محتويات صفحة تفسير الآية

تفسير الآية ٢٨٤ من سورة البقرة

١١٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿للّهِ ما فِي السّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
يعني جل ثناؤه بقوله :﴿لِلّهِ مَا فِي السّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ لله ملك كل ما في السموات وما في الأرض من صغير وكبير، وإليه تدبير جميعه، وبيده صرفه وتقليبه، لا يخفى عليه منه شيء، لأنه مدبره ومالكه ومصرّفه. وإنما عنى بذلك جلّ ثناؤه : كتمان الشهود الشهادة، يقول : لا تكتموا الشهادة أيها الشهود، ومن يكتمها يفجر قلبه، ولن يخفى عليّ كتمانه، وذلك لأني بكل شيء عليم، وبيدي صرف كل شيء في السموات والأرض وملكه، أعلمه خفيّ ذلك وجلّيه، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادة. وعيدا من الله بذلك من كتمها وتخويفا منه له به. ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم في آخرتهم، وبمن كان من نظرائهم ممن انطوى كشحا على معصية فأضمرها، أو أظهر موبقة فأبداها من نفسه من المحاسبة عليها، فقال :﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ يقول : وإن تظهروا فيما عندكم من الشهادة على حقّ ربّ المال الجحود والإنكار، أو تخفوا ذلك فتضمروه في أنفسكم وغير ذلك من سيىء أعمالكم، ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ يعني بذلك : يحتسب به عليكم من أعماله، فيجازي من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله، وغافر منكم لمن شاء من المسيئين.
ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ فقال بعضهم بما قلنا من أنه عنى به الشهود في كتمانهم الشهادة، وأنه لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال : حدثنا أبو نفيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ يقول : يعنِي في الشهادة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : في الشهادة.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : سئل داود عن قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ فحدثنا عن عكرمة، قال : هي الشهادة إذا كتمتها.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عمرو وأبي سعيد، أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : في الشهادة.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن السدي، عن الشعبي في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : في الشهادة.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، أنه قال في هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ قال : نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها.
حدثني يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن عكرمة في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ يعني كتمان الشهادة وإقامتها على وجهها.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية إعلاما من الله تبارك وتعالى عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وحدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه. ثم اختلف متأوّلو ذلك كذلك، فقال بعضهم : ثم نسخ الله ذلك بقوله :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : لما نزلت :﴿لِلّهِ مَا فِي السّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ اشتدّ ذلك على القوم، فقالوا : يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا ؟ هلكنا ! فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿لاَ يُكْلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها﴾ الآية، إلى قوله :﴿رَبّنا لا تُوءَاخِذْنَا إِنْ نَسِينا أوْ أخْطأْنَا﴾ قال أبي : قال أبو هريرة : قال رسول الله ﷺ :«قال الله : نَعَمْ ». ﴿رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ إلى آخر الآية، قال أبي : قال أبو هريرة : قال رسول الله ﷺ :«قال الله عزّ وجلّ نعم ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد، قال : سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنَ يَشَاءُ وَيُعَذّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال رسول الله ﷺ :«سَمِعْنا وأطَعْنا وَسَلّمْنَا ». قال : فألقى الله عزّ وجلّ الإيمان في قلوبهم، قال : فأنزل الله عزّ وجلّ :﴿آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبّهِ﴾. قال أبو كريب : فقرأ :﴿رَبّنَا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أوْ أخْطأْنا﴾ قال : فقال :«قد فعلت ». ﴿رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال :«قد فعلت ». ﴿رَبّنا ولا تُحَمّلْنا ما لا طاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال :«قد فعلت ». ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ قال :«قد فعلت ».
حدثني أبو الرداد المصري عبد الله بن عبد السلام، قال : حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة بن شريح، قال : سمعت يزيد بن أبي حبيب، يقول : قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن مرجانة، قال : جئت عبد الله بن عمر، فتلا هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. ثم قال ابن عمر : لئن آخذنا بهذه الآية لنهلكنّ. ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه. قال : ثم جئت عبد الله بن العباس، فقلت : يا أبا عباس، إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾. . . الآية، ثم قال : لئن وأخذنا بهذه الآية لنهلكنّ ! ثم بكى حتى سالت دموعه. فقال ابن عباس : يغفر الله لعبد الله بن عمر لقد فرِق أصحاب رسول الله ﷺ منها كما فرق ابن عمر منها، فأنزل الله :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فنسخ الله الوسوسة، وأثبت القول والفعل.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة يحدّث : أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية :﴿لِلّهِ مَا فِي السّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾. . . الآية، فقال : والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكنّ ! ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه. فقال ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عزّ وجلّ : أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : سمعت الزهري يقول في قوله :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : قرأها ابن عمر، فبكى وقال : إنا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا ! فبكى حتى سمع نشيجه، فقام رجل من عنده، فأتى ابن عباس، فذكر ذلك له، فقال : رحم الله ابن عمر لقد وجد المسلمون نحوا مما وجد، حتى نزلت :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال : كنت عند ابن عمر فقال :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفوهُ﴾. . . الآية. فبكى ! فدخلت على ابن عباس، فذكرت له ذلك، فضحك ابن عباس فقال : يرحم الله ابن عمر، أو ما يدري فيم أنزلت ؟ إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غما شديدا، وقالوا : يا رسول الله هلكنا ! فقال لهم رسول الله ﷺ :«قُولُوا سَمِعْنَا وأطَعْنا »، فنسختها :﴿آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسلِهِ﴾ إلى قوله :﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوّز لهم من حديث النفس، وأخذوا بالأعمال.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم أن أباه قرأ :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ﴾ فدمعت عينه. فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن ! لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها﴾.
حدثنا محمد بن بشار، قال أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال : نسخت هذه الآية :﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفوهُ﴾ :﴿لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها﴾.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير، قال : لما نزلت هذه الآية :﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ قالوا : أنؤاخذ بما حدثنا به أنفسنا ولم تعمل به جوارحنا ؟ قال : فنزلت هذه الآية :﴿لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إِلاّ وُسْعَها لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُوءَاخَذْنا إِنْ نَسِينا أوْ أخْطأْنا﴾ قال : ويقول : قد فعلت. قال : فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، لم تعطها الأمم قبلها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جرير ب
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾
(١)
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"لله ما في السموات وما في الأرض"، لله ملك كل ما في السموات وما في الأرض من صغير وكبير، وإليه تدبير جميعه، وبيده صرفه وتقليبه، لا يخفى عليه منه شيء، لأنه مدبره ومالكه ومصرّفه.
وإنما عنى بذلك جل ثناؤه كتمانَ الشهود الشهادةَ، يقول: لا تكتموا الشهادة أيها الشهود، ومن يكتمها يفجُرْ قلبه، ولن يخفى عليّ كتمانه ذلك، لأني بكل شيء عليم، وبيدي صَرْف كل شيء في السموات والأرض ومِلكه، أعلمُ خفيّ ذلك وَجليّه، (٢) فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادة = وعيدًا من الله بذلك مَنْ كتمها، وتخويفًا منه له به. ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم في آخرتهم وبمن كان من نظرَائهم ممن انطوى كشحًا على معصية فأضمرها، أو أظهر مُوبقة فأبداها من نفسه - من المحاسبة عليها فقال:"وإن تُبدُوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، يقول: وإن تظهروا فيما عندكم من الشهادة على حقّ ربّ المالِ الجحودَ والإنكار، أو تخفوا ذلك فتضمروه في أنفسكم، وغير ذلك من سيئ أعمالكم ="يحاسبكم به الله"، يعني
(١) لم تثبت المخطوطة ولا المطبوعة قوله تعالى: "فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" في هذا الموضع ولا في غيره إلى القول في تفسير تمام الآية، وأثبتها في مكانها.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "أعلمه خفي.. "، والسياق يقتضي ما أثبت. وفي المخطوطة: "وجليله"، ولا بأس بها، ولكن ما في المطبوعة أمثل بالسياق.
بذلك: يحتسب به عليكم من أعمالكم، (١) فمجازٍ من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله، (٢) وغافرٌ لمن شاء منكم من المسيئين. (٣)
* * *
ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله:"وإن تُبدُوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله".
فقال بعضهم بما قلنا: من أنه عنى به الشهودَ في كتمانهم الشهادة، وأنه لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها.
ذكر من قال ذلك:
٦٤٤٩ - حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يُحاسبكم به الله"، يقول: يعني في الشهادة. (٤)
٦٤٥٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قال: في الشهادة.
٦٤٥١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال: سئل داود عن قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فحدثنا عن
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "يحسب به عليه من أعماله" بالضمير المفرد، والسياق يقتضي الجمع كما أثبته. ويقال: "احتسب عليه بالمال"، أي: عددته عليه وحاسبته به. و"احتسب" من"الحساب" مثل"اعتد" من"العد".
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "فيجازي من شاء.. " والسياق يقتضي ما أثبت.
(٣) في المخطوطة والمطبوعة: "وغافر منكم لمن شاء... "، وهو تقديم من عجلة الناسخ، والصواب ما أثبت.
(٤) الأثر: ٦٤٤٩-"ابن فضيل"، هو محمد بن فضيل، وقد سلف مرارًا. وكان في المخطوطة والمطبوعة"أبو نفيل" وليس في الرواة من يقال له"أبو نفيل" يروي عن يزيد بن أبي زياد، والذي يروي عنه هو ابن فضيل.
عكرمة قال: هي الشهادة إذا كتمتها.
٦٤٥٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو وأبي سعيد: أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية:"وإنْ تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قال: في الشهادة.
٦٤٥٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن الشعبي في قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" قال: في الشهادة.
٦٤٥٤ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية،"وإنْ تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها.
٦٤٥٥ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن عكرمة في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، يعني: كتمان الشهادة وإقامتها على وجهها.
* * *
وقال آخرون:"بل نزلت هذه الآية إعلامًا من الله تبارك وتعالى عبادَه أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وحدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه".
ثم اختلف متأوِّلو ذلك كذلك.
فقال بعضهم:"ثم نسخ الله ذلك بقوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [سورة البقرة: ٢٨٦] "
ذكر من قال ذلك:
٦٤٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن
ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلتْ:"لله ما في السموات وما في الأرض وإن تُبدُوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، اشتد ذلك على القوم، فقالوا: يا رسول الله، إنا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا! هلكنا! فأنزل الله عز وجل: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) الآية إلى قوله: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال اللهُ: نعم = (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) إلى آخر الآية = قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: نعم. (١)
٦٤٥٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا سفيان بن وكيع
(١) الحديث: ٦٤٥٦- إسحاق بن سليمان الرازي العبدي: ثقة ثبت في الحديث، متعبد كبير، من خيار المسلمين. أخرج له الجماعة.
مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير: تكلم فيه الأئمة، فضعفه أحمد، وابن معين، وغيرهم. وأثنى عليه الزهري. وقال أبو حاتم: "صدوق كثير الغلط، ليس بالقوي، ويروي عنه إسحاق بن سليمان"، ولكن ترجمه البخاري في الكبير ٤/١/٣٥٣، فلم يذكر فيه جرحًا. والظاهر أن من ضعفه فإنما ذهب إلى كثرة غلطه، كما فعل أبو حاتم. وأيًا ما كان، فهو لم ينفرد بهذا الحديث، كما سيأتي في التخريج.
والحديث سيأتي بعضه: ٦٥٣٨، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد في المسند: ٩٣٣٣ (٢: ٤١٢ حلبي)، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبراهيم القاص المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن، به، مطولا عما هنا.
وعبد الرحمن بن إبراهيم - هذا - ثقة، وثقه ابن معين وغيره. مترجم في التعجيل، وابن أبي حاتم ٢/٢/٢١١.
ورواه مسلم -مطولا أيضًا- ١١: ٤٦-٤٧، وابن حبان في صحيحه: ١٣٩ (١: ٢٢٥-٢٢٦- من مخطوطة الإحسان) - كلاهما من طريق يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، به.
ونقله ابن كثير ٢: ٧٩-٨٠، عن رواية المسند.
وأشار إليه الحافظ في الفتح ٨: ١٥٤، من رواية مسلم.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٤، وزاد نسبته لأبي داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. ولم ينسبه لصحيح ابن حبان.
قال: حدثنا أبي = قال، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدّث، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفرُ لمن يشاء ويعذب من يشاء"، دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سمعنا وأطعنا وسلَّمنا. قال: فألقى الله عز وجل الإيمان في قلوبهم، قال: فأنزل الله عز وجل: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) = قال أبو كريب: فقرأ: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) = قال فقال: قد فعلت = (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبِلْنَا) = قال: قد فعلت = (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) = قال: قال: قد فعلت = (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) = قال: قد فعلت. (١)
٦٤٥٨ - حدثني أبو الردّاد المصري عبد الله بن عبد السلام قال، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة بن شريح قال، سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول: قال ابن شهاب، حدثني سعيد ابن مرجانة قال: جئتُ عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاءُ ويعذب من يشاء". ثم قال ابن عمر: لئن آخذَنا بهذه الآية، لنهلِكنّ! ثم بكى ابن عمر حتى سالت دُموعه. قال، ثم جئتُ عبدَ الله بن العباس فقلت: يا أبا عباس، إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" الآية، ثم قال: لئن وأخذنا بهذه الآية لنهلكنّ! ثم بكى حتى سالت دموعه! فقال ابن عباس: يغفر الله لعبد الله بن عمر! لقد فَرِق أصحابُ رسول الله ﷺ منها كما فَرِق ابن عمر منها، فأنزل الله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، فنسخ الله الوَسوسة، وأثبت القول والفعلَ. (٢)
٦٤٥٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة يحدث: أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية،"لله ما في السموات وما في الأرض وَإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" الآية، فقال: والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلِكنّ! ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نَشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس
(١) الحديث: ٦٤٥٧- سفيان بن وكيع يرويه عن أبيه. وأبوه يرويه عن سفيان، وهو الثوري، ووقع في المطبوعة هنا حذف قوله"قال: حدثنا أبي". وهو خطأ. وسيأتي الإسناد على الصواب: ٦٥٣٧، حيث روى الطبري بعضه مختصرًا. بهذا الإسناد.
آدم بن سليمان القرشي، مولى خالد بن بن خالد بن عقبة بن أبي معيط: ثقة، وهو والد يحيى بن آدم صاحب كتاب الخراج.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٠٧٠، عن وكيع، بهذا الإسناد.
وكذلك رواه مسلم ١: ٤٧، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه-: ثلاثتهم عن وكيع، به.
وفي التهذيب، في ترجمة آدم بن سليمان، أن مسلمًا أخرج له هذا الحديث الواحد متابعة؛ وليس كذلك، بل هو أصل لا متابعة، إذ لم يروه مسلم من طريق غيره.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٦، من طريق ابن راهويه، عن وكيع. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير ٢: ٨١، عن رواية المسند. ثم أشار إلى رواية مسلم.
وأشار إليه الحافظ في الفتح ٨: ١٥٤، من رواية مسلم.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٤، وزاد نسبته للترمذي، والنسائي، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء والصفات.
وسيأتي بعض معناه: ٦٤٦٤، عن سعيد بن جبير، مرسلا غير متصل، فيستفاد وصله من هذه الرواية.
(٢) الحديث: ٦٤٥٨- أبو الرداد المصري، عبد الله بن عبد السلام - شيخ الطبري: ثقة ترجمة ابن أبي حاتم ٢/٢/١٠٧، وقال: "سمعنا منه بمصر، وهو صدوق".
أبو زرعة وهب الله بن راشد: هذه أول مرة يثبت فيها اسمه في المطبوعة على الصواب، فقد مضى في: ٢٣٧٧، ٢٨٩١، ٥٣٨٦- وكان فيها كلها محرفًا في المطبوعة. وترجمنا له في أولهن.
سعيد ابن مرجانة: هو سعيد بن عبد الله، مولى قريش. ومرجانة - بفتح الميم وسكون الراء: أمه. قال الحافظ في التهذيب: "فعلى هذا فيكتب: ابن مرجانة - بالألف". وهو تابعي ثقة. ثبت سماعه من أبي هريرة، خلافًا لمن زعم غير ذلك، كما بينا في المسند: ٧٥٨٣.
والحديث سيأتي عقبه: ٦٤٥٩، من وجه آخر عن ابن شهاب. ونذكر تخريجه هناك.
فذكرتُ لهُ ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن! لعمري لقد وَجَد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وَجد عبد الله بن عمر، فأنزل اللهُ بعدها (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أنّ للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القوْل والفعل. (١)
٦٤٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، سمعتُ الزهري يقول في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قال: قرأها ابن عمر فبكى وقال: إنا لمؤاخذون بما نحدِّث به أنفسنا! فبكى حتى سُمع نشيجه، فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس فذكر ذلك له، فقال: رَحم الله ابن عُمر! لقد وَجَد المسلمون نحوًا مما وَجدَ، حتى نزلت: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). (٢)
٦٤٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عمر فقال:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" الآية، فبكى. فدخلت على ابن عباس فذكرت له ذلك، فضحك ابن عباس فقال: يرحم الله ابن عمر!
(١) الحديث: ٦٤٥٩- هو الحديث السابق، نحوه.
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٨١-٨٢، عن هذا الموضع من الطبري.
وذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٥٤، مختصرًا، عن هذا الموضع أيضًا. قال: "أخرج الطبري، بإسناد صحيح عن الزهري... "- إلخ.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٤، ونسبه لعبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه، وابن جرير، والطبراني، والبيهقي في الشعب.
وانظر الأحاديث الآتية: ٦٤٦٠-٦٤٦٤.
(٢) الحديث: ٦٤٦٠- هذا حديث مرسل، لم يسمعه الزهري، من ابن عمر، ولا من ابن عباس. وهو مختصر من الحديثين قبله، ومن الحديث: ٦٤٦٢. فقد سمع الزهري القصة من سعيد ابن مرجانة، ومن سالم بن عبد الله بن عمر.
أوَ ما يدري فيم أنزلت؟ إن هذه الآية حين أنزلت غَمَّت أصحاب رسول الله ﷺ غمًّا شديدًا وقالوا: يا رسول الله، هلكنا! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا:"سمعنا وأطعنا"، فنسختها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) إلى قوله: (وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) فَتُجُوِّز لهم منْ حديث النفس، وأخِذوا بالأعمال. (١)
٦٤٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم: أن أباه قرأ:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فدمعت عينه، فبلغ صَنِيعه ابنَ عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن! لقد صَنعَ كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلتْ، فنسختها الآية التي بعدها: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا). (٢)
(١) الحديث: ٦٤٦١- جعفر بن سليمان: هو الضبعي، وقد مضى توثيقه في: ٢٩٠٥.
حميد الأعرج: هو حميد بن قيس المكي، قارئ أهل مكة. مضى توثيقه في: ٣٣٥٢.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٣٠٧١، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، به.
فظهر من رواية الطبري هذه: أن عبد الرزاق سمعه من شيخين، من معمر، ومن جعفر بن سليمان - كلاهما حدثه به عن حميد الأعرج.
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٨١، عن رواية أحمد في المسند، وكذلك ذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٥٤، عن رواية أحمد.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٤، وزاد نسبته لعبد الرزاق، وابن المنذر.
وهو في معنى الأحاديث السابقة: ٦٤٥٨-٦٤٦٠.
وقوله: "كنت عند ابن عمر فقال: (وإن تبدوا ما في أنفسكم)... " - هكذا في المخطوطة والمطبوعة. ولعل صوابه: "فقرأ"، بدل"فقال". وهو الثابت في رواية المسند ومن نقل عنه.
وقوله في آخر الحديث: "فتجوز لهم من حديث النفس" - هكذا في المخطوطة والمطبوعة أيضًا. ولعل صوابه"عن حديث النفس"، كرواية المسند.
(٢) الحديث: ٦٤٦٢- سفيان بن حسين الواسطي: مضى الكلام في روايته عن الزهري، وأن فيها تخاليط، في ٣٤٧١. ولكن يظهر لي الآن أن في هذا غلوًا من ابن حبان. فإن البخاري ترجم له في الكبير ٢/٢/٩٠، وأشار إلى رواية عن الزهري، فلم يذكر فيها قدحًا، ثم إن الأئمة صححوا هذا الحديث من روايته عن الزهري، كما سيجيء.
فالحديث رواه أبو جعفر بن النحاس في الناسخ والمنسوخ، ص: ٨٦. والحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٧ - كلاهما من طريق يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
ثم قد ذكره ابن كثير ٢: ٨٢، عن هذا الموضع - بعد الروايات السابقة، ثم قال: "فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس".
وقد رجحت توثيق سفيان بن حسين - وفي روايته عن الزهري - فيما كتبت تعليقًا على تهذيب السنن للمنذري، ج٣ ص: ٤٠٢، فأنسيته حين كتبت ما مضى في: ٣٤٧١.
والحديث ذكره أيضًا السيوطي ١: ٣٧٤، وزاد نسبته لابن أبي شيبة.
٦٤٦٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: نسخت هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" - (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا). (١)
٦٤٦٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية:"إن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قالوا: أنؤاخذ بما حدِّثنا به أنفسنا، ولم تعمل به جوارحنا؟ قال: فنزلت هذه الآية: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، قال: ويقول: قد فعلت. قال: فأعطيت هذه الأمة خواتيم"سورة البقرة"، لم تُعطها الأمم قبلها. (٢)
(١) الحديث: ٦٤٦٣- أبو أحمد: هو الزبيري، محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي. وهو يروي عن سفيان الثوري. ويروي عنه محمد بن بشار.
وهذا الحديث مرسل، لأنه حكاية من سعيد بن جبير عن إخبار بنسخ الآية.
وقد سبقت رواية لسعيد بن جبير عن ابن عباس: ٦٤٥٧، لعلها تشير إلى هذا المعنى.
(٢) الحديث: ٦٤٦٤- وهذا حديث مرسل أيضًا، من رواية سعيد بن جبير، ولكنه بعض معنى الحديث السابق: ٦٤٥٧، الذي رواه سعيد عن ابن عباس متصلا.
وسيأتي بعضه: ٦٥٣٩، بهذا الإسناد، مع تحريف في اسم الراوي عن سفيان، كما سنذكر هناك، إن شاء الله.
٦٤٦٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا إسماعيل، عن عامر:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء"، قال: فنسختها الآية بعدها، قوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).
٦٤٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: نسختها الآية التي بعدها: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) = وقوله:"وإن تُبدوا"، قال: يحاسب بما أبدَى من سرّ أو أخفى من سر، فنسختها التي بعدها.
٦٤٦٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا سيّار، عن الشعبي، قال: لما نزلت هذه الآية:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفرُ لمن يشاء ويعذب من يشاء"، قال: فكان فيها شدّة، حتى نزلت هذه الآية التي بعدها: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، قال: فنسخت ما كان قبلها.
٦٤٦٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون قال: ذكروا عند الشعبي:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" حتى بلغ (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، قال، فقال الشعبي: إلى هذا صار، رجَعتْ إلى آخر الآية.
٦٤٦٩ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قال قال ابن مسعود: كانت المحاسبة قبل أن تنزل: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، فلما نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها.
٦٤٧٠- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد
قال، سمعت الضحاك يذكر، عن ابن مسعود نحوه.
٦٤٧١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: نسخت"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" = (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).
٦٤٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب = وسفيان، عن جابر، عن مجاهد = وعن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قالوا: نسخت هذه الآية (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا)، "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، الآية.
٦٤٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أ، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعامر بمثله.
٦٤٧٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" إلى آخر الآية، قال: محتها: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). (١)
٦٤٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أنه قال: نسخت هذه الآية = يعني قوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) = الآية التي كانت قبلها:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله".
٦٤٧٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: نسختها قوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا).
٦٤٧٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني ابن زيد قال: لما نزلت هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" إلى آخر
(١) الأثر: ٦٤٧٤-"حماد" هو حماد بن سلمة، و"حميد" هو حميد الطويل. وكان في المطبوعة والمخطوطة"حماد بن حميد"، وليس في رواة الأثر من يعرف بهذا الاسم، وحجاج بن المنهال يروي عن حماد بن سلمة، وحماد يروي عن خاله حميد الطويل، وحميد الطويل يروي عن الحسن.
الآية، اشتدّت على المسلمين، وشقَّتْ مشقةً شديدة، فقالوا: يا رسول الله، لو وَقع في أنفسنا شيء لم نعمل به وَأخذنا الله به؟ قال:"فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل:"سمعنا وعصينا"! قالوا: بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله! قال: فنزل القرآن يفرِّجها عنهم:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله" إلى قوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، قال: فصيَّره إلى الأعمال، وترك ما يقع في القلوب.
٦٤٧٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا هشيم، عن سيارٍ عن أبي الحكم، عن الشعبي، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود في قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: نسخت هذه الآية التي بعدَها: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).
٦٤٧٩ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"وإن تبدُوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: يوم نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وَسْوست به أنفسهم وما عملوا، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن عمل أحدُنا وإن لم يعملْ أخِذنا به؟ والله ما نملك الوَسوسة!! فنسخها الله بهذه الآية التي بعدُ بقوله: (١) (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) الآية، فكان حديث النفس مما لم تطيقوا. (٢)
* * *
٦٤٨٠ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: نسختها قوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).
(١) في المطبوعة: "التي بعدها بقوله"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "مما لم تطيقوا، الآية" أخر الناسخ"الآية"، فرددتها إلى مكانها قبل.
وقال آخرون = ممن قال معنى ذلك:"الإعلام من الله عز وجل عبادَه أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم، وبما حدثتهم به أنفسهم مما لم يعلموه"= (١) "هذه الآية محكمة غيرُ منسوخة، والله عز وجل محاسبٌ خلقَه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما أصرّوه في أنفسهم ونووه وأرادُوه، فيغفره للمؤمنين، ويؤاخذ به أهلَ الكفر والنفاق".
ذكر من قال ذلك:
٦٤٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فإنها لم تنسخ، ولكن الله عز وجل إذا جَمع الخلائق يوم القيامة، يقول الله عز وجل:"إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي"، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدَّثوا به أنفسهم، وهو قوله:"يحاسبكم به الله"، يقول: يخبركم. وأما أهل الشك والرَّيْب، فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، (٢) وهو قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) [سورة البقرة: ٢٢٥]، من الشكّ والنفاق.
٦٤٨٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فذلك سِرُّ عملكم وعلانيته، يحاسبكم به الله، فليس من عبد
(١) انظر ما سلف ص: ١٠٣ وما بعدها.
(٢) في المخطوطة والمطبوعة بعد قوله: "من التكذيب" ما نصه: "وهو قوله: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء". وهي زيادة بلا شك من الناسخ. فإلا تكن منه، فمكانها قبل ذلك بعد قوله"يحاسبكم به الله" وقبل قوله: "وأما أهل الشك والريب... "، ولكني آثرت إسقاطها، لأن السيوطي خرجه في الدر المنثور ١: ٣٧٥ بغير ذكر هذه الزيادة في الموضعين.
مؤمن يُسرّ في نفسه خيرًا ليعمل به، فإن عمل به كُتبت له به عشرُ حسنات، وإن هو لم يُقدَر له أن يعمل به كتبت له به حسنة، من أجل أنه مؤمن، والله يَرْضى سرّ المؤمنين وعلانيتهم. وإن كان سُوءًا حدَّث به نفسه، اطلع الله عليه وأخبره به يوم تُبلى السرائر، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوَز الله عنه، كما قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) [سورة الأحقاف: ١٦].
٦٤٨٣ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)، الآية، قال: قال ابن عباس: إن الله يقول يوم القيامة:"إن كُتّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظَهر منها، فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليومَ، فأغفر لمن شئت وأعذّب من شئت".
٦٤٨٤ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا علي بن عاصم قال، أخبرنا بيان، عن بشر، عن قيس بن أبي حازم قال: إذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل يُسمع الخلائق:"إنما كان كُتّابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم، فإما ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه ولا يعلمونه، أنا اللهُ أعلم بذلك كله منكم، فأغفر لمن شئتُ، وأعذّب من شئت".
٦٤٨٥ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، كان ابن عباس يقول: إذا دعي الناس للحساب أخبرَهم الله بما كانوا يسرُّون في أنفسهم مما لم يعملوه فيقول:"إنه كان لا يعزُب عني شيء، وإني مخبركم بما كنتم تسرُّون من السُّوء، ولم تكن حفظتكم عليكم مطَّلعين عليه". فهذه المحاسبة.
٦٤٨٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس نحوه.
٦٤٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: هي محكمة، لم ينسخها شيء يقول:"يحاسبكم به الله"، يقول: يعرّفه الله يوم القيامة:"إنك أخفيتَ في صدرك كذا وكذا"! لا يؤاخذه.
٦٤٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال: هي محكمة لم تنسخ.
٦٤٨٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: من الشك واليقين.
٦٤٩٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، يقول: في الشك واليقين. (١)
٦٤٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل هذه الآية على قول ابن عباس الذي رواه على بن أبي طلحة: (٢) وإن تبدوا ما في أنفسكم من شيء من الأعمال فتظهروه بأبدانكم وجوارحكم، أو تخفوه فتسروه في أنفسكم، فلم يطلع عليه أحد من خلقي، أحاسبكم به، فأغفر كل ذلك لأهل الإيمان، وأعذِّب أهلَ الشرك والنفاق في ديني.
* * *
(١) في المطبوعة: "في اليقين والشك"، قدم وأخر، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) هو رقم: ٦٤٨١.
وأما على الرواية التي رواها عنه الضحاك من رواية عبيد بن سليمان عنه، (١) وعلى ما قاله الربيع بن أنس، (٢) فإن تأويلها: إنْ تظهروا ما في أنفسكم فتعملوه من المعاصي، أو تضمروا إرادته في أنفسكم فتخفوه، يُعْلمكم به الله يوم القيامة، فيغفر لمن يشاء، ويعذّب من يشاء.
* * *
وأما قول مجاهد، (٣) فشبيهٌ معناه بمعنى قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة.
* * *
وقال آخرون = ممن قال:"هذه الآية محكمة، وهي غير منسوخة"، ووافقوا الذين قالوا:"معنى ذلك: أن الله عز وجل أعلم عبادَه ما هو فاعل بهم فيما أبدَوْا وأخفوا من أعمالهم" = معناها: إن الله محاسبٌ جميعَ خلقه بجميع ما أبدَوْا من سيئ أعمالهم، وجميع ما أسروه، وُمعاقبهم عليه. غيرَ أن عقوبته إياهم على ما أخفوه مما لم يعملوه، ما يحدث لهم في الدنيا من المصائب والأمور التي يحزَنون عليها ويألمون منها.
ذكر من قال ذلك:
٦٤٩٢ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، الآية، قال: كانت عائشة رضي الله عنها تقول: من همّ بسيئة فلم يعملها، أرسل الله عليه من الهم والحزَن مثل الذي همّ به من السيئة فلم يعملها، فكانت كفّارته.
٦٤٩٣ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال،
(١) هي رقم: ٦٤٨٦.
(٢) هو رقم: ٦٤٨٧.
(٣) هو رقم: ٦٤٨٩ وما بعده.
سمعت الضحاك يقول في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: كانت عائشة تقول: كل عبد يهمّ بمعصية، أو يحدّث بها نفسه، حاسبه الله بها في الدنيا، يخافُ ويحزن ويهتم.
٦٤٩٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو تميلة، عن عبيد، عن الضحاك قال: قالت عائشة في ذلك: كل عبد همّ بسوء ومعصية، وحدّث نفسه به، حاسبه الله في الدنيا، يخاف ويحزَن ويشتدّ همّه، لا يناله من ذلك شيء، كما همّ بالسوء ولم يعمل منه شيئًا.
٦٤٩٥ - حدثنا الربيع قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أميّة أنها سألت عائشة عن هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" و (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) [سورة النساء: ١٢٣] فقالت: ما سألني عنها أحد مذْ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عائشة، هذه متابعة الله العبدَ بما يصيبه من الحمَّى والنكبة والشَّوكة، حتى البضاعة يضعها في كمِّه فيفقدها، فيفزع لها فيجدُها في ضِبْنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرُج التبر الأحمر من الكير. (١)
* * *
(١) الحديث: ٦٤٩٥ - علي بن زيد: هو ابن جدعان.
أمية: هي بنت عبد الله، وهي تابعية لم ترو عن عائشة غير هذا الحديث. وعلي بن زيد، هو بن زوجها. وقد مضى البيان عن ترجمتها في: ٤٨٩٧.
ووقع في المطبوعة هنا: "عن أمه". وهو خطأ. وقع مثل ذلك في بعض نسخ الترمذي. ولو صحت هذه النسخ لم يكن بذلك بأس، إذ لا يبعد أن يسميها ربيبها"أمه".
والحديث رواه الطيالسي: ١٥٨٤، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن"أمية بنت عبد الله".
ورواه أحمد في المسند ٦: ٢١٨ (حلبي)، عن بهز، عن حماد - وهو ابن سلمة، وفيه: "عن أمية".
ورواه الترمذي ٤: ٧٨-٧٩، من طريق روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، به. وفيه: "عن أمية"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد ابن سلمة".
ورواه ابن أبي حاتم - فيما نقله عنه ابن كثير ٢: ٨٥- من طريق سليمان بن حرب، عن حماد ابن سلمة. وفيه"عن أبيه" بدل"عن أمية"؛ وهو تحريف مطبعي.
وقال ابن كثير: "علي بن زيد بن جدعان: ضعيف يغرب في رواياته. وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه: أم محمد أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه".
أقول: وعلي بن زيد ليس بضعيف، كما قلنا في: ٤٨٩٧، وكما رجحنا في شرح المسند: ٧٨٣.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٥، وزاد نسبته لابن المنذر، والبيهقي في الشعب.
قول"هذه متابعة الله العبد" - يعني ما يصيب الإنسان ما يؤلمه، يتابعه الله به ليكفر عنه من سيئاته. وهذا هو الثابت في الطبري والمسند. والذي في الطيالسي والترمذي والدر المنثور: "معاتبة الله" ومعناه قريب من هذا. وفي ابن كثير: "مبايعة". وهو تحريف.
النكبة - بفتح النون: أن ينكبه الحجر إذا أصاب ظفره أو إصبعه. ومنه قيل لما يصيب الإنسان: نكبة.
البضاعة: اليسير من المال تبعثه في التجارة، ثم سميت السلعة: بضاعة.
الضبن - بكسر فسكون: ما بين الإبط والكشح.
التبر: فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ، فإذا صيغ فهو ذهب أو فضة.
الكير- بكسر الكاف، كير الحداد: وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات، ينفخ النار حتى تتوهج.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال:"إنها محكمة، وليست بمنسوخة". وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا بنفيه بآخر، هو له ناف من كل وجوهه. (١) وليس في قوله جل وعز:"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، نفى الحكم الذي أعلم عبادَه بقوله:"أو تخفوه يحاسبكم به الله". لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبةً، ولا مؤاخذةً بما حوسب عليه العبد من ذنوبه.
وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة يقولون: (يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً
(١) في المطبوعة: "إلا ينفيه"، بالياء في أوله، وهو في المخطوطة غير منقوط. وفيهما معًا"بآخر له ناف"، والصواب زيادة"هو" كما أثبت. وبذلك يستقيم الكلام.
وانظر ما قال في"النسخ" فيما سلف ص: ٥٤، والتعليق: ١.
إِلا أَحْصَاهَا) [سورة الكهف: ٤٩]. فأخبر أن كتبهم محصيةٌ عليهم صغائرَ أعمالهم وكبائرَها، فلم تكن الكتب - وإن أحصت صغائرَ الذنوب وكبائرَها - بموجبِ إحصاؤها على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين. لأن الله عز وجل وَعدهم العفوَ عن الصغائر، باجتنابهم الكبائر فقال في تنزيله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا) [سورة النساء: ٣١]. فذلك محاسبة الله عبادَه المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم، غيرَ موجبٍ لهم منه عقوبة، (١) بل محاسبته إياهم - إن شاء الله - عليها، ليعرّفهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها، كما بلغنا عن رسول الله ﷺ في الخبر الذي:-
٦٤٩٦ - حدثني به أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي، عن قتادة، عن صَفوان بن مُحْرز، عن ابن عمر، عن نبي الله ﷺ قال: يُدْني الله عبدَه المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كَنَفه، فيقرِّره بسيئاته يقول: هل تعرف؟ فيقول: نعم! فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها اليوم! ثم يظهر له حسناته فيقول: (هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ) [سورة الحاقة: ١٩] أو كما قال = وأما الكافر فإنه ينادي به على رؤوس الأشهاد. (٢)
٦٤٩٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، وهشام = وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا هشام = قالا جميعا في حديثهما عن
(١) في المطبوعة: "فدل أن محاسبة الله... "، وأثبت ما في المخطوطة. وفي المطبوعة والمخطوطة بعد: "غير موجبة لهم منه عقوبة"، والسياق يقتضي: "غير موجب.. " كما أثبتها.
(٢) الحديث: ٦٤٩٦- صفوان بن محرز المازني: تابعي ثقة جليل، له فضل وورع. والحديث مختصر من الذي بعده. وسنذكر تخريجه فيه، إن شاء الله.
قتادة، عن صفوان بن محرز قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه فيقول:"هل تعرف كذا"؟ فيقول:"رب اغفر" - مرتين - حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال:"فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم". قال: فيعطى صحيفة حسناته - أو: كتابه - بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الأشهاد: (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). (١) [سورة هود: ١٨].
* * *
(١) الحديث: ٦٤٩٧- سعيد: هو ابن أبي عروبة، الثقة المأمون الحافظ. وهشام: هو ابن أبي عبد الله الدستوائي.
ووقع في المطبوعة: "حدثنا ابن أبي عدي، وسعيد، وهشام"، وهو تحريف.
وصوابه: "عن سعيد"، لأن ابن أبي عدي - وهو محمد بن إبراهيم - إنما يروي عن ابن أبي عروبة وعن هشام الدستوائي. فهو ليس من طبقتهما. ثم هو لم يدرك أن يروي عن قتادة. وكذلك ابن بشار - وهو محمد بن بشار. شيخ الطبري - إنما يروي عن ابن أبي عدي وطبقته، لم يدرك أن يروي عن ابن أبي عروبة والدستوائي.
وأيضًا، فإن قوله في الإسناد - بعد تحويله إلى ابن علية عن هشام-"قالا جميعا في حديثهما عن قتادة"، يرجع ضمير المثنى فيه إلى سعيد وهشام، دون ابن أبي عدي. إذ لو كان معهما لكان القول أن يقول: "قالوا جميعا".
ثم قد ثبت أنه"عن سعيد" في نقل ابن كثير هذا الحديث عن هذا الموضع ٢: ٨٤، وإن وقع فيه خطأ مطبعي آخر، إذ فيه: "عن سعيد بن هشام" بدل"وهشام". وفيه بعد ابن علية"حدثنا ابن هشام" بزيادة"ابن" زيادة هي غلط غير مستساغ.
ثم الحديث سيأتي في تفسر الطبري ١٢: ١٤ (بولاق)، بهذا الإسناد، على الصواب. ولكنه جعله هناك إسنادين: فصل إسناد ابن علية عن إسناد ابن أبي عدي.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٥٤٣٦، عن بهز وعفان، كلاهما عن همام - وهو ابن يحيى- عن قتادة، بهذا الإسناد.
ورواه أيضًا: ٥٨٢٥، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة، به.
ورواه البخاري ٥: ٧٠ (فتح)، ومسلم ٢: ٣٢٩ - كلاهما من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، به.
ورواه البخاري أيضًا ٨: ٢٦٦-٢٦٧، من طريق سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي، عن قتادة.
ورواه أيضًا: ١٠: ٤٠٦-٤٠٧، و ١٣: ٣٩٧-٣٩٨، من طريق أبي عوانة، عن قتادة
ورواه أبو جعفر بن النحاس، في كتاب الناسخ والمنسوخ، ص: ٨٦-٨٧، من طريق ابن علية، عن هشام. وقال: "وإسناده إسناد لا يدخل القلب منه لبس. وهو من أحاديث أهل السنة والجماعة".
وذكره ابن كثير ٢: ٨٤-٨٥، كما قلنا من قبل، عن هذا الموضع من الطبري.
وذكره أيضًا ٤: ٣٥٣، عن رواية المسند الأولى.
وذكره السيوطي ٣: ٣٢٥. وزاد نسبته لابن المبارك، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات.
ونسبه القسطلاني ٤: ٢٠٦، للنسائي في التفسير والرقائق، وابن ماجه في السنة.
ووقع في المخطوطة - هنا -"وأما الكفار أو المنافقين"، وهو خطأ واضح.
= أن الله يفعل بعبده المؤمن: (١) من تعريفه إياه سيئات أعماله، حتى يعرفه تفضله عليه بعفوه له عنها. فكذلك فعله تعالى ذكره في محاسبته إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه من ذلك، ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرمه عليه، فيستره عليه. وذلك هو المغفرة التي وعد الله عباده المؤمنين فقال:"فيغفر لمن يشاء". (٢)
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فإن قوله:"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب، ولا مثابين إلا بما كسبته من خير؟
قيل: إن ذلك كذلك، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله.
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله:"ويعذب من يشاء"، إن كان لها ما كسبت وعليها
(١) سياق هذه الجملة من قبل الخبرين السالفين: "كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم... أن الله يفعل بعبده المؤمن... "، فجملة"أن الله يفعل"، هي فاعل قوله: "بلغنا".
(٢) في المطبوعة: "يغفر لمن يشاء" بغير فاء، وأثبت نص الآية كما في المخطوطة.
ما اكتسبت، وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا -: من هم بذنب، أو إرادة لمعصية - لم تكتسبه جوارحنا؟
قيل له: إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفو لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها، وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله:"ويعذب من يشاء"، على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله، والمرية في وحدانيته، أو في نبوة نبيه ﷺ وما جاء به من عند الله، أو في المعاد والبعث - من المنافقين، (١) على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد، ومن قال بمثل قولهما، إن تأويل قوله:"أو تخفوه يحاسبكم به الله"، على الشك واليقين.
غير أنا نقول إن المتوعد بقوله:"ويعذب من يشاء"، هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله، (٢) وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا = والموعود الغفران بقوله: (٣) "فيغفر لمن يشاء" هو الذي إخفاء ما يخفيه، (٤) الهمة بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداءً تحليلُه وإباحته، فحرمه على خلقه جل ثناؤه = (٥) أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله، مما كان جائزا ابتداءً إباحة تركه، فأوجب فعله على خلقه. فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين - إذا هو لم يصحح همه بما يهم به، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك
(١) سياق الجملة: "على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله.. من المنافقين"، وما بينهما صفات فاصلة.
(٢) قوله: "الشك والمرية... " خبر"كان".
(٣) قوله: "الموعود" منصوب معطوف على قوله"إن المتوعد... "، وقوله: "الغفران" منصوب باسم المفعول وهو"الموعود"، أي الذي وعد الغفران.
(٤) في المطبوعة: "هو الذي أخفى وما يخفيه الهمة بالتقدم... " وفي المخطوطة: "هو الذي إحفا وما يخفيه +الهمة" غير منقوطة بهذا الرسم: وصواب قراءة المخطوطة هو ما أثبت.
(٥) قوله: "أو على ترك... " معطوف على قوله آنفًا: "بالتقدم على بعض ما نهاه... "
بالتقدم عليه - لم يكن مأخوذا به، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
٦٤٩٨ -"من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه". (١)
* * *
فهذا الذي وصفنا هو الذي يحاسب الله به مؤمني عباده، ثم لا يعاقبهم عليه. فأما من كان ما أخفته نفسه شكا في الله وارتيابا في نبوة أنبيائه، فذلك هو الهالك المخلد في النار الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الأليم بقوله:"ويعذب من يشاء".
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذا:"وإن تبدوا ما في أنفسكم"، أيها الناس، فتظهروه ="أو تخفوه"، فتنطوي عليه نفوسكم ="يحاسبكم به الله"، فيعرف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه ومغفرته له فيغفره له، ويعذب منافقكم على الشك الذي انطوت عليه نفسه في وحدانية خالقه ونبوة أنبيائه. (٢)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾


قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله عز وجل = على العفو عما أخفته نفس هذا المؤمن من الهمة بالخطيئة، وعلى عقاب هذا الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد الله عز وجل ونبوة أنبيائه، ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه، وعلى غير ذلك من الأمور = قادر.
* * *
(١) الأثر: ٦٤٩٨- لم يذكر الطبري إسناده، وأحاديث تجاوز الله عن حديث النفس في مسلم ٢: ١٤٦- ١٥٢ بغير هذا اللفظ، ثم سائر كتب السنة.
(٢) في المخطوطة: "فيعرف مؤمنيكم... ويعذب منافقيكم" بالجمع، والذي في المطبوعة أصح وأجود.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سَيُحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم كما قال :﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وقال :﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، والآيات في ذلك(١) كثيرة جدا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم، وهو : المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة، رضي الله عنهم، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو(٢) عبد الرحمن - يعني العلاء - عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : لما نزلت على رسول الله ﷺ :﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الركب، وقالوا : يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نُطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير ".
فلما أقَر بها(٣) القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها :﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل :﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره(٤).
ورواه مسلم منفردًا به، من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر مثله(٥) ولفظه :" فلما فعلوا [ ذلك ](٦) نسخها الله، فأنزل :﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال : نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال : نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال : نعم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال : نعم.
حديث ابن عباس في ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال : فقال رسول الله، ﷺ :" قولوا سمعنا وأطعنا وسَلَّمنا ". فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إلى قوله :﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
وهكذا رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، به(٧) وزاد :﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال : قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال : قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال : قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [ فَانْصُرْنَا ](٨) قال : قد فعلت.
طريق أخرى عن ابن عباس : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال : دخلت على ابن عباس فقلت : يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى. قال : أيَّة آية ؟ قلت :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس، إن هذه الآية حين أنزلت(٩) غَمَّت أصحاب رسول الله ﷺ غمًا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني، وقالوا : يا رسول الله، هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله، ﷺ :" قولوا : سمعنا وأطعنا ". قالوا : سمعنا وأطعنا. قال : فنسختها هذه الآية :﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتَجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال(١٠).
طريق أخرى عنه : قال ابن جرير : حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مَرْجانة، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية :﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. فقال : والله لئن واخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نشيجه. قال ابن مَرْجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن. لَعَمْري لقد وَجَدَ المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها :﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة، قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله، عز وجل، أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل(١١).
طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم : أن أباه قرأ :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها :﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾(١٢).
فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس.
قال البخاري : حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مَرْوان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ - أحسبُه ابن عمر - ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : نسختها الآية التي بعدها(١٣).
وهكذا رُوي عن علي، وابن مسعود، وكعب الأحبار، والشعبي، والنخَعي، ومحمد بن كعب القُرَظي، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وقتادة : أنها منسوخة بالتي بعدها.
وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلَّم أوتعمل(١٤) " (١٥).
وفي الصحيحين، من حديث سفيان بن عُيَينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" قال الله : إذا هَم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنَة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا ". لفظ مسلم(١٦) وهو في أفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال :" قال الله : إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة " (١٧).
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن هَمام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ قال : قال رسول الله ﷺ :" قال الله : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها ". وقال رسول الله ﷺ :" قالت الملائكة : رب، وإن عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - فقال : ارقُبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جَراي ". وقال رسول الله ﷺ :" إذا أحسن أحد(١٨) إسلامه، فكل(١٩) حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل ".
تفرد به مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ(٢٠) وبعضه في صحيح البخاري.
وقال مسلم أيضا : حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له [ عشرا ](٢١) إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كُتِبَت ". تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب(٢٢).
[ وقال مسلم ](٢٣) حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجَعْد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العُطَاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى قال :" إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمّ بحسنة فلم يعملها كَتَبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة " (٢٤).
ثم رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الوارث(٢٥) وزاد :" ومحاها الله، ولا يَهلك على الله إلا هالك ".
وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال : جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال :" وقد وجدتموه ؟ " قالوا : نعم. قال :" ذاك صريح الإيمان ".
لفظ مسلم(٢٦) وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، به. وروى مسلم [ أيضا ](٢٧) من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال : سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال :" تلك صريح(٢٨) الإيمان " (٢٩). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ فإنها لم تُنْسَخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول : إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله :﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول : يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من ال
١ في جـ، أ: "في هذا"..

قال الإمام أحمد : حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو(٢) عبد الرحمن - يعني العلاء - عن أبيه، عن أبي هريرة، قال : لما نزلت على رسول الله ﷺ :﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الركب، وقالوا : يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نُطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير ".
فلما أقَر بها(٣) القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها :﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل :﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره(٤).
ورواه مسلم منفردًا به، من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر مثله(٥) ولفظه :" فلما فعلوا [ ذلك ](٦) نسخها الله، فأنزل :﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال : نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال : نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال : نعم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال : نعم.
حديث ابن عباس في ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال : فقال رسول الله، ﷺ :" قولوا سمعنا وأطعنا وسَلَّمنا ". فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إلى قوله :﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
وهكذا رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، به(٧) وزاد :﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال : قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال : قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال : قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [ فَانْصُرْنَا ](٨) قال : قد فعلت.
طريق أخرى عن ابن عباس : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال : دخلت على ابن عباس فقلت : يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى. قال : أيَّة آية ؟ قلت :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس، إن هذه الآية حين أنزلت(٩) غَمَّت أصحاب رسول الله ﷺ غمًا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني، وقالوا : يا رسول الله، هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله، ﷺ :" قولوا : سمعنا وأطعنا ". قالوا : سمعنا وأطعنا. قال : فنسختها هذه الآية :﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتَجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال(١٠).
طريق أخرى عنه : قال ابن جرير : حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مَرْجانة، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية :﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. فقال : والله لئن واخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نشيجه. قال ابن مَرْجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن. لَعَمْري لقد وَجَدَ المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها :﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة، قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله، عز وجل، أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل(١١).
طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم : أن أباه قرأ :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها :﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾(١٢).
فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس.
قال البخاري : حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مَرْوان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ - أحسبُه ابن عمر - ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال : نسختها الآية التي بعدها(١٣).
وهكذا رُوي عن علي، وابن مسعود، وكعب الأحبار، والشعبي، والنخَعي، ومحمد بن كعب القُرَظي، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وقتادة : أنها منسوخة بالتي بعدها.
وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلَّم أوتعمل(١٤) " (١٥).
وفي الصحيحين، من حديث سفيان بن عُيَينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" قال الله : إذا هَم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنَة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا ". لفظ مسلم(١٦) وهو في أفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال :" قال الله : إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة " (١٧).
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن هَمام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ قال : قال رسول الله ﷺ :" قال الله : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها ". وقال رسول الله ﷺ :" قالت الملائكة : رب، وإن عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - فقال : ارقُبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جَراي ". وقال رسول الله ﷺ :" إذا أحسن أحد(١٨) إسلامه، فكل(١٩) حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل ".
تفرد به مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ(٢٠) وبعضه في صحيح البخاري.
وقال مسلم أيضا : حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له [ عشرا ](٢١) إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كُتِبَت ". تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب(٢٢).
[ وقال مسلم ](٢٣) حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجَعْد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العُطَاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى قال :" إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمّ بحسنة فلم يعملها كَتَبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة " (٢٤).
ثم رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الوارث(٢٥) وزاد :" ومحاها الله، ولا يَهلك على الله إلا هالك ".
وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال : جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال :" وقد وجدتموه ؟ " قالوا : نعم. قال :" ذاك صريح الإيمان ".
لفظ مسلم(٢٦) وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، به. وروى مسلم [ أيضا ](٢٧) من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال : سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال :" تلك صريح(٢٨) الإيمان " (٢٩). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ فإنها لم تُنْسَخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول : إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله :﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول : يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من ال
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الْمُسْتَعَانُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا ائْتَمَنَ بَعْضُكُمْ (١) بَعْضًا فَلَا بَأْسَ أَلَّا تَكْتُبُوا أَوْ لَا تُشهدوا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّه﴾ يُعْنَى: المؤتَمن، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" (٢).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَة﴾ أَيْ: لَا تُخْفُوهَا وَتَغُلُّوهَا وَلَا تُظْهِرُوهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: شَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَكِتْمَانُهَا كَذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: فَاجْرٌ قَلْبُهُ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٥]، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ لَهُ مُلْكَ السموات وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ، وَأَنَّهُ الْمُطَّلِعُ عَلَى مَا فِيهِنَّ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ الظَّوَاهِرُ وَلَا السَّرَائِرُ وَالضَّمَائِرُ، وَإِنْ دَقَّتْ وَخَفِيَتْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُحاسب عِبَادَهُ عَلَى مَا فَعَلُوهُ وَمَا أَخْفَوْهُ فِي صُدُورِهِمْ كَمَا قَالَ: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٩]، وَقَالَ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طَهَ: ٧]، وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ (٣) كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ بِمَزِيدٍ عَلَى الْعِلْمِ، وَهُوَ: الْمُحَاسَبَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَخَافُوا مِنْهَا، وَمِنْ مُحَاسَبَةِ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى جَلِيلِ الْأَعْمَالِ وَحَقِيرِهَا، وَهَذَا مِنْ شِدَّةِ إِيمَانِهِمْ وَإِيقَانِهِمْ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبُو (٤) عَبْدِ الرَّحْمَنِ -
(١) في جـ: "بعضهم".
(٢) المسند (٥/١٢) وسنن أبي داود برقم (٣٥٦١) وسنن الترمذي برقم (١٢٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٧٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٤٠٠).
(٣) في جـ، أ: "في هذا".
(٤) في جـ، أ، و: "حدثني ابن".
يَعْنِي الْعَلَاءَ -عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطيق: الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ". فَلَمَّا أقَر بِهَا (١) الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَثَرِهَا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ فَأَنْزَلَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إِلَى آخِرِهِ (٢).
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ (٣) وَلَفْظُهُ: "فَلَمَّا فَعَلُوا [ذَلِكَ] (٤) نَسَخَهَا اللَّهُ، فَأَنْزَلَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ: نَعَمْ، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قَالَ: نَعَمْ، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قَالَ: نَعَمْ.
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وسَلَّمنا". فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ الله. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي كُريب، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ وَكِيعٍ، بِهِ (٥) وَزَادَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [فَانْصُرْنَا] (٦)﴾ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، كنت عند ابن عمر فقرأ
(١) في أ، و: "فلما اقترأها".
(٢) المسند (٢/٤١٢).
(٣) صحيح مسلم برقم (١٢٥).
(٤) زيادة من صحيح مسلم (١٢٥).
(٥) المسند (١/٢٣٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٦).
(٦) زيادة من جـ، أ، و.
هَذِهِ الْآيَةَ فَبَكَى. قَالَ: أيَّة آيَةٍ؟ قُلْتُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ أُنْزِلَتْ (١) غَمَّت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَمًّا شَدِيدًا، وَغَاظَتْهُمْ غَيْظًا شَدِيدًا، يَعْنِي، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْنَا، إِنْ كُنَّا نُؤَاخَذُ بِمَا تَكَلَّمْنَا وَبِمَا نَعْمَلُ، فَأَمَّا قُلُوبُنَا فَلَيْسَتْ بِأَيْدِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا". قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالَ: فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إِلَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتَجوز لَهُمْ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَأُخِذُوا بِالْأَعْمَالِ (٢).
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجانة، سَمِعَهُ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ وَاخَذَنَا اللَّهُ بِهَذَا لَنَهْلَكَنَّ، ثُمَّ بَكَى ابْنُ عُمَرَ حَتَّى سُمع نَشِيجُهُ. قَالَ ابْنُ مَرْجانة: فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَمَا فَعَلَ حِينَ تَلَاهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. لَعَمْري لَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا حِينَ أُنْزِلَتْ مِثْلَ مَا وَجَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَهَا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَسْوَسَةُ مِمَّا لَا طَاقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا، وَصَارَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ قَضَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّ لِلنَّفْسِ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (٣).
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ أَبَاهُ قَرَأَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَبَلَغَ صَنِيعُهُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ، فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ (٤).
فَهَذِهِ طُرُقٌ صَحِيحَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوان الْأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أحسبُه ابْنَ عُمَرَ - ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا (٥).
وَهَكَذَا رُوي عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَالشَّعْبِيِّ، والنخَعي، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَقَتَادَةَ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالَّتِي بَعْدَهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمُ السِّتَّةِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تكلَّم أَوْ
(١) في جـ: "نزلت".
(٢) المسند (١/٣٣٢).
(٣) تفسير الطبري (٦/١٠٦).
(٤) تفسير الطبري (٦/١٠٨).
(٥) صحيح البخاري برقم (٤٥٤٦).
تَعْمَلْ (١) " (٢).
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَينة، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ: إِذَا هَم عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حسنَة، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا". لَفْظُ مُسْلِمٍ (٣) وَهُوَ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَتُهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً" (٤).
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ هَمام بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ، مَا لَمْ يَعْمَلْهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ، وَإِنَّ عَبْدَكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً -وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ -فَقَالَ: ارقُبوه، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرْكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَراي". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا أَحْسَنَ أَحَدٌ (٥) إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ (٦) حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ".
تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا السِّيَاقِ وَاللَّفْظِ (٧) وَبَعْضُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
وَقَالَ مُسْلِمٌ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ [عَشْرًا] (٨) إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَت". تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ (٩).
[وَقَالَ مُسْلِمٌ] (١٠) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الجَعْد أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ العُطَاردي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمَّ بسيئة فلم
(١) في أ، و: "تعمل به".
(٢) صحيح البخاري برقم (٥٢٦٩) وصحيح مسلم برقم (١٢٧) وسنن أبي داود برقم (٢٢٠٩) وسنن الترمذي برقم (١١٨٣) وسنن النسائي (٦/١٥٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٤٠).
(٣) صحيح مسلم برقم (١٢٨)، ولم أقع عليه من هذا الطريق في صحيح البخاري.
(٤) صحيح مسلم برقم (١٢٨).
(٥) في جـ، أ، و: "أحدكم".
(٦) في هـ، أ، و: "فإن له بكل" والمثبت من صحيح مسلم.
(٧) صحيح مسلم برقم (١٢٩).
(٨) زيادة من صحيح مسلم (١٣٠).
(٩) صحيح مسلم برقم (١٣٠).
(١٠) زيادة من و.
يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً" (١).
ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ (٢) وَزَادَ: "وَمَحَاهَا اللَّهُ، وَلَا يَهلك عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ".
وَفِي حَدِيثِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ".
لَفْظُ مُسْلِمٍ (٣) وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ [أَيْضًا] (٤) مِنْ حَدِيثِ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوَسْوَسَةِ، قَالَ: "تِلْكَ صَرِيحُ (٥) الْإِيمَانِ" (٦). وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه﴾ فَإِنَّهَا لَمْ تُنْسَخ، وَلَكِنَّ اللَّهَ إِذَا جَمَعَ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ، مِمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلَائِكَتِي، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرُهُمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ مَا حَدَّثُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: يُخْبِرُكُمْ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا أَخْفَوْا مِنَ التَّكْذِيبِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء﴾ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٥] أَيْ: مِنَ الشَّكِّ وَالنِّفَاقِ. وَقَدْ رَوَى الْعَوْفِيُّ وَالضَّحَّاكُ عَنْهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ، نَحْوَهُ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ مُحْكمة لَمْ تُنْسَخْ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُحَاسِبَةِ الْمُعَاقِبَةَ، وَأَنَّهُ تَعَالَى (٧) قَدْ يُحَاسِبُ وَيَغْفِرُ، وَقَدْ يُحَاسِبُ وَيُعَاقِبُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، قَائِلًا حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ وَهِشَامٍ، (ح) وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَا جَمِيعًا فِي حَدِيثِهِمَا: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرز، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نَطُوفُ بِالْبَيْتِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ يَطُوفُ، إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ (٨) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَه، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ كَذَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّ أعْرف -مَرَّتَيْنِ -حَتَّى إِذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ". قَالَ: "فَيُعْطَى صَحِيفَةُ حَسَنَاتِهِ -أَوْ كِتَابُهُ -بِيَمِينِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٩) [هُودٍ: ١٨].
(١) صحيح مسلم برقم (١٣١).
(٢) صحيح مسلم برقم (١٣١).
(٣) صحيح مسلم برقم (١٣٢).
(٤) زيادة من و.
(٥) في أ، و: "تلك محض".
(٦) صحيح مسلم برقم (١٣٣).
(٧) في جـ: "وأنه سبحانه وتعالى".
(٨) في جـ: "سمعت رسول الله".
(٩) تفسير الطبري (٦/١١٩، ١٢٠).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه، وقد أمرهم ونهاهم وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه، ﴿فيغفر لمن يشاء﴾ وهو لمن أتى بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره ﴿والله على كل شيء قدير﴾ لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢٨٤} ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه، وقد أمرهم ونهاهم وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه، ﴿فيغفر لمن يشاء﴾ وهو لمن أتى بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره ﴿والله على كل شيء قدير﴾ لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن المنذر — ابن المنذر تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
وإن تبدوا ما في أنفسكم
وذلك بالعمل والنطق
أو تخفوه
قيل انه منسوخ بقوله تعالى

إعراب الآية ٢٨٤ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

أنك حذفت الياء لأن قبلها ما يدلّ عليها وإذا خفّفت الهمزة لم يجز أن تأتي بواو بعد كسرة والابتداء أؤتمن وقرأ أبو عبد الرّحمن ولا يكتموا الشهادة جعله نهيا لغيب.
وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ فيه وجوه إن أنت رفعت آثما على أنه خبر «إن» و «قلبه» فاعل سدّ مسدّ الخبر، وإن شئت رفعت آثما على الابتداء وقلبه فاعل وهما في موضع خبر «إنّ» وإن شئت رفعت آثما على أنه خبر الابتداء ينوى به التأخير، وإن شئت كان قلبه بدلا من آثم كما تقول: هو قلب الآثم وإن شئت كان بدلا من المضمر الذي في آثم وأجاز أبو حاتم «فإنه آثم قلبه» قال: كما تقول: هو آثم قلب الإثم. قال: ومثله:
أنت عربيّ قلبا على المصدر. قال: أبو جعفر: وقد خطّئ أبو حاتم في هذا لأن قلبه معرفة ولا يجوز ما قال في المعرفة، لا يقال: أنت عربيّ قلبه.

[سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤]

لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ شرط. أَوْ تُخْفُوهُ عطف عليه، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ جواب الشرط، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ «١» عطف على الجواب. قال سيبويه «٢» : وبلغنا أنّ بعضهم قرأ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ «٣». قال أبو جعفر: هذه القراءة مروية عن ابن عباس والأعرج وهي عند البصريين على إضمار «أن»، وحقيقته أنه عطف على المعنى والعطف على اللفظ أجود كما قال: [الطويل] ٦٨-
ومتى مايع منك كلامايتكلّم فيجبك بعقل «٤»
وقرأ الحسن ويزيد بن القعقاع، وابن محيصن يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ «٥» قطعه من الأول وروي عن طلحة بن مصرّف يحاسبكم به الله يغفر لمن يشاء «٦» بغير فاء على البدل وأجود من الجزم لو كان بلا فاء الرفع حتى يكون في موضع الحال كما قال: [الطويل] ٦٩-
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد «٧»
(١) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٧٦.
(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٠٥.
(٣) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٧٦، وهي قراءة أبي حيوة أيضا.
(٤) لم أجده في الشواهد اللغوية.
(٥) انظر البحر المحيط ٢/ ٣٧٦.
(٦) انظر المحتسب ١/ ١٤٩، والبحر المحيط ٢/ ٣٦١.
(٧) الشاهد للأعشى في ديوانه ص ٥١، وإصلاح المنطق ص ١٩٨، والأغاني ٢/ ١٦٨، وخزانة الأدب ٣/ ٧٤، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٦٥، ولسان العرب (عشا) ومجالس ثعلب ص ٤٦٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٤٣٩، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٨٧١، وخزانة الأدب ٥/ ٢١٠، وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٩، وشرح ابن عقيل ص ٥٨١، وشرح عمدة الحافظ ص ٣٦٣، وشرح المفصل ٢/ ٦٦، وما ينصرف وما لا ينصرف ص ٨٨، والمقتضب ٢/ ٦٥.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢٨٤ من سورة البقرة

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

٢٨ - قال الله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج مسلم وأحمد عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزلت على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأتوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم بركوا على الركب، فقالوا: أيْ رسول اللَّه كُلِفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم: فأنزل اللَّه في إثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه تعالى. فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (قال: نعم) (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) (قال: نعم) (رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (قال: نعم) (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (قال: نعم).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزول الآيتين منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال ابن عطية: (سبب هذه أنه لما نزلت: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) وأشفق منها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ثم تقرر الأمر على أن قالوا: سمعنا وأطعنا فرجعوا إلى التضرع والاستكانة مدحهم اللَّه وأثنى عليهم في هذه الآية، وقدم ذلك بين يدي رفقه بهم وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء ورفع المشقة في أمر الخواطر وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى اللَّه تعالى، كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من المذلة والمسكنة والجلاء إذ قالوا سمعنا وعصينا وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله أعاذنا اللَّه من نقمه) اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ.. ) الآية أنهم قالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)
بعد نزول قوله سبحانه: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ).
وأن سبب نزول قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.. ) الآية مكافأتهم على السمع والطاعة والاستجابة لأمر اللَّه حيث رفع عنهم المؤاخذة على الخطأ والنسيان وصرف عنهم الآصار التي كانت على من قبلهم. وذلك لصحة سند الحديث، وتصريحه بالنزول، وموافقته لِلفظ الآيات، واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم.
* * * * *
سورة آل عمران

القراءات في الآية ٢٨٤ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

فَيَغْفِرُ لِمَن

(فيغفِرْ لّمن) بجزم الراء وادغام الراء في اللام

السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

(فَيغْفِرْ لمن) بجزم الراء واظهارها

قالون عن نافع أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة الدوري عن الكسائي خلف عن حمزة إسحاق عن خلف الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير إدريس عن خلف البزي عن ابن كثير ورش عن نافع

(فيغفرُ لمن) برفع الراء

روح عن يعقوب هشام عن ابن عامر رويس عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر شعبة عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر حفص عن عاصم

وَيُعَذِّبُ مَن

(ويعذب مّن) بجزم الباء وادغامها في الميم

قالون عن نافع أبو الحارث عن الكسائي إدريس عن خلف الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف خلاد عن حمزة خلف عن حمزة السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو

(ويعذبْ من) بجزم الباء واظهارها

قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع

(ويعذبُ من) برفع الباء

حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن ذكوان عن ابن عامر ابن جمّاز عن أبي جعفر هشام عن ابن عامر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

آيات مشابهة للآية ٢٨٤ من سورة البقرة

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢٨٤ من سورة البقرة

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٧ أقوال
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور، أو ليث- في قوله: ﴿فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشاۤءُ﴾ الآية، قال: يغفر لمن يشاء الكبيرَ من الذنوب، ﴿ویُعَذِّبُ مَن یَشاۤءُۗ﴾ على الصغير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٥.
٢
عن سفيان الثوري، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٥.
٣
عن سفيان -من طريق محمد بن يوسف- في قوله: ﴿فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشاۤءُ﴾ قال: يغفر لمن يشاء بالكبير، ﴿ویُعَذِّبُ مَن یَشاۤءُۗ﴾ بالصغير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر (١٧٢).
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وٱللَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ﴾ من العذاب والمغفرة ﴿قَدِیرٌ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٣١.
٥
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تجاوز لي عن أُمَّتِي ما حَدَّثت به أنفسَها، ما لم تتكلم أو تعمل به»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏١٤٥ (٢٥٢٨)، ٧‏/‏٤٦ (٥٢٦٩)، ٨‏/‏٣٥ (٦٦٦٤)، ومسلم ١‏/‏١١٦ (١٢٧).
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق طاووس-: ﴿فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشاۤءُ﴾ الذنبَ العظيمَ، ﴿ویُعَذِّبُ مَن یَشاۤءُۗ﴾ على الذنبِ الصغير١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٣٠٣، وتفسير البغوي ١‏/‏٣٥٦.
٧
عن قيس بن أبي حازم، قال: إذا كان يومُ القيامة قال اللهُ -تبارك وتعالى- يسمع الخلائق: إنما كان كُتّابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم، فأمّا ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه، ولا يعلمونه، أنا الله أعلمُ بذلك كله منكم؛ فأغفر لمن شئت، وأُعَذِّب مَن شئت١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٤٠.

ما جاء في أن الآية محكمة غير منسوخة

١٧ قولًا
١
عن يحيى، قال: شهدتُ عمرَو بنَ عبيد ويونسَ بن عبيد يتناظران في المسجد الحرام في قول الله عز وجل: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾، فقالا: قالتْ عائشةُ: كلُّ روعة تَمُرُّ بقلبِ ابن آدم تخوف من شيء لا يحل به فهو كفّارةٌ لكل ذنب هَمَّ به فلم يعمله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عدي في الكامل ٦‏/‏١٨٤، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٦‏/‏٣٠٤.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾ فذلك سرُّ أمرك وعلانيتك، ﴿یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أُخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطَّلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون [فيخبرهم ويغفر لهم ما حَدَّثوا به أنفسهم، وهو قوله: ﴿یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾. يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب]١ فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿ولَـٰكِن یُؤاخِذُكُم بِما كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ﴾ [البقرة:٢٢٥] [من الشك والنفاق]٢٣
التخريج
  1. ١ما بين المعقوفين ساقط من النسخة المحققة من الدر المنثور، وهو مثبت في تفسير ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، كما أنه مثبت في الطبعات السابقة من الدر.
  2. ٢[زيادة عند ابن جرير.].
  3. ٣أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص٢٧٨ (٥١٢)، وابن جرير ٥‏/‏١٣٩، وابن المنذر (١٦٥)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٢، ٥٧٤، ٥٧٥.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، قال: فذلك سِرُّ عملِكم وعلانيتُه، يحاسبكم به الله، فليس من عبدٍ مؤمنٍ يُسِرُّ في نفسه خيرًا ليعمل به، فإن عمل به كتبت له به عشر حسنات، وإن هو لم يُقدَّر له أن يعمل به كتبت له به حسنة من أجل أنّه مؤمن، والله يرضى سِرَّ المؤمنين وعلانيتَهم، وإن كان سوءًا حدَّث به نفسه اطَّلع الله عليه وأخبره به يوم تُبْلى السرائر، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه، كما قال: ﴿أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أحۡسَنَ ما عَمِلُوا۟ ونَتَجاوَزُ عَن سَیِّـٔاتِهِمۡ﴾ [الأحقاف:١٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٩، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٣.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- في الآية، قال: إنّ الله يقول يوم القيامة: إنّ كُتّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، فأمّا ما أسررتم في أنفسكم فأنا أُحسابكم به اليوم؛ فأغْفِرُ لِمَن شئتُ، وأُعَذِّب مَن شئتُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٤٠.
٥
عن الضحاك، يقول في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾: كان ابن عباس يقول: إذا دُعِي الناس للحساب أخبرهم اللهُ بما كانوا يسرون في أنفسهم مِمّا لم يعملوه، فيقول: إنّه كان لا يعزب عَنِّي شيء، وإنِّي مخبركم بما كنتم تُسِرُّون من السوء، ولم تكن حَفَظَتُكُم عليكم يَطَّلِعون عليه. فهذه المحاسبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٤٠.
٦
عن سعيد بن مرجانة: أنّه بينما هو جالس مع ابن عمر تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. قال: واللهِ، لَئِن واخذنا الله بهذا لنهلكن. ثم بكى حتى سُمِع نَشِيجُه، قال ابن مرجانة: فقمتُ حتى أتيتُ ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال ابن عباس: يغفرُ اللهُ لأبي عبد الرحمن، لَعَمْرِي لقد وجد المسلمون منها حين أُنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر؛ فأنزل الله بعدها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله أنّ للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت من القول والعمل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥/ ١٣١ - ١٣٢، والطبراني في الكبير (١٠٧٧٠)، والبيهقي في الشعب (٣٢٩). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه.
٧
عن نافع، قال: لَقَلَّما أتى ابنُ عمر على هذه الآية إلّا بكى: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾ إلى آخر الآية. ويقول: إنّ هذا لَإحْصاء شديد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣‏/‏٣٢٦، وأحمد في الزهد ص١٩٢، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾، قال: من اليقين والشك١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢٤٧، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص٢٧٤ (٥٠١)، وابن جرير ٥‏/‏١٤١، وابن المنذر (١٦٦)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٣، والنحاس في ناسخه ص٢٧٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه.
٩
عن الحسن البصري -من طريق عمرو بن عبيد- قال: هي مُحْكَمَةٌ، لم تُنسَخ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٤١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤.
١٠
عن الضحاك بن مزاحم: أنّها مُحْكَمَة١
التخريج
  1. ١عَلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤. وينظر: تفسير البغوي ١‏/‏٣٥٦.
١١
قال محمد بن علي: معنى الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ﴾ من الأعمال الظاهرة، ﴿أوۡ تُخۡفُوهُ﴾ من الأحوال الباطنة؛ ﴿یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ العابد على أفعاله، والعارف على أحواله١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٣٠٢.
١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- في الآية، قال: هي مُحْكَمَة، لم ينسخها شيء، يُعَرِّفه الله يوم القيامة أنّك أخفيت في صدرك كذا وكذا، ولا يؤاخذه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٤٠، ١٤١، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٢، ٥٧٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (٥/١٤٤)، وابنُ عطية (٢/١٣٤)، وابنُ تيمية (١/٦١٧، ٦٢٤) أنّ الآية هنا محكمة غير منسوخة استنادًا إلى عدم التعارض، وذلك: أ) أنها خبر، والأخبار لا تُنسخ. ب) إمكان الجمع بينها وبين قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ بأوجه متعددة، منها: ١- أن المحاسبة على ما تخفيه النفس ليس مما في الوسع، وليس مما يُكسب أو يكتسب. ٢- أن المحاسبة لا يلزم منها المعاقبة، بل تكون محاسبة الله للمؤمنين فيما أخفوه إخبارهم به وغفرانه لهم؛ ليرَوا كبير فضل الله عليهم وعظيم إكرامه لهم. ٣- أنه لو لزم من المحاسبة المعاقبة لكانت المحاسبة مخصوصة بالكافرين الذين أخفوا في أنفسهم الشك في الله والكفر به. ووجَّه ابنُ تيمية القول بالنسخ، فقال: «النسخ في لسان السلف أعمُّ مما هو في لسان المتأخرين؛ يريدون به: رفع الدلالة مطلقًا، وإن كان تخصيصًا للعامِّ، أو تقييدًا للمطلق، وغير ذلك، ومَن قال مِن السلف: نسخها ما بعدها. فمرادُه: بيان معناها والمراد منها، وذلك يسمى نسخًا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء نسخًا».
١٣
قال جعفر بن محمد: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ﴾ يعني: الإسلام، ﴿أوۡ تُخۡفُوهُ﴾ يعني: الإيمان١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٣٠١.
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِّلَّهِ ما فِی ٱلسَّمَـٰو ٰ⁠تِ وما فِی ٱلۡأرۡضِۗ﴾ من الخلق عبيده وفي ملكه، يقضي فيهم ما يريد، ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾ يقول: إن تعلنوا بألسنتكم ما في قلوبكم من ولاية الكفار والنصيحة أو تسروه ﴿یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٢٣١. وفي تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٩٩ عن مقاتل دون تعيينه.
١٥
عن الواقدي، نحو قول مقاتل في قوله تعالى: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٩٩.
١٦
عن أُمَيَّة: أنها سألت عائشةَ عن قول الله تعالى: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، وعن قوله: ﴿مَن یَعۡمَلۡ سُوۤءࣰا یُجۡزَ بِهِۦ﴾ [النساء:١٢٣]. فقالت: ما سألني عنها أحدٌ منذُ سألتُ رسولَ الله ﷺ، فقال: «هذه معاتبة الله العبدَ١ فيما يصيبه من الحُمّى والنَّكْبَة، حتى البضاعة يضعها في يد قميصه، فيفقدها، فيفزع لها، ثم يجدها في ضِبْنه٢، حتى إنّ العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التِّبْرُ٣ الأحمرُ مِن الكِير٤»٥
التخريج
  1. ١معاتبة الله العبد: أي: مؤاخذته العبد بما اقترف من الذنب بما يصيبه في الدنيا. قال الطيبي: كأنها فهمت أن هذه المؤاخذة عقاب أخروي، فأجاب بأنها: مؤاخذة عتاب في الدنيا، عناية ورحمة. انظر تحفة الأحوذي ٤‏/‏٧٩.
  2. ٢عند ابن المنذر: «في بيته». والضِّبن: الإبط وما يليه. لسان العرب (ضبن).
  3. ٣التِّبر: الذهب. لسان العرب (تبر).
  4. ٤الكِير: جلد غليظ يَنفُخُ فيه الحدّادُ. لسان العرب (كير).
  5. ٥أخرجه أحمد ٤٣‏/‏٢٩ (٢٥٨٣٥)، والترمذي ٥‏/‏٢٤٥ (٣٢٣٤)، وابن جرير ٥‏/‏١٤٣ بلفظ: «متابعة الله»، وأيضًا ٧‏/‏٥٢٤ بلفظ: «مثابة الله»، وابن المنذر ١‏/‏٩٥ (١٦٧)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤ (٣٠٦٢) بلفظ: «مبايعة الله». قال الترمذي: «حديث حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة». وقال ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٧٣٣: «علي بن زيد بن جدعان ضعيف، يُغْرِب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أُمِّ محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٢ (١٠٩٥٦): «رواه أحمد، وأمينة لم أعرفها». وقال الألباني في الضعيفة ٦‏/‏٤٧٣-٤٧٤: «إسناد ضعيف؛ فإنه مع ضعف ابن جدعان، لا يعرف حال أمية هذه».
١٧
عن عائشة -من طريق الضحاك- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ﴾ الآية، قالت: هو الرجل يَهُمُّ بالمعصية ولا يعملها، فيرسل عليه من الغم والحزن بقدر ما كان همَّ به من المعصية، فتلك محاسبته١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٨١- تفسير)، وابن جرير ٥‏/‏١٤٢- ١٤٣، وفيه بلفظ: فكانت كفارته.

ما جاء في أنَّ الآية منسوخة

٢٥ قولًا
١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن السائب، وآدم بن سليمان- قال: نَسَخَتْ هذه الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾، ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير٥‏/‏١٣٤. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤.
٢
عن سعيد بن جبير -من طريق آدم بن سليمان- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾؛ قالوا: أنُؤاخذ بما حَدَّثْنا به أنفسَنا ولم تعمل به جوارحُنا؟! قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنا لا تُؤاخِذۡناۤ إن نَّسِیناۤ أوۡ أخۡطَأۡناۚ﴾. قال: ويقول: قد فعلتُ. ﴿رَبَّنا ولا تَحۡمِلۡ عَلَیۡناۤ إصۡرࣰا كَما حَمَلۡتَهُۥ عَلى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِناۚ﴾. قال: ويقول: فعلتُ. قال: فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، لم تُعْطَها الأمم قبلها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٤.
٣
عن إبراهيم النخعي -من طريق إبراهيم بن مهاجر- قال: نَسَخَها ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص٢٧٧ (٥١١). وعلَّقه ابن المنذر ١‏/‏٩٨، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤.
٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق جابر، وإبراهيم بن مهاجر-: نَسَخَتْ هذه الآيةُ: ﴿﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٦.
٥
عن عامر الشعبي -من طريق سَيّار، وغيره- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشاۤءُ ویُعَذِّبُ مَن یَشاۤءُۗ﴾، قال: فكان فيها شِدَّة، حتى نزلت هذه الآية التي بعدها: ﴿لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾. قال: فنسخت ما كان قبلها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٥-١٣٦. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤.
٦
عن ابن عون، قال: ذكروا عند الشعبي: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾، حتى بلغ: ﴿لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾. قال: فقال الشعبيُّ: إلى هذا صار، رجعت إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٦.
٧
عن عامر الشعبي -من طريق مغيرة- ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، قال: نَسَخَتْها الآيةُ التي بعدها: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾. وقوله: ﴿وإن تبدوا﴾ قال: يحاسب بما أبدى مِن سِرٍّ، أو أخفى مِن سِرٍّ، فنسختها التي بعدها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٥.
٨
عن الحسن البصري -من طريق حميد- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾ إلى آخر الآية، قال: نَسَخَتْها: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٧. وعلَّقه ابن المنذر ١‏/‏٩٨ (عَقِب ١٧١).
٩
عن قتادة -من طريق معمر بن راشد- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، قال: نَسَخَتْها قولُه: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١١١، وابن جرير ٥‏/‏١٣٧. وعلَّقه ابن المنذر ١‏/‏٩٨ (عقِب ١٧١)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٢٧١-.
١٠
عن محمد بن سيرين، ومحمد بن كعب، والكلبي، وموسى بن عبيدة، وشيبة، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢/ ٣٠٠، وتفسير البغوي ١/ ٣٥٥، وزاد الثعلبي: عن موسى بن عبيدة، وشيبة.
١١
قال محمد ابن شهاب الزهري: قال تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾، نُسخت بقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾، أي: لا يُكتب على أحد إلا ما فعل وما عَمِل١
التخريج
  1. ١الناسخ والمنسوخ للزهري ص٢١-٢٢.
١٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، قال: يوم نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسْوَسَتْ به أنفسُهم وما عَمِلوا، فشَكَوا ذلك إلى النبي ﷺ، فقالوا: إن عَمِل أحدُنا وإن لم يَعْمَل أُخِذْنا به؟! ، واللهِ، ما نملك الوسوسة. فنسخها اللهُ بهذه الآية التي بعدها بقوله: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾، فكان حديثُ النفس مما لم تطيقوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٨ مرسلًا.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: فلما نزلت هذه الآيةُ قال المسلمون: يا رسول الله، إنّا نُحَدِّثُ أنفسَنا بالشرك والمعصية، أفيحاسبنا اللهُ بها ولا نعملها؟ فأنزل الله عز وجل في قولهم في التقديم: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾... ، فنسخت هذه الآية قولَه سبحانه: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل ١‏/‏٢٣١.
١٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق عبد الله بن وهب- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ إلى آخر الآية اشتدت على المسلمين، وشقت مشقة شديدة، فقالوا: يا رسول الله، لو وقع في أنفسنا شيء لم نعمل به وأخذنا الله به؟ قال: «فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل لموسى: سمعنا وعصينا؟!». قالوا: بل سمعنا وأطعنا، يا رسول الله. قال: فنزل القرآنُ يُفَرِّجها عنهم: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ بِماۤ أُنزِلَ إلَیۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ ومَلَـٰۤىِٕكَتِهِۦ وكُتُبِهِۦ ورُسُلِهِۦ﴾ إلى قوله: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾. قال: فصَيَّره إلى الأعمال، وترك ما يقع في القلوب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٧. وهذا إسناد معضل؛ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، وهو ضعيف كما في التقريب (٣٨٩٠).
١٥
عن عبد الله بن مسعود -من طريق الضحاك- في الآية، قال: كانت المحاسبة قبل أن تنزل ﴿لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾، فلما نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٨٢)، وابن جرير ٥‏/‏١٣٥، والطبراني في الكبير (٩٠٣٠). وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص٢٧٥ (٥٠٦) من طريق قتادة بنحوه.
١٦
عن علي بن أبي طالب -من طريق السدي- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ الآية؛ أحزنتنا، قلنا: أيُحَدِّث أحدُنا نفسَه فيحاسب به؟! لا ندري ما يغفر منه، ولا ما يغفر منه؟ فنزلت هذه الآية بعدها، فنَسَخَتْها: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي (٢٩٩٠). وعَلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٧
عن أبي هريرة، قال: لَمّا نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿لِّلَّهِ ما فِی ٱلسَّمَـٰو ٰ⁠تِ وما فِی ٱلۡأرۡضِۗ وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشاۤءُ ویُعَذِّبُ مَن یَشاۤءُۗ وٱللَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ﴾؛ اشْتَدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الرُّكَب، فقالوا: يا رسول الله، كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطِيق؛ الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أُنزِلت عليك هذه الآية ولا نُطِيقها. فقال رسول الله ﷺ: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟! بل قولوا: ﴿سَمِعۡنا وأَطَعۡناۖ غُفۡرانَكَ رَبَّنا وإلَیۡكَ ٱلۡمَصِیرُ﴾». فلما اقْتَرَأَها القومُ، وذَلَّت بها ألسنتهم؛ أنزل الله في إثرها: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ بِماۤ أُنزِلَ إلَیۡهِ مِن رَّبِّهِۦ﴾ الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾ إلى آخرها١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ١‏/‏١١٥ (١٢٥)، وابن جرير ٥‏/‏١٣٠، وابن المنذر ١‏/‏٩٦ (١٧٠)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٣ (٣٠٦٠).
١٨
عن عائشة أم المؤمنين -من طريق قتادة- في الآية، قالت: نسخها قوله: ﴿لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٨.
١٩
عن عبد الله بن عباس، قال: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ نُسِخَت، فقال: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.
٢٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، قال: لَمّا نزلت اشْتَدَّ ذلك على المسلمين وشَقَّ عليهم، فنسخها الله؛ فأنزل: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه آدم ابن أبي إياس -كما في تفسير مجاهد ص٢٤٦-، والطبراني في الكبير (١٢٢٩٦)، والبيهقي في الشعب (٣٢٨).
٢١
عن سالم بن عبد الله بن عمر: أنّ أباه قرأ: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، فدمعت عيناه، فبــلغ صنيعُه عبدَ الله بن عبـاس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أُنزلت، فنسختها الآية التي بعدها: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٤‏/‏٧، وابن جرير ٥‏/‏١٣٣-١٣٤، والنحاس في ناسخه ص٢٧٥-٢٧٦، والحاكم ٢‏/‏٢٨٧. وعلقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٤.
٢٢
عن مجاهد، قال: دخلتُ على ابن عباس، فقلتُ: كنتُ عند ابن عمر، فقرأ هذه الآية، فبكى. قال: أيةُ آيةٍ؟ قلت: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾. قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أُنزلت غمَّتْ أصحابَ رسول الله ﷺ غمًّا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، وقالوا: يا رسول الله، هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأمّا قلوبنا فليست بأيدينا. فقال لهم رسول الله ﷺ: «قولوا: سمعنا وأطعنا». قال: فنسختها هذه الآية: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ إلى ﴿وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾، فتُجُوِّزَ لهم عن حديث النفس، وأُخِذُوا بالأعمال١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٣٨١ (٣٧٤)، ومن طريقه أحمد ٥‏/‏١٩٤-١٩٥ (٣٠٧٠)، وابن جرير ٥‏/‏١٣٣، وابن المنذر ١‏/‏٩٦ (١٦٩). قال ابن منده في كتاب الإيمان (١٠٦): «إسناده صحيح على رسم الجماعة، إلا البخاري». وصحح إسنادَه ابنُ كثير في تفسيره ١‏/‏٧٣٠.
٢٣
عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسـبه ابن عمر: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾، قال: نَسَخَتْها الآيةُ التي بعدها١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٣٣ (٤٥٤٥-٤٥٤٦).
٢٤
عن كعب الأحبار، وعكرمة مولى ابن عباس: أنها منسوخة١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧٤.
٢٥
عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود -من طريق الشعبي- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، قال: نســـخت هذه الآيةُ التي بعدها: ﴿لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣٤، وابن المنذر (١٧١)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٨.

نزول الآية

٨ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ دخل في قلوبهم شيءٌ منه لم يدخلْ من شيء، فقالوا للنبي ﷺ، فقال: «قولوا: سمعنا، وأطعنا، وسلَّمْنا». فألقى اللهُ الإيمانَ في قلوبهم؛ فأنزل الله: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ الآية، ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنا لا تُؤاخِذۡناۤ إن نَّسِیناۤ أوۡ أخۡطَأۡناۚ﴾. قال: قد فعلتُ. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلۡنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِۦۖ﴾. قال: قد فعلتُ. ﴿وٱعۡفُ عَنّا وٱغۡفِرۡ لَنا وٱرۡحَمۡناۤۚ﴾ الآية، قال: قد فعلتُ١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ١‏/‏١١٦ (١٢٦).
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا نزلت: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ الآيةَ؛ أتى أبو بكر وعمرُ ومعاذُ بن جبل وسعدُ بن زرارة رسولَ الله ﷺ، فقالوا: ما نزل علينا آيةٌ أشدُّ مِن هذه١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في مسند الشاميين ٣‏/‏٣٢٧ (٢٤١٥). وإسناده ضعيف؛ فيه عطاء بن أبي مسلم الخراساني، قال ابن حجر في التقريب (٤٦٣٣): «صدوق، يهِم كثيرًا، ويُرسِل، ويُدَلِّس». وقد عَنْعَنَ في إسناد هذا الحديث.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، قال: نزلت في الشهادة١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في التفسير من سننه ٣‏/‏١٠٠٤ (٤٧٣)، وابن جرير ٥‏/‏١٢٩، وابن المنذر ١‏/‏٩٣ (١٦١)، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٢ (٣٠٥٦). وإسناده ضعيف؛ فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي، قال ابن حجر في التقريب (٧٧٦٨): «ضعيف، كبر فتغَيَّر، وصار يتلقن».
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقسم- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ﴾ الآية، قال: نزلت في كتمان الشهادة، وإقامتها١
التخريج
  1. ١أخرجه القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ ص٢٧٤ (٥٠١)، وابن جرير ٥‏/‏١٣٠، وابن المنذر ١‏/‏٩٣ (١٦٣). وإسناده ضعيف أيضًا؛ فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي، سبق في الحديث الذي قبله.
٥
عن مقسم، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١عَلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٢.
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طرق- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾، يعني: كتمان الشهادة، وإقامتها على وجهها١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في ناسخه من طريق حميد ص٢٧٤ (٥٠٣)، وابن جرير من طريق داود وعمرو أبي سعيد وجويبر واللفظ له ٥‏/‏١٢٩، ١٣٠، وابن المنذر من طريق داود (١٦٤). وعَلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٢.
٧
عن عامر الشعبي -من طريق السُّدِّي- في قوله: ﴿وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ﴾، قال: في الشهادة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٥‏/‏١٣١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٧٢.
٨
عن محمد بن كعب القرظي -من طريق خالد بن زيد- قال: ما بعث الله من نبي، ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية: ﴿لِّلَّهِ ما فِی ٱلسَّمَـٰو ٰ⁠تِ وما فِی ٱلۡأرۡضِۗ وإن تُبۡدُوا۟ ما فِیۤ أنفُسِكُمۡ أوۡ تُخۡفُوهُ یُحاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَیَغۡفِرُ لِمَن یَشاۤءُ ویُعَذِّبُ مَن یَشاۤءُۗ وٱللَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ﴾، فكانت الأمم تأبى على أنبيائها ورسلها، ويقولون: نؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟! فيكفرون، ويَضِلُّون، فلمّا نزلت على النبي ﷺ اشتَدَّ على المسلمين ما اشْتَدَّ على الأمم قبلهم، فقالوا: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نُحَدِّث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟! قال: «نعم، واسمعوا وأطيعوا، واطلبوا إلى ربكم». فذلك قوله: ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ الآية، فوضع الله عنهم حديث النفس، إلا ما عملت الجوارح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن المنذر ١‏/‏٩٨-٩٩ (١٧٣) مرسلًا.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢٨٤ من سورة البقرة

١٩ وقفةً في هذه الآية

  • { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ... } فالله يحاسب بما في النفوس .. ولا يعاقب على كل ما في النفوس.

    — ابن تيمية

  • ﴿والله على كل شيء قدير﴾ لا تجعل من طلبك مستحيلا ، اسعَ له واستعن بالله ، وسوف يجعل الله كل ما يعترضك سهلا يسيرا ؛ ليوصلك لمبتغاك.

    — روائع القرآن

  • لما نزلت: (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ ) اشتد ذلك على الصحابة، فقالوا: قد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا»، فلما اقترأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم، (فنسخها الله)، وأنزل الله في إثرها:(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ) (رواه مسلم (ح 125).).فتأمَّل أثرَ التدبُّر في وجل الصحابة، وتأمَّل بركة تسليمهم لأمر الله، حين نسخ الله الآية الأولى بالثانية.

    — اللجنة العلمية بمركز تدبر

  • آية 284 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) آية شديدة قرأها الصحابة فجثوا على الركب شفقة لفضل علمهم ويقرؤها الجاهل وكأنه مبشر بالجنة!

    — إبراهيم الأزرق

  • قوله {فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} {يغفر} مقدم في هذه السورة وغيرها إلا في المائدة فإن فيها {يعذب من يشاء ويغفر} لأنها نزلت بعدها في حق السارق والسارقة وعذابهما يقع في الدنيا فقدم لفظ العذاب وفي غيرها قدم لفظ المغفرة رحمة منه تعالى وترغيبا للعباد في المسارعة إلى موجبات المغفرة جعلنا الله تعالى منهم يمنه وكرمه سورة آل عمران .

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • مسألة: قوله تعالى: (فيغفر لمن يشاء) الآية. قدم المغفرة. وفى المائدة: قدم. (يعذب من يشاء)؟ جوابه: أن آية البقرة وغيرها جاءت ترغيبا في المسارعة إلى طلب المغفرة، وإشارة إلى سعة مغفرته ورحمته. وآية المائدة جاءت عقب ذكر السارق والسارقة، فناسب ذكر العذاب، لأنه لهم في الدنيا والآخرة.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (٢٨٤) : (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) * دلالة تقديم وتأخير كلمة تخفوا في آية سورة البقرة وسورة آل عمران: المحاسبة في سورة البقرة هي على ما يُبدي الإنسان وليس ما يُخفي ففي سياق المحاسبة قدّم الإبداء، أما آية آل عمران (قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)) ففي سياق العلم لذا قدّم الإخفاء لأنه سبحانه يعلم السر وأخفى.

    — مختصر لمسات بيانية

  • *ما دلالة تقديم وتأخير كلمة تخفوا في آية سورة البقرة وسورة آل عمران؟: قال تعالى في سورة البقرة (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {284}) وقال في آل عمران (قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {29}). المحاسبة في سورة البقرة هي على ما يُبدي الإنسان وليس ما يُخفي ففي سياق المحاسبة قدّم الإبداء أما في سورة آل عمران فالآية في سياق

    — فاضل السامرائي

  • نهايات سورة البقرة (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿284﴾ البقرة) تبدوا أولاً وتخفوا ثانياً هذه في البقرة، وفي آية أخرى يقول (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴿29﴾ آل عمران) إذاً مرة بدأ بما تخفيه أنت في صدرك أو تبديه في الثانية بدأ بما تبديه أولاً ثم تخفيه فلماذا قدّم؟ لماذا مرة قال أهم شيء عندك الذي تخفيه ومرة أهم شيء عندك الذي تبديه؟ فمرة بدأ بتخفيه وهو مهم مرة بدأ بتبديه فهو مهم إذاً لماذا هناك الإخفاء أخطر وهنا الإبداء أخطر؟. الذي حصل ما يلي كما تعرفون أولاً رب العالمين تكلم مرة عن المحاسبة ومرة عن العلم لما يقول (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) يعني بالشر الشر عادة يُخفى ولا يُظهر فرب العالمين يخاطب الذين يخفون الشر ويفعلونه كثيراً قال رب العالمين أعلم وأكرم وأشد إحاطة بالعلم منكم بما تخفونه في صدوركم. فأنت عندما تفعل منكراً تبديه ومنكراً تُخفيه فرب العالمين عز وجل يعرف ما تبديه ويعرف ما تُخفيه. من أجل هذا لماذا قدم ما تبديه (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ)؟ هذا عن الشر ترتكبون الذنوب قدّم إن تبدوا من حيث أن إبداء الذنب أخطر بكثير جداً من إخفائه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم (من ارتكب من هذه القاذورات) يعني الذنوب الحدود (شيئاً فاستتر) لا أحد يعرف وأخفاها (فهو بستر الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفى عنه ومن أبدأ صفحته أقمنا عليه الحد) لماذا؟ لأنه يفسد الجماعة هذا الذي يجاهر بشرب الخمر بالزنا بالقمار علناً وأمام الناس وتخرج في الشارع هذا تحدي للنظام للمجتمع ولستره ولكرامته ولواجهة الجماعة الإسلامية والمجتمع الإسلامي الذي ينبغي أن يكون مجتمعهم نظيفاً فكونك أنت تتحداهم بهذا الشكل، ماذا لو مشى أحد الناس عارياً في الشارع؟ أو مشت امرأة عارية؟ يا أخي لا بد أن تستتر الستر في هذه الحالة هذا ضرورة فرب العالمين بالمسيئين قال يحاسبكم فكلمة يحاسبكم يعني الآن أنتم ترتكبون ذنوباً، أيهم أخطر الذنب الخفي أو الذنب الظاهر؟ الذنب الظاهر في تحدي للجماعة وللمجتمع وللشعب وللحكومة وللقوانين والنظام والآداب يعني كلام طريف يعني خدش الآداب العامة، هذا بالإضافة إلى الذنب فيه وقاحة وفيه مجاهرة (ومن أبدى صفحته أقمنا) (لعن الله المجاهرين الذي يرتكب ذنباً في الليل وقد ستره الله يصبح فيحدِّث به) يقول فعلت بالأمس كذا وكذا والله شربت خمراً وفعلنا كذا وفلان شيء هذا ملعون. فرب العالمين لما بدأ قال (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) بدأ بأنه كيف أنت تبدي الذنوب؟! أنت استتر لعل الله يغفر لك هذا بالذنوب. أما بالأعمال لا قال (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ) من حيث أن المفروض أن الأعمال الحسنة مفروض يعني يقول (تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله) (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴿271﴾ البقرة) الإخفاء أبعد عن الرياء والسمعة وفيها إخلاص لله عز وجل. من أجل هذا رب العالمين يبدأ بالأهم من حيث أنه بالذنوب الإبداء مصيبة وهو الخطأ والخطورة في الذنب. أما في الإنفاق الإصرار بالعطاء أفضل والإبداء غير مرغوب فيه (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴿274﴾ البقرة) قدّم السر. إذاً المطلوب في الذنوب أن لا تبدي فالإبداء جريمة ثانية يعني جريمة مغلّظة ولهذا قدمها (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ) في الإنفاق قال (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ) أولاً عرفنا الفرق بين تبدوا وتخفوا. لكن لماذا مرة قال قلوبكم مرة قال صدوركم؟ هناك (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ) هنا (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ) مكان آخر إن تخفوا ما في قلوبكم. هذه مقصودة النفس مكمن الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ﴿14﴾ آل عمران) الشهوة والهوى هذا من النفس وخالِف النفس والشيطان واعصهما فلما يقول في أنفسكم يعني من باب الشهوة. لما قال (فِي صُدُورِكُمْ) الهواجس والعواطف والأحاسيس من وساوس وعواطف مختلفة من كرهٍ وحبٌ وحقد وبغضاء وانكسار وحزن وألم الخ حينئذٍ لما يقول كما في الآية (بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴿49﴾ العنكبوت) (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴿19﴾ غافر) هكذا كل هذه السيئات الخطيرة التي نحاسب عليها يوم القيامة والتي مكمنها الصدور من فخرٍ ورياء وطمع وجشع وحبٍ وكرهٍ وما شاكل ذلك ما فيها من سوء هذا يرجع إلى الصدور لأن الصدر هو مكان القلب وفي القرآن الكريم هذا موجود. إن تخفوا ما نفوسكم من الشهوات أو ما في صدوركم من الوساوس وعلى هذا النحو وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴿50﴾ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴿51﴾ الإسراء) (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ﴿80﴾ غافر) وهكذا كما قال عن الشيطان (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿5﴾ الناس) (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴿16﴾ ق) إذاً كل نوع من أنواع الجرائم القلبية هذه لها قسم من الصدور وقسم من النفوس وقسم من القلوب. هكذا هو الفرق بين قوله تعالى (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) وبين (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ) في الخير أن عليك أن تُخفي ولا تُبدي في الخير عليك أن تكون قدوة ولاحظ الفرق في الآية الأولى قال (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) إذاً قضية إجرام أما هنا قضية إنفاق عمل صالح فقال يعلمه الله (إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) وهكذا الآيات بعضها يكمل بعض من حيث كل كلمة في الآية هي التي توجّه هذا التغيير في التقديم والتأخير أو زيادة حرف أو نقصانه أو زيادة حركة أو نقصانها عليك أن تقرأ ما حول الآية لكي تعرف ماذا أراد الله بهذا وفي قوله (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴿5﴾ الأحزاب) هذه النية فالنية في القلب معنى هنا على النيات لاحظ هنا أن للنفس وظيفة وللصدر وظيفة وللقلب وظيفة. والآن ثبت علمياً وهذا من إعجاز القرآن ثبت علمياً أن الدماغ له ارتباط بالقلب فالقلب ليس فقط مجرد آلة تضخ الدم بل ثبت علمياً الآن أن القلب ليس فقط مجرد آلة تضخ الدم وإنما هناك ربط في العمل بين الدماغ وبين القلب من حيث أن عمل الدماغ مرتبط بعمل القلب من حيث أن كلٌ منهما يرسل للآخر إشارات ولهذا رب العالمين قال (تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) ما قال تعمدت أدمغتكم. هذا لأول مرة في التاريخ يثبت الآن أن القلب ليس مجرد عضلة تضخ الدم وإنما فيها من عمل الدماغ شيء فلهذا الله قال (تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ). فى إجابة أخرى للدكتور الكبيسي : يعني الآيتين (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) و (إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ (29) آل عمران) الذي في النفس نفسك وشهوات ووساوس هذا حديث نفسك أما صدوركم لا، مؤامرات وجرائم وإلحاد وكفر ونفاق وأنت مصايب وخيانة وتآمر مع العدو وارتداد شيء مصائب فهذه النفس يقول العلماء الأكارم يقولون عقوبته الهمّ كلنا فينا وساوس يعني واحد شاف له واحدة حلوة وفكر فيها واحد كان يسكر سابقاً وتاب ويقول الله ما أحلى تلك الأيام التي كنا نسكر فيها! ولهذا الإسلام حرّم استعمال أواني الخمر بعد ما حرّم الخمرة طيب يا أخي بعضها كاسات حلوة وجميلة صحيح كنا نشرب فيها الخمر لكن الآن تبنا نشرب فيها شاي قال لك لا اكسرها لا أحد يترك في بيته هذه الأواني لماذا؟ أنت بعد سنة أو سنتين من تركك للخمر ترى هذه الأواني وتقول الله كيف كانت أيام حلوة عندما كنا نسهر ولما كنا نسكر لا لا وحينئذٍ يقول عن هذا يبتلى بالهمّ. وساوس النفس رب العالمين يعاقبك عليها في الدنيا بالهمّ لكن التي في الصدور لا هذه مصائب. نحن قلنا سابقاً الشيطان يا جماعة مجرم كبير مجرم دولي إرهابي هائل هو ليس عمله أن يجعلك تنظر إلى امرأة أو تشرب خمر هو لا ينزل نفسه إلى هذا المستوى فهذا كفيل بها نفسك الأمارة بالسوء لا، يقول لك اكفر اشرك خون تعاون اقتل هذا شغل الشيطان هذا في الصدور كقوله تعالى (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) الناس). نعود إلى ما كنا عليه في قوله تعالى (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) تبدوا وتخفوا وبعدين في أنفسكم أو صدوركم وشرحناه باختصار أنفسكم الشهوات وهذه الشهوات كما تعرفون ما لم تنفذها فأنت غير محاسب عليها لكن إذا كنت هذه المشاعر الشهواتية والخواطر تتخيل لما كنت تسكر أو تزني أو فلانة أو علانة وقد تفرض نفسها عليك هذه الخيالات إذا أنت طردتها عن نفسك فلست محاسباً عليها (تجاوز الله لأمتي عن ما حدثت بها نفسها ما لم تفعله) وطبعاً تعرفون أنتم درجات الشعور أول مرة العلم الإدراك يعني أنا أرى سيارة جميلة أدرك أن هذه سيارة جميلة هذا إدراك ثم أحبها هذا يسمونه وجدان ثم تتمنى أن تحصل عليها أنت لست لديك مال فتفكر بسرقتها فهذا يسمى الهمّ ثم الشروع ثم رحت عليها إلى أن أخذتها فهذا يسمى الإدراك ثم الوجدان كأن ترى امرأة وأدركت أنها جميلة بعدين قلبك اشتهاها هذا وجدان ثم يفكر كيف يحصل عليها بأي طريقة كانت هذا النزوع إلى أن يصل إلى الشروع ويفعلها. فكل واحدة لها حكم أنت في كل شيء في سيارة في جريمة في قتل كل هذه إذا في النهاية عند مرحلة النزوع والشروع إذا لم تفعلها تغفر كلها كشخص فكر بواحدة واشتهاها وذهب إلى بيتها فلم يجدها هذا انتهى فهذا ما دام لم يفعل الفعل تغفر له كل الحركات التي قبلها (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) النساء) كل المقدمات مغفورة ما عدا الجرائم الجنسية أما ما عداها سرقة قتل خيانة صار عندك إدراك ووجدان وشروع ونزوع ثم ذهبت ثم قلت لا ما أفعل هذا كلها مغفورة لكن القضايا الجنسية كلها محسوبة عليك يعني أنت أول نظرة محاسب عليها أدركت أن هذه جميلة محاسب عليها اشتهيتها محاسب عليها صار عندك شروع محاسب عليها مديت يدك هذا نزوع أنت الآن دخلت في جريمة كبيرة فقضايا الجنس النظرة الأولى والنظرة الثانية هذه التفصيلات تعرفونها جيداً. من أجل هذا في نفوسكم هذه القضايا أما في صدوركم الجرائم التآمرات الخيانات والعالم مليء بمثل هذه الأمور هذا شيء وهذا شيء وكل واحدة لها حكمها وإن تخفوا أو تبدوا، تبدوا أو تخفوا ومرة قال إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه، تبدوه هذا قضايا العداء والتآمر هذا واضح أنت في حزب في جماعة تتآمر وتقتل طائفياً وفئوياً أمام الناس بأن هذا مشرك وهذا قاتل وهذا خائن وتقتل في العالم والباقي لا مخفية تبدأ بالخفاء. *ما دلالة تقديم وتأخير (يغفر) في قوله تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) البقرة)وقوله تعالى (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) المائدة) رب العالمين قال (سبقت رحمتي غضبي) هذا شيء معروف، وفي كل القرآن عندما تأتي على المغفرة والعذاب يقول يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء يقدّم المغفرة على العذاب ما من موضوع في القرآن الكريم رب العالمين تكلم عن عباده الصالحين والطالحين إلا قال (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴿284﴾ البقرة)، في آل عمران (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿129﴾ آل عمران)، وفي المائدة (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴿18﴾ المائدة) موضع واحد فقط خالف هذا النسق العظيم من تقديم المغفرة أملاً واستبشاراً ورحمة تطبيقاً لقوله تعالى (سبقت رحمتي غضبي) ورحمة الله واسعة (ليرحمنّ الله الناس رحمة يوم القيامة يتطاول لها إبليس)، موقع واحد قال وهو في المائدة في سورة المائدة فقط تكلم عن هذا. الفرق أنه فى آية المائدة فقط التعذيب فيها مقدّم؟ ما هو نسق الآيات التي قبلها؟ رب العالمين أرحم لعباده من آبائهم وأمهاتهم تكلّم رب العالمين عن جرائم خطيرة بشعة إذا استشرت في أي مجتمع تُنهيه، تُلقي الخوف والرعب وعدم الاستقرار كما هو في بعض بلدان العالم العربي الآن كالعراق والصومال وما لف لفهما. تكلم رب العالمين عن جريمتين عظيمتين الأولى قطع الطريق الحرابة ﴿33﴾ المائدة) وهو قطع الطريق سواء كان بالداخل أو بالخارج ما دام صار قتل. الثاني وراءها مباشرة السارق (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿38﴾ المائدة).

    — أحمد الكبيسي

  • وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ (284) البقرة) ما دلالة (يحاسبكم)؟ المحاسبة مشتقة من الحسبان وهو العدّ ويحاسبكم أي يعدّه عليكم ثم أطلق هذا اللفظ على ما ينجم عن العدّ والإحصاء وهو المؤاخذة والمجازاة فحساب الله تعالى هو إحصاء لأعمالك وأفعالك ثم مجازاتك على ذلك.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • بالنظر للقرآن نجد أنه قدم المغفرة أربع مرات و ذلك في سياق المؤمنين في البقرة ، آل عمران ، المائدة ، الفتح كقوله { فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء } على حين أننا نجد أن الله تعالى في المائدة لما ذكر الحدود القصاص والسرقة وهذا عذاب لمقترفيها قدم العذاب ( يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء) .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

و٧ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

الناسخ والمنسوخ في الآية ٢٨٤ من سورة البقرة

من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه

﴿ للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

قوله تعالى: ﴿وإِن تُبدوا ما فِي أَنفُسِكُم أو تُخْفُوهُ يحاسبكم به الله﴾:
قال ابنُ عباس: هي منسوخةٌ (بقوله): ﴿لا يُكَلَّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال ابن مسعود: وعن أَحدِهما أيضاً أنه قال: هي محكمةٌ لا منسوخةٌ، وأن الله يحاسبُ كُلَّ نفسٍ بما أخفت فيغفرُ للمؤمن ويعاقب الكافرَ، وهو قوله: ﴿فيغفرُ لِمن يَشَاء﴾ (وهو المؤمن)﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاء﴾. - وهو الكافر - وهذا قولٌ حسن.
وعن ابن عباسٍ أيضاً أنه قال: الآيةُ مخصوصةٌ محكمةٌ نَزَلَت فيكِتمان الشَّهادةِ خاصةً. ودلَّ على ذلك تَقَدُّمُ ذكر الشهادة والأَمرُ بترك كتمانها وأدائها - وهو قولُ عكرمة - فهذا أيضاً قولٌ صالح.

فتاوى متعلقة بالآية ٢٨٤ من سورة البقرة

٤ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٢٨٤ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(284) To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال