تفسير المراغي — المراغي

عن الكتاب
﴿ذلك الكتاب﴾
الإيضاح :
الكتاب اسم بمعنى المكتوب وهو النقوش والرقوم الدالة على المعاني، والمراد به الكتاب المعروف المعهود للنبي صلى الله عليه وسلم الذي وعده الله به لتأييد رسالته وكفل به هداية طلاب الحق وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم ومعاشهم ومعادهم. وفي التعبير به إيماء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بكتابة شيء سواه.
وعدم كتابة القرآن كله بالفعل حين الإشارة إليه لا يمنع الإشارة، ألا ترى أن من المستفيض الشائع في التخاطب أن يقول إنسان لآخر : هلم أملل عليك كتابا، والكتاب لم يوجد بعد.
﴿لا ريب فيه﴾ الريب والريبة : الشك، وحقيقته قلق النفس واضطرابها، سمي به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل منها الطمأنينة، وقد جاء في الحديث :( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة ).
والمعنى –إن هذا الكتاب لا يعتريه ريب في كونه من عند الله، ولا في هدايته وإرشاده، ولا في أسلوبه وبلاغته، فلا يستطيع أحد أن يأتي بكلام يقرب منه بلاغة وفصاحة –وإلى هذا أشار بقوله :﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾.
وارتياب كثير من الناس فيه، إنما نشأ عن جهل بحقيقته، أو عن عمى بصيرتهم، أو عن التعنت عنادا واستكبارا وإتباعا للهوى أو تقليدا لسواهم.
﴿هدى للمتقين﴾ الهدى بالنظر إلى المتقين : هو الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة والتوفيق للعمل بأحكامه، إذ هم قد اقتبسوا من أنواره وجنوا من ثماره، وهو لغيرهم هدى ودلالة على الخير وإن لم يأخذوا بهديه وينتفعوا بإرشاده.
وكون بعض الناس لم يهتدوا بهديه لا يخرجه عن كونه هدى، فالشمس شمس وإن لم يرها الأعمى، والعسل عسل وإن لم يجد طعمه ذو المرة.
والمتقين : واحدهم متق، من الاتقاء وهو الحجز بين الشيئين، ومنه يقال اتقى بترسه أي جعله حاجزا بين نفسه ومن يقصده، فكأن المتقي يجعل امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه –حاجزا بينه وبين العقاب الإلهي.
والعقاب الذي يتقى ضربان : دنيوي وأخروي وكل منهما يتقى باتقاء أسبابه.
فعقاب الدنيا يستعان على اتقائه بالعلم بسنن الله في الخليقة، وعدم مخالفة النظم التي وضعها في الكون، فاتقاء الفشل والخذلان في القتال مثلا يتوقف على معرفة نظم الحرب وفنونها وآلاتها كما يشير إلى ذلك قوله تعالى :﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ كما يتوقف على القوة المعنوية من اجتماع الكلمة واتحاد الأمة، والصبر والثبات والتوكل على الله واحتساب الأجر عنده.
وعقاب الآخرة يتقى بالإيمان الخالص والتوحيد والعمل الصالح واجتناب ما يضاد ذلك من الشرك واجتناب المعاصي والآثام التي تضر المرء أو تضر المجتمع.
والمتقون في هذه الآية هم الذين سمت نفوسهم، فأصابت ضربا من الهداية واستعدادا لتلقي نور الحق، والسعي في مرضاة الله بقدر ما يصل إليه إدراكهم ويبلغ إليه اجتهادهم.
وقد كان من هؤلاء ناس في الجاهلية، كرهوا عبادة الأصنام، وأدركوا أن خالق الكون لا يرضى بعبادتها، كذلك كان من أهل الكتاب ناس يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى