البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
تلقى : تفعل من اللقاء، نحو تعدى من العدو، قالوا : أو بمعنى استقبل، ومنه : تلقى فلان فلاناً استقبله.
ويتلقى الوحي : أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه، وخرجنا نتلقى الحجيج : نستقبلهم، وقال الشماخ :
إذا ما راية رفعت لمجدتلقاها عرابة باليمين
وقال القفال : التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع القبول والأخذ، ومنه وإنك لتلقى القرآن، تلقيت هذه الكلمة من فلان : أخذتها منه.
الكلمة : اللفظة الموضوعة المعنى، والكلمة : الكلام، والكلمة : القصيدة سميت بذلك لاشتمالها على الكلمة والكلام، ويجمع بحذف التاء فيكون اسم جنس، نحو : نبقة ونبق.
التوبة : الرجوع، تاب يتوب توباً وتوبة ومتاباً، فإذا عدى بعلى ضمن معنى العطف.
﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾، تلقى : تفعل من اللقاء، وهو هنا بمعنى التجرد، أي لقي آدم، نحو قولهم : تعداك هذا الأمر، بمعنى عداك، وهو أحد المعاني التي جاءت لها تفعل، وهي سبعة عشر معنى مطاوعة فعل، نحو : كسرته فتكسر، والتكلف نحو : تحلم، والتجنب نحو : تجنب، والصيرورة نحو : تألم، والتلبس بالمسمى المشتق منه نحو : تقمص، والعمل فيه نحو : تسحر، والاتخاذ نحو : تبنيت الصبي، ومواصلة العمل في مهلة نحو : تفهم، وموافقة استفعل نحو : تكبر، وموافقة المجرد نحو : تعدى الشيء، أي عداه، والإغناء عنه نحو : تكلم، والإغناء عن فعل نحو : توبل، وموافقة فعل نحو : تولى، أي ولى، والختل، نحو : تعقلته، والتوقع نحو : تخوفه، والطلب نحو : تنجز حوائجه، والتكثير نحو : تعطينا.
ومعنى تلقي الكلمات : أخذها وقبولها، أو الفهم، أو الفطانة، أو الإلهام أو التعلم والعمل بها، أو الاستغفار والاستقالة من الذنب.
وقول من زعم أن أصله : تلقن، فأبدلت النون ألفاً ضعيف، وإن كان المعنى صحيحاً، لأن ذلك لا يكون إلا مما كان عينه ولامه من جنس واحد نحو : تظني، وتقضى، وتسرّى، أصله : تظنن، وتقضض، وتسرر.
ولا يقال في تقبل : تقبى.
وقرأ الجمهور : برفع آدم ونصب الكلمات، وعكس ابن كثير.
ومعنى تلقي الكلمات لآدم : وصولها إليه، لأن من تلقاك فقد تلقيته فكأنه قال : فجاءت آدم من ربه كلمات.
وظاهر قوله : كلمات، أنها جملة مشتملة على كلم، أو جمل من الكلام قالها آدم، فلذلك قدروا بعد قوله : كلمات، جملة محذوفة وهي فقالها فتاب عليه.
واختلفوا في تعيين تلك الكلمات على أقوال، وقد طولوا بذكرها، ولم يخبرنا الله بها إلا مبهمة، ونحن نذكرها كما ذكرها المفسرون، قال ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد وابن كعب وعطاء الخراساني والضحاك وعبيد بن عمير وابن زيد : هي ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا﴾ الآية.
وروي عن ابن مسعود، أن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة :«سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ».
وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال : يقول ما قاله أبواه :«ربنا ظلمنا أنفسنا رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي » وما قاله يونس :«لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ».
وروي عن ابن عباس ووهب أنها :«سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك خير الغافرين ».
وقال محمد بن كعب هي :«لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم ».
وحكى السدّي عن ابن عباس أنه قال :«رب ألم تخلقني بيدك ؟ » قال : بلى، قال : ألم تنفخ فيّ من روحك ؟ قال : بلى، قال : ألم تسبق رحمتك غضبك ؟ قال : بلى، قال : ألم تسكني جنتك ؟ قال : بلى، قال : رب إن تبت وأصلحت أراجعي إلى الجنة ؟ قال :«نعم ».
وزاد قتادة في هذا :«وسبقت رحمتك إليّ قبل غضبك ؟ قيل له بلى، قال : رب هل كتبت هذا عليّ قبل أن تخلقني ؟ قيل له : نعم، فقال : رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قيل له :«نعم ».
وقال قتادة هي :«أستغفرك وأتوب إليك إنك أنت التوّاب الرحيم ».
وقال عبيد بن عمير، قال :«يا رب خطيئتي التي أخطأتها أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني ؟ أو شيء ابتدعته من قبل نفسي ؟ قال : بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك، قال :«فكما كتبت عليّ فاغفر لي ».
وقيل إنها :«سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور ».
وقيل : رأى مكتوباً على ساق العرش محمد رسول الله، فتشفع بذلك فهي الكلمات.
وقيل : قوله حين عطس :«الحمد لله ».
وقيل : هي الدعاء والحياء والبكاء.
وقيل : الاستغفار والندم والحزن.
قال ابن عطية : وسماها كلمات، مجازاً لما هي في خلقها صادرة عن كلمات، وهي :«كن في كل واحدة منهن »، وهذا قول يقتضي أن آدم لم يقل شيئاً إلا الاستغفار المعهود.
انتهى كلامه.
﴿فتاب عليه﴾ : أي تفضل عليه بقبول توبته وأفرده بالإخبار عنه بالتوبة عليه، وإن كانت زوجته مشاركة له في الأمر بالسكنى والنهي عن قربان الشجرة وتلقي الكلمات والتوبة، لأنه هو المواجه بالأمر والنهي، وهي تابعة له في ذلك.
فكملت القصة بذكره وحده، كما جاء في قصة موسى والخضر، إذ جاء ﴿حتى إذا ركبا في السفينة﴾ فحملاها بغير نول، وكان مع موسى يوشع، لكنه كان تابعاً لموسى فلم يذكره ولم يجمع معهما في الضمير، أو اكتفى بذكر أحدهما، إذ كان فعلهما واحداً، نحو قوله تعالى :﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ أو طوى ذكرها كما طواه عند ذكر المعصية في قوله :﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾
وقد جاء طي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة، وقد ذكرها في قوله :﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ وإنما لم يراع هذا الستر في امرأتي نوح ولوط لأنهما كانتا كافرتين، وقد ضرب بهما المثل للكفار، لأن ذنوبهما كانت غاية في القبح والفحش.
والكافر لا يناسب الستر عليه ولا الإغضاء عن ذنبه، بل ينادى عليه ليكون ذلك أخزى له وأحط لدرجته.
وحوّاء ليست كذلك، ولأن معصيتهما تكرّرت واستمرّ منهما الكفر والإصرار على ذلك، والتوبة متعذرة لما سبق في علم الله أنهما لا يتوبان، وليست حوّاء كذلك لخفة ما وقع منها، أو لرجوعها إلى ربها، ولأن التبكيت للمذنب شرع رجاء الإقلاع، وهذا المعنى معقود فيهما، وذكرهما بالإضافة إلى زوجيهما فيه من الشهرة ما لا يكون في ذكر اسميهما غير مضافين إليهما.
وتوبة العبد : رجوعه عن المعصية، وتوبة الله على العبد : رجوعه عليه بالقبول والرحمة.
واختلف في التوبة المطلوبة من العبد، فقال قوم : هي الندم، أخذاً بظاهر قوله ﷺ :« الندم توبة » وقال قوم : شروطها ثلاثة : الندم على ما فات، والإقلاع عنه، والعزم على أن لا يعود.
وتأولوا : الندم توبة على معظم التوبة نحو : الحج عرفة، وزاد بعضهم في الشروط، يرد المظالم إذا قدر على ردها، وزاد بعضهم : المطعم الحلال، وقال القفال : لا بد مع تلك الشروط الثلاثة من الإشفاق فيما بين ذلك، وذلك أنه مأمور بالتوبة، ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بها كما لزمه، فيكون خائفاً.
ولهذا جاء يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.
روي عن ابن عباس أن آدم وحوّاء بكيا على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة.
وقد ذكروا في كثرة دموع آدم وداود شيئاً يفوت الحصر كثرة.
وقال شهر بن حوشب : بلغني أن آدم لما أهبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى.
وروي أن الله تعالى تاب على آدم في يوم عاشوراء.
وقرأ الجمهور ﴿إنه﴾ : بكسر الهمزة، وقرأ نوفل بن أبي عقرب : أنه بفتح الهمزة، ووجهه أنه فتح على التعليل، التقدير : لأنه، فالمفتوحة مع ما بعدها فضلة، إذ هي في تقدير مفرد ثابت واقع مفروغ من ثبوته لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر فهي جملة ثابتة تامة أخرجت مخرج الإخبار المستقل الثابت، ومع ذلك فلها ربط معنوي بما قبلها، كما جاءت في :
﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمَّارة﴾ ﴿اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ ﴿وصلّ عليهم إن صلاتك﴾، حتى لو وضعت الفاء التي تعطي الربط مكانها أغنت عنها، وقالوا : إن ( إن ) إنما تجيء لتثبيت ما يتردد المخاطب في ثبوته ونفيه، فإن قطع بأحد الأمرين، فليس من مظانها، فإن وجدت داخلة على ما قطع فيه بأحد الأمرين ظاهراً، فيكون ذلك لتنزيله منزلة المتردد فيه لأمر ما، وسيأتي الكلام على ذلك في نحو :﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون﴾ إن شاء الله.
ولما دخلت للتأكيد في قوله :﴿إنه هو التواب الرحيم﴾، قوي التأكيد بتأكيد آخر، وهو لفظه :﴿هو﴾.
وقد ذكرنا فائدته في قوله :﴿وأولئك هم المفلحون﴾ وبولغ أيضاً في الصفتين بعده، فجاء التواب : على وزن فعال، والرحيم : على وزن فعيل، وهما من الأمثلة التي صيغت للمبالغة.
وهذا كله ترغيب من الله تعالى للعبد في التوبة والرّجوع إلى الطاعة، واطماع في عفوه تعالى وإحسانه لمن تاب إليه.
والتواب من أسمائه تعالى، وهو الكثير القبول لتوبة العبد، أو الكثير الإعانة عليها.
وقد ورد هذا الاسم في كتاب الله معرفاً ومنكراً، ووصف به تعالى نفسه، فدل ذلك على أنه مما استأثر به تعالى.
وذهب بعضهم إلى أنه تعالى لا يوصف به إلا تجوزاً، وأجمعوا أنه لا يوصف تعالى بتائب ولا آيب ولا رجاع ولا منيب، وفرق بين إطلاقه على الله تعالى وعلى العبد، وذلك لاختلاف صلتيهما.
ألا ترى : فتاب عليه، وتوبوا إلى الله ؟ فالتوبة من الله على العبد هي العطف والتفضل عليه، ومن العبد هي الرّجوع إلى طاعته تعالى، لطلب ثواب، أو خشية عقاب، أو رفع درجات.
وأعقب الصفة الأولى بصفة الرحمة، لأن قبول التوبة سببه رحمة الله لعبده، وتقدم التواب لمناسبة فتاب عليه، ولحسن ختم الفاصلة بقوله :﴿الرّحيم﴾.
وقد تقدم الكلام في البسملة على لفظة الرحيم وما يتعلق بها، فأغنى ذلك عن إعادته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى