مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : المشار إليه ههنا حاضر، و«ذلك » اسم مبهم يشار به إلى البعيد، والجواب عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر، وبيانه من وجوه أحدها : ما قاله الأصم : وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد، فقوله ﴿ذلك﴾ إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة، وقد يسمى بعض القرآن قرآنا، قال الله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ وقال حاكيا عن الجن ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا﴾ وقوله ﴿إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى﴾ وهم ما سمعوا إلا البعض، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت، وثانيها : أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه، ويؤيده قوله ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾ وهذا في سورة المزمل، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث، وثالثها : أنه تعالى خاطب بني إسرائيل، لأن سورة البقرة مدنية، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل، وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمدا ﷺ وينزل عليه كتابا فقال تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾ أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، ورابعها : أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا﴾ وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك، فغير ممتنع أن يقول تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾ ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. وخامسها : أنه وقعت الإشارة بذلك إلى «الم » بعد ما سبق التكلم به وانقضى، والمنقضي في حكم المتباعد، وسادسها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك -وقد أعطيته شيئا- احتفظ بذلك. وسابعها : أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها -والقرآن وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته لكنه غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه- فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب.
المقام الثاني : سلمنا أن المشار إليه حاضر، لكن لا نسلم أن لفظة «ذلك » لا يشار بها إلا إلى البعيد، بيانه أن ذلك، وهذا حرفا إشارة، وأصلهما «ذا » ؛ لأنه حرف للإشارة، قال تعالى ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ ومعنى «ها » تنبيه، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل : هذا، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه، وقد تدخل الكاف على «ذا » للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل :«ذلك » فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيد البعد في أصل الوضع، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها، فصارت كالدابة، فإنها مختصة في العرف بالفرس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض، وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي، وحينئذ لا يفيد البعد ؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق﴾ إلى قوله ﴿وكل من الأخيار﴾ ثم قال ﴿هذا ذكر﴾ وقال ﴿وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب﴾ وقال ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾ وقال ﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾ وقال ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ ثم قال ﴿إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين﴾ وقال ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى﴾ أي هكذا يحيي الله الموتى، وقال ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم.
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث، وهو السورة، الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم، والأول باطل، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث، وأما الاسم فهو ( الم ) وهو ليس بمؤنث، نعم ذلك المسمى له اسم آخر -وهو السورة- وهو مؤنث، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ( الم )، لا الذي هو مؤنث وهو السورة.
المسألة الثالثة : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال ﴿كتاب أنزلناه إليك﴾ والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض ﴿كتب عليكم القصاص﴾ ﴿كتب عليكم الصيام﴾ ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ وثانيها : الحجة والبرهان ﴿فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين﴾ أي برهانكم. وثالثها : الأجل ﴿ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ أي أجل. ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم﴾ وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته، وسميت الكتيبة لاجتماعها، فسمي الكتاب كتابا لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق.
وثانيها : القرآن ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد، كالخسران والخسارة واحد، والدليل عليه قوله ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ أي تلاوته، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته. الثاني : وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل : قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، وقال سفيان بن عيينة : سمي القرآن قرآنا لأن الحروف جمعت فصارت كلمات، والكلمات جمعت فصارت آيات، والآيات جمعت فصارت سورا، والسور جمعت فصارت قرآنا، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين. فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية.
وثالثها : الفرقان ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾. ﴿وبينات من الهدى والفرقان﴾ واختلفوا في تفسيره، فقيل : سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقا أنزله في نيف وعشرين سنة، ودليله قوله تعالى ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ ونزلت سائر الكتب جملة واحدة، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك﴾ وقيل : سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والمجمل والمبين، والمحكم والمؤول، وقيل : الفرقان هو النجاة، وهو قول عكرمة والسدي، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وعليه حمل المفسرون قوله ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾.
ورابعها : الذكر، والتذكرة، والذكرى، أما الذكر فقوله ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾. ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ وفيه وجهان : أحدهما : أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره. والثاني : أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به، وأنه شرف لمحمد ﷺ، وأمته، وأما التذكرة فقوله ﴿وإنه لتذكرة للمتقين﴾ وأما الذكرى فقوله تعالى ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾.
وخامسها : التنزيل ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين﴾.
وسادسها : الحديث ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا﴾ سماه حديثا ؛ لأن وصوله إليك حديث، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به، فإن الله خاطب به المكلفين.
وسابعها : الموعظة ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم﴾ وهو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو الله تعالى، والآخذ جبريل، والمستملي محمد ﷺ، فكيف لا تقع به الموعظة.
