الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
النقض : الفسخ وفك التركيب.
فإن قلت : من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد ؟ قلت : من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين. ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة : يا رسول الله، إنّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها. فنخشى إن اللهُ عز وجل أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينّبهوا بتلك الرمزة على مكانه. ونحوه قولك : شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش.
والعهد : الموثق. وعهد إليه في كذا : إذا وصاه به ووثقه عليه. واستعهد منه : إذا اشترط عليه واستوثق منه : والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله : أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعًا.
فإن قلت : فما المراد بعهد الله ؟ قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى :﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١١٢] أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذابُعِثَ إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا ذكره فيما تقدمه من الكتب المنزلة عليهم، كقوله :﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه :«سأنزل عليك كتاباً فيه نبأ بني إسرائيل، وما أريته أياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم » وحسن صنعه للذين قاموا بمثياق الله تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد ﷺ من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد ﷺ. وقيل هو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغي بعضهم على بعض، ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود : العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرية آدم، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى :
﴿وإذ أخذ ربك﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وهو قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧]، وعهد خصّ به العلماء وهو قوله :﴿وَإِذ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧]. والضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم. ويجوز أن يكون بمعنى توثقته، كما أنّ الميعاد والميلاد، بمعنى الوعد والولادة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، أي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله. ومعنى قطعهم ما أمر الله به أو يوصل : قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، وقيل : قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض.
فإن قلت : ما الأمر ؟ قلت : طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه. وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور ؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له : أمر، تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن. والشأن : الطلب والقصد. يقال : شأنت شأنه، أي قصدت قصده ﴿هُمُ الخاسرون﴾ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها.
فإن قلت : من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد ؟ قلت : من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين. ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة : يا رسول الله، إنّ بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها. فنخشى إن اللهُ عز وجل أعزّك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينّبهوا بتلك الرمزة على مكانه. ونحوه قولك : شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوّجت امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش.
والعهد : الموثق. وعهد إليه في كذا : إذا وصاه به ووثقه عليه. واستعهد منه : إذا اشترط عليه واستوثق منه : والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله : أحبار اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعًا.
فإن قلت : فما المراد بعهد الله ؟ قلت : ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى :﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١١٢] أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذابُعِثَ إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا ذكره فيما تقدمه من الكتب المنزلة عليهم، كقوله :﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه :«سأنزل عليك كتاباً فيه نبأ بني إسرائيل، وما أريته أياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم » وحسن صنعه للذين قاموا بمثياق الله تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأنّ اليهود فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد ﷺ من التحريف والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد ﷺ. وقيل هو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغي بعضهم على بعض، ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل : عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود : العهد الأوّل الذي أخذه على جميع ذرية آدم، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى :
﴿وإذ أخذ ربك﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وهو قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧]، وعهد خصّ به العلماء وهو قوله :﴿وَإِذ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لتبيننه للناس ولا يكتمونه﴾ [آل عمران: ١٨٧]. والضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم. ويجوز أن يكون بمعنى توثقته، كما أنّ الميعاد والميلاد، بمعنى الوعد والولادة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، أي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار رسله. ومعنى قطعهم ما أمر الله به أو يوصل : قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، وقيل : قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض.
فإن قلت : ما الأمر ؟ قلت : طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه. وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور ؛ لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له : أمر، تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن. والشأن : الطلب والقصد. يقال : شأنت شأنه، أي قصدت قصده ﴿هُمُ الخاسرون﴾ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها.