معاني القرآن — الفراء
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾
يصلح فيه ( ذَلِكَ ) من جهتين، وتصلح فيه " هذا " من جهة :
فأما أحد الوجهين من " ذلك " فعلى معنى : هذه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أُوحِيه إليك.
والآخر أن يكون " ذلك " على معنى يصلح فيه " هذا " ؛ لأن قوله " هذا " و " ذلك " يصلحان في كل كلام إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه. ألا ترى أنك تقول : قد قدم فلان ؛ فيقول السامع : قد بلغنا ذلك، وقد بلغنا ذلك الخبر، فصلحت فيه " هذا " ؛ لأنه قد قرب من جوابه، فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه " ذلك " لانقضائه، والمنقضي كالغائب. ولو كان شيئا قائما يُرَى لم يجز مكان " ذلك " " هذا "، ولا مكان " هذا " " ذلك " وقد قال الله جل وعز :﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ إلى قوله :﴿وَكُلُّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾ ثم قال :﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾.
وقال جلّ وعزّ في موضع آخر :﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ ثم قال :﴿هَذَا ما تُوعَدُونَ لِيوْمِ الْحِسَابِ﴾. وقال جلّ ذكره :﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ ثم قال :﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد﴾. ولو قيل في مثله من الكلام في موضع " ذلك " : " هذا " أو في موضع " هذا " : " ذلك " لكان صوابا. وفي قراءة عبد الله بن مسعود " هَذَا فَذُوقُوهُ " وفي قراءتنا " ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ ".
فأما ما لا يجوز فيه " هذا " في موضع " ذلك " ولا " ذلك " في موضع " هذا " فلو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف : مَن هذا الذي معك ؟ ولا يجوز هاهنا : مَن ذلك ؟ لأنك تراه بعينه.
وأما قوله تعالى :﴿هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ﴾
فإنه رَفْع من وجهين ونَصْب من وجهين ؛ إذا أردت ب " الكتاب " أن يكون نعتًا ل " ذلك " كان الهُدَى في موضع رفع لأنه خبر ل " ذلك " ؛ كأنك قلت : ذلك هُدًى لا شكّ فيه. وإن جعلت ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ خبره رفعت أيضا ﴿هُدىً﴾ تجعله تابعا لموضع " لاَ رَيْبَ فِيهِ " ؛ كما قال الله عزّ وجلّ :﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْناهُ مُبَارَكٌ﴾ كأنه قال : وهذا كتاب، وهذا مبارك، وهذا من صفته كذا وكذا.
وفيه وجه ثالث من الرفع : إن شئت رفعته على الاستئناف لتمام ما قبله، كما قرأت القرّاء ﴿الم. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكيم. هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنينَ﴾ بالرفع والنصب. وكقوله في حرف عبد الله :﴿أَأَلِدُ وأَنا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخٌ﴾ وهي في قراءتنا " شَيْخاً ".
فأما النصب في أحد الوجهين فأن تجعل " الكتاب " خبرا ل " ذلك " فتنصب " هُدًى " على القطع ؛ لأن " هُدًى " نكرة اتصلت بمعرفة. قد تمّ خبرها فنصبتها ؛ لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة. وإن شئت نصبت " هُدىً " على القطع من الهاء التي في " فيه " ؛ كأنك قلت : لا شك فيه هاديا.
واعلم أن " هذا " إذا كان بعده اسم فيه الألف واللام جرى على ثلاثة معان :
أحدها - أن ترى الاسم الذي بعد " هذا " كما ترى " هذا " ففعله حينئذ مرفوع ؛ كقولك : هذا الحمار فارهٌ. جعلت الحمار نعتاً لهذا إذا كانا حاضرين، ولا يجوز ها هنا النصب.
والوجه الآخر - أن يكون ما بعد " هذا " واحدا يؤدّى عن جميع جنسه، فالفعل حينئذ منصوب ؛ كقولك : ما كان من السباع غير مخوف فهذا الأسد مخوفا ؛ ألا ترى أنك تخبر عن الأُسْد كلِّها بالخوف.
والمعنى الثالث - أن يكون ما بعد " هذا " واحدا لا نظير له ؛ فالفعل حينئذ أيضا منصوب. وإنما نصبت الفعل لأن " هذا " ليست بصفة للأسد إنما دخلت تقريبا، وكان الخبر بطرح " هذا " أجود ؛ ألا ترى أنك لو قلت : ما لا يضرّ من السباع فالأسد ضارّ، كان أبين. وأما معنى التقريب : فهذا أوّل ما أخبركم عنه، فلم يجدوا بدّا من أن يرفعوا هذا " بالأسد "، وخبره منتظر، فلما شغل الأسد بمرافعة " هذا " نصب فعله الذي كان يرافعه لخلوته. ومثله " والله غفور رحيم " فإذا أدخلت عليه " كان " ارتفع بها والخبر منتظر يتم به الكلام فنصبته لخلوته.
وأما نصبهم فعل الواحد الذي لا نظير له مثل قولك : هذه الشمس ضياء للعباد، وهذا القمر نوراً ؛ فإن القمر واحد لا نظير له، فكان أيضا عن قولك " هذا " مستغنيا ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : طلع القمر، لم يذهب الوهم إلى غائب فتحتاجَ أن تقول " هذا " لحضوره، فارتفع بهذا ولم يكن نعتا، ونصبت خبره للحاجة إليه.
يصلح فيه ( ذَلِكَ ) من جهتين، وتصلح فيه " هذا " من جهة :
فأما أحد الوجهين من " ذلك " فعلى معنى : هذه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أُوحِيه إليك.
والآخر أن يكون " ذلك " على معنى يصلح فيه " هذا " ؛ لأن قوله " هذا " و " ذلك " يصلحان في كل كلام إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه. ألا ترى أنك تقول : قد قدم فلان ؛ فيقول السامع : قد بلغنا ذلك، وقد بلغنا ذلك الخبر، فصلحت فيه " هذا " ؛ لأنه قد قرب من جوابه، فصار كالحاضر الذي تشير إليه، وصلحت فيه " ذلك " لانقضائه، والمنقضي كالغائب. ولو كان شيئا قائما يُرَى لم يجز مكان " ذلك " " هذا "، ولا مكان " هذا " " ذلك " وقد قال الله جل وعز :﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ إلى قوله :﴿وَكُلُّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾ ثم قال :﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾.
وقال جلّ وعزّ في موضع آخر :﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ ثم قال :﴿هَذَا ما تُوعَدُونَ لِيوْمِ الْحِسَابِ﴾. وقال جلّ ذكره :﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ ثم قال :﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيد﴾. ولو قيل في مثله من الكلام في موضع " ذلك " : " هذا " أو في موضع " هذا " : " ذلك " لكان صوابا. وفي قراءة عبد الله بن مسعود " هَذَا فَذُوقُوهُ " وفي قراءتنا " ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ ".
فأما ما لا يجوز فيه " هذا " في موضع " ذلك " ولا " ذلك " في موضع " هذا " فلو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف : مَن هذا الذي معك ؟ ولا يجوز هاهنا : مَن ذلك ؟ لأنك تراه بعينه.
وأما قوله تعالى :﴿هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ﴾
فإنه رَفْع من وجهين ونَصْب من وجهين ؛ إذا أردت ب " الكتاب " أن يكون نعتًا ل " ذلك " كان الهُدَى في موضع رفع لأنه خبر ل " ذلك " ؛ كأنك قلت : ذلك هُدًى لا شكّ فيه. وإن جعلت ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ خبره رفعت أيضا ﴿هُدىً﴾ تجعله تابعا لموضع " لاَ رَيْبَ فِيهِ " ؛ كما قال الله عزّ وجلّ :﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْناهُ مُبَارَكٌ﴾ كأنه قال : وهذا كتاب، وهذا مبارك، وهذا من صفته كذا وكذا.
وفيه وجه ثالث من الرفع : إن شئت رفعته على الاستئناف لتمام ما قبله، كما قرأت القرّاء ﴿الم. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكيم. هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنينَ﴾ بالرفع والنصب. وكقوله في حرف عبد الله :﴿أَأَلِدُ وأَنا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخٌ﴾ وهي في قراءتنا " شَيْخاً ".
فأما النصب في أحد الوجهين فأن تجعل " الكتاب " خبرا ل " ذلك " فتنصب " هُدًى " على القطع ؛ لأن " هُدًى " نكرة اتصلت بمعرفة. قد تمّ خبرها فنصبتها ؛ لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة. وإن شئت نصبت " هُدىً " على القطع من الهاء التي في " فيه " ؛ كأنك قلت : لا شك فيه هاديا.
واعلم أن " هذا " إذا كان بعده اسم فيه الألف واللام جرى على ثلاثة معان :
أحدها - أن ترى الاسم الذي بعد " هذا " كما ترى " هذا " ففعله حينئذ مرفوع ؛ كقولك : هذا الحمار فارهٌ. جعلت الحمار نعتاً لهذا إذا كانا حاضرين، ولا يجوز ها هنا النصب.
والوجه الآخر - أن يكون ما بعد " هذا " واحدا يؤدّى عن جميع جنسه، فالفعل حينئذ منصوب ؛ كقولك : ما كان من السباع غير مخوف فهذا الأسد مخوفا ؛ ألا ترى أنك تخبر عن الأُسْد كلِّها بالخوف.
والمعنى الثالث - أن يكون ما بعد " هذا " واحدا لا نظير له ؛ فالفعل حينئذ أيضا منصوب. وإنما نصبت الفعل لأن " هذا " ليست بصفة للأسد إنما دخلت تقريبا، وكان الخبر بطرح " هذا " أجود ؛ ألا ترى أنك لو قلت : ما لا يضرّ من السباع فالأسد ضارّ، كان أبين. وأما معنى التقريب : فهذا أوّل ما أخبركم عنه، فلم يجدوا بدّا من أن يرفعوا هذا " بالأسد "، وخبره منتظر، فلما شغل الأسد بمرافعة " هذا " نصب فعله الذي كان يرافعه لخلوته. ومثله " والله غفور رحيم " فإذا أدخلت عليه " كان " ارتفع بها والخبر منتظر يتم به الكلام فنصبته لخلوته.
وأما نصبهم فعل الواحد الذي لا نظير له مثل قولك : هذه الشمس ضياء للعباد، وهذا القمر نوراً ؛ فإن القمر واحد لا نظير له، فكان أيضا عن قولك " هذا " مستغنيا ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : طلع القمر، لم يذهب الوهم إلى غائب فتحتاجَ أن تقول " هذا " لحضوره، فارتفع بهذا ولم يكن نعتا، ونصبت خبره للحاجة إليه.