البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿وإن كان ذو عسرة فظرة إلى ميسرة﴾ شكا بنو المغيرة العسرة وقالوا : أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا، فنزلت.
قيل : هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وقيل : أمر به في صدر الإسلام، فإن ثبت هذا فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ والعسرة ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه : جيش العسرة، والنظرة : التأخير، والميسرة : اليسر.
وقرأ الجمهور : ذو عسرة، على أن : كان، تامة، وهو قول سيبويه، وأبي علي، وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة، وأجاز بعض الكوفيين أن تكون : كان، ناقصة هنا.
وقدّر الخبر : وإن كان من غرمائكم ذو عسرة فحذف المجرور الذي هو الخبر، وقدر أيضاً : وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق، وحذف خبر كان لا يجوز عند أصحابنا، لا إقتصاراً ولا اختصاراً لعلة ذكروها في النحو.
وقرأ أبي، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس : ذا عسرة.
وقرأ الأعمش : معسراً.
وحكى الداني عن أحمد بن موسى أنها كذلك في مصحف أبي علي إن في كان إسمها ضميراً تقديره : هو، أي : الغريم، يدل على إضماره ما تقدم من الكلام، لأن المرابي لا بد له ممن يرابيه.
وقرئ : ومن كان ذا عسرة، وهي قراءة أبان بن عثمان.
وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان : فإن كان، بالفاء، فمن نصب ذا عسرة أو قرأ معسراً، وذلك بعد : إن كان، فقيل : يختص بأهل الربا.
ومن رفع فهو عام في جميع من عليه دين وليس بلازم، لأن الآية إنما سيقت في أهل الربا، وفيهم نزلت.
وقيل : ظاهر الآية يدل على أن الأصل الإيسار، وأن العدم طارىء جاذب يحتاج إلى أن يثبت.
﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ قرأ الجمهور : فنِظرة، على وزن نِبقة.
وقرأ أبو رجاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وقتادة : بسكون الظاء وهي لغة تميمية، يقولون في : كبد كبد.
وقرأ عطاء : فناظرة، على وزن : فاعلة وخرجه الزجاج على أنها مصدر كقوله تعالى :﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ وكقوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ وكقوله :﴿يعلم خائنة الأعين﴾ وقال : قرأ عطاء : فناظره، بمعنى : فصاحب الحق ناظره، أي : منتظره، أو : صاحب نظرته، على طريقة النسب، كقولهم : مكان عاشب، وباقل، بمعنى : ذو عشب وذو بقل.
وعنه : فناظره، على الأمر بمعنى : فسامحه بالنظرة، وباشره بها. انتهى.
ونقلها ابن عطية.
وعن مجاهد : جعلاه أمراً، والهاء ضمير الغريم.
وقرأ عبد الله : فناظروه، أي : فأنتم ناظروه.
أي : فأنتم منتظروه.
فهذه ست قراآت، ومن جعله اسم مصدر أو مصدراً فهو يرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : فالأمر والواجب على صاحب الدين نظرة منه لطلب الدين من المدين إلى ميسرة منه.
وقرأ نافع وحده : ميسرة، بضم السين، والضم لغة أهل الحجاز، وهو قليل ؛ كمقبرة، ومشرفة، ومسربة.
والكثير مفعلة بفتح العين.
وقرأ الجمهور بفتح السين على اللغة الكثيرة، وهي لغة أهل نجد.
وقرأ عبد الله : إلى ميسوره، على وزن مفعول مضافاً إلى ضمير الغريم، وهو عند الأخفش مصدر كالمعقول والمجلود في قولهم : ما له معقول ولا مجلود، أي : عقل وجلد، ولم يثبت سيبويه مفعولاً مصدراً، وقرأ عطاء ومجاهد : إلى ميسره، بضم السين وكسر الراء بعدها ضمير الغريم.
وقرئ كذلك بفتح السين، وخرج ذلك على حذف التاء لأجل الإضافة.
كقوله :
واخلفوك عد الأمر الذي وعدوا***
أي : عدة، وهذا أعني حذف التاء لأجل الإضافة، هو مذهب الفراء وبعض المتأخرين، وأداهم إلى هذا التأويل : أن مفعلاً ليس في الأسماء المفردة، فأما في الجمع فقد ذكروا ذلك في قول عدي بن زيد :
أبلغ النعمان عنى مألكا***
أنه قد طال حبسي وانتظار
وفي قول جميل :
بثين الزمي لا إنَّ لا إن لزمته***
على كثرة الواشين أي معون
فمألك ومعون جمع مألكة ومعونة.
وكذلك قوله :
ليوم روع أو فعال مكرم***
هذا تأويل أبي علي، وتأول أبو الفتح على أنها مفردة حذف منها التاء.
وقال سيبويه : ليس في الكلام مفعل، يعني في الآحاد، كذا قال أبو علي، وحكي عن سيبويه : مهلك، مثلث اللام.
وأجاز الكسائي أن يكون : مفعل، واحداً ولا يخالف قول سيبويه، إذ يقال : ليس في الكلام كذا، وإن كان قد جاء منه حرف أو حرفان، كأنه لا يعتد بالقليل، ولا يجعل له حكم.
وتقدّم شيء من الإشارة إلى الخلاف : أهذا الإنظار يختص بدين الربا ؟ وهو قول ابن عباس، وشريح، أم ذلك عام في كل معسر بدين ربا أو غيره ؟ وهو قول أبي هريرة، والحسن، وعطاء، والضحاك، والربيع بن خيثم، وعامة الفقهاء.
وقد جاء في فضل إنظار المعسر أحاديث كثيرة، منها :« من أنظر معسراً، ووضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله » ومنها :« يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول : يا رب ما عملت لك خيراً قط أريدك به إلا أنك رزقتني مالاً فكنت أوسع على المقتر، وأنظر المعسر، فيقول الله عز وجل : أنا أحق بذلك منك.
فتجاوزوا عن عبدي »
﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ أي : تصدقوا على الغريم برأس المال أو ببعضه خير من الإنظار، قاله الضحاك والسدي، وابن زيد، والجمهور.
وقيل : وان تصدقوا فالإنظار خير لكم من المطالبة، وهذا ضعيف، لأن الإنظار للمعسر واجب على رب الدين، فالحمل على فائدة جديدة أولى.
ولأن : أفعل التفضيل باقية على أصل وصفها، والمراد بالخير : حصول الثناء الجميل في الدنيا والأجر الجزيل في الآخرة.
وقال قتادة : ندبوا إلى أن يتصدقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير.
وقرأ الجمهور : وأن تصدقوا، بادغام التاء في الصاد، وقرأ عاصم : تصدقوا، بحذف التاء.
وفي مصحف عبد الله : تتصدقوا، بتاءين وهو الأصل، والإدغام تخفيف.
والحذف أكثر تخفيفاً.
﴿وإن كنتم تعلمون﴾ : يريد العمل، فجعله من لوازم العلم، وقيل : تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض، وقيل : تعلمون أن ما أمركم به ربكم أصلح لكم.
قيل : آخر آية نزلت آية الربا، قاله عمر، وابن عباس، ويحمل على أنها من آخر ما نزل، لأنه الجمهور قالوا : آخر آية نزلت :﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ فقيل : قبل موته بتسع ليال، ثم لم ينزل شيء.
قيل : هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع من أعسر بدين، وقيل : أمر به في صدر الإسلام، فإن ثبت هذا فهو نسخ، وإلا فليس بنسخ والعسرة ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه : جيش العسرة، والنظرة : التأخير، والميسرة : اليسر.
وقرأ الجمهور : ذو عسرة، على أن : كان، تامة، وهو قول سيبويه، وأبي علي، وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة، وأجاز بعض الكوفيين أن تكون : كان، ناقصة هنا.
وقدّر الخبر : وإن كان من غرمائكم ذو عسرة فحذف المجرور الذي هو الخبر، وقدر أيضاً : وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق، وحذف خبر كان لا يجوز عند أصحابنا، لا إقتصاراً ولا اختصاراً لعلة ذكروها في النحو.
وقرأ أبي، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس : ذا عسرة.
وقرأ الأعمش : معسراً.
وحكى الداني عن أحمد بن موسى أنها كذلك في مصحف أبي علي إن في كان إسمها ضميراً تقديره : هو، أي : الغريم، يدل على إضماره ما تقدم من الكلام، لأن المرابي لا بد له ممن يرابيه.
وقرئ : ومن كان ذا عسرة، وهي قراءة أبان بن عثمان.
وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان : فإن كان، بالفاء، فمن نصب ذا عسرة أو قرأ معسراً، وذلك بعد : إن كان، فقيل : يختص بأهل الربا.
ومن رفع فهو عام في جميع من عليه دين وليس بلازم، لأن الآية إنما سيقت في أهل الربا، وفيهم نزلت.
وقيل : ظاهر الآية يدل على أن الأصل الإيسار، وأن العدم طارىء جاذب يحتاج إلى أن يثبت.
﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ قرأ الجمهور : فنِظرة، على وزن نِبقة.
وقرأ أبو رجاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، وقتادة : بسكون الظاء وهي لغة تميمية، يقولون في : كبد كبد.
وقرأ عطاء : فناظرة، على وزن : فاعلة وخرجه الزجاج على أنها مصدر كقوله تعالى :﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ وكقوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ وكقوله :﴿يعلم خائنة الأعين﴾ وقال : قرأ عطاء : فناظره، بمعنى : فصاحب الحق ناظره، أي : منتظره، أو : صاحب نظرته، على طريقة النسب، كقولهم : مكان عاشب، وباقل، بمعنى : ذو عشب وذو بقل.
وعنه : فناظره، على الأمر بمعنى : فسامحه بالنظرة، وباشره بها. انتهى.
ونقلها ابن عطية.
وعن مجاهد : جعلاه أمراً، والهاء ضمير الغريم.
وقرأ عبد الله : فناظروه، أي : فأنتم ناظروه.
أي : فأنتم منتظروه.
فهذه ست قراآت، ومن جعله اسم مصدر أو مصدراً فهو يرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : فالأمر والواجب على صاحب الدين نظرة منه لطلب الدين من المدين إلى ميسرة منه.
وقرأ نافع وحده : ميسرة، بضم السين، والضم لغة أهل الحجاز، وهو قليل ؛ كمقبرة، ومشرفة، ومسربة.
والكثير مفعلة بفتح العين.
وقرأ الجمهور بفتح السين على اللغة الكثيرة، وهي لغة أهل نجد.
وقرأ عبد الله : إلى ميسوره، على وزن مفعول مضافاً إلى ضمير الغريم، وهو عند الأخفش مصدر كالمعقول والمجلود في قولهم : ما له معقول ولا مجلود، أي : عقل وجلد، ولم يثبت سيبويه مفعولاً مصدراً، وقرأ عطاء ومجاهد : إلى ميسره، بضم السين وكسر الراء بعدها ضمير الغريم.
وقرئ كذلك بفتح السين، وخرج ذلك على حذف التاء لأجل الإضافة.
كقوله :
واخلفوك عد الأمر الذي وعدوا***
أي : عدة، وهذا أعني حذف التاء لأجل الإضافة، هو مذهب الفراء وبعض المتأخرين، وأداهم إلى هذا التأويل : أن مفعلاً ليس في الأسماء المفردة، فأما في الجمع فقد ذكروا ذلك في قول عدي بن زيد :
أبلغ النعمان عنى مألكا***
أنه قد طال حبسي وانتظار
وفي قول جميل :
بثين الزمي لا إنَّ لا إن لزمته***
على كثرة الواشين أي معون
فمألك ومعون جمع مألكة ومعونة.
وكذلك قوله :
ليوم روع أو فعال مكرم***
هذا تأويل أبي علي، وتأول أبو الفتح على أنها مفردة حذف منها التاء.
وقال سيبويه : ليس في الكلام مفعل، يعني في الآحاد، كذا قال أبو علي، وحكي عن سيبويه : مهلك، مثلث اللام.
وأجاز الكسائي أن يكون : مفعل، واحداً ولا يخالف قول سيبويه، إذ يقال : ليس في الكلام كذا، وإن كان قد جاء منه حرف أو حرفان، كأنه لا يعتد بالقليل، ولا يجعل له حكم.
وتقدّم شيء من الإشارة إلى الخلاف : أهذا الإنظار يختص بدين الربا ؟ وهو قول ابن عباس، وشريح، أم ذلك عام في كل معسر بدين ربا أو غيره ؟ وهو قول أبي هريرة، والحسن، وعطاء، والضحاك، والربيع بن خيثم، وعامة الفقهاء.
وقد جاء في فضل إنظار المعسر أحاديث كثيرة، منها :« من أنظر معسراً، ووضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله » ومنها :« يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول : يا رب ما عملت لك خيراً قط أريدك به إلا أنك رزقتني مالاً فكنت أوسع على المقتر، وأنظر المعسر، فيقول الله عز وجل : أنا أحق بذلك منك.
فتجاوزوا عن عبدي »
﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ أي : تصدقوا على الغريم برأس المال أو ببعضه خير من الإنظار، قاله الضحاك والسدي، وابن زيد، والجمهور.
وقيل : وان تصدقوا فالإنظار خير لكم من المطالبة، وهذا ضعيف، لأن الإنظار للمعسر واجب على رب الدين، فالحمل على فائدة جديدة أولى.
ولأن : أفعل التفضيل باقية على أصل وصفها، والمراد بالخير : حصول الثناء الجميل في الدنيا والأجر الجزيل في الآخرة.
وقال قتادة : ندبوا إلى أن يتصدقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير.
وقرأ الجمهور : وأن تصدقوا، بادغام التاء في الصاد، وقرأ عاصم : تصدقوا، بحذف التاء.
وفي مصحف عبد الله : تتصدقوا، بتاءين وهو الأصل، والإدغام تخفيف.
والحذف أكثر تخفيفاً.
﴿وإن كنتم تعلمون﴾ : يريد العمل، فجعله من لوازم العلم، وقيل : تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض، وقيل : تعلمون أن ما أمركم به ربكم أصلح لكم.
قيل : آخر آية نزلت آية الربا، قاله عمر، وابن عباس، ويحمل على أنها من آخر ما نزل، لأنه الجمهور قالوا : آخر آية نزلت :﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ فقيل : قبل موته بتسع ليال، ثم لم ينزل شيء.