جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿للّهِ ما فِي السّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله :﴿لِلّهِ مَا فِي السّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ لله ملك كل ما في السموات وما في الأرض من صغير وكبير، وإليه تدبير جميعه، وبيده صرفه وتقليبه، لا يخفى عليه منه شيء، لأنه مدبره ومالكه ومصرّفه. وإنما عنى بذلك جلّ ثناؤه : كتمان الشهود الشهادة، يقول : لا تكتموا الشهادة أيها الشهود، ومن يكتمها يفجر قلبه، ولن يخفى عليّ كتمانه، وذلك لأني بكل شيء عليم، وبيدي صرف كل شيء في السموات والأرض وملكه، أعلمه خفيّ ذلك وجلّيه، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادة. وعيدا من الله بذلك من كتمها وتخويفا منه له به. ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم في آخرتهم، وبمن كان من نظرائهم ممن انطوى كشحا على معصية فأضمرها، أو أظهر موبقة فأبداها من نفسه من المحاسبة عليها، فقال :﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ يقول : وإن تظهروا فيما عندكم من الشهادة على حقّ ربّ المال الجحود والإنكار، أو تخفوا ذلك فتضمروه في أنفسكم وغير ذلك من سيىء أعمالكم، ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ يعني بذلك : يحتسب به عليكم من أعماله، فيجازي من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله، وغافر منكم لمن شاء من المسيئين.
ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ فقال بعضهم بما قلنا من أنه عنى به الشهود في كتمانهم الشهادة، وأنه لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا أبو نفيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ يقول : يعنِي في الشهادة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : في الشهادة.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : سئل داود عن قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ فحدثنا عن عكرمة، قال : هي الشهادة إذا كتمتها.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عمرو وأبي سعيد، أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : في الشهادة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن السدي، عن الشعبي في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : في الشهادة.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، أنه قال في هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ قال : نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها.
حدثني يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن عكرمة في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ يعني كتمان الشهادة وإقامتها على وجهها.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية إعلاما من الله تبارك وتعالى عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وحدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه. ثم اختلف متأوّلو ذلك كذلك، فقال بعضهم : ثم نسخ الله ذلك بقوله :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : لما نزلت :﴿لِلّهِ مَا فِي السّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ اشتدّ ذلك على القوم، فقالوا : يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا ؟ هلكنا ! فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿لاَ يُكْلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها﴾ الآية، إلى قوله :﴿رَبّنا لا تُوءَاخِذْنَا إِنْ نَسِينا أوْ أخْطأْنَا﴾ قال أبي : قال أبو هريرة : قال رسول الله ﷺ :«قال الله : نَعَمْ ». ﴿رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ إلى آخر الآية، قال أبي : قال أبو هريرة : قال رسول الله ﷺ :«قال الله عزّ وجلّ نعم ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد، قال : سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنَ يَشَاءُ وَيُعَذّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال رسول الله ﷺ :«سَمِعْنا وأطَعْنا وَسَلّمْنَا ». قال : فألقى الله عزّ وجلّ الإيمان في قلوبهم، قال : فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبّهِ﴾. قال أبو كريب : فقرأ :﴿رَبّنَا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أوْ أخْطأْنا﴾ قال : فقال :«قد فعلت ». ﴿رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال :«قد فعلت ». ﴿رَبّنا ولا تُحَمّلْنا ما لا طاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال :«قد فعلت ». ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ قال :«قد فعلت ».
حدثني أبو الرداد المصري عبد الله بن عبد السلام، قال : حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة بن شريح، قال : سمعت يزيد بن أبي حبيب، يقول : قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن مرجانة، قال : جئت عبد الله بن عمر، فتلا هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. ثم قال ابن عمر : لئن آخذنا بهذه الآية لنهلكنّ. ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه. قال : ثم جئت عبد الله بن العباس، فقلت : يا أبا عباس، إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾. . . الآية، ثم قال : لئن وأخذنا بهذه الآية لنهلكنّ ! ثم بكى حتى سالت دموعه. فقال ابن عباس : يغفر الله لعبد الله بن عمر لقد فرِق أصحاب رسول الله ﷺ منها كما فرق ابن عمر منها، فأنزل الله :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فنسخ الله الوسوسة، وأثبت القول والفعل.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة يحدّث : أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية :﴿لِلّهِ مَا فِي السّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾. . . الآية، فقال : والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكنّ ! ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه. فقال ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عزّ وجلّ : أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : سمعت الزهري يقول في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : قرأها ابن عمر، فبكى وقال : إنا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا ! فبكى حتى سمع نشيجه، فقام رجل من عنده، فأتى ابن عباس، فذكر ذلك له، فقال : رحم الله ابن عمر لقد وجد المسلمون نحوا مما وجد، حتى نزلت :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال : كنت عند ابن عمر فقال :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفوهُ﴾. . . الآية. فبكى ! فدخلت على ابن عباس، فذكرت له ذلك، فضحك ابن عباس فقال : يرحم الله ابن عمر، أو ما يدري فيم أنزلت ؟ إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غما شديدا، وقالوا : يا رسول الله هلكنا ! فقال لهم رسول الله ﷺ :«قُولُوا سَمِعْنَا وأطَعْنا »، فنسختها :﴿آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسلِهِ﴾ إلى قوله :﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوّز لهم من حديث النفس، وأخذوا بالأعمال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم أن أباه قرأ :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ فدمعت عينه. فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن ! لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها﴾.
حدثنا محمد بن بشار، قال أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال : نسخت هذه الآية :﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفوهُ﴾ :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير، قال : لما نزلت هذه الآية :﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قالوا : أنؤاخذ بما حدثنا به أنفسنا ولم تعمل به جوارحنا ؟ قال : فنزلت هذه الآية :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُوءَاخَذْنا إِنْ نَسِينا أوْ أخْطأْنا﴾ قال : ويقول : قد فعلت. قال : فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، لم تعطها الأمم قبلها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جرير ب

تفسير هذه الآية من كتب أخرى