تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
﴿ذلك الكتاب﴾.
مبدأ كلام لا اتصال له في الإعراب بحروف ﴿الم﴾ [البقرة: ١] كما علمتَ مما تقدم على جميع الاحتمالات كما هو الأظهر. وقد جوز صاحب « الكشاف » علَى احتمال أن تكون حروف ﴿ألم﴾ مسوقة مساق التهجي لإظهار عجز المشركين عن الإتيان بمثل بعض القرآن، أَن يكون اسمُ الإشارة مشاراً به إلى ﴿الم﴾ باعتباره حرفاً مقصوداً للتعجيز، أي ذلك المعنى الحاصل من التهجي أي ذلك الحروف باعتبارها من جنس حروفكم هي الكتابُ أي منها تراكيبه فما أَعجزَكم عن معارضته، فيكون ﴿الم﴾ جملة مستقلة مسوقة للتعريض.
واسم الإشارة مبتدأ و ( الكتابُ ) خبراً. وعلى الأظهر تكون الإشارة إلى القرآن المعروف لَدَيْهم يومئذٍ واسم الإشارة مبتدأ و ( الكتاب ) بدل وخبرُه ما بعده، فالإشارة إلى ( الكتاب ) النازِل بالفعل وهي السور المتقدمة على سورة البقرة ؛ لأن كل ما نزل من القرآن فهو المعبر عنه بأنه القرآن وينضم إليه ما يلحق به، فيكون ( الكتاب ) على هذا الوجه أطلق حقيقة على ما كُتب بالفعل، ويكون قوله ( الكتاب ) على هذا الوجه خبراً عن اسم الإشارة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع القرآن ما نزل منه وما سينزل لأن نزوله مترقَّب فهو حاضر في الأذهان فشبه بالحاضر في العيان، فالتعريف فيه للعهد التقديري والإشارة إليه للحضور التقديري فيكون قوله ( الكتاب ) حينئذٍ بدلاً أو بياناً من ﴿ذلك﴾ والخبر هو ﴿لا ريب فيه﴾.
ويجوز الإتيان في مثل هذا باسم الإشارة الموضوع للقريب والموضوع للبعيد، قال الرضي(١) « وُضِع اسم الإشارة للحضور والقرببِ لأنه للمشار إليه حسًّا ثم يصح أن يشار به إلى الغائب فيصح الإتيان بلفظ البعد لأن المحكي عنه غائب، ويقل أن يذكر بلفظ الحاضر القريب فتقول جاءني رجل فقلت لذلك الرجل وقلت لهذا الرجل، وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة والبعد كما تقول :« واللَّهِ وذلك قسم عظيم » لأن اللفظ زال سماعه فصار كالغائب ولكن الأغلب في هذا الإشارةُ بلفظ الحضور فتقول وهذا قسم عظيم » ا هـ، أي الأكثر في مثله الإتيان باسم إشارة البعيد ويقل ذكره بلفظ الحاضر، وعكس ذلك في الإشارة للقول.
وابن مالك في « التسهيل » سوَّى بين الإتيان بالقريب والبعيد في الإشارة لكلام متقدم إذ قال : وقد يتعاقبان ( أي اسم القريب والبعيد ) مشاراً بهما إلى ماوَلياه أي من الكلام، ومثَّله شارحه بقوله تعالى بعد قصة عيسى :﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ [آل عمران: ٥٨] ثم قال :﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ [آل عمران: ٦٢] فأشار مرة بالبعيد ومرة بالقريب والمشار إليه واحد، وكلام ابن مالك أوفق بالاستعمال إذ لا يكاد يحصر ما ورد من الاستعمالين فدعوى الرضي قلة أن يذكر بلفظ الحاضر دعوى عريضة.
وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير كلام مثلَ الإشارة إلى الكلام في جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضاً، ففي القرآن :﴿فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه﴾ [القصص: ١٥] فإذا كان الوجهان سواء كان ذلك الاستعمال مجالاً لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات الأحوال، ونحن قد رأيناهم يتخيرون في مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو أشد مناسبة لذلك المقام فدلنا على أنهم يعرِّفون مخاطبيهم بأغراض لا قبل لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء في أصل اللغة ليكون الترجيح لأحد الاستعمالين لا على معنى، مثل زيادة التنبيه في اسم الإشارة البعيد كما هنا، وكما قال خُفاف بن نَدْبة(٢) :
وقد يؤتى بالقريب لإظهار قلة الاكتراث كقول قيس بن الخَطِيم في « الحماسة » :
فلا جرم أن كانت الإشارة في الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن لجعله بعيد المنزلة. وقد شاع في الكلام البليغ تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عزة المنال لأن الشيء النفيس عزيز على أهله فمن العادة أن يجعلوه في المرتفعات صوناً له عن الدروس وتناول كثرة الأيدي والابتذال، فالكتاب هنا لما ذكر في مقام التحدي بمعارضته بما دلت عليه حروف التهجي في ﴿الم﴾ [البقرة: ١] كان كالشيء العزيز المنال بالنسبة إلى تناولهم إياه بالمعارضة أو لأنه لصدق معانيه ونفع إرشاده بعيد عمن يتناوله بهُجر القول كقولهم :﴿افتراه﴾ [يونس: ٣٨] وقولهم :﴿أساطير الأولين﴾ [الأنعام: ٢٥]. ولا يرد على هذا قوله :﴿وهذا كتاب أنزلناه﴾ [الأنعام: ٩٢] فذلك للإشارة إلى كتاب بين يدي أهله لترغيبهم في العكوف عليه والإتعاظ بأوامره ونواهيه. ولعل صاحب « الكشاف » بنى على مثل ما بنى عليه الرضي فلم يعُدَّ :﴿ذلك الكتاب﴾ تنبيهاً على التعظيم أو الاعتبار، فللَّه در صاحب « المفتاح » إذ لم يُغفل ذلك فقال في مقتضِيات تعريف المسند إليه بالإشارة :<< أوْ أنْ يقصد ببعده تعظيمه كما تقول في مقام التعظيم ذلك الفاضل وأولئك الفحول وكقوله عز وعلا :﴿الم ذلك الكتاب﴾ ذهاباً إلى بعده درجةً>>.
وقوله :﴿الكتاب﴾ يجوز أن يكون بدلاً من اسم الإشارة لقصد بيان المشار إليه لعدم مشاهدته، فالتعريف فيه إذن للعهد، ويكون الخبر هو جملة ﴿لا ريب فيه﴾، ويجوز أن يكون ( الكتاب ) خبراً عن اسم الإشارة ويكون التعريف تعريف الجنس فتفيد الجملة قصر حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجُزءين فهو إذن قصر ادِّعائي ومعناه ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب بناء على أن غيره من الكتب إذا نسبت إليه كانت كالمفقود منها وصفُ الكتاب لعدم استكمالها جميع كمالات الكتب، وهذا التعريف قد يعبر عنه النحاة في تعداد معاني لام التعريف بمعنى الدلالة على الكمال فلا يرد أنه كيف يحصر الكتاب في أنه الم أو في السورة أو نحو ذلك إذ ليس المقام مقام الحصر وإنما هو مقام التعريف لا غير، ففائدة التعريف والإشارة ظاهرية وليس شيء من ذلك لغواً بحال وإن سبق لبعض الأوهام على بعض احتمال.
و ( الكتاب ) فِعال بمعنى المكتوب إما مصدر كاتَب المصوغ للمبالغة في الكتابة، فإن المصدر يجىء بمعنى المفعول كالخَلق، وإما فعال بمعنى مَفعول كلِباس بمعنى ملبوس وعِماد بمعنى مَعمود به. واشتقاقه من كَتَب بمعنى جمع وضم لأن الكتاب تجمع أوراقه وحروفه، فإن النبيء ﷺ أمر بكتابة كل ما ينزل من الوحي وجعل للوحي كتاباً، وتسمية القرآن كتاباً إشارة إلى وجوب كتابته لحفظه. وكتابة القرآن فرض كفاية على المسلمين.
﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
حال من الكتاب أو خبر أول أو ثان على ما مر قريباً. والريب الشك وأصل الريب القلق واضطراب النفس، وريبُ الزمانِ وريبُ المنون نوائِب ذلك، قال الله تعالى :﴿نتربص به ريب المنون﴾ [الطور: ٣٠] ولما كان الشك يلزمه اضطراب النفس وقلقها غلب عليه الريب فصار حقيقة عرفية يقال رابه الشيء إذا شككه أي بِجَعلِ ما أوجب الشك في حاله فهو متعد، ويقال أرابه كذلك إذ الهمزة لم تكسبه تعدية زائدة فهو مثل لَحِق وأَلْحق، وزَلَقه وأزلقه وقد قيل إن أراب أضعف من راب أراب بمعنى قَرَّبه من أن يشك قاله أبو زيد، وعلى التفرقة بينهما قال بشار :
وفي الحديث : " دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك " أي دع الفعل الذي يقربك من الشك في التحريم إلى فعل آخر لا يدخل عليك في فعله شك في أنه مباح.
ولم يختلف متواتر القراء في فتح ﴿لا ريب﴾ نفياً للجنس على سبيل التنصيص وهو أبلغه لأنه لو رفعَ لاحتمل نفي الفرد دون الجنس فإن كان الإشارة بقوله :﴿ذلك﴾ إلى الحروف المجتمعة في ﴿الم﴾ على إرادة التعريض بالمتحَدَّيْنَ وكان قوله :﴿الكتاب﴾ خبراً لاسم الإشارة على ما تقدم كان قوله :﴿لا ريب﴾ نفياً لريب خاص وهو الريب الذي يعرض في كون هذا الكتاب مؤلفاً من حروف كلامهم فكيف عجزوا عن مثله، وكان نفي الجنس فيه حقيقة وليس بادعاء، فتكون جملة ﴿لا ريبَ﴾ منزَّلة منزِلةَ التأكيد لمفاد الإشارة في قوله :﴿ذلك الكتاب﴾ وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المجرور وهو قوله :﴿فيه﴾ متعلقاً بريب على أنه ظرف لغو فيكون الوقف على قوله :{ فيه، وهو مختار الجمهور على نحو قوله تعالى :{ وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه } [الشورى: ٧] وقوله :﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ [آل عمران: ٩] ويجوز أن يكون قوله :﴿فيه﴾ ظرفاً مستقراً خبراً لقوله بعده :﴿هدى للمتقين﴾ ومعنى « في » هو الظرفية المجازية العرفية تشبيهاً لدلالة اللفظ باحتواء الظرف فيكون تخطئة للذين أعرضوا عن استماع القرآن فقالوا :﴿لا تسمعوا لهذا القرآن﴾ [فصلت: ٢٦] استنزالاً لطائر نفورهم كأنه قيل هذا الكتاب مشتمل على شيء من الهدى فاسمعوا إليه ولذلك نكر الهدى أي فيه شيء من هدى على حد قول النبيء ﷺ لأبي ذر : " إنك امْرؤ فيك جاهلية " ويكون خبر ( لا ) محذوفاً لظهوره أي لا ريب موجود، وحذف الخبر مستعمل كثيراً في أمثاله نحو :﴿قالوا لا ضير﴾ [الشعراء: ٥٠] وقول العرب لا بأس، وقول سعد بن مالك :
أي لا بقاء في ذلك، وهو استعمال مجازي فيكون الوقف على قوله :﴿لا ريب﴾ وفي « الكشاف » أن نافعاً وعاصماً وقفا على قوله :﴿ريب﴾.
وإن كانت الإشارة بقوله : ذلك } إلى ﴿الكتاب﴾ باعتبار كونه كالحاضر المشاهد وكان قوله ﴿الكتاب﴾ بدلاً من اسم الإشارة لبيانه فالمجرور من قوله :﴿فيه﴾ ظرف لغو متعلق بريب وخبر لا محذوف على الطريقة الكثيرة في مثله، والوقف على قوله ﴿فيه﴾، فيه معنى نفي وقوع الريب في الكتاب على هذا الوجه نفي الشك في أنه منزل من الله تعالى لأن المقصود خطاب المرتابين في صدق نسبته إلى الله تعالى وسيجىء خطابهم بقوله :﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] فارتيابهم واقع مشتهر، ولكن نزل ارتيابهم منزلة العدم لأن في دلائل الأحوال ما لو تأملوه لزال ارتيابهم فنزل ذلك الارتياب مع دلائل بطلانه منزلة العدم. قال صاحب « المفتاح » :« ويقلبون القضية(٥) مع المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع فيقولون لمنكر الإسلام : الإسلام حق وقوله عز وجل في حق القرآن :﴿لا ريب فيه﴾ وكم من شقي مرتاب فيه وارد على هذا فيكون المركب الدال على النفي المؤكد للريب مستعملاً في معنى عدم الاعتداد بالريب لمشابهة حال المرتاب في وهن ريبه بحال من ليس بمرتاب أصلاً على طريقة التمثيل.
ومن المفسرين من فسر قوله تعالى :﴿لا ريب فيه﴾ بمعنى أنه ليس فيه ما يوجب ارتياباً في صحته أي ليس فيه اضطراب ولا اختلاف فيكون الريب هنا مجازاً في سببه ويكون المجرور ظرفاً مستقراً خبرَ ( لا ) فيَنظُر إلى قوله تعالى :﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢] أي إن القرآن لا يشتمل على كلام يوجب الريبة في أنه من عند الحق رب العالمين، من كلام يناقض بعضه بعضاً أو كلام يجافي الحقيقة والفضيلة أو يأمر بارتكاب الشر والفساد أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة، وانتفاء ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن إ
مبدأ كلام لا اتصال له في الإعراب بحروف ﴿الم﴾ [البقرة: ١] كما علمتَ مما تقدم على جميع الاحتمالات كما هو الأظهر. وقد جوز صاحب « الكشاف » علَى احتمال أن تكون حروف ﴿ألم﴾ مسوقة مساق التهجي لإظهار عجز المشركين عن الإتيان بمثل بعض القرآن، أَن يكون اسمُ الإشارة مشاراً به إلى ﴿الم﴾ باعتباره حرفاً مقصوداً للتعجيز، أي ذلك المعنى الحاصل من التهجي أي ذلك الحروف باعتبارها من جنس حروفكم هي الكتابُ أي منها تراكيبه فما أَعجزَكم عن معارضته، فيكون ﴿الم﴾ جملة مستقلة مسوقة للتعريض.
واسم الإشارة مبتدأ و ( الكتابُ ) خبراً. وعلى الأظهر تكون الإشارة إلى القرآن المعروف لَدَيْهم يومئذٍ واسم الإشارة مبتدأ و ( الكتاب ) بدل وخبرُه ما بعده، فالإشارة إلى ( الكتاب ) النازِل بالفعل وهي السور المتقدمة على سورة البقرة ؛ لأن كل ما نزل من القرآن فهو المعبر عنه بأنه القرآن وينضم إليه ما يلحق به، فيكون ( الكتاب ) على هذا الوجه أطلق حقيقة على ما كُتب بالفعل، ويكون قوله ( الكتاب ) على هذا الوجه خبراً عن اسم الإشارة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع القرآن ما نزل منه وما سينزل لأن نزوله مترقَّب فهو حاضر في الأذهان فشبه بالحاضر في العيان، فالتعريف فيه للعهد التقديري والإشارة إليه للحضور التقديري فيكون قوله ( الكتاب ) حينئذٍ بدلاً أو بياناً من ﴿ذلك﴾ والخبر هو ﴿لا ريب فيه﴾.
ويجوز الإتيان في مثل هذا باسم الإشارة الموضوع للقريب والموضوع للبعيد، قال الرضي(١) « وُضِع اسم الإشارة للحضور والقرببِ لأنه للمشار إليه حسًّا ثم يصح أن يشار به إلى الغائب فيصح الإتيان بلفظ البعد لأن المحكي عنه غائب، ويقل أن يذكر بلفظ الحاضر القريب فتقول جاءني رجل فقلت لذلك الرجل وقلت لهذا الرجل، وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة والبعد كما تقول :« واللَّهِ وذلك قسم عظيم » لأن اللفظ زال سماعه فصار كالغائب ولكن الأغلب في هذا الإشارةُ بلفظ الحضور فتقول وهذا قسم عظيم » ا هـ، أي الأكثر في مثله الإتيان باسم إشارة البعيد ويقل ذكره بلفظ الحاضر، وعكس ذلك في الإشارة للقول.
وابن مالك في « التسهيل » سوَّى بين الإتيان بالقريب والبعيد في الإشارة لكلام متقدم إذ قال : وقد يتعاقبان ( أي اسم القريب والبعيد ) مشاراً بهما إلى ماوَلياه أي من الكلام، ومثَّله شارحه بقوله تعالى بعد قصة عيسى :﴿ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم﴾ [آل عمران: ٥٨] ثم قال :﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ [آل عمران: ٦٢] فأشار مرة بالبعيد ومرة بالقريب والمشار إليه واحد، وكلام ابن مالك أوفق بالاستعمال إذ لا يكاد يحصر ما ورد من الاستعمالين فدعوى الرضي قلة أن يذكر بلفظ الحاضر دعوى عريضة.
وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير كلام مثلَ الإشارة إلى الكلام في جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضاً، ففي القرآن :﴿فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه﴾ [القصص: ١٥] فإذا كان الوجهان سواء كان ذلك الاستعمال مجالاً لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات الأحوال، ونحن قد رأيناهم يتخيرون في مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو أشد مناسبة لذلك المقام فدلنا على أنهم يعرِّفون مخاطبيهم بأغراض لا قبل لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء في أصل اللغة ليكون الترجيح لأحد الاستعمالين لا على معنى، مثل زيادة التنبيه في اسم الإشارة البعيد كما هنا، وكما قال خُفاف بن نَدْبة(٢) :
| أقول لَه والرمحُ يأطر مَتْنَه | تأمل خُفَافاً إِنني أَنَا ذلك(٣) |
| متَى يأتِ هذَا الموتُ لا يلفِ حاجة | لنفسيَ إلا قد قضيتُ قضاءها |
وقوله :﴿الكتاب﴾ يجوز أن يكون بدلاً من اسم الإشارة لقصد بيان المشار إليه لعدم مشاهدته، فالتعريف فيه إذن للعهد، ويكون الخبر هو جملة ﴿لا ريب فيه﴾، ويجوز أن يكون ( الكتاب ) خبراً عن اسم الإشارة ويكون التعريف تعريف الجنس فتفيد الجملة قصر حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجُزءين فهو إذن قصر ادِّعائي ومعناه ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب بناء على أن غيره من الكتب إذا نسبت إليه كانت كالمفقود منها وصفُ الكتاب لعدم استكمالها جميع كمالات الكتب، وهذا التعريف قد يعبر عنه النحاة في تعداد معاني لام التعريف بمعنى الدلالة على الكمال فلا يرد أنه كيف يحصر الكتاب في أنه الم أو في السورة أو نحو ذلك إذ ليس المقام مقام الحصر وإنما هو مقام التعريف لا غير، ففائدة التعريف والإشارة ظاهرية وليس شيء من ذلك لغواً بحال وإن سبق لبعض الأوهام على بعض احتمال.
و ( الكتاب ) فِعال بمعنى المكتوب إما مصدر كاتَب المصوغ للمبالغة في الكتابة، فإن المصدر يجىء بمعنى المفعول كالخَلق، وإما فعال بمعنى مَفعول كلِباس بمعنى ملبوس وعِماد بمعنى مَعمود به. واشتقاقه من كَتَب بمعنى جمع وضم لأن الكتاب تجمع أوراقه وحروفه، فإن النبيء ﷺ أمر بكتابة كل ما ينزل من الوحي وجعل للوحي كتاباً، وتسمية القرآن كتاباً إشارة إلى وجوب كتابته لحفظه. وكتابة القرآن فرض كفاية على المسلمين.
﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
حال من الكتاب أو خبر أول أو ثان على ما مر قريباً. والريب الشك وأصل الريب القلق واضطراب النفس، وريبُ الزمانِ وريبُ المنون نوائِب ذلك، قال الله تعالى :﴿نتربص به ريب المنون﴾ [الطور: ٣٠] ولما كان الشك يلزمه اضطراب النفس وقلقها غلب عليه الريب فصار حقيقة عرفية يقال رابه الشيء إذا شككه أي بِجَعلِ ما أوجب الشك في حاله فهو متعد، ويقال أرابه كذلك إذ الهمزة لم تكسبه تعدية زائدة فهو مثل لَحِق وأَلْحق، وزَلَقه وأزلقه وقد قيل إن أراب أضعف من راب أراب بمعنى قَرَّبه من أن يشك قاله أبو زيد، وعلى التفرقة بينهما قال بشار :
| أخوك الذي إن ربته قال إنما | أرَبْتَ وإن عاتبتَه لان جانبه(٤) |
ولم يختلف متواتر القراء في فتح ﴿لا ريب﴾ نفياً للجنس على سبيل التنصيص وهو أبلغه لأنه لو رفعَ لاحتمل نفي الفرد دون الجنس فإن كان الإشارة بقوله :﴿ذلك﴾ إلى الحروف المجتمعة في ﴿الم﴾ على إرادة التعريض بالمتحَدَّيْنَ وكان قوله :﴿الكتاب﴾ خبراً لاسم الإشارة على ما تقدم كان قوله :﴿لا ريب﴾ نفياً لريب خاص وهو الريب الذي يعرض في كون هذا الكتاب مؤلفاً من حروف كلامهم فكيف عجزوا عن مثله، وكان نفي الجنس فيه حقيقة وليس بادعاء، فتكون جملة ﴿لا ريبَ﴾ منزَّلة منزِلةَ التأكيد لمفاد الإشارة في قوله :﴿ذلك الكتاب﴾ وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المجرور وهو قوله :﴿فيه﴾ متعلقاً بريب على أنه ظرف لغو فيكون الوقف على قوله :{ فيه، وهو مختار الجمهور على نحو قوله تعالى :{ وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه } [الشورى: ٧] وقوله :﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ [آل عمران: ٩] ويجوز أن يكون قوله :﴿فيه﴾ ظرفاً مستقراً خبراً لقوله بعده :﴿هدى للمتقين﴾ ومعنى « في » هو الظرفية المجازية العرفية تشبيهاً لدلالة اللفظ باحتواء الظرف فيكون تخطئة للذين أعرضوا عن استماع القرآن فقالوا :﴿لا تسمعوا لهذا القرآن﴾ [فصلت: ٢٦] استنزالاً لطائر نفورهم كأنه قيل هذا الكتاب مشتمل على شيء من الهدى فاسمعوا إليه ولذلك نكر الهدى أي فيه شيء من هدى على حد قول النبيء ﷺ لأبي ذر : " إنك امْرؤ فيك جاهلية " ويكون خبر ( لا ) محذوفاً لظهوره أي لا ريب موجود، وحذف الخبر مستعمل كثيراً في أمثاله نحو :﴿قالوا لا ضير﴾ [الشعراء: ٥٠] وقول العرب لا بأس، وقول سعد بن مالك :
| من صد عن نيرانها | فأنا ابن قيس لا بَرَاحُ |
وإن كانت الإشارة بقوله : ذلك } إلى ﴿الكتاب﴾ باعتبار كونه كالحاضر المشاهد وكان قوله ﴿الكتاب﴾ بدلاً من اسم الإشارة لبيانه فالمجرور من قوله :﴿فيه﴾ ظرف لغو متعلق بريب وخبر لا محذوف على الطريقة الكثيرة في مثله، والوقف على قوله ﴿فيه﴾، فيه معنى نفي وقوع الريب في الكتاب على هذا الوجه نفي الشك في أنه منزل من الله تعالى لأن المقصود خطاب المرتابين في صدق نسبته إلى الله تعالى وسيجىء خطابهم بقوله :﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] فارتيابهم واقع مشتهر، ولكن نزل ارتيابهم منزلة العدم لأن في دلائل الأحوال ما لو تأملوه لزال ارتيابهم فنزل ذلك الارتياب مع دلائل بطلانه منزلة العدم. قال صاحب « المفتاح » :« ويقلبون القضية(٥) مع المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع فيقولون لمنكر الإسلام : الإسلام حق وقوله عز وجل في حق القرآن :﴿لا ريب فيه﴾ وكم من شقي مرتاب فيه وارد على هذا فيكون المركب الدال على النفي المؤكد للريب مستعملاً في معنى عدم الاعتداد بالريب لمشابهة حال المرتاب في وهن ريبه بحال من ليس بمرتاب أصلاً على طريقة التمثيل.
ومن المفسرين من فسر قوله تعالى :﴿لا ريب فيه﴾ بمعنى أنه ليس فيه ما يوجب ارتياباً في صحته أي ليس فيه اضطراب ولا اختلاف فيكون الريب هنا مجازاً في سببه ويكون المجرور ظرفاً مستقراً خبرَ ( لا ) فيَنظُر إلى قوله تعالى :﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء: ٨٢] أي إن القرآن لا يشتمل على كلام يوجب الريبة في أنه من عند الحق رب العالمين، من كلام يناقض بعضه بعضاً أو كلام يجافي الحقيقة والفضيلة أو يأمر بارتكاب الشر والفساد أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة، وانتفاء ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن إ
١ شرح كافية ابن الحاجب صفحة ٣٢ جزء ٢ طبع الآستانة..
٢ - خفاف بضم الخاء وتخفيف الفاء هو خفاف بن عمير وأمه ندبة أمة سوداء. وهي بفتح النون. وخفاف أحد فرسان العرب وشعرائهم ممن لقب بالغراب، وأغربة العرب سودانهم وهم خمسة جاهليون، وثمانية مسلمون، فاما الجاهليون فهو: عنترة، وخفاف، وأبو عمير بن الحباب، وسليك بن السلكة، وهشام بن عقبة بن أبي معيط، فخفاف وهشام أدركا الإسلام وعدا في الصحابة وشهدخفاف فتح مكة وأبلى البلاء الحسن. وأما الأغربة المسلمون فهم: تأبط شرا، والشنفرىى- عمرو بن براقة- وعبد الله بن حازم، وعمير بن أبي عمير وهمام بن مطرف، ومننتشر بن وهب، ومطر بن أبي أوفى، وحاجز بحاء ثم جيم ثم زاي معجمة غير منسوب..
٣ - يأطر مضارع أطر كنصر وضرب، بمعنى أحنى وكسر قال طرفة: * وأطر قسي فوق صلب مؤيد *.
٤ - أي إن فعلت معه ما يوجب شكه في مودتك راجع نفسك. وقال إنما قربني من الشك ولم أشك فيه، أي التمس لك العذر..
٥ - أي قضية التأكيد للخبر الموجه إلى منر مضون الخبر..
٢ - خفاف بضم الخاء وتخفيف الفاء هو خفاف بن عمير وأمه ندبة أمة سوداء. وهي بفتح النون. وخفاف أحد فرسان العرب وشعرائهم ممن لقب بالغراب، وأغربة العرب سودانهم وهم خمسة جاهليون، وثمانية مسلمون، فاما الجاهليون فهو: عنترة، وخفاف، وأبو عمير بن الحباب، وسليك بن السلكة، وهشام بن عقبة بن أبي معيط، فخفاف وهشام أدركا الإسلام وعدا في الصحابة وشهدخفاف فتح مكة وأبلى البلاء الحسن. وأما الأغربة المسلمون فهم: تأبط شرا، والشنفرىى- عمرو بن براقة- وعبد الله بن حازم، وعمير بن أبي عمير وهمام بن مطرف، ومننتشر بن وهب، ومطر بن أبي أوفى، وحاجز بحاء ثم جيم ثم زاي معجمة غير منسوب..
٣ - يأطر مضارع أطر كنصر وضرب، بمعنى أحنى وكسر قال طرفة: * وأطر قسي فوق صلب مؤيد *.
٤ - أي إن فعلت معه ما يوجب شكه في مودتك راجع نفسك. وقال إنما قربني من الشك ولم أشك فيه، أي التمس لك العذر..
٥ - أي قضية التأكيد للخبر الموجه إلى منر مضون الخبر..