تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ. . .﴾.
ابن عرفة : مفهوم الآية ملغى بنصّ السّنة لأن النبي ﷺ رهن درعه في الحضر. وأيضا فهو مفهوم خرج مخرج الغالب لأن السفر مظنة لعدم وجدان الكاتب أو هو شيء من الأدلة غالبا بخلاف الحضر.
قال ابن عطية : أجمع الناس على صحة قبض المرتهن وعلى قبض وكيله. واختلفوا في قبض عدل فجعله الإمام مالك قبضا(١).
قال ابن عرفة : إذا لم يكن من جهة الراهن.
وقال الحكم بن عيينة وقتادة : ليس بقبض(٢).
قال ابن عرفة : إذا قبض المرتهن الرهن ولم يزل حائزا له كان أحق به لا خلاف. وإن كان قبضه بالشهادة ثم أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فتصرف فيه الراهن بطل الحوز بلا خلاف، وإن أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فلم يتصرف فيه ولم يزل بيد المرتهن فظاهر كتاب الرهن في المدونة أنه مبطل للحوز(٣). وظاهر كتاب حريم البير(٤) منها أنه غير مبطل ( بناء )(٥) على أن الحوز شرط في لزوم الرهن أو في استحقاق الرهن(٦).
قوله تعالى :﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ. . .﴾(٧).
ظاهره جواز إعطاء الدين وجواز أخذه من غير رهن فتكون ناسخة لما قبلها لأن عمومها يقتضي اشتراط أخذ الرهن فيه.
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة. . .﴾.
راجع لحالة ( الأداء ).
قوله تعالى :﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. . .﴾.
قال الزمخشري : لم قال ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فخصص الإثم بالقلب وهلا علقه بجميع الجسد ؟ وأجاب بأربعة أوجه :
الأول : أنه تحقيق لوقوع الإثم ثم لأن كتمان الشهادة من فعل القلب وإثمها مقترن بالقلب فلذلك أسند إليه.
للثاني : أنّ القلب الأصلُ لحديث «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب »(٨).
الثالث : أنّ القلب أصل واللّسان ترجمان له.
الرابع : أن أفعال القلب أعظم من أفعال الجوارح وإثمه أعظم من إثمها(٩).
قال ابن عرفة : ومنهم من كان يجيب بأن القلب يستوي فيه الفعل والترك وليس بينهما تفاوت إذ لا أثر ( للترك )(١٠) فيه بالنّسبة إلى الفعل بخلاف الجوارح فإنّ الفعل يمتاز عن التّرك ( بالبديهة )(١١) وكتمان الشهادة ترك فلو أسند للجوارح لما حسن ( ترتب )(١٢) الإثم عليه فلذلك أسند للقلب الذي هما فيه مستويان(١٣).
١ - المحرر الوجيز ٢/٣٧٩..
٢ - نفس المصدر ٢/٣٧٩..
٣ - المدونة: ٤/١٥١ وما بعدها..
٤ - المدونة: ٤/٣٧٣ وما بعدها..
٥ - أ ب: فهو..
٦ - ما ورد هنا من تفسير لهذا الجزء من الآية هو عين ما نقل البسيلي حرفيا في تقييده وزاد عليه في النهاية ما يلي:
الزمخشري: وعند مالك يصح الارتهان بالإيجاب والقبول دون القبض.
مالك يقول: إن الرهن ينعقد بالقبول ولا يتم إلا بالقبض فإن اتفقا على الرهينة لم يكن لأحدهما رجوع وإذا قبض الرهن وبقي عنده ثم فلس الراهن فالمرتهن أحق به من الغرماء وإذا قبضه ثم رده إلى الراهن ثم فلس الراهن لم يكن للمرتهن أن يختص به دون الغرماء..

٧ - كان البسيلي في تقييده أوسع شرحا لهذا الجزء من الآية أورده كاملا كما يلي:
﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾: الزمخشري: ظن المديون على أن يكون عند ظن الدائن به وائتمانه له وأن يؤدي له الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك أخذ الرهن منه.
ظاهر الآية جواز إعطاء الدين وجواز أخذه من غير رهن فتكون ناسخة لما قبله لأن عمومها يقتضي اشتراط أخذ الرهن فيه ودلت على أنه إن وجد رجلا مأمونا جيدا فليداينه بغير رهن وهذا نحو استدلال. الفخر في المحصول: على جواز النسخ بقوله تعالى:﴿ما ننسخ من آية﴾. ويرد على هذا ما ورد عليه..

٨ - رواه البخاري في (الإيمان: ٣٩) مسلم (مساقاة: ١٠٧). ابن ماجه – كتاب الفتن باب الوقوف عند الشبهات – ج – ٣٩٨٤..
٩ - الكشاف ١/٤٠٦..
١٠ - ج: التردد..
١١ - أ ب ج: بلا بديهة – د: بادني بديهة..
١٢ - أ ب: ترتيب..
١٣ - ما ورد في تفسير هذا الجزء من الآية ثبت عند البسيلي باستثناء مقولة ابن عرفة الأخيرة فقد انعدمت عنده وثبت مكانها إثر القول الرابع للزمخشري ما يلي:
قوله في الوجه الأول: كتمان الشهادة من فعل القلب يرد بأن الكتم إنما هو من فعل اللسان لا القلب. وإنما الذي من فعل القلب العلم والجهل والنسيان والتناسي والتجاهل، وتجد الشخص ذاكرا الشهادة بقلبه ولا ينطق بها فقد كتمها.
ويجاب أيضا بجواب آخر: وهو أن القلب يستوي فيه الفعل والترك ولا تفاوت بينهما إذ لا أثر للترك فيه بالترك إلا بالنسبة إلى الفعل بخلاف الجوارح فإن الفعل يمتاز عن الترك بالبديهة وكتمان الشهادة ترك. فلو أسنده للجوارح لما حسن ترتيب الإثم عليه فلذلك أسنده للقلب الذي هما فيه مستويان..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى