غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿أن يمل﴾ هو بسكون الهاء : قتيبة والحلواني عن قالون. الباقون بالضم على الأصل ﴿أن تضل﴾ بكسر الهمزة على الشرط : حمزة والمفضل. الباقون بالفتح على أنها ناصبة ﴿فتذكر﴾ بالتشديد والرفع : حمزة وجبلة ﴿فتذكر﴾ بالرفع، ومن الإذكار : أبو زيد عن المفضل ﴿فتذكر﴾ من الإذكار وبالنصب : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة. الباقون ﴿فتذكر﴾ بالتشديد والنصب. ﴿تجارة حاضرة﴾ بالنصب فيهما : عاصم. الباقون بالرفع فيهما. ﴿فرهن﴾ بضم الراء والهاء : ابن كثير وأبو عمرو. الباقون ﴿فرهان﴾.
الوقوف :﴿فاكتبوه﴾ ط، للعدول. ﴿بالعدل﴾ ص، لعطف المتفقين ﴿فليكتب﴾ ج ﴿شيئا﴾ ط. ﴿بالعدل﴾ ط، ﴿من رجالكم﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿الأخرى﴾ ط ﴿دعوا﴾ ط للعدول ﴿أجله﴾ ط ﴿ألا تكتبوها﴾ ط لابتداء الأمر. ﴿تبايعتم﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ولا شهيد﴾ ط ﴿بكم﴾ ط ﴿واتقوا الله﴾ ط ه، ﴿ويعلمكم الله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه، ﴿مقبوضة﴾ ط لابتداء شرط واستئناف معنى آخر ﴿ربه﴾ ط للعدول ﴿الشهادة﴾ ط ﴿قلبه﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
واعلم أنه سبحانه جعل البياعات في هذا المقام على ثلاثة أقسام : بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة. ولما بين القسم الأول شرع في الثاني وقال ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ واتفق الفقهاء على أن الارتهان لا يختص بالسفر ولا بحالة عدم وجدان الكاتب، كيف وقد ثبت أن رسول الله ﷺ رهن درعه في غير سفر، ولكنه وردت الآية على الغالب، فإن الغالب أن لا يوجد الكاتب في السفر ولا يوجد أدوات الكتابة ولهذا قال ابن عباس : أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة وقرأ ﴿ولم تجدوا كاتباً﴾ ونظيره قوله ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾[النساء: ١٠١] وليس الخوف من شرط جواز القصر. وكان مجاهد والضحاك يذهبان إلى أن الرهن لا يجوز في غير السفر أخذاً بظاهر الآية، ولا يعمل بقولهما اليوم. وأصل الرهن من الدوام. رهن الشيء إذا دام وثبت. ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة والرهن مصدر جعل اسماً وزال عنه عمل الفعل. فإذا قلت رهنت عنده رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ولكن انتصاب المفعول به كما تقول : رهنت ثوباً. ولهذا جمع الأسماء. وله جمعان : رهن بضمتين كسقف في سقف، ورهان مثل كباش في كبش. وقيل : إن أحدهما جمع الآخر. وفي الكلام حذف تقديره فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو فعليه رهن، أو فالوثيقة، أو الذي يستوثق به رهن. ويعلم من قوله :﴿مقبوضة﴾ أن الرهن لا بد في لزومه من القبض، والمراد باللزوم أن لا يكون للراهن الرجوع عن الرهن ولا للمرتهن عن الارتهان.
وقبض المرهون المشاع إنما يحصل بقبض الكل وقبل القبض يصح الرهن ولكن لا يلزم. وأما صورة القبض فقبض العقار إنما يحصل بتخلية الراهن أو وكيله بينه وبين المرتهن أو وكيله وتمكينه منه بتسليم المفتاح فيما له مفتاح. وقبض المنقول يحصل بالنقل من موضعه إلى موضع لا يختص بالراهن كالشارع والمسجد وملك المرتهن، وإن كان المنقول مقدراً فلا بد من التقدير أيضاً بوزن أو كيل أو ذرع. ولو نقل من بيت من دار الراهن إلى بيت آخر بإذنه، أو وضعه الراهن بين يدي المرتهن إذا امتنع من قبضه، حصل القبض. ثم إنه تعالى ذكر بيع الأمانة فقال ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ فليكن المديون عند ظن الدائن به. وسمى الدين أمانة وإن كان مضموناً لائتمانه عليه بترك الارتهان منه والحاصل أنه مجاز مستعار. وذلك أنه لما اشترك هذا الدين مع الأمانة الشرعية في وصف وجود الأمانة اللغوية أطلق أحدهما على الآخر. والائتمان افتعال من الأمن ﴿وليتق الله ربه﴾ حتى لا يدور في خلده جحود واختيان. وفي الآية قول آخر وهو أنها خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنها أمانة في يده. والصحيح هو الأول. ومن الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتبة والإشهاد وأخذ الرهن. والحق أن تلك الأوامر محمولة على الإرشاد رعاية وجوه الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة. وعن ابن عباس أنه قال : في آية المداينة نسخ. ثم قال :﴿لا تكتموا الشهادة﴾ وفيه وجوه :
الأول عن القفال : أنه تعالى لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج المديون جاحداً للحق، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، ندب الله ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه، سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لا، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه. وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله ﷺ :" خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد " وقيل : المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة. وقيل : المراد بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، فإن في ذلك إبطال حق المسلم، وحرمه مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ في الوعيد وقال ﴿ومن يكتمها فإنه أثم قلبه﴾ والآثم الفاجر، والآثم مرتفع بأن و ﴿قلبه﴾ فاعله. ويجوز أن يكون ﴿قلبه﴾ مبتدأ و ﴿آثم﴾ خبره مقدماً عليه، والجملة خبر " إن ".
وفائدة ذكر القلب والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلب من الدواعي والصوارف، وإسناد الفعل إلى القلب الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، وعن النبي ﷺ :" إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب " وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب، ﴿والله بما تعملون عليم﴾ فيه تحذير للكاتم وتهديد له. عن ابن عباس : أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى :﴿فقد حرم الله عليه الجنة﴾ وشهادة الزور وكتمان الشهادة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : إنه تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليه العدول، فقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ إلى قوله :﴿واستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾[التوبة: ١١١] وأشهد الملائكة الكرام ﴿وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين﴾[الانفطار: ١٠، ١١] وإنه تعالى كما أمركم أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً أمر الملائكة أن يكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلون ذلك في أعناقكم ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾[الإسراء: ١٣] ثم نودي من سرادقات الجلال : يا قوي الظلم ضعيف الحال ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾[الإسراء: ١٤] ثم إن الكتاب يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون إلا من إملائه وإنه بالقليل والكثير مما يملي يخاطب، وبالنقير وبالقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب، فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، فعليه أن يملي الحق للحق. فإن كان الذي عليه حق للحق سفيهاً جاهلاً بإملاء الحق للحق لاشتغاله بالباطل، أو ضعيفاً عاجراً مغلوباً بغلبات نفسه، أو لا يستطيع أن يمل هو لكونه ممنوعاً بالعواتق والعلائق لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يحزنه ويسره، ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ فإن لكل قوم ولياً يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور.
﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾[البقرة: ٢٥٧] و ﴿استشهدوا شهيدين﴾ استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾ أرباب القلوب ﴿فرجل﴾ منهم ﴿وامرأتان﴾ أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في فائدة الصحبة ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما قال :" أنتم شهداء الله في أرضه " ﴿أن تضل إحداهما﴾ عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين الهوى ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾ فالرفيق ثم الطريق.
واعلم أن أهل الدين طائفتان : الواقفون والسائرون. والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾[ق: ١٨] وأما السائر فلا يقف في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان : سيار وطيار. فالسيار من يسير بقدمي الشرع والعقل على جادة الطريقة، الطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة. فالإشارة في قوله :﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً﴾ إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم : ما كتب عليّ صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم : كاشف لي صاحب اليمين وقال لي : أمل علي شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله. قال : فقلت له : حسبك الفرائض. فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هارباً منه. فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على الهارب يكون وكيلاً وحفيظ للطالب ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾[الرعد: ١١] وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض ؟ مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن. أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد.
وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السماوات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لتحمل أعباء أمانته إلا العاشق المسكين. لما نظر إليها كان فراش تلك الشمعة عشقها فطار فيها وأتى بحملها، فلما حملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه جاءت له من الحضرة ألقاب فنسب في البداية إلى الإفساد وسفك الدماء ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾[البقرة: ٣٠] ولقب في النهاية بالظلم والجهل ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾[الأحزاب: ٧٢] هذا أمر عجيب ونقش غريب، من لم يطع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى المكانة والطاعة والأمانة مكين مطاع ثم أمين. ومن أطاع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة، نعم إنما يكون ذلك لوجهين : أحدهما أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق كما أن العزة والعظمة وقعت في طرف المعشوق بل جمال عزة المعشوق، لا يظهر إلا في مرآه ذلة العاشق.
وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة. وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، ﴿اسجدوا لآدم﴾[البقرة: ٣٤] وعتاب ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾[البقرة: ٣٠] ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم : بلى شهدنا. فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى " الإيمان عريان ولباسه التقوى " وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك.
التأويل : إنه تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليه العدول، فقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ إلى قوله :﴿واستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾[التوبة: ١١١] وأشهد الملائكة الكرام ﴿وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين﴾[الانفطار: ١٠، ١١] وإنه تعالى كما أمركم أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً أمر الملائكة أن يكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلون ذلك في أعناقكم ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾[الإسراء: ١٣] ثم نودي من سرادقات الجلال : يا قوي الظلم ضعيف الحال ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾[الإسراء: ١٤] ثم إن الكتاب يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون إلا من إملائه وإنه بالقليل والكثير مما يملي يخاطب، وبالنقير وبالقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب، فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، فعليه أن يملي الحق للحق. فإن كان الذي عليه حق للحق سفيهاً جاهلاً بإملاء الحق للحق لاشتغاله بالباطل، أو ضعيفاً عاجراً مغلوباً بغلبات نفسه، أو لا يستطيع أن يمل هو لكونه ممنوعاً بالعواتق والعلائق لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يحزنه ويسره، ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ فإن لكل قوم ولياً يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور.
﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾[البقرة: ٢٥٧] و ﴿استشهدوا شهيدين﴾ استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾ أرباب القلوب ﴿فرجل﴾ منهم ﴿وامرأتان﴾ أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في فائدة الصحبة ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما قال :" أنتم شهداء الله في أرضه " ﴿أن تضل إحداهما﴾ عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين الهوى ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾ فالرفيق ثم الطريق.
واعلم أن أهل الدين طائفتان : الواقفون والسائرون. والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾[ق: ١٨] وأما السائر فلا يقف في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان : سيار وطيار. فالسيار من يسير بقدمي الشرع والعقل على جادة الطريقة، الطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة. فالإشارة في قوله :﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً﴾ إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم : ما كتب عليّ صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم : كاشف لي صاحب اليمين وقال لي : أمل علي شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله. قال : فقلت له : حسبك الفرائض. فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هارباً منه. فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على الهارب يكون وكيلاً وحفيظ للطالب ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾[الرعد: ١١] وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض ؟ مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن. أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد.
وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السماوات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لتحمل أعباء أمانته إلا العاشق المسكين. لما نظر إليها كان فراش تلك الشمعة عشقها فطار فيها وأتى بحملها، فلما حملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه جاءت له من الحضرة ألقاب فنسب في البداية إلى الإفساد وسفك الدماء ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾[البقرة: ٣٠] ولقب في النهاية بالظلم والجهل ﴿إنه كان ظلوماً جهولاً﴾[الأحزاب: ٧٢] هذا أمر عجيب ونقش غريب، من لم يطع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى المكانة والطاعة والأمانة مكين مطاع ثم أمين. ومن أطاع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة، نعم إنما يكون ذلك لوجهين : أحدهما أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق كما أن العزة والعظمة وقعت في طرف المعشوق بل جمال عزة المعشوق، لا يظهر إلا في مرآه ذلة العاشق.
وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة. وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، ﴿اسجدوا لآدم﴾[البقرة: ٣٤] وعتاب ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾[البقرة: ٣٠] ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم : بلى شهدنا. فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى " الإيمان عريان ولباسه التقوى " وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك.
الوقوف :﴿فاكتبوه﴾ ط، للعدول. ﴿بالعدل﴾ ص، لعطف المتفقين ﴿فليكتب﴾ ج ﴿شيئا﴾ ط. ﴿بالعدل﴾ ط، ﴿من رجالكم﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿الأخرى﴾ ط ﴿دعوا﴾ ط للعدول ﴿أجله﴾ ط ﴿ألا تكتبوها﴾ ط لابتداء الأمر. ﴿تبايعتم﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ولا شهيد﴾ ط ﴿بكم﴾ ط ﴿واتقوا الله﴾ ط ه، ﴿ويعلمكم الله﴾ ط ﴿عليم﴾ ه، ﴿مقبوضة﴾ ط لابتداء شرط واستئناف معنى آخر ﴿ربه﴾ ط للعدول ﴿الشهادة﴾ ط ﴿قلبه﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
واعلم أنه سبحانه جعل البياعات في هذا المقام على ثلاثة أقسام : بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة. ولما بين القسم الأول شرع في الثاني وقال ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ واتفق الفقهاء على أن الارتهان لا يختص بالسفر ولا بحالة عدم وجدان الكاتب، كيف وقد ثبت أن رسول الله ﷺ رهن درعه في غير سفر، ولكنه وردت الآية على الغالب، فإن الغالب أن لا يوجد الكاتب في السفر ولا يوجد أدوات الكتابة ولهذا قال ابن عباس : أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة وقرأ ﴿ولم تجدوا كاتباً﴾ ونظيره قوله ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾[النساء: ١٠١] وليس الخوف من شرط جواز القصر. وكان مجاهد والضحاك يذهبان إلى أن الرهن لا يجوز في غير السفر أخذاً بظاهر الآية، ولا يعمل بقولهما اليوم. وأصل الرهن من الدوام. رهن الشيء إذا دام وثبت. ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة والرهن مصدر جعل اسماً وزال عنه عمل الفعل. فإذا قلت رهنت عنده رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ولكن انتصاب المفعول به كما تقول : رهنت ثوباً. ولهذا جمع الأسماء. وله جمعان : رهن بضمتين كسقف في سقف، ورهان مثل كباش في كبش. وقيل : إن أحدهما جمع الآخر. وفي الكلام حذف تقديره فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو فعليه رهن، أو فالوثيقة، أو الذي يستوثق به رهن. ويعلم من قوله :﴿مقبوضة﴾ أن الرهن لا بد في لزومه من القبض، والمراد باللزوم أن لا يكون للراهن الرجوع عن الرهن ولا للمرتهن عن الارتهان.
وقبض المرهون المشاع إنما يحصل بقبض الكل وقبل القبض يصح الرهن ولكن لا يلزم. وأما صورة القبض فقبض العقار إنما يحصل بتخلية الراهن أو وكيله بينه وبين المرتهن أو وكيله وتمكينه منه بتسليم المفتاح فيما له مفتاح. وقبض المنقول يحصل بالنقل من موضعه إلى موضع لا يختص بالراهن كالشارع والمسجد وملك المرتهن، وإن كان المنقول مقدراً فلا بد من التقدير أيضاً بوزن أو كيل أو ذرع. ولو نقل من بيت من دار الراهن إلى بيت آخر بإذنه، أو وضعه الراهن بين يدي المرتهن إذا امتنع من قبضه، حصل القبض. ثم إنه تعالى ذكر بيع الأمانة فقال ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ فليكن المديون عند ظن الدائن به. وسمى الدين أمانة وإن كان مضموناً لائتمانه عليه بترك الارتهان منه والحاصل أنه مجاز مستعار. وذلك أنه لما اشترك هذا الدين مع الأمانة الشرعية في وصف وجود الأمانة اللغوية أطلق أحدهما على الآخر. والائتمان افتعال من الأمن ﴿وليتق الله ربه﴾ حتى لا يدور في خلده جحود واختيان. وفي الآية قول آخر وهو أنها خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنها أمانة في يده. والصحيح هو الأول. ومن الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتبة والإشهاد وأخذ الرهن. والحق أن تلك الأوامر محمولة على الإرشاد رعاية وجوه الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة. وعن ابن عباس أنه قال : في آية المداينة نسخ. ثم قال :﴿لا تكتموا الشهادة﴾ وفيه وجوه :
الأول عن القفال : أنه تعالى لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج المديون جاحداً للحق، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، ندب الله ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه، سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لا، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه. وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله ﷺ :" خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد " وقيل : المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة. وقيل : المراد بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، فإن في ذلك إبطال حق المسلم، وحرمه مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ في الوعيد وقال ﴿ومن يكتمها فإنه أثم قلبه﴾ والآثم الفاجر، والآثم مرتفع بأن و ﴿قلبه﴾ فاعله. ويجوز أن يكون ﴿قلبه﴾ مبتدأ و ﴿آثم﴾ خبره مقدماً عليه، والجملة خبر " إن ".
وفائدة ذكر القلب والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلب من الدواعي والصوارف، وإسناد الفعل إلى القلب الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، وعن النبي ﷺ :" إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب " وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب، ﴿والله بما تعملون عليم﴾ فيه تحذير للكاتم وتهديد له. عن ابن عباس : أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى :﴿فقد حرم الله عليه الجنة﴾ وشهادة الزور وكتمان الشهادة.
﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾[البقرة: ٢٥٧] و ﴿استشهدوا شهيدين﴾ استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾ أرباب القلوب ﴿فرجل﴾ منهم ﴿وامرأتان﴾ أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في فائدة الصحبة ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما قال :" أنتم شهداء الله في أرضه " ﴿أن تضل إحداهما﴾ عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين الهوى ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾ فالرفيق ثم الطريق.
واعلم أن أهل الدين طائفتان : الواقفون والسائرون. والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾[ق: ١٨] وأما السائر فلا يقف في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان : سيار وطيار. فالسيار من يسير بقدمي الشرع والعقل على جادة الطريقة، الطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة. فالإشارة في قوله :﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً﴾ إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم : ما كتب عليّ صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم : كاشف لي صاحب اليمين وقال لي : أمل علي شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله. قال : فقلت له : حسبك الفرائض. فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هارباً منه. فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على الهارب يكون وكيلاً وحفيظ للطالب ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾[الرعد: ١١] وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض ؟ مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن. أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد.
| مستهام ضاق مذهبه | في هوى من عز مطلبه |
| كل أمر في الهوى عجب | وخلاصي منه أعجبه |
وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة. وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، ﴿اسجدوا لآدم﴾[البقرة: ٣٤] وعتاب ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾[البقرة: ٣٠] ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم : بلى شهدنا. فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى " الإيمان عريان ولباسه التقوى " وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك.
التأويل : إنه تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليه العدول، فقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ إلى قوله :﴿واستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾[التوبة: ١١١] وأشهد الملائكة الكرام ﴿وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين﴾[الانفطار: ١٠، ١١] وإنه تعالى كما أمركم أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً أمر الملائكة أن يكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلون ذلك في أعناقكم ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾[الإسراء: ١٣] ثم نودي من سرادقات الجلال : يا قوي الظلم ضعيف الحال ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾[الإسراء: ١٤] ثم إن الكتاب يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون إلا من إملائه وإنه بالقليل والكثير مما يملي يخاطب، وبالنقير وبالقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب، فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، فعليه أن يملي الحق للحق. فإن كان الذي عليه حق للحق سفيهاً جاهلاً بإملاء الحق للحق لاشتغاله بالباطل، أو ضعيفاً عاجراً مغلوباً بغلبات نفسه، أو لا يستطيع أن يمل هو لكونه ممنوعاً بالعواتق والعلائق لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يحزنه ويسره، ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ فإن لكل قوم ولياً يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور.
﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾[البقرة: ٢٥٧] و ﴿استشهدوا شهيدين﴾ استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾ أرباب القلوب ﴿فرجل﴾ منهم ﴿وامرأتان﴾ أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في فائدة الصحبة ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما قال :" أنتم شهداء الله في أرضه " ﴿أن تضل إحداهما﴾ عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين الهوى ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾ فالرفيق ثم الطريق.
واعلم أن أهل الدين طائفتان : الواقفون والسائرون. والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾[ق: ١٨] وأما السائر فلا يقف في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان : سيار وطيار. فالسيار من يسير بقدمي الشرع والعقل على جادة الطريقة، الطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة. فالإشارة في قوله :﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً﴾ إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم : ما كتب عليّ صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم : كاشف لي صاحب اليمين وقال لي : أمل علي شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله. قال : فقلت له : حسبك الفرائض. فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هارباً منه. فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على الهارب يكون وكيلاً وحفيظ للطالب ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾[الرعد: ١١] وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض ؟ مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن. أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد.
| مستهام ضاق مذهبه | في هوى من عز مطلبه |
| كل أمر في الهوى عجب | وخلاصي منه أعجبه |
وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة. وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، ﴿اسجدوا لآدم﴾[البقرة: ٣٤] وعتاب ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾[البقرة: ٣٠] ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم : بلى شهدنا. فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى " الإيمان عريان ولباسه التقوى " وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك.