تفسير ابن عرفة — ابن عرفة

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض. . .﴾(١).
احتجوا بها على أنّ أعمال العباد مخلوقة لله لأنّها ( مما )(٢) في السماوات وما في الأرض. واحتجّوا بها على أن السّماء بسيطة إذ لو كانت كروية لكانت الأرض ( مما )(٣) فيها ولم يكن لقوله :﴿وَمَا فِي الأرض﴾ فَائِدَة ؟
وأجيب : بأن ذكرها بالمطابقة أولى من ذكرها بالتضمّن والالتزام، لأنها مشاهدة مرئية، ومذهب ( المتقدمين أنها بسيطة ومذهب )(٤) المتأخرين أنها كروية.
قال الغزالي في النّهاية(٥) ولا ينبني على ذلك الكفر ولا إيمان.
قوله تعالى :﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله. . .﴾.
من إقامة المسبب مقام سببه لأن المحاسبة ( عليه )(٦) متسبّبة عن العلم به أي يعلمه الله فيحاسبكم عليه، وما في النّفس إن كان وسوسة وترددا من غير جزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به ( وإن كان على سبيل الجزم والمواطأة عليه فإما أن يكون له أثر في الخارج أو لا. فإن كان قاصرا على نفس الإنسان ولا أثر له في الخارج كالإيمان والكفر خلاف في المؤاخذة، وإن كان له أثر في الخارج فإن تمّ بإثره فلا خلاف في المؤاخذة )(٧)، كمن يعزم على السرقة ويسرق أو على القتل ويقتل، وإن عزم عليه في نفسه ورجع عن فعله في الخارج فإن كان اختيارا لغير مانع فلا خلاف في عدم المؤاخذة به، بل ذكروا أنه يؤجر على ذلك كما في بعض طرق الحديث ( إن )(٨) تركها ( مأجور )(٩)، وإن رجع عنه لمانع منه ففي المؤاخذة به قولان.
هذا محصول ما ذكره القاضي أبو الفضل عياض في الإكمال :« إذا هم العبد بسيئة فلم يعملها » الحديث ذكره مسلم في كتاب الإيمان(١٠).
قال ابن عرفة : والكفر خارج من هذا لقول الله تعالى :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾(١١). وحكى ابن عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة أنها لما نزلت قال الصحابة :« هلكنا إن حوسبنا بخواطرنا ». فأنزل الله ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ فمنهم من جعلها ناسخة(١٢).
وضعّفه ابن عطية لأنه خبر فلا ينسخ. قال لكن ورد أنهم لما قالوا : هلكنا، قال لهم النبي ﷺ قولوا :« سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا » فقالُوا فنزلت ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً﴾(١٣) فصح النسخ وتشبه الآية حيئنذ قول الله تعالى في الأنفال :﴿إِن يَكُن منكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ﴾(١٤). ثم نسخت بصبر المائة للمائتين(١٥).
قال ابن عرفة : آية الأنفال ليس فيها إلا النسخ لأنّه رفع كلّ الحكم ( وآيَتُنَا )(١٦) هذه تحتمل النسخ والتخصيص كما قال بعضهم(١٧).
قال ابن عرفة : ونظير الآية ما خرج مسلم في كتاب الإيمان عن علقمة عن عبد الله قال : لما نزلت
﴿الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن﴾(١٨) شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ( وقالوا أيّنا لم يظلم نفسه )(١٩) فقال لهم عليه الصلاة والسلام :« ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه :﴿يا بني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ »(٢٠) (٢١).
قال ابن عرفة : وذكر الفقهاء الخلاف إذا شهد شاهدان لرجل بشيء مظروف في شيء وماتا أو غابا هل يكون له الظرف ( أم لا )(٢٢) ؟ قالوا : إن كان الظرف من ضرورياته لا يمكن أن يجعل إلا فيه كالزيت [ ٦٨ظ ] والخل فهو له بما / فيه باتفاق. وإن لم يكن من ضرورياته كجبّة في صندوق أو في ( صرّ )(٢٣) ففي كون الظرف له خلاف.
وذكره ابن الحاجب في كتاب الإقرار قال فيه ما نصه : وثوب في صندوق أو منديل ففي لزوم ظرفه قولان بخلاف زيت في جرة، وجبة وبطانتها، وخاتم وفصه، أي يقبل قوله.
قال ابن عرفة : والآية حجة لمن يقول شهادتهما بالمظروف يستلزم الظرف لأن كون ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يستلزم أن السماوات نفسها له.
قَال ابن عرفة : الآية حجة أيضا لمن يقول : إن الطلاق بالنية ( لا )(٢٤) يلزم عندنا وفيه خلاف والمشهور أنه غير لازم.
قوله تعالى :﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ. . .﴾.
قال الزمخشري : وقرىء فَيَغْفِرْ ( بالجزم )(٢٥) (٢٦) في جواب الشرط(٢٧).
ورده أبو حيان بأن النحويين نصّوا على أن الفاء إنما تنصب في الأجوبة الثمانية ولم يعدوا منها الشرطية(٢٨). فجعله معطوفا على مصدر مقدر فيكون من عطف الفعل على الاسم الملفوظ به.
ونص الشلوبين على أنّ قول ( النحويين )(٢٩) الأجوبة الثمانية ليس على ظاهره بل مرادهم كل ما ليس واجبا أعني ما ليس بخبر فيدخل فيه الشرط.
وتحامل الزمخشري هنا ( وأساء الأدب )(٣٠) على السوسي(٣١) من طريق أبي عمرو(٣٢) وخطّأه كما خطّأ ( الصيمري )(٣٣) في تبصرته(٣٤) ( والزّجاج )(٣٥) (٣٦) وكذا خطأ ابن عامر(٣٧) في قراءته ﴿وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ منَ المشركين قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾(٣٨) ولكن تخطئته هنا لأبي عمرو من طريق السوسي أشنع.
قال ابن عطية : هنا عن النقاش :(٣٩)فيغفر لمن يشاء ( أي )(٤٠) لمن ( ينزع )(٤١) عنه، ويعذب من يشاء أي من أقام عليه(٤٢).
قال ابن عرفة : وهذا نحو ما قال الزمخشري، وفيه إيهام الاعتزال.
قلت : لأنه يوهم أنّ المعاصي لا تغفر إلا بالتوبة ومذهب أهل السنّة أنه يجوز أن يغفر له وإن لم يتب ( منها )(٤٣) إلاّ الكفر(٤٤).
قوله تعالى :﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال ابن عرفة : لفظ ( شيء ) يطلق على المعدوم والموجود فأفاد أنّه على كل شيء مما في السماوات والأرض ومما هو خارج ( عنهما )(٤٥) قدير. قال ( والفضاء الذي بين السماء والأرض تقول إنّه عامر وإنه خارج عنها وهي مسألة الخَلاء والملاء )(٤٦) ونقول : تناولت الآية الأمر الحالي والماضي ونفي المستقبل غير داخل فيها فلذلك قال :﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ليدخل المستقبل(٤٧).
١ - ما سيورده الأبي هنا من تفسير يتفق مع ما جاء عند البسيلي..
٢ - أ ب: ما..
٣ - أ ب: نقص..
٤ - أ ج: نقص..
٥ - نهاية الغور في مسائل الدور للإمام أبي حامد الغزالي. انظر كشف الظنون ١٩٨٨..
٦ - أ ب ج: عليها..
٧ - د: نقص..
٨ - ج: انه..
٩ - من جواي – هـ: هو مرائي..
١٠ - نص الحديث: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة رواه البخاري في كتاب الرقاق (باب: من هم بحسنة أو سيئة) ورواه مسلم في كتاب الإيمان (باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب – وروى البخاري أيضا قريبا منه عن أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب التوحيد (باب: قول الله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله)..
١١ - سورة النساء الآية: ١١٦..
١٢ - مقولة ابن عطية: وقال ابن عباس وأبو هريرة والشعبي وجماعة من الصحابة والتابعين: إن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب محمد ﷺ وقالوا: "هلكنا يا رسول الله إن حوسبنا بخواطر نفوسنا". وشق ذلك على النبي ﷺ لكنه قال لهم: أتريدون أن تقولوا كما قالت بنو إسرائيل {سمعنا وعصينا} – بل قولوا ﴿سمعنا وأطعنا﴾ فقالوا – فأنزل الله بعد ذلك ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. فكشف عنهم الكرب. المحرر ٢/٣٨١..
١٣ - هذا الحديث أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا نحوه..
١٤ - سورة الأنفال الآية: ٦٥..
١٥ - وذلك في قوله تعالى: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ – الأنفال الآية: ٦٦ -.
١٦ - ج: انتفاء..
١٧ - إلى هنا ينتهي الاتفاق بين تقييد الأبي والبسيلي في تفسير هذا الجزء من الآية وما سيتلو فهو مما انفرد به الأبي باستثناء مقولة ابن عرفة الأخيرة فهي مشتركة وموقعها عند البسيلي في نهاية النقل المشترك..
١٨ - سورة الأنعام الآية: ٨٢..
١٩ - أ: نقص..
٢٠ - صحيح مسلم: كتاب الإيمان وإخلاصه. انظر النووي على مسلم ٢/١٤٢ و ١٤٣ رقم ١٢٧..
٢١ - سورة لقمان الآية: ١٣..
٢٢ - أ: نقص..
٢٣ - أ ب ج: مصر..
٢٤ - د هـ: نقص..
٢٥ - قرأ عاصم وابن عامر: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾. برفع الراء والباء على الاستئناف وقرأ الباقون بالجزم فيها عطف على يحاسبكم به الله". انظر حجة القراءات ص ١٥٢..
٢٦ - أ ب ج د هـ: بالنصب والتصحيح من الكشاف ١/٤٠٧..
٢٧ - الكشاف ١/٤٠٧..
٢٨ - البحر المحيط ٢/٣٦٠..
٢٩ - د: النجاة..
٣٠ - د: وانما الأقرب..
٣١ - أبو أشهب صالح بن زياد السوسي المتوفى سنة ٢٦١هـ. مقرئ ضابط أخذ القراءة عرضا وسماعا عن أبي محمد اليزيدي قراءة أبي عمرو وقرأ على حفص قراءة عاصم. انظر حجة القراءات ص ٥٥..
٣٢ - زيان بن العلاء التميمي المازني البصري (٦٨هـ -١٥٤هـ) أحد القراء السبعة انظر غاية النهاية في طبقات القراء ١/٢٨٨..
٣٣ - أ ب ج: البصري..
٣٤ - عبد الله بن علي بن إسحاق الصيمري (أبو محمد) نحوي من آثاره تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي. انظر كحالة ٦/٨٧..
٣٥ - ج: نقص..
٣٦ - الراجح أن مقولة الزجاج استمدها الشيخ ابن عرفة من كتاب معاني القرآن وهو ما يزال مخطوطا توجد منه عدة أجزاء مصورة بمعهد إحياء المخطوطات بالجامعة العربية أرقامها: ٢٤٧ – ٢٤٨ – ٢٤٩ – ٢٥٠ – ٢٥١ – ٢٥٢ – معظمها مصور من مكتبات تركيا وتوجد منه نسخة أخرى بدار الكتب المصرية رقمها ١١١ تبتديء من سورة النساء إلى سورة هود..
٣٧ - قرأ ابن عامر: وكذلك زين: بضم الزاي. (قتل) بالرفع (أولادهم) بالنصب (شركائهم) بالخفض (زين) على ما لم يسم فاعله (قتل) اسم ما لم يسم فاعله نصب (أولادهم) بوقوع الفعل عليهم (شركائهم) جر بالإضافة على تقدير (قتل شركائهم أولادهم) فرق بين المضاف والمضاف إليه وحجته قول الشاعر:
فزججتها متمكنا زج – القلوص – أبي مزادة
أراد (زج أبي مزادة القلوص) وأهل الكوفة يجوزون الفرق بين المضاف والمضاف إليه. انظر حجة القراءات ص٢٧٣..

٣٨ - سورة الأنعام الآية: ١٣٧..
٣٩ - محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون النقاش (٢٦٦/٣٥١هـ -٨٨٠/٩٦٢م) مقرئ ومفسر. انظر كحالة ٩/٢١٤. الزركلي ٦/٣١٠..
٤٠ - أ: نقص..
٤١ - أ ب ج هـ: يفزع. والتصحيح من د وهو الموافق لما في المحرر ٢/٣٨٤..
٤٢ - المحرر الوجيز ٢/٣٨٤..
٤٣ - أ ب ج: نقص..
٤٤ - كل ما ذكر هنا البسيلي في تفسير قوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾: هو عين ما نقل البسيلي في تقييده..
٤٥ - أ ب ج: عنها..
٤٦ - د: نقص..
٤٧ - ما قاله البسيلي في تقييده أيضا هو عين ما ذكر هنا من جهة المعنى..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى