جهود القرافي في التفسير — القرافي

عن الكتاب
١٥- وأما قوله تعالى :﴿ذلك الكتاب﴾ أنه المراد به الإنجيل(١)، فمن الافتراء العجيب والتخيل الغريب. بل أجمع المسلمون قاطبة على أن المراد به القرآن الكريم ليس إلا. وقد أخبر الناطق بهذا اللفظ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المراد : " هذا الكتاب " (٢) كيف يليق أن يحمل على غيره. ( الأجوبة الفاخرة : ١٠٠-١٠٢ ).
فإن كل أحد مصدق فيما يدعيه في قول نفسه، إنما ينازع في تفسيره قول غيره إن أمكنت منازعته.
وأما الإشارة " بذلك " التي اغتر بها السائل فاعلم أن للإشارة ثلاثة أحوال : " ذا " للقريب، و " ذاك " للمتوسط، و " ذلك " للبعيد، لكن البعد والقرب يكونان تارة بالزمان وتارة بالمكان، وتارة بالشرف وتارة بالاستحالة. ولذلك قالت " زليخا " في حق يوسف عليه السلام لما اجتمعت مع نسوة المدينة، ويوسف عليه السلام بالحضرة، وقد قطعن أيديهن من الدهشة لحسنه :﴿فذلك الذي لمتنني فيه﴾(٣). إشارة لبعده عليه السلام في شرف الحسن.
وكذلك القرآن الكريم لما عظمت رتبته في الشرف أشير إليه " بذلك " وقيل : أشير إليه " بذلك " لبعد مكانه، لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ. وقيل : لبعد زمانه، لأنه وعد به في الكتب المنزلة قديما. وقيل : لما كان أصواتا، والصوت يستحيل بقاؤه، فصار بسبب هذه الاستحالة في غاية البعد، لأن المستحيل أبلغ من البعيد.
١٦- " أل " في قوله تعالى :﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ للعهد، لأنه موعود به، مذكور على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، فصار معلوما. فأشير إليه بلام العهد. ( نفسه : ١٠٢ ).
١ هذه الفقرة جواب على شبهة أحد النصارى الذي زعم بأن الكتاب الوارد في هذه الآية هو الإنجيل، متأولا اسم الإشارة "ذلك" ولو أراد الله القرآن لقال :"ألم هذا الكتاب" ن ص : ٩٩ من الأجوبة الفاخرة..
٢ نقل ابن كثير في تفسيره ما رواه ابن جريح قال : قال ابن عباس :"ذلك الكتاب أي : هذا الكتاب". وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حبان وزيد بن أسلم وابن جريح أن "ذلك" بمعنى : هذا. والعرب تعارض بين اسمي الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر. وزاد :"وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي وغيره أن "ذلك" إشارة إلى القرآن الذي وعد الله به الرسول صلى الله عليه وسلم بإنزاله عليه، أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعف هذا المذهب كثيرون والله أعلم.
والكتاب : القرآن. ومن قال : إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير وغيره، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما لا علم له به". ن : تفسير القرآن العظيم : ١/٦٢..

٣ يوسف : آية : ٣٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى