غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿أنبئوني﴾ وكذلك ﴿خاطئون﴾ و﴿خاسئين﴾ و﴿فمالئون﴾ و﴿نحن المنشئون﴾ و﴿ليطفؤوا﴾ و﴿ليواطؤوا﴾ و﴿متكئين﴾ و﴿قل استهزؤوا﴾ و﴿متكئاً﴾ و﴿يستنبؤك﴾ وبابه ﴿بريأ﴾ و﴿بريؤن﴾ وبابه، وكهيئة وأشباه ذلك، ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. ﴿هؤلاء﴾ ها بغير المد، أولاء بالمد : يزيد ويعقوب وأوقية ومصعب عن قالون. قال أبو إسحاق : هما كلمتان لا يمدها ويمد أولاء. ﴿هؤلاءان﴾ بهمزتين : عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. وقرأ أبو عمرو والبزي من طريق الهاشمي بترك الهمزة الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المفتوحتين والمضمومتين. وقرأ يزيد وورش والقواص وسهل ويعقوب بإثبات الهمزة الأولى وتليين الثانية. وعن نافع : تليين الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المضمومتين. وأما في المفتوحتين فكأبي عمرو. ﴿أنبئهم﴾ عن ابن عامر روايتان : مهموزة مكسورة الهاء، وغير مهموزة مكسورة الهاء.
الوقوف :﴿صادقين﴾ ( ه ) ﴿علمتنا﴾ ( ط ) ﴿الحكيم﴾ ( ه ) ﴿أنبئهم﴾ ( ج ) ﴿بأسمائهم﴾ ( ج ) لمكان فاء التعقيب. ﴿بأسمائهم﴾ ( لا ) لأن " قال " جواب " فلما " ﴿تكتمون﴾.
وقوله ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ استحضار لقوله تعالى لهم ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ إلا أنه تعالى جاء به على وجه أبسط وأشرح، فيندرج فيه علمه بأحوال آدم قبل أن خلقه. وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها، فيبطل مذهب هشام ابن الحكم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها. وقد روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود أنه يريد بقوله ﴿ما تبدون﴾ قولهم ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ وبقوله ﴿وما كنتم تكتمون﴾ ما أسر إبليس في نفسه من الكفر والكبر وأن لا يسجد. وقيل : لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا : ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا هو الذي كتموه. ويجوز أن يكون هذا القول منهم سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. والظاهر أنه عام كقوله ﴿إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون﴾ [الأنبياء: ١١] ﴿إنه يعلم الجهر وما يخفى﴾ [الأعلى: ٧].
البحث الثاني : قالت المعتزلة : ما ظهر من آدم معجز دل على نبوته في ذلك الوقت فكان مبعوثاً إلى حواء أو إلى من توجه التحدي إليهم، لأنهم كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسل كبعثة إبراهيم إلى لوط ﷺ واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقض العادة ومنع بأن حصول العلم بالأسماء لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقض للعادة. وأيضاً أهم علموا أن تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو لا ؟ فإن علموا فقد قدروا على المعارضة وإلا فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر، اللهم إلا أن يقال : إن لكل صنف منهم لغة من تلك اللغات، ثم إن جميع الأصناف حضروا وإن آدم عرض عليهم جميع تلك اللغات فكان معجزاً، أو يقال : إنه تعالى عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم تلك الأسماء فاستدلوا به على صدق آدم. والظاهر أنهم قد عرفوا صدقه بتصديق الله تعالى إياه، ولئن سلم أنه ظهر منه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان ؟ القاطعون بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت قالوا : صدرت الكبيرة منه بعد ذلك، والإقدام عليها يوجب الطرد والتحقير، فوجب أن تكون النبوة متأخرة عنها، كيف وقد قال عز من قائل ﴿ثم اجتباه ربه﴾ [طه: ١٢٢] والرسالة هي الاجتباء، فيكون بعد الزلة. وأيضاً لو كان رسولاً، فإن لم يكن مبعوثاً إلى أحد فلا فائدة، وإن كان مبعوثاً فإما إلى الملائكة - وهم أفضل من البشر عند المعتزلة - ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف، وإن المرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً﴾ [الأنعام: ٩] وإما إلى الإنس، ولا إنسان إلا حواء، وإنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] وإما إلى الجن، وما كان في السماء أحد من الجن.
البحث الثالث : في فضل العلم : لو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم لأظهر الله تعالى فضل آدم بذلك الشيء، ومما يدل على فضيلته الكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فمن ذلك ما يروى عن مقاتل، أن الحكمة في القرآن على أربعة أوجه : أحدها مواعظ القرآن ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١] وثانيها الحكمة بمعنى الفهم والعلم ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ [مريم: ١٢] ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾ [لقمان: ١٢] وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة﴾ [النساء: ٥٤] ورابعها القرآن ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثير﴾ [البقرة: ٢٦٩] وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم. ومن ذلك أنه تعالى فرق بين سبعة نفر في كتابه ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب﴾ [المائدة: ١٠٠] ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠] ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر: ١٩-٢٢] فإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل. ومن ذلك قوله ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩] أي العلماء في أصح الأقوال، لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء. ولا ينعكس
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾ [آل عمران: ١٨] جعلهم في الآيتين في المرتبة الثالثة، ثم زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الثانية ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ [آل عمران: ٧٠] ﴿قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] ومن ذلك قوله تعالى ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١] ومن ذلك وصفهم بالإيمان
﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ [آل عمران: ٧] وبشهادة التوحيد ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾ [آل عمران: ١٨] وبالبكاء والسجود والخشوع
﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً﴾ [الإسراء: ١٠٧-١٠٩] وبالخشية ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]. وأما الأخبار فمنها ما رواه أنس عن النبي ﷺ " من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له، وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار " وعن أنس أيضاً أن النبي ﷺ قال " من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله، ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره والقائم ليله، وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله " وعن الحسن مرفوعاً " من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة في الجنة " وعنه ﷺ " رحمة الله على خلفائي فقيل : يا رسول الله ومن خلفاؤك ؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله " وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً " يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، انطلقوا فقد غفرت لكم " وقال ﷺ " معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحر " وعن أبي هريرة مرفوعاً " من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء " وعن ابن عمر مرفوعاً " فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة حضر الفرس سبعين عاماً " وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم ويزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه إليها ولا يتعرف لها. وقال ﷺ لعلي رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن :" لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب " وعن ابن مسعود مرفوعاً " من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبعين نبياً " وعن عامر الجهني مرفوعاً " يؤتى بمداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر " وفي رواية " فيرجح مداد العلماء " وعن أبي واقد الليثي " أن النبي ﷺ بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر. فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فإنه رجع وفر. فلما فرغ ﷺ من كلامه قال : ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ فأما الأول فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه ". وعنه ﷺ " يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء " قال الراوي : فأعظم بمرتبة هي الواسطة بين النبوة والشهادة. وعن أبي هريرة مرفوعاً " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالخير " وعن النبي ﷺ " إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس. قيل : يا رسول الله ومن الناس ؟ قال ﷺ : أهل القرآن. قيل : ثم من ؟ قال : أهل العلم. قيل : ثم من ؟ قال ﷺ : صباح الوجوه " قال الراوي : والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه. وقال ﷺ " كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك " قال الراوي : وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى " الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيه " أن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم، وما أحسن قول بعض الأعراب لولده : كن سبعاً خالساً، أو ذئباً خانساً، أو كلباً حارساً، وإياك أن تكون إنساناً ناقصاً. " وعن النبي ﷺ أنه كان يحدث إنساناً فأوحى الله تعالى إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة - وكان هذا وقت العصر - فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال : يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة. قال ﷺ : اشتغل بالتعلم. فاشتغل بالتعلم وقبض قبل المغرب ". قال الراوي : فلو كان شيء أفضل من العلم لأمره النبي ﷺ به في ذلك الوقت. وأما الآثار، فإن مصعب بن الزبير قال لابنه : تعلم العلم فإنه إن يك لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً. وقال علي بن أبي طالب : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل. وقيل : مثل العالم بالله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص. وهو الجالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنه لم يعرف الله، وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصديقين. ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر يكمل تارة وينقص أخرى، وهو المستغرق في المعارف الإلهية غير متفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لابد منه، ومثل العالم بأمر الله فقط وهو العارف بالحلال والحرام دون أسرار جلال الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره. وقال شقيق البلخي : الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف، وذلك أني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول، فمن لا يصدقني فهو كافر محض، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض، ومن ندم على ما صنع وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً. وقال أيضاً : ثلاثة من النوم يبغضها الله، وثلاثة من الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة، والنوم في الصلاة، والنوم عند مجلس الذكر. والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر. وقيل : العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم، لأن الآباء والأمهات يحفظونهم من نار الدنيا وآفاتها، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وشدائدها. وقيل لابن مسعود : بم و
الوقوف :﴿صادقين﴾ ( ه ) ﴿علمتنا﴾ ( ط ) ﴿الحكيم﴾ ( ه ) ﴿أنبئهم﴾ ( ج ) ﴿بأسمائهم﴾ ( ج ) لمكان فاء التعقيب. ﴿بأسمائهم﴾ ( لا ) لأن " قال " جواب " فلما " ﴿تكتمون﴾.
وقوله ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ استحضار لقوله تعالى لهم ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ إلا أنه تعالى جاء به على وجه أبسط وأشرح، فيندرج فيه علمه بأحوال آدم قبل أن خلقه. وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها، فيبطل مذهب هشام ابن الحكم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها. وقد روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود أنه يريد بقوله ﴿ما تبدون﴾ قولهم ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ وبقوله ﴿وما كنتم تكتمون﴾ ما أسر إبليس في نفسه من الكفر والكبر وأن لا يسجد. وقيل : لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا : ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا هو الذي كتموه. ويجوز أن يكون هذا القول منهم سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. والظاهر أنه عام كقوله ﴿إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون﴾ [الأنبياء: ١١] ﴿إنه يعلم الجهر وما يخفى﴾ [الأعلى: ٧].
البحث الثاني : قالت المعتزلة : ما ظهر من آدم معجز دل على نبوته في ذلك الوقت فكان مبعوثاً إلى حواء أو إلى من توجه التحدي إليهم، لأنهم كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسل كبعثة إبراهيم إلى لوط ﷺ واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقض العادة ومنع بأن حصول العلم بالأسماء لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقض للعادة. وأيضاً أهم علموا أن تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو لا ؟ فإن علموا فقد قدروا على المعارضة وإلا فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر، اللهم إلا أن يقال : إن لكل صنف منهم لغة من تلك اللغات، ثم إن جميع الأصناف حضروا وإن آدم عرض عليهم جميع تلك اللغات فكان معجزاً، أو يقال : إنه تعالى عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم تلك الأسماء فاستدلوا به على صدق آدم. والظاهر أنهم قد عرفوا صدقه بتصديق الله تعالى إياه، ولئن سلم أنه ظهر منه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان ؟ القاطعون بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت قالوا : صدرت الكبيرة منه بعد ذلك، والإقدام عليها يوجب الطرد والتحقير، فوجب أن تكون النبوة متأخرة عنها، كيف وقد قال عز من قائل ﴿ثم اجتباه ربه﴾ [طه: ١٢٢] والرسالة هي الاجتباء، فيكون بعد الزلة. وأيضاً لو كان رسولاً، فإن لم يكن مبعوثاً إلى أحد فلا فائدة، وإن كان مبعوثاً فإما إلى الملائكة - وهم أفضل من البشر عند المعتزلة - ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف، وإن المرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً﴾ [الأنعام: ٩] وإما إلى الإنس، ولا إنسان إلا حواء، وإنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥] وإما إلى الجن، وما كان في السماء أحد من الجن.
البحث الثالث : في فضل العلم : لو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم لأظهر الله تعالى فضل آدم بذلك الشيء، ومما يدل على فضيلته الكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فمن ذلك ما يروى عن مقاتل، أن الحكمة في القرآن على أربعة أوجه : أحدها مواعظ القرآن ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١] وثانيها الحكمة بمعنى الفهم والعلم ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ [مريم: ١٢] ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾ [لقمان: ١٢] وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة﴾ [النساء: ٥٤] ورابعها القرآن ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثير﴾ [البقرة: ٢٦٩] وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم. ومن ذلك أنه تعالى فرق بين سبعة نفر في كتابه ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] ﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب﴾ [المائدة: ١٠٠] ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ [الحشر: ٢٠] ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر: ١٩-٢٢] فإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل. ومن ذلك قوله ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩] أي العلماء في أصح الأقوال، لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء. ولا ينعكس
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾ [آل عمران: ١٨] جعلهم في الآيتين في المرتبة الثالثة، ثم زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الثانية ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ [آل عمران: ٧٠] ﴿قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] ومن ذلك قوله تعالى ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١] ومن ذلك وصفهم بالإيمان
﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ [آل عمران: ٧] وبشهادة التوحيد ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم﴾ [آل عمران: ١٨] وبالبكاء والسجود والخشوع
﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً﴾ [الإسراء: ١٠٧-١٠٩] وبالخشية ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]. وأما الأخبار فمنها ما رواه أنس عن النبي ﷺ " من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له، وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار " وعن أنس أيضاً أن النبي ﷺ قال " من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله، ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره والقائم ليله، وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله " وعن الحسن مرفوعاً " من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة في الجنة " وعنه ﷺ " رحمة الله على خلفائي فقيل : يا رسول الله ومن خلفاؤك ؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله " وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً " يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، انطلقوا فقد غفرت لكم " وقال ﷺ " معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحر " وعن أبي هريرة مرفوعاً " من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء " وعن ابن عمر مرفوعاً " فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة حضر الفرس سبعين عاماً " وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم ويزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه إليها ولا يتعرف لها. وقال ﷺ لعلي رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن :" لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب " وعن ابن مسعود مرفوعاً " من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبعين نبياً " وعن عامر الجهني مرفوعاً " يؤتى بمداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر " وفي رواية " فيرجح مداد العلماء " وعن أبي واقد الليثي " أن النبي ﷺ بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر. فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فإنه رجع وفر. فلما فرغ ﷺ من كلامه قال : ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ فأما الأول فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه ". وعنه ﷺ " يشفع يوم القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء " قال الراوي : فأعظم بمرتبة هي الواسطة بين النبوة والشهادة. وعن أبي هريرة مرفوعاً " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالخير " وعن النبي ﷺ " إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس. قيل : يا رسول الله ومن الناس ؟ قال ﷺ : أهل القرآن. قيل : ثم من ؟ قال : أهل العلم. قيل : ثم من ؟ قال ﷺ : صباح الوجوه " قال الراوي : والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه. وقال ﷺ " كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك " قال الراوي : وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى " الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيه " أن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم، وما أحسن قول بعض الأعراب لولده : كن سبعاً خالساً، أو ذئباً خانساً، أو كلباً حارساً، وإياك أن تكون إنساناً ناقصاً. " وعن النبي ﷺ أنه كان يحدث إنساناً فأوحى الله تعالى إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة - وكان هذا وقت العصر - فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال : يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة. قال ﷺ : اشتغل بالتعلم. فاشتغل بالتعلم وقبض قبل المغرب ". قال الراوي : فلو كان شيء أفضل من العلم لأمره النبي ﷺ به في ذلك الوقت. وأما الآثار، فإن مصعب بن الزبير قال لابنه : تعلم العلم فإنه إن يك لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً. وقال علي بن أبي طالب : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل. وقيل : مثل العالم بالله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص. وهو الجالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنه لم يعرف الله، وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصديقين. ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر يكمل تارة وينقص أخرى، وهو المستغرق في المعارف الإلهية غير متفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لابد منه، ومثل العالم بأمر الله فقط وهو العارف بالحلال والحرام دون أسرار جلال الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره. وقال شقيق البلخي : الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف، وذلك أني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول، فمن لا يصدقني فهو كافر محض، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض، ومن ندم على ما صنع وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً. وقال أيضاً : ثلاثة من النوم يبغضها الله، وثلاثة من الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة، والنوم في الصلاة، والنوم عند مجلس الذكر. والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر. وقيل : العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم، لأن الآباء والأمهات يحفظونهم من نار الدنيا وآفاتها، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وشدائدها. وقيل لابن مسعود : بم و