الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله عز وجل :( ذَلِكَ الْكِتَابُ )[ ١ ].
أكثر أهل(١) التفسير على أن " ذلك " بمعنى(٢) " هذا(٣) ".
كما تقول للرجل وهو يحدثك : " ذلك، والله الحق "، أي هذا والله الحق(٤).
قال الله جل ذكره :( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ )(٥). أي هذا ما كنت منه تحيد. وقال :( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ )(٦)، أي هذه عشرة كاملة. وقال :( ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنَ اَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )(٧). أي هذا الحكم لمن لم يكن أهله حاضري المسجد(٨) الحرام(٩).
وقال :( إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ )(١٠) أي إن هذا(١١) وهو كثير في كلام العرب والقرآن.
وقيل : إن ( ذَلِكَ )/ على بابها(١٢) للإشارة إلى شيء/ معلوم. واختلف في ذلك المشار إليه. ما هو ؟
فقيل : إن ( ذَلِكَ )(١٣) إشارة إلى ما نزل من القرآن قبل سورة البقرة(١٤).
وقال الكسائي : " ( ذَلِكَ ) إشارة إلى الرسالة والقرآن وعمّا في السماء(١٥) ".
وقيل : إشارة إلى اللوح المحفوظ(١٦).
وحكى الطبري(١٧) أن بعض المفسرين قال : " ( ذَلِكَ ) : إشارة إلى التوراة والإنجيل ". وقيل(١٨) :( ذَلِكَ ) : إشارة إلى ما وعد به النبي ﷺ من أنه سينزل عليه كتاب فوقعت الإشارة على ما تقدم من الوعد.
وجيء باللام في ( ذَلِكَ ) للتأكيد في بعد الإشارة(١٩).
وقال الكسائي : " جيء بها لئلا يتوهم أن ( ذَلِكَ ) مضاف إلى الكاف(٢٠) ".
وقيل : جيء بها عوضاً عن المحذوف من " ذا "، لأن أصل " ذا " أن يكون على ثلاثة أحرف، لأن أقل الأسماء ما يأتي على ثلاثة أحرف.
وقال علي بن سليمان : " جيء باللام لتدل على شدة التراخي، وكسرت لئلا تشبه(٢١) لام الملك(٢٢).
وقيل : كسرت لأنها بدل(٢٣) من همزة مكسورة لأن أصل " ذا " " ذاء " على ثلاثة أحرف بهمزة مكسورة(٢٤)، ومن العرب من يقول في " ذلك " " ذاءك " بالهمز(٢٥) حكاه الفراء وغيره، قال : " وإنما أبدلوا(٢٦) من الهمزة لاماً لأن " ذاء " خرج عن لفظ المضاف، وليس بمضاف، واللام من أدوات المضاف، فأبدلوا من الهمزة لاماً وكسرت لأن الهمزة كانت مكسورة لالتقاء الساكنين ".
كان(٢٧) أصل ذا/ أن يكون بألفين ليكون على ثلاثة أحرف إذ هي أقل أصول الأسماء فأبدلت الألف الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون الألف قبلها. وقد قال الكسائي : " إنما أبدلوا(٢٨) من الهمزة لاماً لئلا تشبه المضاف(٢٩) ".
وقيل : إنما كسرت اللام لالتقاء(٣٠) الساكنين لأنها اجتلبت ساكنة(٣١)، وقبلها الألف من " ذا " ساكنة، وكسرت اللام لالتقاء الساكنين(٣٢).
والاسم من " ذلك "، ذا(٣٣) وقيل : الاسم الذال، وزيدت الألف للتقوية(٣٤).
ولا موضع للكاف من الإعراب، إنما هي للخطاب، ولو كان لها موضع من الإعراب لكانت في موضع خفض بالإضافة على ظاهر اللفظ(٣٥).
و " ذا " لا يضاف في شيء من كلام العرب، لأنه معرفة، ولأن اللام تفصل بينهما، ولأن المعنى على غير معنى الإضافة.
والكتاب مشتق من الكتيبة(٣٦) وهي الخيل المجتمعة، يقال : " تكتَّب القَوْمُ " إذا اجتمعوا. فسمي المكتوب كتاباً لاجتماع بعض الحروف إلى بعض. ومنه قول العرب : " كُتِبَتْ القِرْبَة(٣٧) " إذا جُمِعَتْ(٣٨) خُرَزاً(٣٩) إلى خُرَز(٤٠)، وكَتَبْتُ البَغلَةَ " إذا جَمَعْتَ(٤١) بين شُفْرَيْهَا بِحَلْقَة(٤٢).
قوله عز وجل :( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) [ ١ ].
الهاء(٤٣) تعود(٤٤) على ( الكتاب/. وقيل على ( ذَلِكَ ).
وقيل : على ( أَلَمِّ )(٤٥) على أن تكون ( أَلَمِّ ) اسماً(٤٦) من أسماء القرآن.
وقيل : هي(٤٧) راجعة على ( هُدىً ) مقدمة(٤٨) عليه، يراد(٤٩) به التقديم. أي ذلك الكتاب هدى لا ريب فيه، أي في الهدى. ورجوعها على ( الْكِتَابُ ) أبينها.
والكتاب القرآن هو نفي عام نفى الله جل ذكره/ أن يكون فيه شك عند من وفقه الله، وقد ارتاب فيه من خذله الله ولم يوفقه، ولذلك قال :( وَإِن كُنْتُم فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا )(٥٠). معناه : وإن كنتم على زعمكم في شك من ذلك فأتوا ببرهان على ذلك، فقد أتيناكم بما لا ريب فيه لمن وفق.
والريب مصدر " رَابَني(٥١) الأَمْرُ رَيْباً ".
وحكى المبرد(٥٢) : " رَابَني(٥٣) الشيء تبينت فيه الريبة، وأَرَابَنِي إذا لم أتبينها(٥٤) فيه " (٥٥).
وحكى غيره : " أَرَابَ الرجل في نفسه، ورَابَ(٥٦) غيره(٥٧) ".
وقوله :( هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ ) [ ١ ].
الهدى : الرشد والبيان(٥٨).
والتقى :(٥٩) اسم جامع لكل خصلة محمودة العاقبة(٦٠)، ومن اتقى الشرك فهو من المتقين، وهو أعظم التقى، وأصله من التَّوقّي وهو التستر(٦١)، فكأن التقي(٦٢) يستر على جميع ما يذم عليه. وقد فسرنا إعراب هذا وما شابهه في كتاب " تفسير مشكل الإعراب "، فأخلينا هذا الكتاب من بسط الإعراب لئلا يطول إلا أن يقع نادر(٦٣) من الإعراب فنذكره على شرطنا المتقدم. فاعلم ذلك.
١ - في ع٢: هل..
٢ - في ع١: المعنى..
٣ - انظر: معاني الفراء ١/١٠-١١، ومجاز القرآن ١/٢٨، والبيان ١/٢٢٥، وتفسير القرطبي ١/١٥٧..
٤ - في ع٢: حق..
٥ - ق آية ٢١..
٦ - البقرة آية ١٩٥..
٧ - البقرة آية ١٩٥..
٨ - سقط من ق..
٩ - قوله: "أي هذا الحرام" سقط من ع٢..
١٠ - ص آية ٦٤..
١١ - قوله: "أي إن هذا" سقط من ع٢، ع٣..
١٢ - في ع٢: بابها هي..
١٣ - قوله: "إن ذلك" ساقط من ق..
١٤ - انظر: المحرر الوجيز ١/٩٨..
١٥ - انظر: المحرر الوجيز ١/٩٨..
١٦ - المصدر السابق..
١٧ - انظر: جامع البيان ١/٢٢٧..
١٨ - انظر: المحرر الوجيز ١/٩٨..
١٩ - انظر: مشكل الإعراب ١/٧٣. والبيان ١/٤٤، والإملاء ١/١٠..
٢٠ - انظر: إعراب القرآن ١/١٢٨..
٢١ - في ع٢: تشب..
٢٢ - انظر: إعراب القرآن ١/١٢٨..
٢٣ - في ق: يدل. وهو تصحيف..
٢٤ - انظر: مشكل الإعراب ١/١٢٨..
٢٥ - في ع٢، ع٣: بالهمزة..
٢٦ - في ع٢: أبدأ. وهو تحريف..
٢٧ - في ع٢: لأن..
٢٨ - ق: بدلوا..
٢٩ - انظر: الإنصاف ٢/٦٧٣..
٣٠ - في ع٣: للاتقاء وهو تحريف..
٣١ - قوله: "لأنها اجتلبت ساكنة" ساقط من ع٢..
٣٢ - انظر: هذا القول في الإملاء ١/١٠..
٣٣ - وهو مذهب البصريين. انظر: معاني الأخفش ١/١٢٠، وإعراب القرآن ١/١٢٨، والبيان ١/٤٣، والإنصاف ٢/٢٦٩-٢٧٣..
٣٤ - وهو مذهب الكوفيين. انظر: مشكل الإعراب ١/٧٣ والبيان ١/٤٣ والإنصاف ٢/٢٦٩-٢٧١..
٣٥ - انظر: مشكل الإعراب ١/٧٣-٧٤..
٣٦ - في ع٢، ح، ق: الكتبية (وهو تصحيف)..
٣٧ - في ع١، ع٢، في ق، ع٣: القرية..
٣٨ - في ع٢، ع٣: اجتمعت..
٣٩ - في ع١، ع٢ ق: خرزا. وفي ع٣: خرز، والخرزة الثقبة. انظر: اللسان ١/٨١١..
٤٠ - تصويب لابد منه، وفي جميع النسخ: حرز..
٤١ - في ق: جمعت..
٤٢ - انظر: اشتقاق الكتاب من اللسان ٣/٢١٧..
٤٣ - في ع٢، ق، ع٣: والهاء..
٤٤ - في ع٣: يعود..
٤٥ - في ع١: ألف لام ألم. وفي ع٢: ألم ألف لام. وفي ح، ع٣: ألف لام..
٤٦ - في ع٢، ع٣: اسم. وهو خطأ..
٤٧ - سقطت من ع٢، ع٣..
٤٨ - في ع٣: متقدمة..
٤٩ - في ق: يريد. وهو تحريف..
٥٠ - البقرة آية ٢٢..
٥١ - في ع٣: ربني. وهو تحريف..
٥٢ - في ع٢: البرد. وهو تصحيف..
٥٣ - في ع٣: ربني..
٥٤ - في ق: تبينها..
٥٥ - انظر: اللسان ١/١٢٦٣-١٢٦٤..
٥٦ - في ق: أراب..
٥٧ - انظر: اللسان ١/١٢٦٣-١٢٦٤..
٥٨ - انظر: مجاز القرآن ١/٢٩..
٥٩ - في ع٣: المتقين..
٦٠ - في ع٢: العافية. وهو تصحيف..
٦١ - في ع٢، ع٣: المتستر..
٦٢ - في ح: المتقي..
٦٣ - في ع٣: ناذر. وهو تصحيف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى