غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿فيغفر لمن يشاء﴾ بإدغام الراء في اللام : أبو عمرو. وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام ﴿فيغفر﴾ و ﴿يعذب﴾ برفع الراء والباء : يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب. وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم ﴿ويعذب من يشاء﴾ كل القرآن. ﴿وكتابه﴾ حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿وكتبه﴾ جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب. الباقون بالنون ﴿أخطأنا﴾ مثل ﴿فادارأتم﴾[البقرة: ٧٢].
الوقوف :﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿به الله﴾ ط لمن قرأ ﴿فيغفر﴾ بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف. ﴿من يشاء﴾ ط. ﴿قدير﴾ ه ﴿والمؤمنون﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه. ﴿المصير﴾ ه، ﴿وسعها﴾ ط ﴿ما اكتسبت﴾ ط ﴿أو أخطأنا﴾ ج ﴿من قبلنا﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿لنا به﴾ ج ﴿واعف عنه﴾ وقفة ﴿واغفر لنا﴾ كذلك ﴿واحمنا﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿الكافرين﴾ ه.
التفسير : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف كالصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والصداق والخلع والإيلاء والإرضاع والبيع والربا والمداينة، ختم السورة بكلام دل على كماله ملكه وهو قوله :﴿لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ وعلى كمال علمه وهو قوله ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ وعلى كمال قدرته وهو قوله ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ وفي ذلك غاية الوعد للمطيعين ونهاية الوعيد للمذنبين. وعن أبي مسلم أنه لما قال : والله بما تعملون عليم. ذكر عليه دليلاً عقلياً فإن من كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع الفاخرة لا بد أن يكون محيطاً بأجزائها وجزئياتها. وقيل : لما أمر بالوثائق من الكتبة والأشهاد والرهن، ذكر ما علم منه أن المقصود يرجع إلى الخلق وأنه منزه على الانتفاع به. وقال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه لما أوعد على كتمان الشهادة ذكر أن له ما في السماوات وما في الأرض فيجازي على الكتمان والإظهار. عن ابن عباس وأبي هريرة واللفظ له :" لما نزل ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ. فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا : أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير "
فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله عزّ وجل :﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال : نعم ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال : نعم، ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ قال نعم ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال نعم.
واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها في الوجود فقد قيل : إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى :﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾
[البقرة: ٢٢٥] وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب، ثم قال بعضهم : إنما يؤاخذ بها الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه. نعم يبتليه في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب. وروت أنها سألت النبي ﷺ عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه. وقيل : إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما روي أنه ﷺ قال بعد نزول قوله ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا " وقيل : معنى قوله ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية، وعلى هذا فلا حاجة إلى التزام النسخ. وكذا لو قيل : إن معنى كونه حسيباً ومحاسباً كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ. وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل ﴿ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ مستولِ على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد والإعدام.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق. له روح نوراني من عالم الأمر والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه. فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله ﴿إن تبدوا ما في أنفسكم﴾ مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة ﴿أو تخفوه﴾ بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة ﴿يحاسبكم به الله﴾ بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس ﴿فيغفر لمن يشاء﴾ فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق ﴿ويعذب من يشاء﴾ فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير ﴿والله على كل شيء﴾ من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق ﴿قدير﴾ لما عرج بالنبي ﷺ إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾[النجم: ٩] أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فأجاب ﷺ بقوله :" السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ". فقيل له ﴿آمن الرسول﴾ عباناً ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾ فقال من كمال رأفته بأمته ﴿والمؤمنون كل آمن بالله﴾ إلى قوله ﴿سمعنا وأطعنا﴾ فقال الله تعالى : ما يطلبون مني في جزاء السمع والطاعة ؟ فقال النبي ﷺ ﴿غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما كان مصيري إليك لا إلى من سواك. قال الله في جوابه ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل : لو دنوت أنملة لاحترقت. وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف حالهم بصير ؟ وإنما بلغك هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيباً قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم ﴿إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾[آل عمران: ٣١] فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير. فتارة أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب. فقال ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم يعبدوا غيرك وأنت قلت :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾[النساء: ٤٨] ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً﴾ بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا﴾ بالصبر عن شهود جمالك ﴿واعف عنا﴾ حجب أنانيتنا ﴿واغفر لنا﴾ بشواهد هويتك ﴿وارحمنا﴾ برفع البينونة من بيننا ﴿أنت مولانا﴾ وولينا في رفع وجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ بجذبات عنايتك وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الأثنينية التي تمنعنا من وحدتك.
القراءات :﴿فيغفر لمن يشاء﴾ بإدغام الراء في اللام : أبو عمرو. وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام ﴿فيغفر﴾ و ﴿يعذب﴾ برفع الراء والباء : يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب. وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم ﴿ويعذب من يشاء﴾ كل القرآن. ﴿وكتابه﴾ حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿وكتبه﴾ جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب. الباقون بالنون ﴿أخطأنا﴾ مثل ﴿فادارأتم﴾[البقرة: ٧٢].
الوقوف :﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿به الله﴾ ط لمن قرأ ﴿فيغفر﴾ بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف. ﴿من يشاء﴾ ط. ﴿قدير﴾ ه ﴿والمؤمنون﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه. ﴿المصير﴾ ه، ﴿وسعها﴾ ط ﴿ما اكتسبت﴾ ط ﴿أو أخطأنا﴾ ج ﴿من قبلنا﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿لنا به﴾ ج ﴿واعف عنه﴾ وقفة ﴿واغفر لنا﴾ كذلك ﴿واحمنا﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿الكافرين﴾ ه.
الوقوف :﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿به الله﴾ ط لمن قرأ ﴿فيغفر﴾ بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف. ﴿من يشاء﴾ ط. ﴿قدير﴾ ه ﴿والمؤمنون﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه. ﴿المصير﴾ ه، ﴿وسعها﴾ ط ﴿ما اكتسبت﴾ ط ﴿أو أخطأنا﴾ ج ﴿من قبلنا﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿لنا به﴾ ج ﴿واعف عنه﴾ وقفة ﴿واغفر لنا﴾ كذلك ﴿واحمنا﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿الكافرين﴾ ه.
التفسير : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف كالصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والصداق والخلع والإيلاء والإرضاع والبيع والربا والمداينة، ختم السورة بكلام دل على كماله ملكه وهو قوله :﴿لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ وعلى كمال علمه وهو قوله ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ وعلى كمال قدرته وهو قوله ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ وفي ذلك غاية الوعد للمطيعين ونهاية الوعيد للمذنبين. وعن أبي مسلم أنه لما قال : والله بما تعملون عليم. ذكر عليه دليلاً عقلياً فإن من كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع الفاخرة لا بد أن يكون محيطاً بأجزائها وجزئياتها. وقيل : لما أمر بالوثائق من الكتبة والأشهاد والرهن، ذكر ما علم منه أن المقصود يرجع إلى الخلق وأنه منزه على الانتفاع به. وقال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه لما أوعد على كتمان الشهادة ذكر أن له ما في السماوات وما في الأرض فيجازي على الكتمان والإظهار. عن ابن عباس وأبي هريرة واللفظ له :" لما نزل ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ. فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب فقالوا : أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير "
فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله عزّ وجل :﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال : نعم ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال : نعم، ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ قال نعم ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال نعم.
واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها في الوجود فقد قيل : إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى :﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾
[البقرة: ٢٢٥] وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب، ثم قال بعضهم : إنما يؤاخذ بها الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه. نعم يبتليه في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب. وروت أنها سألت النبي ﷺ عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه. وقيل : إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما روي أنه ﷺ قال بعد نزول قوله ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا " وقيل : معنى قوله ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية، وعلى هذا فلا حاجة إلى التزام النسخ. وكذا لو قيل : إن معنى كونه حسيباً ومحاسباً كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ. وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل ﴿ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ مستولِ على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد والإعدام.
| بيني وبينك إنيَّ يزاحمني | فارفع بجودك إنّي من البين |
القراءات :﴿فيغفر لمن يشاء﴾ بإدغام الراء في اللام : أبو عمرو. وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام ﴿فيغفر﴾ و ﴿يعذب﴾ برفع الراء والباء : يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب. وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم ﴿ويعذب من يشاء﴾ كل القرآن. ﴿وكتابه﴾ حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿وكتبه﴾ جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب. الباقون بالنون ﴿أخطأنا﴾ مثل ﴿فادارأتم﴾[البقرة: ٧٢].
الوقوف :﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿به الله﴾ ط لمن قرأ ﴿فيغفر﴾ بالرفع على الاستئناف أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف. ﴿من يشاء﴾ ط. ﴿قدير﴾ ه ﴿والمؤمنون﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه. ﴿المصير﴾ ه، ﴿وسعها﴾ ط ﴿ما اكتسبت﴾ ط ﴿أو أخطأنا﴾ ج ﴿من قبلنا﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿لنا به﴾ ج ﴿واعف عنه﴾ وقفة ﴿واغفر لنا﴾ كذلك ﴿واحمنا﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿الكافرين﴾ ه.