وثامنها : الحكم، والحكمة، والحكيم، والمحكم، أما الحكم فقوله ﴿وكذلك أنزلناه حكما عربيا﴾ وأما الحكمة فقوله ﴿حكمة بالغة﴾ ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ وأما الحكيم فقوله ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ وأما المحكم فقوله ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ واختلفوا في معنى الحكمة، فقال الخليل : هو مأخوذ من الإحكام والإلزام، وقال المؤرخ : هو مأخوذ من حكمة اللجام ؛ لأنها تضبط الدابة، والحكمة تمنع من السفه.
وتاسعها : الشفاء ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ وقوله ﴿وشفاء لما في الصدور﴾ وفيه وجهان : أحدهما : أنه شفاء من الأمراض. والثاني : أنه شفاء من مرض الكفر، لأنه تعالى وصف الكفر والشك بالمرض، فقال ﴿في قلوبهم مرض﴾ وبالقرآن يزول كل شك عن القلب، فصح وصفه بأنه شفاء.
وعاشرها : الهدى، والهادي : أما الهدى فلقوله ﴿هدى للمتقين﴾. ﴿هدى للناس﴾. ﴿وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ وأما الهادي ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ وقالت الجن ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد﴾.
الحادي عشر : الصراط المستقيم : قال ابن عباس في تفسيره : إنه القرآن، وقال :﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه﴾.
والثاني عشر : الحبل :﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ في التفسير : إنه القرآن، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق والمهالك، ومن ذلك سماه النبي ﷺ عصمة فقال «إن هذا القرآن عصمة لمن اعتصم به » لأنه يعصم الناس من المعاصي.
الثالث عشر : الرحمة ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات.
الرابع عشر : الروح ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾. ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره﴾ وإنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح، وسمي جبريل بالروح ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ وعيسى بالروح ﴿ألقاها إلى مريم وروح منه﴾.
الخامس عشر : القصص ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ سمي به لأنه يجب اتباعه ﴿وقالت لأخته قصيه﴾ أي اتبعي أثره ؛ أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين، ومنه قوله تعالى ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾.
السادس عشر : البيان، والتبيان، والمبين : أما البيان فقوله ﴿هذا بيان للناس﴾ والتبيان فهو قوله ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ وأما المبين فقوله ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾.
السابع عشر : البصائر ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيها بالبصر الذي يرى طريق الخلاص.
الثامن عشر : الفصل ﴿إنه لقول فصل وما هو بالهزل﴾ واختلفوا فيه، فقيل معناه القضاء، لأن الله تعالى يقضي به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوما إلى الجنة ويسوق آخرين إلى النار، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار.
التاسع عشر : النجوم ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ { وا
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : المشار إليه ههنا حاضر، و«ذلك » اسم مبهم يشار به إلى البعيد، والجواب عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر، وبيانه من وجوه أحدها : ما قاله الأصم : وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد، فقوله ﴿ذلك﴾ إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة، وقد يسمى بعض القرآن قرآنا، قال الله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ وقال حاكيا عن الجن ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا﴾ وقوله ﴿إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى﴾ وهم ما سمعوا إلا البعض، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت، وثانيها : أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه، ويؤيده قوله ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾ وهذا في سورة المزمل، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث، وثالثها : أنه تعالى خاطب بني إسرائيل، لأن سورة البقرة مدنية، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل، وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمدا ﷺ وينزل عليه كتابا فقال تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾ أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، ورابعها : أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا﴾ وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك، فغير ممتنع أن يقول تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾ ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. وخامسها : أنه وقعت الإشارة بذلك إلى «الم » بعد ما سبق التكلم به وانقضى، والمنقضي في حكم المتباعد، وسادسها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك -وقد أعطيته شيئا- احتفظ بذلك. وسابعها : أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها -والقرآن وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته لكنه غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه- فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب.
المقام الثاني : سلمنا أن المشار إليه حاضر، لكن لا نسلم أن لفظة «ذلك » لا يشار بها إلا إلى البعيد، بيانه أن ذلك، وهذا حرفا إشارة، وأصلهما «ذا » ؛ لأنه حرف للإشارة، قال تعالى ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ ومعنى «ها » تنبيه، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل : هذا، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه، وقد تدخل الكاف على «ذا » للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل :«ذلك » فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيد البعد في أصل الوضع، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها، فصارت كالدابة، فإنها مختصة في العرف بالفرس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض، وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي، وحينئذ لا يفيد البعد ؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق﴾ إلى قوله ﴿وكل من الأخيار﴾ ثم قال ﴿هذا ذكر﴾ وقال ﴿وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب﴾ وقال ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾ وقال ﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾ وقال ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ ثم قال ﴿إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين﴾ وقال ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى﴾ أي هكذا يحيي الله الموتى، وقال ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم.
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث، وهو السورة، الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم، والأول باطل، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث، وأما الاسم فهو ( الم ) وهو ليس بمؤنث، نعم ذلك المسمى له اسم آخر -وهو السورة- وهو مؤنث، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ( الم )، لا الذي هو مؤنث وهو السورة.
المسألة الثالثة : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال ﴿كتاب أنزلناه إليك﴾ والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض ﴿كتب عليكم القصاص﴾ ﴿كتب عليكم الصيام﴾ ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ وثانيها : الحجة والبرهان ﴿فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين﴾ أي برهانكم. وثالثها : الأجل ﴿ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ أي أجل. ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم﴾ وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته، وسميت الكتيبة لاجتماعها، فسمي الكتاب كتابا لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق.
وثانيها : القرآن ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد، كالخسران والخسارة واحد، والدليل عليه قوله ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ أي تلاوته، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته. الثاني : وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل : قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، وقال سفيان بن عيينة : سمي القرآن قرآنا لأن الحروف جمعت فصارت كلمات، والكلمات جمعت فصارت آيات، والآيات جمعت فصارت سورا، والسور جمعت فصارت قرآنا، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين. فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية.
وثالثها : الفرقان ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾. ﴿وبينات من الهدى والفرقان﴾ واختلفوا في تفسيره، فقيل : سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقا أنزله في نيف وعشرين سنة، ودليله قوله تعالى ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾ ونزلت سائر الكتب جملة واحدة، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك﴾ وقيل : سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والمجمل والمبين، والمحكم والمؤول، وقيل : الفرقان هو النجاة، وهو قول عكرمة والسدي، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وعليه حمل المفسرون قوله ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾.
ورابعها : الذكر، والتذكرة، والذكرى، أما الذكر فقوله ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾. ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ وفيه وجهان : أحدهما : أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره. والثاني : أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به، وأنه شرف لمحمد ﷺ، وأمته، وأما التذكرة فقوله ﴿وإنه لتذكرة للمتقين﴾ وأما الذكرى فقوله تعالى ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾.
وخامسها : التنزيل ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين﴾.
وسادسها : الحديث ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا﴾ سماه حديثا ؛ لأن وصوله إليك حديث، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به، فإن الله خاطب به المكلفين.
وسابعها : الموعظة ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم﴾ وهو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو الله تعالى، والآخذ جبريل، والمستملي محمد ﷺ، فكيف لا تقع به الموعظة.
وثامنها : الحكم، والحكمة، والحكيم، والمحكم، أما الحكم فقوله ﴿وكذلك أنزلناه حكما عربيا﴾ وأما الحكمة فقوله ﴿حكمة بالغة﴾ ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ وأما الحكيم فقوله ﴿يس والقرآن الحكيم﴾ وأما المحكم فقوله ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ واختلفوا في معنى الحكمة، فقال الخليل : هو مأخوذ من الإحكام والإلزام، وقال المؤرخ : هو مأخوذ من حكمة اللجام ؛ لأنها تضبط الدابة، والحكمة تمنع من السفه.
وتاسعها : الشفاء ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ وقوله ﴿وشفاء لما في الصدور﴾ وفيه وجهان : أحدهما : أنه شفاء من الأمراض. والثاني : أنه شفاء من مرض الكفر، لأنه تعالى وصف الكفر والشك بالمرض، فقال ﴿في قلوبهم مرض﴾ وبالقرآن يزول كل شك عن القلب، فصح وصفه بأنه شفاء.
وعاشرها : الهدى، والهادي : أما الهدى فلقوله ﴿هدى للمتقين﴾. ﴿هدى للناس﴾. ﴿وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ وأما الهادي ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ وقالت الجن ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد﴾.
الحادي عشر : الصراط المستقيم : قال ابن عباس في تفسيره : إنه القرآن، وقال :﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه﴾.
والثاني عشر : الحبل :﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ في التفسير : إنه القرآن، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق والمهالك، ومن ذلك سماه النبي ﷺ عصمة فقال «إن هذا القرآن عصمة لمن اعتصم به » لأنه يعصم الناس من المعاصي.
الثالث عشر : الرحمة ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات.
الرابع عشر : الروح ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾. ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره﴾ وإنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح، وسمي جبريل بالروح ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ وعيسى بالروح ﴿ألقاها إلى مريم وروح منه﴾.
الخامس عشر : القصص ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ سمي به لأنه يجب اتباعه ﴿وقالت لأخته قصيه﴾ أي اتبعي أثره ؛ أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين، ومنه قوله تعالى ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾.
السادس عشر : البيان، والتبيان، والمبين : أما البيان فقوله ﴿هذا بيان للناس﴾ والتبيان فهو قوله ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ وأما المبين فقوله ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾.
السابع عشر : البصائر ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيها بالبصر الذي يرى طريق الخلاص.
الثامن عشر : الفصل ﴿إنه لقول فصل وما هو بالهزل﴾ واختلفوا فيه، فقيل معناه القضاء، لأن الله تعالى يقضي به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوما إلى الجنة ويسوق آخرين إلى النار، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار.
التاسع عشر : النجوم ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ { وا