البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الحياء : تغير وإنكار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم، ومحله الوجه، ومنبعه من القلب، واشتقاقه من الحياة، وضده : القحة، والحياء، والاستحياء، والانخزال، والانقماع، والانقلاع، متقاربة المعنى، فتنوب كل واحدة منها مناب الأخرى.
أن : حرف ثنائي الوضع ينسبك منه مع الفعل الذي يليه مصدر، وعمله في المضارع النصب، إن كان معرباً، والجزم بها لغة لبني صباح، وتوصل أيضاً بالماضي المتصرف، وذكروا أنها توصل بالأمر، وإذا نصبت المضارع فلا يجوز الفصل بينهما بشيء.
وأجاز بعضهم الفصل بالظرف، وأجاز الكوفيون الفصل بينها وبين معمولها بالشرط.
وأجازوا أيضاً إلغاءها وتسليط الشرط على ما كان يكون معمولاً لها لولاه، وأجاز الفراء تقديم معمول معمولها عليها، ومنعه الجمهور.
وأحكام أن الموصولة كثيرة، ويكون أيضاً حرف تفسير خلافاً للكوفيين، إذ زعموا أنها لا تأتي تفسيراً، وسيأتي الكلام على التفسيرية عند قوله تعالى :﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي﴾ إن شاء الله تعالى.
وتكون أن أيضاً زائدة وتطرد زيادتها بعد لما، ولا تفيد إذ ذاك غير التوكيد، خلافاً لمن زاد على ذلك أنها تفيد اتصال الفعل الواقع جواباً بالفعل الذي زيدت قبله، وبعد القسم قبل لو والجواب خلافاً لمن زعم أنها إذ ذاك رابطة لجملة القسم بالمقسم عليه إذا كان لو والجواب، ولا تكون أن للمجازاة خلافاً للكوفيين، ولا بمعنى أن المكسورة المخففة من الثقيلة خلافاً للفارسي، ولا للنفي، ولا بمعنى إذ، ولا بمعنى لئلا خلافاً لزاعمي ذلك.
وأما أن المخففة من الثقيلة فحرف ثلاثي الوضع، وسيأتي الكلام عليه عند أول ما يذكر، إن شاء الله تعالى.
والضرب : إمساس جسم بجسم بعنف ويكنى به عن السفر في الأرض ويكون بمعنى الصنع والاعتمال.
وروى اضطرب رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب.
والبعوضة : واحد البعوض، وهي طائر صغير جداً معروف، وهو في الأصل صفة على فعول كالقطوع فغلبت، واشتقاقه من البعض بمعنى القطع.
أما : حرف، وفيه معنى الشرط، وبعضهم يعبر عنها بحرف تفصيل، وبعضهم بحرف إخبار، وأبدل بنو تميم الميم الأولى ياء فقالوا : أيما.
وقال سيبويه في تفسير أما : أن المعنى مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، والذي يليها مبتدأ وخبر وتلزم الفاء فيما ولي الجزاء الذي وليها، إلا إن كانت الجملة دعاء فالفاء فيما يليها ولا يفصل بغيرها من الجمل بينها وبين الفاء، وإذا فصل بها فلا بد من الفصل بينها وبين الجملة بمعمول يلي أما، ولا يجوز أن يفصل بين أما وبين الفاء بمعمول خبر أن وفاقاً لسيبويه وأبي عثمان، وخلافاً للمبرد وابن درستويه، ولا بمعمول خبر ليت ولعل خلافاً للفراء.
ومسألة أما علماً، فعالم لزم أهل الحجاز فيه النصب وتختاره تميم، وتوجيه هاتين المسألتين مذكور في النحو.
الحق : الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.
حق الأمر ثبت ووجب ومنه :﴿حقت كلمة ربك﴾ والباطل مقابله، وهو المضمحل الزائل،
ماذا : الأصل في ذا أنها اسم إشارة، فمتى أريد موضوعها الأصلي كانت ماذا جملة مستقلة، وتكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء وذا خبره.
وقد استعملت العرب ماذا ثلاثة استعمالات غير الذي ذكرناه أولاً : أحدها : أن تكون ما استفهاماً وذا موصولاً بدليل وقوع الاسم جواباً لها مرفوعاً في الفصيح، وبدليل رفع البدل قال الشاعر :
الثاني : أن تكون ماذا كلها استفهاماً، وهذا الوجه هو الذي يقول بعض النحويين فيه : إن ذا لغو ولا يريد بذلك الزيادة بل المعنى أنها ركبت مع ما وصارت كلها استفهاماً، ويدل على هذا الوصف وقوع الاسم جواباً لها منصوباً في الفصيح، وقول العرب : عماذا تسأل بإثبات ألف ما، وقول الشاعر :
ولا يصح موصولية ذا هنا، الثالث : أن تكون ما مع ذا اسماً موصولاً، وهو قليل، قال الشاعر :
فعلى هذا الوجه والأول يكون الفعل بعدها صلة لا موضع له من الإعراب ولا يتسلط على ماذا : وعلى الوجه الثاني يتسلط على ماذا إن كان مما يمكن أن يتسلط.
وأجاز الفارسي أن تكون ماذا نكرة موصوفة وجعل منه : دعي ماذا علمت.
الإرادة : طلب نفسك الشيء وميل قلبك إليه، وهي نقيض الكرهة، ويأتي الكلام عليها مضافة إلى الله تعالى، إن شاء الله.
الفسوق : الخروج، فسقت الرطبة : خرجت، والفاسق شرعاً : الخارج عن الحق، ومضارعه جاء على يفعل ويفعل.
﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً مّا بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما كفروا فيقولون ماذا أراد بهذا مثلاً﴾، الآيات.
قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل، والفراء : نزلت في اليهود لما ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت، والذباب، والتراب، والحجارة، وغير ذلك مما يستحقر ويطرح.
قالوا : إن الله أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات، فردّ الله عليهم بهذه الآية.
وقال الحسن، ومجاهد، والسدّي، وغيرهم : نزلت في المنافقين، قالوا : لما ضرب الله تعالى المثل بالمستوقد والصيب قالوا : الله أعلى وأعظم أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها، فرد الله عليهم بهذه الآية، وقيل نزلت في المشركين، والكل محتمل، إذ اشتملت على نقض العهد، وهو من صفة اليهود، لأن الخطاب بوفاء العهد إنما هو لبني إسرائيل، وعلى الكافرين ﴿والذين في قلوبهم مرض﴾ وهم المشركون والمنافقون، وكلهم كانوا في إيذائه ﷺ متوافقين.
وقد نص من أول السورة إلى هنا ذكر ثلاث طوائف، وكلهم من الذين كفروا، قاله القفال، قال : ويجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب.
وقال الربيع بن أنس : هذا مثل ضربه الله تعالى للدنيا وأهلها، وأن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا شبعت وامتلأت ماتت.
كذلك مثل أهل الدنيا إذا امتلؤوا منها كان سبباً لهلاكهم، وقيل : ضرب ذلك تعالى مثلاً لأعمال العباد أنه لا يمتنع أن يذكر ما قل منها أو كثر ليجازي عليها ثواباً أو عقاباً، وإلا ظهر في سبب النزول القولان الأولان.
ومناسبة هذه الآية ظاهرة، إذ قد جرى قبل ذكر المثل بالمستوقد والصيب، ونزل التمثيل بالعنكبوت والذباب، فأنكر ذلك الجهلة وأهل العناد، واستغربوا ما ليس بمستغرب ولا منكر، إذ التمثيل يكشف المعنى ويوضح المطلوب.
وقد تقدم الكلام في فائدته عند قوله تعالى :﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾ والعاقل إذا سمع التمثيل استبان له به الحق، وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور والأجناس والحشرات والهوام، ولسان العرب ملآن من ذلك، ألا ترى إلى قول الشاعر :
فذكر قصة ذات الصفا، وهي حية كانت قد قتلت قرابة حليفها، فتواثقا بالله على أنها تدي ذلك القتيل ولا تؤذيها، إلى آخر القصة المذكورة في ذلك الشعر.
والأمثال مضروبة في الإنجيل بالأشياء الحقيرة كالنخالة والدود والزنابير.
وكذلك أيضاً قرأت أمثالاً في الزبور.
فإنكار ضرب الأمثال جهالة مفرطة أو مكابرة واضحة، ومساق هذه الجملة مصدرة بأن يدل على التوكيد.
وقرأ الجمهور : يستحيي بياءين، والماضي : استحيا، وهي لغة أهل الحجاز، واستفعل هنا جاء للإغناء عن الثلاثي المجرد : كاستنكف، واستأثر، واستبد، واستعبر، وهو من المعاني التي جاء لها استفعل.
وقد تقدم ذكرها عند قوله :﴿وإياك نستعين﴾ وهذا هنا من الحياء.
وفي كلام الزمخشري ما يدل على أن استحيا ليس مغنياً عن المجرد بل هو موافق للمجرد، وهو أحد المعاني أيضاً الذي جاء لها استفعل.
قال الزمخشري : يقال حيي الرجل كما يقال : نسي وخشي وشظي الفرس، إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعبر به عن الانكسار، والتغير منكسر القوة منتقض الحياة، كما قالوا : فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلال في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلاً، انتهى كلامه.
فظاهره أنه يقال : من الحياء حيي الرجل، فيكون استحيا على ذلك موافقاً للمجرد، وعلى ما نقلناه قبل يكون مغنياً عن المجرد.
وقرأ ابن كثير في رواية شبل، وابن محيصن، ويعقوب : يستحي بياء واحدة، وهي لغة بني تميم، يجرونها مجرى يستبي.
قال الشاعر :
والماضي : استحى، قال الشاعر :
واختلف النحاة في المحذوفة، فقيل لام الكلمة، فالوزن يستفع، فنقلت حركة العين إلى الفاء وسكنت العين فصارت يستفع.
وقيل المحذوف العين، فالوزن يستيفل ثم نقلت حركة اللام إلى الفاء وسكنت اللام فصارت يستفل.
وأكثر نصوص الأئمة على أن المحذوف هو العين.
وقد تكلمنا على هذه المسألة في ( كتاب التكميل لشرح التسهيل ) من تأليفنا، وليس هذا الحذف مختصاً بالماضي والمضارع، بل يكون أيضاً في سائر التصرفات، كاسم الفاعل، واسم المفعول، وغير ذلك.
وهذا الفعل مما نقلوا أنه يكون متعدياً بنفسه، ويكون متعدياً بحرف جر، يقال : استحييته واستحييت منه.
فعلى هذا يحتمل ﴿أن يضرب﴾ أن يكون مفعولاً به على أن يكون الفعل تعدى إليه بنفسه، أو تعدى إليه على إسقاط حرف الجر.
وفي ذلك الخلاف الذي ذكرناه في قوله تعالى :﴿أن لهم جنات﴾ أذلك في موضع نصب بعد حذف حرف الجر أم في موضع جر ؟.
واختلف المفسرون في معنى الاستحياء المنسوب إلى الله تعالى نفيه، فقيل : المعنى لا يترك، فعبر بالحياء عن الترك، قاله الزمخشري وغيره، لأن الترك من ثمرات الحياء، لأن الإنسان إذا استحيا من فعل شيء تركه، فيكون من باب تسمية المسبب باسم السبب.
وقيل : المعنى لا يخشى، وسميت الخشية حياء لأنها من ثمراته، ورجحه الطبري.
وقد قيل في قوله تعالى :﴿وتخشى الناس﴾ أن معناه تستحي من الناس.
وقيل : المعنى لا يمتنع.
وكل هذه الأقوال متقاربة من حيث المعنى، يجوز أن يوصف الله تعالى بها، وهذه التأويلات هي على مذهب من يرى التأويل في الأشياء التي موضوعها في اللغة لا ينبغي أن يوصف الله تعالى به، وقيل : ينبغي أن تمر على ما جاءت، ونؤمن بها ولا نتأولها ونكل علمها إليه تعالى، لأن صفاته تعالى لا يطلع على ماهيتها الخلق.
والذي عليه أكثر أهل العلم أن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب، وفيه الحقيقة والمجاز، فما صح في العقل نسبته إليه نسبناه إليه، وما استحال أوّلناه بما يليق به تعالى، كما نؤول فيما ينسب إلى غيره مما لا يصح نسبته إليه، والحياء بموضوع اللغة لا يصح نسبته إلى الله تعالى، فلذلك أوله أهل العلم، وقد جاء منسوباً إلى الله مثبتاً فيما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :« إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن ي
أن : حرف ثنائي الوضع ينسبك منه مع الفعل الذي يليه مصدر، وعمله في المضارع النصب، إن كان معرباً، والجزم بها لغة لبني صباح، وتوصل أيضاً بالماضي المتصرف، وذكروا أنها توصل بالأمر، وإذا نصبت المضارع فلا يجوز الفصل بينهما بشيء.
وأجاز بعضهم الفصل بالظرف، وأجاز الكوفيون الفصل بينها وبين معمولها بالشرط.
وأجازوا أيضاً إلغاءها وتسليط الشرط على ما كان يكون معمولاً لها لولاه، وأجاز الفراء تقديم معمول معمولها عليها، ومنعه الجمهور.
وأحكام أن الموصولة كثيرة، ويكون أيضاً حرف تفسير خلافاً للكوفيين، إذ زعموا أنها لا تأتي تفسيراً، وسيأتي الكلام على التفسيرية عند قوله تعالى :﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي﴾ إن شاء الله تعالى.
وتكون أن أيضاً زائدة وتطرد زيادتها بعد لما، ولا تفيد إذ ذاك غير التوكيد، خلافاً لمن زاد على ذلك أنها تفيد اتصال الفعل الواقع جواباً بالفعل الذي زيدت قبله، وبعد القسم قبل لو والجواب خلافاً لمن زعم أنها إذ ذاك رابطة لجملة القسم بالمقسم عليه إذا كان لو والجواب، ولا تكون أن للمجازاة خلافاً للكوفيين، ولا بمعنى أن المكسورة المخففة من الثقيلة خلافاً للفارسي، ولا للنفي، ولا بمعنى إذ، ولا بمعنى لئلا خلافاً لزاعمي ذلك.
وأما أن المخففة من الثقيلة فحرف ثلاثي الوضع، وسيأتي الكلام عليه عند أول ما يذكر، إن شاء الله تعالى.
والضرب : إمساس جسم بجسم بعنف ويكنى به عن السفر في الأرض ويكون بمعنى الصنع والاعتمال.
وروى اضطرب رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب.
والبعوضة : واحد البعوض، وهي طائر صغير جداً معروف، وهو في الأصل صفة على فعول كالقطوع فغلبت، واشتقاقه من البعض بمعنى القطع.
أما : حرف، وفيه معنى الشرط، وبعضهم يعبر عنها بحرف تفصيل، وبعضهم بحرف إخبار، وأبدل بنو تميم الميم الأولى ياء فقالوا : أيما.
وقال سيبويه في تفسير أما : أن المعنى مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، والذي يليها مبتدأ وخبر وتلزم الفاء فيما ولي الجزاء الذي وليها، إلا إن كانت الجملة دعاء فالفاء فيما يليها ولا يفصل بغيرها من الجمل بينها وبين الفاء، وإذا فصل بها فلا بد من الفصل بينها وبين الجملة بمعمول يلي أما، ولا يجوز أن يفصل بين أما وبين الفاء بمعمول خبر أن وفاقاً لسيبويه وأبي عثمان، وخلافاً للمبرد وابن درستويه، ولا بمعمول خبر ليت ولعل خلافاً للفراء.
ومسألة أما علماً، فعالم لزم أهل الحجاز فيه النصب وتختاره تميم، وتوجيه هاتين المسألتين مذكور في النحو.
الحق : الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.
حق الأمر ثبت ووجب ومنه :﴿حقت كلمة ربك﴾ والباطل مقابله، وهو المضمحل الزائل،
ماذا : الأصل في ذا أنها اسم إشارة، فمتى أريد موضوعها الأصلي كانت ماذا جملة مستقلة، وتكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء وذا خبره.
وقد استعملت العرب ماذا ثلاثة استعمالات غير الذي ذكرناه أولاً : أحدها : أن تكون ما استفهاماً وذا موصولاً بدليل وقوع الاسم جواباً لها مرفوعاً في الفصيح، وبدليل رفع البدل قال الشاعر :
| ألا تسألان المرء ماذا يحاول | أنحب فيقضى أم ضلال وباطل |
| يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم | لا يستفقن إلى الديرين تحتانا |
| دعي ماذا علمت سأتقيه | ولكن بالمغيب نبئيني |
وأجاز الفارسي أن تكون ماذا نكرة موصوفة وجعل منه : دعي ماذا علمت.
الإرادة : طلب نفسك الشيء وميل قلبك إليه، وهي نقيض الكرهة، ويأتي الكلام عليها مضافة إلى الله تعالى، إن شاء الله.
الفسوق : الخروج، فسقت الرطبة : خرجت، والفاسق شرعاً : الخارج عن الحق، ومضارعه جاء على يفعل ويفعل.
﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً مّا بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما كفروا فيقولون ماذا أراد بهذا مثلاً﴾، الآيات.
قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل، والفراء : نزلت في اليهود لما ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت، والذباب، والتراب، والحجارة، وغير ذلك مما يستحقر ويطرح.
قالوا : إن الله أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات، فردّ الله عليهم بهذه الآية.
وقال الحسن، ومجاهد، والسدّي، وغيرهم : نزلت في المنافقين، قالوا : لما ضرب الله تعالى المثل بالمستوقد والصيب قالوا : الله أعلى وأعظم أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها، فرد الله عليهم بهذه الآية، وقيل نزلت في المشركين، والكل محتمل، إذ اشتملت على نقض العهد، وهو من صفة اليهود، لأن الخطاب بوفاء العهد إنما هو لبني إسرائيل، وعلى الكافرين ﴿والذين في قلوبهم مرض﴾ وهم المشركون والمنافقون، وكلهم كانوا في إيذائه ﷺ متوافقين.
وقد نص من أول السورة إلى هنا ذكر ثلاث طوائف، وكلهم من الذين كفروا، قاله القفال، قال : ويجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب.
وقال الربيع بن أنس : هذا مثل ضربه الله تعالى للدنيا وأهلها، وأن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا شبعت وامتلأت ماتت.
كذلك مثل أهل الدنيا إذا امتلؤوا منها كان سبباً لهلاكهم، وقيل : ضرب ذلك تعالى مثلاً لأعمال العباد أنه لا يمتنع أن يذكر ما قل منها أو كثر ليجازي عليها ثواباً أو عقاباً، وإلا ظهر في سبب النزول القولان الأولان.
ومناسبة هذه الآية ظاهرة، إذ قد جرى قبل ذكر المثل بالمستوقد والصيب، ونزل التمثيل بالعنكبوت والذباب، فأنكر ذلك الجهلة وأهل العناد، واستغربوا ما ليس بمستغرب ولا منكر، إذ التمثيل يكشف المعنى ويوضح المطلوب.
وقد تقدم الكلام في فائدته عند قوله تعالى :﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾ والعاقل إذا سمع التمثيل استبان له به الحق، وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور والأجناس والحشرات والهوام، ولسان العرب ملآن من ذلك، ألا ترى إلى قول الشاعر :
| وإني لألقى من ذوي الضغن منهم | وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره |
| كما لقيت ذات الصفا من حليفها | وما انفكت الأمثال في الناس سائره |
والأمثال مضروبة في الإنجيل بالأشياء الحقيرة كالنخالة والدود والزنابير.
وكذلك أيضاً قرأت أمثالاً في الزبور.
فإنكار ضرب الأمثال جهالة مفرطة أو مكابرة واضحة، ومساق هذه الجملة مصدرة بأن يدل على التوكيد.
وقرأ الجمهور : يستحيي بياءين، والماضي : استحيا، وهي لغة أهل الحجاز، واستفعل هنا جاء للإغناء عن الثلاثي المجرد : كاستنكف، واستأثر، واستبد، واستعبر، وهو من المعاني التي جاء لها استفعل.
وقد تقدم ذكرها عند قوله :﴿وإياك نستعين﴾ وهذا هنا من الحياء.
وفي كلام الزمخشري ما يدل على أن استحيا ليس مغنياً عن المجرد بل هو موافق للمجرد، وهو أحد المعاني أيضاً الذي جاء لها استفعل.
قال الزمخشري : يقال حيي الرجل كما يقال : نسي وخشي وشظي الفرس، إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعبر به عن الانكسار، والتغير منكسر القوة منتقض الحياة، كما قالوا : فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلال في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلاً، انتهى كلامه.
فظاهره أنه يقال : من الحياء حيي الرجل، فيكون استحيا على ذلك موافقاً للمجرد، وعلى ما نقلناه قبل يكون مغنياً عن المجرد.
وقرأ ابن كثير في رواية شبل، وابن محيصن، ويعقوب : يستحي بياء واحدة، وهي لغة بني تميم، يجرونها مجرى يستبي.
قال الشاعر :
| ألا تستحي منا ملوك وتتقي | محارمنا لا يبوء الدم بالدم |
| إذا ما استحين الماء يعرض نفسه | كرعن بسيت في إناء من الورد |
وقيل المحذوف العين، فالوزن يستيفل ثم نقلت حركة اللام إلى الفاء وسكنت اللام فصارت يستفل.
وأكثر نصوص الأئمة على أن المحذوف هو العين.
وقد تكلمنا على هذه المسألة في ( كتاب التكميل لشرح التسهيل ) من تأليفنا، وليس هذا الحذف مختصاً بالماضي والمضارع، بل يكون أيضاً في سائر التصرفات، كاسم الفاعل، واسم المفعول، وغير ذلك.
وهذا الفعل مما نقلوا أنه يكون متعدياً بنفسه، ويكون متعدياً بحرف جر، يقال : استحييته واستحييت منه.
فعلى هذا يحتمل ﴿أن يضرب﴾ أن يكون مفعولاً به على أن يكون الفعل تعدى إليه بنفسه، أو تعدى إليه على إسقاط حرف الجر.
وفي ذلك الخلاف الذي ذكرناه في قوله تعالى :﴿أن لهم جنات﴾ أذلك في موضع نصب بعد حذف حرف الجر أم في موضع جر ؟.
واختلف المفسرون في معنى الاستحياء المنسوب إلى الله تعالى نفيه، فقيل : المعنى لا يترك، فعبر بالحياء عن الترك، قاله الزمخشري وغيره، لأن الترك من ثمرات الحياء، لأن الإنسان إذا استحيا من فعل شيء تركه، فيكون من باب تسمية المسبب باسم السبب.
وقيل : المعنى لا يخشى، وسميت الخشية حياء لأنها من ثمراته، ورجحه الطبري.
وقد قيل في قوله تعالى :﴿وتخشى الناس﴾ أن معناه تستحي من الناس.
وقيل : المعنى لا يمتنع.
وكل هذه الأقوال متقاربة من حيث المعنى، يجوز أن يوصف الله تعالى بها، وهذه التأويلات هي على مذهب من يرى التأويل في الأشياء التي موضوعها في اللغة لا ينبغي أن يوصف الله تعالى به، وقيل : ينبغي أن تمر على ما جاءت، ونؤمن بها ولا نتأولها ونكل علمها إليه تعالى، لأن صفاته تعالى لا يطلع على ماهيتها الخلق.
والذي عليه أكثر أهل العلم أن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب، وفيه الحقيقة والمجاز، فما صح في العقل نسبته إليه نسبناه إليه، وما استحال أوّلناه بما يليق به تعالى، كما نؤول فيما ينسب إلى غيره مما لا يصح نسبته إليه، والحياء بموضوع اللغة لا يصح نسبته إلى الله تعالى، فلذلك أوله أهل العلم، وقد جاء منسوباً إلى الله مثبتاً فيما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :« إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن ي