌ هاهنا. أمَّا اليهود، فلأنه قيل في آخر الآية :﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وهذا صفة اليهود ؛ لأنَّ الخطاب بالوفاءِ بالعهدِ إنَّمَا هو لبني إسرائيل، وأمَّّا الكفَّارُ والمنافقون فقد ذكروا في سورة " المدثر " :﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ [المدثر: ٣١]، فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المُنَافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين، لأنَّ السورة مَكِّيَةٌ، فقد جُمِعَ الفريقان هاهنا.
إذا ثبت هذا، فنقول : احتمال الكُلِّ هاهنا قائمٌ ؛ لأنَّ الكافرين والمُنافقين واليهود كانوا مُتَوَافقين في إيذاء الرَّسول، وقد مضى من أوّلِ السُّورةِ إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، وكُلُّهم من الَّذين كفروا.
ثُمَّ قال القَفَّالُ :" وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب ؛ لأنَّ معناه مفيدٌ في نفسه ".
فَصْلٌ في معنى الحياء واشتقاقه
الحياء : تَغَيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم(٤)، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري : نقصت حياته، واعتلت مجازاً، كما يُقَالُ : نَسِيَ وخَشِيَ، وشظي القوسُ : إذَا اعتلت هذه الأعضاء، جُعِلَ الحييُّ لما يعتريه من الانكسار، والتَّغَيُّرِ منتكس(٥) القوة منتقص الحياة كما قالوا : فلان هلك من كذا حياءً، ومات حياءً، وذاب حياءً، يعني بقوله :" نَسِيَ وخَشِيَ وشظي " أي : أصيبَ نَسَاهُ، وهو " عرق " وحَشَاه، وهو ما احتوى عليه البَطْنُ، وشظاهُ وهو عَظْم في الوَرِك، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى - مَجَازٌ عن التَّرْكِ.
وقيل : مجاز عن الخِشْيَةِ ؛ لأنَّها أيْضاً من ثمراته، وَرَجَّحَهُ الطَّبريُّ، وجعله الزمخشريُّ من باب المُقَابلةِ، يعني أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا : أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحَقّرات، " قُوبِلَ " قولهم ذلك بقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ ؛ [ ونظيره قول ](٦) أبي تمَّام :[ الكامل ]
لو لم يذكر بناء الدَّارِ لم يصحّ بناء الجار.
وقيل : معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصْلُ الاستحياء الانقباضُ عن الشَّيء، والامتناعُ منه ؛ خوفاً من مُوَاقعة(٨) القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى، وفي " صحيح مسلم " عن أم سلمة قالت :" جاءت أم سليم إلى النِّبِيِّ ﷺ فقالت : يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ " (٩) المعنى لا يأمر بالحَيَاءِ فيه، ولا يمتنع من ذكره.
قال ابن الخطيب :" القانون في أمثال هذه الأشياء، أنَّ كُلَّ صفةٍ ثبتت للعبدِ مما يختص(١٠) بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فذلك محمولٌ على نهايات الأعراض، لا على بدايات الأعراض، مثاله : أن الحياء حالةٌ تَحْصُلُ للإنسان، ولكن لها مبدأ ومنتهى، أمَّا المبدأ فهو التغيُّر الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن يُنْسبَ إليه القبيح، وأمَّا النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياءُ في حقِّ الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل تركُ الفعلِ الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضبُ [ له مقدّمةٌ ](١١) وهو غليان دم القَلْبِ وشهوة الانتقام(١٢) وله(١٣) غاية، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله - تعالى - بالغَضَبِ، فليس المراد ذلك المبدأ، يعني شهوة الانتقام، وغليان دم القَلْبِ، بل المرادُ تلك النّهاية، وهي إنزال العقاب(١٤)، فهذا هو القانون الكُلِّ في هذا الباب ".
فَصْلٌ في تنزيه الخالق سبحانه
قال القاضي : ما لا يجوز على الله - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال : إنَّهُ - تعالى - لا يوصفُ به، فأمَّا أن يقال :" لا يستحي " ويطلقُ عليه فمحالٌ ؛ لأنَّهُ يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره الله - تعالى - في كتابه من قوله :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى :﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وكذلك قوله تعالى :﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائز أن يُطْلقَ في المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلاَّ مع بيان أنَّ ذلك مُحَالٌ.
ولقائلٍ أن يقولَ : لاَ شَكَّ أنَّ هذه الصِّفَات منتفيةٌ عن الله تعالى، فكان الإخبار عن انتفائها يدلُّ على صحّتها عليه.
فنقول : هذه الدلالة ممنوعة، وذلك أن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يَدُلُّ على ثبوته لغيره، لو قرنَ اللَّفظ بما يَدُلُّ على انتفاء الصِّحّة كان ذلك أحسن، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً.
فَصْلٌ في إعراب الآية
قوله :" لا يستَحْيي " جملة في محلِّ الرفع خبراً ل " أن "، واستفعل هنا للإغناء عن الثُّلاثي المجرّد.
وقال الزمخشري :" إنَّهُ مُوَافق له أي : قد ورد " حَيي "، و " استَحْيى " بمعنى واحد، والمشهور : اسْتَحْيَى يَسْتَحْيي فهو مستحيٍ ومُسْتَحْيًى منه من غير حَذْف ".
قال القرطبي(١٥) : و " يستحيي " أصله يَسْتَحْييُ عينه ولامه حرفا علة أعلّت " اللام " منه بأن استثقلت الضمةُ على " الياء " فسكنت، والجمعُ مستحيون ومستحيين، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح مثل : اسْتَقَى يَسْتَقِي.
وقرأ(١٦) به ابن محيصن.
ويروى عن ابن كثير، وهي لغة " تميم " و " بكر بن وائل "، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى " الحاء " فسكنت، ثم استثقلت الضَّمة على الثانية، فسكنت، فحذف إحداهما للالتقاء، والجمعُ مستحون ومستحين، قاله الجوهري.
ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلفٌ فيه ؛ فقيل : عينُ الكلمة، فوزنُه يَسْتَفِل.
وقيل : لامُه، فوزنه يَسْتَفِع، ثُمَّ نُقِلت حركةُ اللاَّم على القول الأوّل، وحركةُ العَيْن على القول الثاني إلى الفاء، وهي الحاء ؛ ومن الحذف قولُه :[ الطويل ]
وقال آخر :[ الطويل ]
و " استحيي " يتعدَّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جرٍّ تقول : استحييتُه وعليه :
إذا ما استحين الماء. .
واستحييت منه ؛ وعليه :
أَلاّ تستحي مِنَّا الملوك. .
فيحتمل أن يكون قد تعدَّى في هذه الآية إلى أن يضرب بنفسه، فيكون في محل نصب قولاً واحداً، ويحتمل أن يكون تَعَدَّى إليه بحرف الجر المحذوف، وحينئذٍ يجري الخلافُ المتقدّم في قوله :" أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ".
و " يَضْرِب " معناه : يُبَيِّن فيتعدَّى لواحدٍ.
وقيل : معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو :" ضَرَبْتُ الطِّينَ لَبِناً ".
وقال بعضهم :" لا يتعدَّى لاثنين إلاَّ مع المثل خاصة "، فعلى القول الأوّلِ يكونُ " مَثَلاً " مفعولاً و " ما " زائدة.
وقال أبو مسلم الأصفهاني :" معاذ الله أنْ يكون في القرآن زيادة ".
وقال ابن الخطيب(١٩) : والأصح قول أبي مُسْلِمٍ ؛ لأن الله - تعالى - وصف القرآن بكونه : هدى وبَيَاناً، وكونه لَغْواً ينافي ذلك، فعلى هذا يكون " ما " صفة للنكرة قبلها، لتزداد النكرة اتساعاً. ونظيره قولهم :" لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصيرٌ أَنْفَهُ " وقولُ امرىء القيس :[ المديد ]
وقال أبو البَقَاءِ : وقيل :" ما " نَكِرَةٌ موصوفةٌ، ولم يجعل بعوضة صفتها، بل جعلها بدلاً منها، وفيه نظرٌ ؛ إذ يحتاج أن يُقدِّر صفةً محذوفة ولا ضرورة إلى ذلك، فكان الأولى أن يجعل بعوضةً صفتها بمعنى أنَّهُ وصفها بالجنس المُنكَّرِ لإبهامِه، فهي في معنى " قليل "، وإليه ذهب الفرّاء والزَّجَّاجُ وثَعْلَبٌ، وتكون " ما " وصفتها حينئذٍ بدلاً من " مَثَلاً " و " بعوضة " بدلاً من " ما "، أو عطف بيان لها، إن قيل :" ما " صفة ل " مثلاً "، أو نعتٌ ل " ما " إن قيل : إنَّها بدلٌ من " مثلاً " كما تقدَّم في قول الفَرَّاء، وبدلٌ من " مثلاً " أو عطف بيان له إن قيل : إن " ما " زائدة.
وقيل :" بعوضة " هو المفعول، و " مثلاً " نُصِبَ على الحالِ قُدِّمَ على النكرةِ.
وقيل : نُصِبَ على إسقاط الخافض، التقدير : ما بين بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ " بين " أعربت " بعوضة " بإعرابها، وتكون الفاء في قوله :" فما فوقها " بمعنى إلى، أي : إلى ما فوقها، ويعزى هذا للكسائي والفرّاء وغيرهم من الكوفيين ؛ وأنشدوا :[ البسيط ]
أي : ما بين قَرْنٍ.
وحَكَوْا :" له عشرون ما ناقةً فَجَمَلاً "، وعلى القول الثَّاني يكونُ " مثلاً " مفعولاً أوَّلَ، و " ما " تحتمل الوجهين المتقدمين، و " بعوضةً " مفعولٌ ثانٍ.
وقيل : بعوضةً هي المفعولُ الأولُ، و " مَثَلاً " هو الثَّاني، ولَكِنَّهُ قُدِّم.
وتلخَّص مما تقدَّم أنَّ في " ما " ثلاثة أوجه :
زائدة، صفة لما قبلَها، نكِرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في " مثلاً " ثلاثة أيضاً :
مفعول أوّل، أو مفعول ثان، أو حالٌ مقدّمة(٢٢)،
روي عن ابن عبّاس - رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّه لما قال :
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فطعن في أصنامهم، ثُمَّ شَبَّه عبادتها ببيت العَنْكَبُوت.
قالت اليهود : أي قدر للذُّبَاب والعنكبوت حتَّى يَضْربَ اللهُ المَثَلَ بهما ؟ ! فنزلت هذه الآية(١).
وقيل : إنَّ المُنَافقين طَعَنوا في ضرب الأمثالِ بالنَّار، والظلمات، والرَّعد، والبَرْق في قوله :﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ [البقرة: ١٧] وقوله :﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾. قالوا : اللهُ أَجَلُّ وأعلى من أن يضرِبَ الأمثالَ، فأنزل اللهُ هذه الآية(٢)، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عبّاس.
وروى عطاء عن ابن عبّاس أيضاً أنَّ هذا الطعن كان من المشركين(٣).
فقال القَفَّالُ رحمه الله : الكُلُّ محتملٌ هاهنا. أمَّا اليهود، فلأنه قيل في آخر الآية :﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ وهذا صفة اليهود ؛ لأنَّ الخطاب بالوفاءِ بالعهدِ إنَّمَا هو لبني إسرائيل، وأمَّّا الكفَّارُ والمنافقون فقد ذكروا في سورة " المدثر " :﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ [المدثر: ٣١]، فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المُنَافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين، لأنَّ السورة مَكِّيَةٌ، فقد جُمِعَ الفريقان هاهنا.
إذا ثبت هذا، فنقول : احتمال الكُلِّ هاهنا قائمٌ ؛ لأنَّ الكافرين والمُنافقين واليهود كانوا مُتَوَافقين في إيذاء الرَّسول، وقد مضى من أوّلِ السُّورةِ إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، وكُلُّهم من الَّذين كفروا.
ثُمَّ قال القَفَّالُ :" وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب ؛ لأنَّ معناه مفيدٌ في نفسه ".
فَصْلٌ في معنى الحياء واشتقاقه
الحياء : تَغَيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم(٤)، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري : نقصت حياته، واعتلت مجازاً، كما يُقَالُ : نَسِيَ وخَشِيَ، وشظي القوسُ : إذَا اعتلت هذه الأعضاء، جُعِلَ الحييُّ لما يعتريه من الانكسار، والتَّغَيُّرِ منتكس(٥) القوة منتقص الحياة كما قالوا : فلان هلك من كذا حياءً، ومات حياءً، وذاب حياءً، يعني بقوله :" نَسِيَ وخَشِيَ وشظي " أي : أصيبَ نَسَاهُ، وهو " عرق " وحَشَاه، وهو ما احتوى عليه البَطْنُ، وشظاهُ وهو عَظْم في الوَرِك، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى - مَجَازٌ عن التَّرْكِ.
وقيل : مجاز عن الخِشْيَةِ ؛ لأنَّها أيْضاً من ثمراته، وَرَجَّحَهُ الطَّبريُّ، وجعله الزمخشريُّ من باب المُقَابلةِ، يعني أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا : أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحَقّرات، " قُوبِلَ " قولهم ذلك بقوله :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ ؛ [ ونظيره قول ](٦) أبي تمَّام :[ الكامل ]
| مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا | أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ(٧) |
وقيل : معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصْلُ الاستحياء الانقباضُ عن الشَّيء، والامتناعُ منه ؛ خوفاً من مُوَاقعة(٨) القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى، وفي " صحيح مسلم " عن أم سلمة قالت :" جاءت أم سليم إلى النِّبِيِّ ﷺ فقالت : يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ " (٩) المعنى لا يأمر بالحَيَاءِ فيه، ولا يمتنع من ذكره.
قال ابن الخطيب :" القانون في أمثال هذه الأشياء، أنَّ كُلَّ صفةٍ ثبتت للعبدِ مما يختص(١٠) بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فذلك محمولٌ على نهايات الأعراض، لا على بدايات الأعراض، مثاله : أن الحياء حالةٌ تَحْصُلُ للإنسان، ولكن لها مبدأ ومنتهى، أمَّا المبدأ فهو التغيُّر الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن يُنْسبَ إليه القبيح، وأمَّا النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياءُ في حقِّ الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل تركُ الفعلِ الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضبُ [ له مقدّمةٌ ](١١) وهو غليان دم القَلْبِ وشهوة الانتقام(١٢) وله(١٣) غاية، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله - تعالى - بالغَضَبِ، فليس المراد ذلك المبدأ، يعني شهوة الانتقام، وغليان دم القَلْبِ، بل المرادُ تلك النّهاية، وهي إنزال العقاب(١٤)، فهذا هو القانون الكُلِّ في هذا الباب ".
فَصْلٌ في تنزيه الخالق سبحانه
قال القاضي : ما لا يجوز على الله - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال : إنَّهُ - تعالى - لا يوصفُ به، فأمَّا أن يقال :" لا يستحي " ويطلقُ عليه فمحالٌ ؛ لأنَّهُ يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره الله - تعالى - في كتابه من قوله :﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى :﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وكذلك قوله تعالى :﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائز أن يُطْلقَ في المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلاَّ مع بيان أنَّ ذلك مُحَالٌ.
ولقائلٍ أن يقولَ : لاَ شَكَّ أنَّ هذه الصِّفَات منتفيةٌ عن الله تعالى، فكان الإخبار عن انتفائها يدلُّ على صحّتها عليه.
فنقول : هذه الدلالة ممنوعة، وذلك أن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يَدُلُّ على ثبوته لغيره، لو قرنَ اللَّفظ بما يَدُلُّ على انتفاء الصِّحّة كان ذلك أحسن، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً.
فَصْلٌ في إعراب الآية
قوله :" لا يستَحْيي " جملة في محلِّ الرفع خبراً ل " أن "، واستفعل هنا للإغناء عن الثُّلاثي المجرّد.
وقال الزمخشري :" إنَّهُ مُوَافق له أي : قد ورد " حَيي "، و " استَحْيى " بمعنى واحد، والمشهور : اسْتَحْيَى يَسْتَحْيي فهو مستحيٍ ومُسْتَحْيًى منه من غير حَذْف ".
قال القرطبي(١٥) : و " يستحيي " أصله يَسْتَحْييُ عينه ولامه حرفا علة أعلّت " اللام " منه بأن استثقلت الضمةُ على " الياء " فسكنت، والجمعُ مستحيون ومستحيين، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح مثل : اسْتَقَى يَسْتَقِي.
وقرأ(١٦) به ابن محيصن.
ويروى عن ابن كثير، وهي لغة " تميم " و " بكر بن وائل "، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى " الحاء " فسكنت، ثم استثقلت الضَّمة على الثانية، فسكنت، فحذف إحداهما للالتقاء، والجمعُ مستحون ومستحين، قاله الجوهري.
ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلفٌ فيه ؛ فقيل : عينُ الكلمة، فوزنُه يَسْتَفِل.
وقيل : لامُه، فوزنه يَسْتَفِع، ثُمَّ نُقِلت حركةُ اللاَّم على القول الأوّل، وحركةُ العَيْن على القول الثاني إلى الفاء، وهي الحاء ؛ ومن الحذف قولُه :[ الطويل ]
| ألا تَسْتَحِي مِنَّا المُلُوكُ وَتَتَّقِي | مَحَارِمَنا لاَ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ(١٧) |
| إذا ما اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ | كَرَعْنَ بِسبْتٍ في إِنَاءٍ مِنَ الوَرْدِ(١٨) |
إذا ما استحين الماء. .
واستحييت منه ؛ وعليه :
أَلاّ تستحي مِنَّا الملوك. .
فيحتمل أن يكون قد تعدَّى في هذه الآية إلى أن يضرب بنفسه، فيكون في محل نصب قولاً واحداً، ويحتمل أن يكون تَعَدَّى إليه بحرف الجر المحذوف، وحينئذٍ يجري الخلافُ المتقدّم في قوله :" أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ".
و " يَضْرِب " معناه : يُبَيِّن فيتعدَّى لواحدٍ.
وقيل : معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو :" ضَرَبْتُ الطِّينَ لَبِناً ".
وقال بعضهم :" لا يتعدَّى لاثنين إلاَّ مع المثل خاصة "، فعلى القول الأوّلِ يكونُ " مَثَلاً " مفعولاً و " ما " زائدة.
وقال أبو مسلم الأصفهاني :" معاذ الله أنْ يكون في القرآن زيادة ".
وقال ابن الخطيب(١٩) : والأصح قول أبي مُسْلِمٍ ؛ لأن الله - تعالى - وصف القرآن بكونه : هدى وبَيَاناً، وكونه لَغْواً ينافي ذلك، فعلى هذا يكون " ما " صفة للنكرة قبلها، لتزداد النكرة اتساعاً. ونظيره قولهم :" لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصيرٌ أَنْفَهُ " وقولُ امرىء القيس :[ المديد ]
| وَحَدِيثُ الرَّكبِ يَوْمَ هُنَا | وَحَدِيثٌ مَّا عَلَى قِصَرِهْ(٢٠) |
وقيل :" بعوضة " هو المفعول، و " مثلاً " نُصِبَ على الحالِ قُدِّمَ على النكرةِ.
وقيل : نُصِبَ على إسقاط الخافض، التقدير : ما بين بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ " بين " أعربت " بعوضة " بإعرابها، وتكون الفاء في قوله :" فما فوقها " بمعنى إلى، أي : إلى ما فوقها، ويعزى هذا للكسائي والفرّاء وغيرهم من الكوفيين ؛ وأنشدوا :[ البسيط ]
| يَا أَحْسَنَ النَّاسِ مَا قَرْناً إلَى قَدَمٍ | وَلاَ حِبَالَ مُحِبٍّ وَاصِلٍ تَصِلُ(٢١) |
وحَكَوْا :" له عشرون ما ناقةً فَجَمَلاً "، وعلى القول الثَّاني يكونُ " مثلاً " مفعولاً أوَّلَ، و " ما " تحتمل الوجهين المتقدمين، و " بعوضةً " مفعولٌ ثانٍ.
وقيل : بعوضةً هي المفعولُ الأولُ، و " مَثَلاً " هو الثَّاني، ولَكِنَّهُ قُدِّم.
وتلخَّص مما تقدَّم أنَّ في " ما " ثلاثة أوجه :
زائدة، صفة لما قبلَها، نكِرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في " مثلاً " ثلاثة أيضاً :
مفعول أوّل، أو مفعول ثان، أو حالٌ مقدّمة(٢٢)،
١ - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٨٨) وعزاه لعبد الغني الثقفي في "تفسيره" والواحدي عن ابن عباس..
٢ - ذكره السيوط في "الدر المنثور" (١/٨٨) وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة..
٣ - أخرجه عبد الغني الثقفي في "تفسيره" والواحدي كما في "الدر المنثور" (١/٨٨) عن ابن عباس..
٤ - في أ: وقد تقدم..
٥ - في أ: منكس..
٦ - في ب: ونظيره بقوله..
٧ - ينظر البيت في ديوانه: ٣/٤٧، الكشاف: ١/١١٣، الدر المصون: ١/١٦٣..
٨ - في أ: موافقة..
٩ - أخرجه البخاري: (١/٤٦، ٨٠) ومسلم (١/١٧٢) والنسائي (١/٤٢)..
١٠ - في ب: ينتقص..
١١ - سقط في أ..
١٢ - في أ: الإقدام..
١٣ - في ب: عليه..
١٤ - في أ: العذاب..
١٥ - ينظر القرطبي: ١/١٦٨..
١٦ - وقرأ بها شبل بن عباد، ويعقوب، وهي لغة بني تميم. يجرونها مجرى يستبي. انظر الشواذ: ٤، والقراءات الشاذة للشيخ القاضي: ٢٤، والبحر المحيط: ١/٢٦٤، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٢..
١٧ - البيت لجابر بن حني التغلبي ينظر شرح اختيارات المفضل: ص ٩٥١، ولسان العرب (بوا)، (مكس)، والكتاب: ٣/٩٥، الدر المصون: ١/١٦٢..
١٨ - ينظر البيت في الكشاف: ١/١١٣، الدر المصون: ١/١٦٢..
١٩ - ينظر الرازي: ٢/١٢٤..
٢٠ - ينظر ديوانه: (١٠٣)، والدر المصون: ١/١٦٣..
٢١ - ينظر البيت في خزانة الأدب: ١١/٧، والدرر: ٦/٨٣، وشرح شواهد المغني: ١/٤٦٤، مغني اللبيب: ١/١٦٢٠، همع الهوامع: ٢/١٣١، الدر المصون: ١/١٦٣..
٢٢ - في أ: مقدرة..
٢ - ذكره السيوط في "الدر المنثور" (١/٨٨) وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة..
٣ - أخرجه عبد الغني الثقفي في "تفسيره" والواحدي كما في "الدر المنثور" (١/٨٨) عن ابن عباس..
٤ - في أ: وقد تقدم..
٥ - في أ: منكس..
٦ - في ب: ونظيره بقوله..
٧ - ينظر البيت في ديوانه: ٣/٤٧، الكشاف: ١/١١٣، الدر المصون: ١/١٦٣..
٨ - في أ: موافقة..
٩ - أخرجه البخاري: (١/٤٦، ٨٠) ومسلم (١/١٧٢) والنسائي (١/٤٢)..
١٠ - في ب: ينتقص..
١١ - سقط في أ..
١٢ - في أ: الإقدام..
١٣ - في ب: عليه..
١٤ - في أ: العذاب..
١٥ - ينظر القرطبي: ١/١٦٨..
١٦ - وقرأ بها شبل بن عباد، ويعقوب، وهي لغة بني تميم. يجرونها مجرى يستبي. انظر الشواذ: ٤، والقراءات الشاذة للشيخ القاضي: ٢٤، والبحر المحيط: ١/٢٦٤، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٢..
١٧ - البيت لجابر بن حني التغلبي ينظر شرح اختيارات المفضل: ص ٩٥١، ولسان العرب (بوا)، (مكس)، والكتاب: ٣/٩٥، الدر المصون: ١/١٦٢..
١٨ - ينظر البيت في الكشاف: ١/١١٣، الدر المصون: ١/١٦٢..
١٩ - ينظر الرازي: ٢/١٢٤..
٢٠ - ينظر ديوانه: (١٠٣)، والدر المصون: ١/١٦٣..
٢١ - ينظر البيت في خزانة الأدب: ١١/٧، والدرر: ٦/٨٣، وشرح شواهد المغني: ١/٤٦٤، مغني اللبيب: ١/١٦٢٠، همع الهوامع: ٢/١٣١، الدر المصون: ١/١٦٣..
٢٢ - في أ: مقدرة..