جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىَ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدّقُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
يعني جل ثناؤه بذلك : وإن كان ممن تقبضون منه من غرمائكم رءوس أموالكم ذو عسرة، يعني معسرا برءوس أموالكم التي كانت لكم عليهم قبل الإرباء، فأنظِروهم إلى ميسرتهم. وقوله :﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ مرفوع بكان، فالخبر متروك، وهو ما ذكرنا، وإنما صلح ترك خبرها من أجل أن النكرات تضمر لها العرب أخبارها، ولو وجهت كان في هذا الموضع إلى أنها بمعنى الفعل المتكفي بنفسه التامّ، لكان وجها صحيحا، ولم يكن بها حاجة حينئذ إلى خبر. فيكون تأويل الكلام عند ذلك : وإن وجد ذو عسرة من غرمائكم برءوس أموالكم، فنظرة إلى ميسرة.
وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب :«وَإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ » بمعنى : وإن كان الغريم ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة. وذلك وإن كان في العربية جائزا فغير جائزة القراءة به عندنا لخلافه خطوط مصاحف المسلمين.
وأما قوله :﴿فَنَظْرَةٌ إلى مَيْسِرَةٍ﴾ فإنه يعني : فعليكم أن تنظروه إلى ميسرة، كما قال :﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صيَامٍ﴾ وقد ذكرنا وجه رفع ما كان من نظائرها فيما مضى قبل، فأغنى عن تكريره. والميسرة : المفعلة من اليسر، مثل المرحمة والمشأمة.
ومعنى الكلام : وإن كان من غرمائكم ذو عسرة، فعليكم أن تنظروه حتى يوسر بما ليس لكم، فيصير من أهل اليسر به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني واصل بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسِرَةٍ﴾ قال : نزلت في الربا.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : حدثنا هشام، عن ابن سيرين : أن رجلاً خاصم رجلاً إلى شريح قال : فقضى عليه، وأمر بحبسه. قال : فقال رجل عند شريح : إنه معسر، والله يقول في كتابه :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسِرَةٍ﴾ قال : فقال شريح : إنما ذلك في الربا، وإن الله قال في كتابه :﴿إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إِلى أهْلِها وَإذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالعَدْلِ﴾ ولا يأمرنا الله بشيء ثم يعذّبنا عليه.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسِرَةٍ﴾ قال : ذلك في الربا.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن الحسن : أن الربيع بن خُثَيْم كان له على رجل حقّ، فكان يأتيه ويقوم على بابه ويقول : أي فلان إن كنت موسرا فأدّ، وإن كنت معسرا فإلى ميسرة.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال : جاء رجل إلى شريح، فكلمه، فجعل يقول : إنه معسر، إنه معسر، قال : فظننت أنه يكلمه في محبوس. فقال شريح : إن الربا كان في هذا الحيّ من الأنصار، فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسِرَةٍ﴾ وقال الله عزّ وجلّ :﴿إنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ فما كان الله عزّ وجلّ يأمرنا بأمر ثم يعذّبنا عليه، أدّوا الأمانات إلى أهلها.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة في قوله :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قال : فنظرة إلى ميسرة برأس ماله.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسرَةٍ﴾ إنما أمر في الربا أن ينظر المعسر، وليست النظرة في الأمانة، ولكن يؤدّي الأمانة إلى أهلها.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ برأس المال، ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ يقول : إلى غنى.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ هذا في شأن الربا.
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك في قوله :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ هذا في شأن الربا، وكان أهل الجاهلية بها يتبايعون، فلما أسلم من أسلم منهم، أمروا أن يأخذوا رءوس أموالهم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ يعني المطلوب.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر في قوله :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قال : الموت.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن محمد بن عليّ، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا قبيصة بن عقبة، قال : حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قال : هذا في الربا.
حدثنا أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم في الرجل يتزوّج إلى الميسرة، قال : إلى الموت أو إلى فرقة.
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم :﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾. قال : ذلك في الربا.
حدثنا أحمد، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد :﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسرَةٍ﴾. قال : يؤخره ولا يزد عليه، وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه زاد عليه وأخره.
وحدثنا أحمد بن حازم، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسِرَةٍ﴾ قال : يؤخره ولا يزد عليه.
وقال آخرون : هذه الآية عامة في كل من كان له قبل رجل معسر حق من أيّ وجهة كان ذلك الحق من دين حلال أو ربا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال : من كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدّقوا خير لكم¹ قال : وكذلك كل دين على مسلم، فلا يحلّ لمسلم له دين على أخيه يعلم منه عسرة أن يسجنه ولا يطلبه حتى ييسره الله عليه، وإنما جعل النظرة في الحلال فمن أجل ذلك كانت الديون على ذلك.
حدثني عليّ بن حرب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس :﴿وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ قال : نزلت في الدين.
والصواب من القول في قوله :﴿وَإنْ كانَ دُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ أنه معنيّ به غرماء الذين كانوا أسلموا على عهد رسول الله ﷺ، ولهم عليهم ديون قد أربوا فيها في الجاهلية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم، فأمر الله بوضع ما بقي من الربا بعد ما أسلموا، وبقبض رءوس أموالهم، ممن كان منهم من غرمائهم موسرا، وإنظار من كان منهم معسرا برءوس أموالهم إلى ميسرتهم. فذلك حكم كل من أسلم وله ربا قد أربى على غريم له، فإن الإسلام يبطل عن غريمه ما كان له عليه من قِبَل الربا، ويلزمه أداء رأس ماله الذي كان أخذ منه، أو لزمه من قبل الإرباء إليه إن كان موسرا، وإن كان معسرا كان منظرا برأس مال صاحبه إلى ميسرته، وكان الفضل على رأس المال مبطلاً عنه. غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا وإياهم عنى بها، فإن الحكم الذي حكم الله به من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الرّبا عنه حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حلّ عليه، وهو بقضائه معسر في أنه منظر إلى ميسرته، لأن دين كل ذي دين في مال غريمه وعلى غريمه قضاؤه منه لا في رقبته، فإذا عدم ماله، فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع، وذلك أن مال ربّ الدين لن يخلو من أحد وجوه ثلاثة : إما أن يكون في رقبة غريمه، أو في ذمته يقضيه من ماله، أو في مال له بعينه¹ فإن يكن في مال له بعينه، فمتى بطل ذلك المال وعدم، فقد بطل دين ربّ المال، وذلك ما لا يقوله أحد ويكون في رقبته، فإن يكن كذلك فمتى عدمت نفسه، فقد بطل دين ربّ الدين، وإن خلف الغريم وفاء بحقه وأضعاف ذلك، وذلك أيضا لا يقوله أحد، فقد تبين إذ كان ذلك كذلك أن دين ربّ المال في ذمة غريمه يقضيه من ماله، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته، لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدى منه حقّ صاحبه لو كان موجودا، وإذا لم يكن على رقبته سبيل لم يكن إلى حبسه بحقه وهو معدوم سبيل، لأنه غير مانعه حقا له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بظلمه إياه بالحبس.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وأنْ تَصَدّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
يعني جلّ وعزّ بذلك : وأن تتصدّقوا برءوس أموالكم على هذا المعسر، خير لكم أيها القوم من أن تنظروه إلى ميسرته لتقبضوا رءوس أموالكم منه إذا أيسر، ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ موضع الفضل في الصدقة، وما أوجب الله من الثواب لمن وضع عن غريمه المعسر دينه.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : وأن تصدّقوا برءوس أموالك على الغنيّ والفقير منهم خير لكم. ذكر من قال ذلك :
حدثني بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أمْوَالِكُمْ﴾ والمال الذي لهم على ظهور الرجال جعل لهم رءوس أموالهم حين نزلت هذه الآية¹ فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا. ﴿وأنْ تَصَدّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقول وإن تصدقوا بأصل المال، خير لكم.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن سعيد عن قتادة :﴿وأنْ تَصَدّقُوا﴾ أي برأس المال فهو خير لكم.
وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم :﴿وأنْ تَصَدّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال : من رءوس أموالكم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم بمثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا قبيصة بن عقبة، قال : حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم :﴿وأنْ تَصَدّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال : أن تصدّقوا برءوس أموالكم.
وقال آخرون : معنى ذلك : وأن تصدقوا به على المعسر خير لكم¹ نحو ما قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وأنْ تَصَدّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال : وأن تصدّقوا برءوس أموالكم على الفقير فهو خير لكم، فتصدّق به العباس.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسِرَةٍ وأنْ تَصَدّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يقول : وإن تصدّقت عليه برأس مالك فهو خير لك.
حدثت عن الحسين، قال :
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل وعز بذلك: وأن تتصدقوا برؤوس أموالكم على هذا المعسر، ="خير لكم" أيها القوم من أن تنظروه إلى ميسرته، لتقبضوا رؤوس أموالكم منه إذا أيسر ="إن كنتم تعلمون" موضع الفضل في الصدقة، وما أوجب الله من الثواب لمن وضع عن غريمه المعسر دينه.
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك:"وأن تصدقوا" برؤوس أموالكم على الغني والفقير منهم ="خير لكم".
ذكر من قال ذلك:
٦٢٩٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم"، والمال الذي لهم على ظهور الرجال جعل لهم رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية. فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا ="وأن تصدقوا خير لكم"، يقول: أن تصدقوا بأصل المال، خير لكم. (١)
٦٢٩٨ - حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة:
٦٢٩٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: (وأن تصدقوا خير لكم) قال: من رؤوس أموالكم.
٦٣٠٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم بمثله.
٦٣٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم:"وأن تصدقوا خير لكم"، قال: أن تصدقوا برؤوس أموالكم.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وأن تصدقوا به على المعسر، خير لكم - نحو ما قلنا في ذلك.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٠٢ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وأن تصدقوا خير لكم"، قال: وأن تصدقوا برؤوس أموالكم على الفقير، فهو خير لكم، فتصدق به العباس.
٦٣٠٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، يقول: وإن تصدقت عليه برأس مالك فهو خير لك.
٦٣٠٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ، قال أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك في قوله: (وأن تصدقوا خير لكم)، يعني: على المعسر، فأما الموسر فلا ولكن يؤخذ منه رأس المال، والمعسر الأخذ منه حلال والصدقة عليه أفضل.
٦٣٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن
٦٣٠٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم"، قال: من النظرة ="إن كنتم تعلمون".
٦٣٠٧- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: (فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم)، والنظرة واجبة، وخير الله عز وجل الصدقة على النظرة، (٢) والصدقة لكل معسر، فأما الموسر فلا.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب تأويل من قال: معناه:"وأن تصدقوا على المعسر برءوس أموالكم خير لكم" لأنه يلي ذكر حكمه في المعنيين. وإلحاقه بالذي يليه، أحب إلي من إلحاقه بالذي بعد منه.
* * *
قال أبو جعفر: وقد قيل إن هذه الآيات في أحكام الربا، هن آخر آيات نزلت من القرآن.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٠٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد = وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد، = عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا،
(٢) يقال: "اخترت فلانا على فلان" بمعنى: فضلت فلانا على فلان، ولذلك عدى بعلى. ومثله"خير فلانا على فلان"، أي فضله عليه. وقد جاء في الأثر: "خير بين دور الأنصار"، أي فضل بعضها على بعض. وقلما تجد هذا التعبير.
٦٠٣٩- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر: أن عمر رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"أما بعد، فإنه والله ما أدري لعلنا نأمركم بأمر لا يصلح لكم، وما أدري لعلنا ننهاكم عن أمر يصلح لكم، وإنه كان من آخر القرآن تنزيلا آيات الربا، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم". (٢)
والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٤٦، عن يحيى، وهو القطان.
و: ٣٥٠، عن ابن علية - كلاهما عن ابن أبي عروبة. بهذا الإسناد.
ورواه ابن ماجه: ٢٢٧٦، من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، به.
وذكره ابن كثير ٢: ٥٨، عن الموضع الأول من المسند.
وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٦٥، وزاد نسبته لابن الضريس، وابن المنذر. وأشار إليه في الإتقان ١: ٣٣، موجزا، منسوبا لأحمد وابن ماجه فقط.
وهذا الحديث - على جلالة رواته وثقتهم - ضعيف الإسناد، لانقطاعه. فإن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر، كما بينا في شرح المسند: ١٠٩، وانظر كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، ص: ٢٦-٢٧.
(٢) الحديث: ٦٣٠٩- داود: هو ابن أبي هند. عامر: هو الشعبي.
وهذا الإسناد ضعيف أيضًا، فإن الشعبي لم يدرك عمر، كما قلنا فيما مضى: ١٦٠٨، نقلا عن ابن كثير.
وذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٥٣، منسوبا للطبري، وقال: "وهو منقطع، فإن الشعبي لم يدرك عمر".
وذكر ابن كثير ٢: ٥٨، نحو معناه، قال: "رواه ابن ماجه وابن مردويه، من طريق هياج ابن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر... " إلخ.
وهياج بن بسطام الهروي: اختلفوا فيه جدا، فضعفه أحمد، وابن معين، وابن أبي حاتم، وغيرهم. وقال المكي بن إبراهيم - شيخ البخاري: "ما علمنا الهياج إلا ثقة صادقا عالما". ووثقه محمد ابن يحيى الذهلي. وقد أنكروا عليه أحاديث، ثم ظهر أن الحمل فيها على ابنه خالد الذي رواها عنه. والراجح عندنا هذا، فإن البخاري ترجمه في الكبير ٤/٢/٢٤٢، فلم يذكر فيه جرحا. وكأنه ذهب فيه إلى ما اختاره شيخاه: المكي بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى الذهلي.
وابن كثير لم يبين من رواه عن الهياج. ثم لم أعرف موضعه في ابن ماجه، وليس عندي كتاب ابن مردويه.
ولكني وجدت له إسنادا إلى الهياج. فرواه الخطيب في ترجمته في تاريخ بغداد ١٤: ٨٠-٨١، من طريق محمد بن بكار بن الريان، -وهو ثقة- عن الهياج، بهذا الإسناد.
فعن هذا ظهر أن إسناده صحيح، والحمد لله.