التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ

عن الكتاب
﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ الآية : مقتضاها المحاسبة على ما في نفوس العباد من الذنوب، سواء أبدوه أم أخفوه، ثم المعاقبة على ذلك لمن يشاء الله أو الغفران لمن شاء الله، وفي ذلك إشكال لمعارضته لقول رسول الله ﷺ :" إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها "، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة :" أنه لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا أهلكنا إن حوسبنا على خواطر أنفسنا، فقال لهم النبي ﷺ : قولوا سمعنا وأطعنا، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك :﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، فكشف الله عنهم الكربة، ونسخ بذلك هذه الآية "، وقيل : هي في معنى كتم الشهادة وإبدائها، وذلك محاسب به، وقيل : يحاسب الله خلقه على ما في نفوسهم، ثم يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين والمنافقين، والصحيح التأويل الأول لوروده في الصحيح، وقد ورد أيضا عن ابن عباس وغيره، فإن قيل : إن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فالجواب : أن النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة وذلك حكم يصح دخول النسخ فيه، فلفظ الآية خبر، ومعناها حكم.
﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب﴾ قرئ بجزمهما عطفا على يحاسبكم وبرفعهما على تقدير فهو يغفر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى