اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
في كيفية النَّظم وجوهٌ :
الأول : لما بيَّن في الآيةِ المتقدِّمة كمال المُلْكِ والعلم والقُدرةِ له – تعالى-، وأنَّ ذلك يوجب كمال صفة الرُّبُوبيَّة، أَتْبَع ذلك ببيان كون المؤمن في نهاية الانقياد والطَّاعة والخُضُوع لله - تعالى -، وذلك هو كمالُ العُبُوديَّة.
الثاني : أنه - تعالى - لَمَّا قال :﴿إِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبيَّن أنه لا يخفى عليه من سِرِّنا وجهرنا شيءٌ اَلبتَّة، ذكر عقيب ذلك ما يَجْرِي مُجْرَى المَدْحِ لنا ؛ فقال :﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ كأنَّهُ بفضله يقول : عبدي، أنا وإن كُنْتُ أعلم جميع أحوالِك، فلا أَذكُرُ مِنها إِلاَّ ما يكون مدحاً لك، حتى تَعْلَمَ أَنِّي الكامِلُ في العِلم والقُدْرَة، فأنا كامِلٌ في الجُودِ والرَّحْمَةِ، وفي إِظهارِ الحسناتِ، وفي السَّتْرِ على السَّيِّئَاتِ.
الثالث : أنه بَدَأَ السُّورة بمدح المُتَّقين ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] بيَّن في آخر السُّورة أنَّ الَّذِين مدحهُم في أوَّل السُّورة هم أُمَّةُ محمَّدٍ - ﷺ - فقال :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ وهذا هو المراد بقوله في أَوَّل السُّورة :﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال هاهنا ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وهو المراد بقوله في أَوَّل السُّورة :﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال هاهنا ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ وهو المراد بقوله أَوَّل السُّورة :﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] ثم حكى عنهم هاهنا كيفيَّة تضرُّعِهِمِ في قولهم :﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا. . .﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخر السُّورَة، وهو المراد بقوله أَوَّل السورة :﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥].

فصلٌ في بيان سبب النُّزُول


قال القرطبيُّ(١) : سبب نزول هذه الآية : الآيةُ الَّتِي قبلها، وهو قوله :﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] " فإنه لمَّا نزل هذا على النَّبيِّ ﷺ اشتدَّ ذلك على أصحابِ رسُولِ الله - ﷺ - فَأَتَوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ثم بَرَكُوا على الرُّكب، فقالوا : أي رسولَ اللهِ - ﷺ - إذْ كُلِّفْنَا من الأَعمالِ ما نُطِيق ؛ الصَّلاة والصِّيام والجِهَادُ، وقد أُنزِل عليكَ هذه الآيةُ ولا نُطِيقُهَا، فقال رسُول الله - ﷺ - :" أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ من قَبْلِكُمْ : سَمِعنَا وعَصَيْنَا، بل قولُوا : سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ " فلما قَرَأَها القومُ وذَلَّت بها أنْفُسُهْم، أَنزَل اللهُ في إِثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ إلى قوله :﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلُوا ذلك، نسخَها اللهُ، فأنزلَ اللهُ ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال : نعم، ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ قال : نعم ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال : نعم ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال : نعم "
أخرجهُ مسلمٌ، عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه(٢) -.

فصلٌ


معنى قوله :﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ : أنه عَرَفَ بالدَّلائل القاهرة ؛ أن هذا القُرْآن وجُملة ما فيه من الشَّرائع والأَحكامِ مُنزَّلٌ من عِندِ الله - تعالى -، وليس من إلقاء الشَّيَاطين ولا السِّحر والكهانة، بل بما ظَهر من المُعجزات على يد جبريل - عليه الصَّلاة والسَّلام -.
وقوله :﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ فيه احتمالان :
أحدهما : أَنَّهُ يَتِمُّ الكلامُ عند قوله - تعالى - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، فيكُونُ المعنى : آمَن الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ بما أُنزِل إِلَيهم من ربِّهم، ثم ابتدأ [ بعد ] ذلك بقوله :﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ والمعنى : كُلُّ أحَدٍ من المذكُورين وهم الرَّسُول والمُؤْمِنُون آمَنَ بالله.
والاحتمال الثَّاني : أن يتمَّ الكلامُ عند قوله :﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ ثم يَبْتَدِىءُ ﴿الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ ويكون المعنى : أن الرَّسول آمَنَ بكُلِّ ما أُنزلَ إليه من ربِّه، وأمَّا المُؤْمِنُونَ فإِنَّهم آمَنُوا بالله ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ.
فالوجه الأول يشعر بأنه - عليه السَّلام - ما كان مؤمناً بِرَبِّه، ثم صار مُؤْمِناً به، ويَحْتمِلُ عدم الإِيمان إلى وقت الاستدلالِ.
وعلى الوجه الثاني يُشْعِر اللَّفْظُ بأنَّ الَّذِي حدث هو إيمانُهُ بالشَّرائع التي نَزَلَتْ عليه ؛ كما قال - تعالى - ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ﴾
[الشورى: ٥٢] فأمَّا الإِيمانُ بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ على الإِجمال، فقد كان حاصلاً منذُ خُلِقَ من أَوَّل الأَمْرِ، وكيف يُسْتَبْعَدُ ذلك مع أَنَّ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - حين انفصَلَ عن أُمِّهِ، قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠] فإذا لم يَبْعُد أن يكُونَ عيسى رسولاً من عند اللهِ حين كان طِفْلاً، فكيف يُستبعد أن يقال : إن محمَّداً كان عارفاً بربِّه من أَوَّل [ مَا ] خُلِقَ كامل العقلِ.

فصلٌ


دلَّت الآية على أنَّ الرَّسُول آمَنَ بما أُنزِل إليه من رَبِّه، والمؤْمِنُون آمَنُوا بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وإنما خُصَّ الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسَّلام - بذلك ؛ لأنَّ الذي أُنزِل إليه من رَبِّه قد يكُونُ كلاماً مَتْلُوّاً يسمعهُ الغير ويعرِفُه، فيمكنُه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمُه سواه فيكونُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - مُختصّاً بالإيمان به، ولا يتمكَّنُ غيره من الإِيمان به، فلهذا السَّبب كان الرَّسُول - ﷺ - مختصّاً في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره.
قوله تعالى :﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ : يجوزُ فيه وجهان :
أحدهما : أنه مرفوعٌ بالفاعلية عطفاً على " الرَّسُول " - عليه الصَّلاة والسَّلام - فيكونُ الوقفُ هنا، ويدُلُّ على صحَّةِ هذا قراءةُ عليّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه - :" وَآمَنَ المُؤْمِنُونَ "، فأَظْهَرَ الفعلَ، ويكون قوله :" كُلٌّ آمَنَ " جملةً من مبتدأ وخبر يدُلُّ على أنَّ جميع مَنْ تقدَّم ذكره آمَنَ بما ذكر.
والثاني : أن يكون " المُؤْمِنُونَ " مبتدأٌ، و " كلٌّ " مبتدأ ثانٍ، و " آمَنَ " خبرٌ عن " كُلّ " وهذا المبتدأ وخبرُه خبرُ الأوَّل ؛ وعلى هذا فلا بُدَّ من رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين ما أخبر بها عنه، وهو محذوفٌ، تقديرُه :" كُلٌّ مِنْهُمْ " وهو كقولهم :" السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ "، تقديرُه : مَنَوَانِ مِنْهُ، قال الزمخشريُّ :" والمؤمنُونَ إن عُطِفَ على الرسول، كان الضّميرُ الذي التنوينُ نائبٌ عنه في " كُلّ " راجعاً إلى " الرَّسُول " - ﷺ - و " المُؤْمِنُونَ " أي : كلُّهم آمَنَ بالله ومَلاَئِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ من المذكورين. ووُقِفَ عليه، وإن كان مبتدأً كان الضميرُ للمؤمنين ".
فإن قيل : هل يجوزُ أَنْ يكون " المُؤْمِنُونَ " مبتدأ، و " كُلٌّ " تأكيد له، و " آمَنَ " [ خبر هذا ] المبتدأ ؟ فالجوابُ : أنَّ ذلك لا يجوزُ ؛ لأنهم نَصُّوا على أَنَّ " كُلاًّ " وأخواتها لا تقعُ تأكيداً للمعارف، إلا مضافةٌ لفظاً لضميرِ الأولِ، ولذلك ردُّوا قولَ مَنْ قال : إِنَّ كُلاًّ في قراءة مَنْ قَرَأَ :﴿إِنَّا كُلاًّ فِيهَا﴾ [غافر: ٤٨] تأكيدٌ لاسم " إِنَّ " وقرأ الأَخَوان(٣) هنا " وَكِتَابِهِ " بالإِفراد، والباقون بالجمعِ، وفي سورة التحريم [ آية١٢ ] قرأ أبو عمرو وحفصٌ عن عاصم بالجَمْع، والباقون بالإفراد، فتلخّصَ من ذلك أنَّ الأخوين يَقْرَآن بالإِفراد في الموضعين، [ وأنَّ أبا عمرو وحفصاً يقْرآن بالجمعِ في الموضعَيْن ]، وأنَّ نافعاً وابن كثير وابن عامر وأبا بكر عن عاصمٍ قَرَءُوا بالجمع هنا، وبالإِفرادِ في التحريم.
فأمَّا الإِفرادُ، فإنه يُراد به الجنسُ، لا كتابٌ واحدٌ بعينه، وعن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - :" الكتَابُ أكثرُ من الكُتُب " قال الزمخشريُّ : فإنْ قلت : كيف يكون الواحدُ أكثرَ من الجمعِ ؟ قلت : لأنه إذا أُريد بالواحدِ الجنسُ، والجنسيةُ قائمةٌ في وحداتِ الجنس كُلِّها، لَمْ يَخْرُج منه شيءٌ، وأمَّا الجمعُ، فلا يَدْخُل تحته إلاَّ ما فيه الجنسية من الجُمُوع. قال أبو حيان :" وليس كما ذكر ؛ لأنَّ الجمعَ متى أُضيفَ، أو دَخَلَتْه الألفُ واللامُ [ الجنسية ]، صارَ عامّاً، ودلالةُ العامِّ دلالةٌ على كلِّ فردٍ فردٍ، فلو قال :" أَعْتَقْتُ عَبِيدِي "، لشمل ذلك كلَّ عَبْدٍ له، ودلالةُ الجمعِ أظهرُ في العموم من الواحدِ، سواءٌ كانت فيه الألف واللام أو الإِضافة، بل لا يُذهَبُ إلى العموم في الواحد، إلاَّ بقرينةٍ لفظيَّةٍ، كأَنْ يُسْتَثْنَى منه أو يوصفَ بالجمع ؛ نحو :﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [العصر: ٢-٣] " أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ " أو قرينةٍ معنويةٍ ؛ نحو :" نِيَّة المُؤْمِنِ أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ " وأقصى حالِهِ : أن يكونَ مثل الجمعِ العامِّ، إذا أريد به العموم ". قال شهاب الدِّين(٤) : للناس خلافٌ في الجمع المحلَّى بأَلْ أو المضافِ : هل عمومُه بالنسبةِ إلى مراتبِ الجموعِ، أم إلى أعمَّ من ذلك، وتحقيقُه في علم الأُصُول.
وقال الفارسيُّ : هذا الإِفرادُ ليس كإفراد المصادر، وإن أريدَ بها الكثيرُ ؛ كقوله تعالى :﴿وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤] ولكنه كما تُفْرَدُ الأسماءُ التي يُرَاد بها الكثرةُ، نحو : كَثُرَ الدِّينَارُ والدِّرهمُ، ومجيئها بالألف واللام أكثرُ من مجيئها مضافةً، ومن الإِضافةِ :{ وَإِن تَعُدُّواْ
١ - ينظر: تفسير القرطبي ٣/٢٧٥..
٢ - تقدم..
٣ - يعني حمزة والكسائي، وانظر: السبعة ١٩٥، ١٩٦، والكشف ١/٣٢٣، والحجة ٢/٤٥٥، وحجة القراءات ١٥٢، ١٥٣، والعنوان ٧٦، وشرح الطيبة ٤/١٣٨، وشرح شعلة ٣٠٧، وإعراب القراءات ١/١٠٦، وإتحاف ١/٤٦٢..
٤ - ينظر: الدر المصون ١/٦٩٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى