البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
تبع : بمعنى لحق، وبمعنى تلا، وبمعنى اقتدى.
والخوف : الفزع، خاف، يخاف خوفاً وتخوف تخوفاً، فزع، ويتعدى بالهمز وبالتضعيف، ويكون للأمر المستقبل.
وأصل الحزن : غلظ الهم، مأخوذ من الحزن : وهو ما غلظ من الأرض، يقال : حزن يحزن حزناً وحزناً، ويعدى بالهمزة وبالفتحة، نحو : شترت عين الرجل، وشترها الله، وفي التعدية بالفتحة خلاف، ويكون للأمر الماضي.
﴿قلنا هبطوا﴾، كرّر القول، إما على سبيل التأكيد المحض، لأن سبب الهبوط كان أول مخالفة، فكرّر تنبيهاً على ذلك، أو لاختلاف متعلقيهما، لأن الأول علق به العداوة، والثاني علق بإتيان الهدى.
وأما لا على سبيل التأكيد، بل هما هبوطان حقيقة، الأول من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض.
وضعف هذا الوجه بقوله في الهبوط الأول :﴿ولكم في الأرض مستقر﴾، ولم يحصل الاستقرار على هذا التخريج إلا بالهبوط الثاني، فكان ينبغي الاستقرار أن يذكر فيه وبقوله في الهبوط الثاني منها، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة، فاقتضى ذلك أن يكون الهبوط الثاني منهما.
﴿جميعاً﴾ : حال من الضمير في اهبطوا، وقد تقدم الكلام في لفظة جميعاً وأنها تقتضي التعميم في الحكم، لا المقارنة في الزمان عند الكلام على قوله تعالى :﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ فهنا يدل على أنهم كلهم خوطبوا بالهبوط، فقد دلا على اتحاد زمان الهبوط.
وأبعد ابن عطية في قوله : كأنه قال هبوطاً جميعاً، أو هابطين جميعاً، فجعله نعتاً لمصدر محذوف، أو لاسم فاعل محذوف، كل منهما يدل عليه الفعل.
قال : لأن جميعاً ليس بمصدر ولا اسم فاعل، مع منافاة ما قدره للحكم الذي صدره، لأنه قال : أولاً وجميعاً حال من الضمير في اهبطوا.
فإذا كان حالاً من الضمير في اهبطوا على ما قرر أولاً، فكيف يقدر ثانياً ؟ كأنه قال : هبوطاً جميعاً، أو هابطين جميعاً.
فكلامه أخيراً يعارض حكمه أولاً، ولا ينافي كونه ليس بمصدر ولا اسم فاعل وقوعه حالاً حتى يضطر إلى هذا التقدير الذي قدره.
وأبعد غيره أيضاً في زعمه أن التقدير : وقلنا اهبطوا مجتمعين، فهبطوا جميعاً، فجعل ثم حالاً محذوفة لدلالة جميعاً عليها، وعاملاً محذوفاً لدلالة اهبطوا عليه.
ولا يلتئم هذا التقدير مع ما بعده إلا على إضمار قول : أي فقلنا : إما يأتينكم.
وقد تقدم الكلام في المأمورين بالهبوط، وعلى تقدير أن يكون هبوطاً ثانياً، فقيل يخص آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخصا بخطاب الجمع تشريفاً لهما.
وقيل : يندرج في الخطاب لأن إبليس مخاطب بالإيمان بالإجماع، وإن شرطية وما زائدة بعدها للتوكيد، والنون في يأتينكم نون التوكيد، وكثر مجيء هذا النحو في القرآن :﴿فإما ترين﴾ ﴿وإما ينزغنك﴾ ﴿فإما تذهبن﴾ قال أبو العباس المهدوي : إن : هي، التي للشرط زيدت عليها ما للتأكيد ليصح دخول النون للتوكيد في الفعل، ولو سقطت، يعني ما لم تدخل النون، فما تؤكد أول الكلام، والنون تؤكد آخره.
وتبعه ابن عطية في هذا فقال : فإن هي للشرط، دخلت ما عليها مؤكدة ليصح دخول النون المشددة، فهي بمثابة لام القسم التي تجيء لمجيء النون، انتهى كلامه.
وهذا الذي ذهبا إليه من أن النون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت إن بما، هو مذهب المبرد والزجاج، زعما أنها تلزم تشبيهاً بما زيدت للتأكيد في لام اليمين نحو : والله لأخرجن.
وزعموا أن حذف النون إذا زيدت ما بعد إن ضرورة.
وذهب سيبويه والفارسي وجماعة من المتقدمين إلى أن ذلك لا يختص بالضرورة، وأنه يجوز في الكلام إثباتها وحذفها، وإن كان الإثبات أحسن.
وكذلك يجوز حذف ما وإثبات النون، قال سيبويه : في هذه المسألة وإن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجيء بما، انتهى كلامه.
وقد كثر السماع بعدم النون بعد إما، قال الشنفري :
وقال آخر :
وقال آخر :
والقياس يقبله، لأن ما زيدت حيث لا يمكن دخول النون، نحو قول الشاعر :
فكما جاءت هنا زائدة بعد أن، فكذلك في نحو : إما تقم يأتينكم، مبني مفتوح الآخر.
واختلف في هذه الفتحة أهي للبناء، أم بني على السكون وحرك بالفتحة لالتقاء الساكنين : وقد أوضحنا ذلك في كتابنا المسمى ( بالتكميل لشرح التسهيل ).
﴿مني﴾ : متعلق بيأتينكم، وهذا شبيه بالالتفات، لأنه انتقل من الضمير الموضوع للجمع، أو المعظم نفسه، إلى الضمير الخاص بالمتكلم المفرد.
وقد ذكرنا حكمة ذاك الضمير في : قلنا، عند شرح قوله :﴿وقلنا يا آدم اسكن﴾ وحكمة هذا الانتقال هنا أن الهدى لا يكون إلا منه وحده تعالى، فناسب الضمير الخاص كونه لا هادي إلا هو تعالى، فأعطى الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره الضمير الخاص الذي لا يحتمل غيره تعالى.
وفي قوله : مني، إشارة إلى أن الخير كله منه، ولذلك جاء :﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ ﴿وقد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء﴾ فأتى بكلمة : من، الدالة على الابتداء في الأشياء، لينبه على أن ذلك صادر منه ومبتدأ من جهته تعالى، وأتى بأداة الشرط في قوله :﴿فإما يأتينكم مني هدى﴾، وهي تدخل على ما يتردد في وقوعه، والذي أنبهم زمان وقوعه، وإتيان الهدى واقع لا محالة، لأنه أنبهم وقت الإتيان، أو لأنه آذن ذلك بأن توحيد الله تعالى ليس شرطاً فيه إتيان رسل منه، ولا إنزال كتب بذلك، بل لو لم يبعث رسلاً، ولا أنزل كتباً، لكان الإيمان به واجباً، وذلك لما ركب فيهم من العقل، ونصب لهم من الأدلة، ومكن لهم من الاستدلال، كما قال :
قال معناه الزمخشري غير إنشاد الشعر.
﴿هدى﴾ : تقدم الكلام على الهدى في قوله :﴿هدى للمتقين﴾ ونكره لأن المقصود هو المطلق، ولم يسبق عهد فيه فيعرّف.
والهدى المذكور هنا : الكتب المنزلة، أو الرسل، أو البيان، أو القدرة على الطاعة، أو محمد رسول الله ﷺ، أقوال.
فمن تبع : الفاء مع ما دخلت عليه جواب لقوله :﴿فإما يأتينكم﴾.
وقال السجاوندي : الجواب محذوف تقديره فاتبعوه، انتهى.
فكأنه على رأيه حذف لدلالة قوله بعده :﴿فمن تبع هداي﴾.
وتظافرت نصوص المفسرين والمعربين على أن : من، في قوله : فمن تبع، شرطية، وأن جواب هذا الشرط هو قوله :﴿فلا خوف﴾، فتكون الآية فيها شرطان.
وحكى عن الكسائي أن قوله :﴿فلا خوف﴾ جواب للشرطين جميعاً، وقد أتقنا مسألة اجتماع الشرطين في ( كتاب التكميل )، ولا يتعين عندي أن تكون من شرطية، بل يجوز أن تكون موصولة، بل يترجح ذلك لقوله في قسيمه :﴿والذين كفروا وكذبوا﴾، فأتى به موصولاً، ويكون قوله :﴿فلا خوف﴾ جملة في موضع الخبر.
وأما دخول الفاء في الجملة الواقعة خبراً، فإن الشروط المسوّغة لذلك موجودة هنا.
وفي قوله :﴿فمن تبع هداي﴾، تنزيل الهدى منزلة الإمام المتبع المقتدى به، فتكون حركات التابع وسكناته موافقة لمتبوعه، وهو الهدى، فحينئذ يذهب عنه الخوف والحزن.
وفي إضافة الهدى إليه من تعظيم الهدى ما لا يكون فيه لو كان معرّفاً بالألف واللام، وإن كان سبيل مثل هذا أن يعود بالألف واللام نحو قوله :﴿إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول﴾ والإضافة تؤدي معنى الألف واللام من التعريف، ويزيد على ذلك بمزية التعظيم والتشريف.
وقرأ الأعرج : هداي بسكون الياء، وفيه الجمع بين ساكنين، كقراءة من قرأ : ومحياي، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف.
وقرأ عاصم الجحدري وعبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن أبي عمر : هديّ، بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء المتكلم، إذ لم يمكن كسر ما قبل الياء، لأنه حرف لا يقبل الحركة، وهي لغة هذيل، يقلبون ألف المقصور ياء ويدغمونها في ياء المتكلم، وقال شاعرهم :
﴿فلا خوف عليهم﴾ : قرأ الجمهور بالرفع والتنوين، وقرأ الزهري وعيسى الثقفي ويعقوب بالفتح في جميع القرآن، وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من غير تنوين وجه قراءة الجمهور مراعاة الرفع في ﴿ولا هم يحزنون﴾، فرفعوا للتعادل.
قال ابن عطية : والرفع على إعمالها إعمال ليس، ولا يتعين ما قاله، بل الأولى أن يكون مرفوعاً بالابتداء لوجهين : أحدهما : أن إعمال لا عمل ليس قليل جداً، ويمكن النزاع في صحته، وإن صح فيمكن النزاع في اقتياسه.
والثاني : حصول التعادل بينهما، إذ تكون لا قد دخلت في كلتا الجملتين على مبتدأ ولم تعمل فيهما.
ووجه قراءة الزهري ومن وافقه أن ذلك نص في العموم، فينفي كل فرد من مدلول الخوف، وأما الرفع فيجوزه وليس نصاً، فراعوا ما دل على العموم بالنص دون ما يدل عليه بالظاهر.
وأما قراءة ابن محيصن فخرجها ابن عطية على أنه من إعمال لا عمل ليس، وأنه حذف التنوين تخفيفاً لكثرة الاستعمال.
وقد ذكرنا ما في إعمال لا عمل ليس، فالأولى أن يكون مبتدأ، كما ذكرناه، إذا كان مرفوعاً منوناً، وحذف تنوينه كما قال لكثرة الاستعمال، ويجوز أن يكون عري من التنوين لأنه على نية الألف واللام، فيكون التقدير : فلا الخوف عليهم، ويكون مثل ما حكى الأخفش عن العرب : سلام عليكم، بغير تنوين.
قالوا : يريدون السلام عليكم، ويكون هذا التخريج أولى، إذ يحصل التعادل في كون لا دخلت على المعرفة في كلتا الجملتين، وإذا دخلت على المعارف لم تجر مجرى ليس، وقد سمع من ذلك بيت للنابغة الجعدي، وتأوله النحاة وهو :
وقد لحنوا أبا الطيب في قوله :
فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقياً***
وكنى بقوله :﴿عليهم﴾ عن الاستيلاء والإحاطة، ونزل المعنى منزلة الجرم، ونفى كونه معتلياً مستولياً عليهم.
وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أن الخوف لا ينتفي بالكلية، ألا ترى إلى انصباب النفي على كينونة الخوف عليهم ؟ ولا يلزم من كينونة استعلاء الخوف انتفاء الخوف في كل حال، ولذلك قال بعض المفسرين : ليس في قوله :﴿فلا خوف عليهم﴾ دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها عن المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة، إلا أنها مخففة عن المطيعين.
فإذا صاروا إلى رحمته، فكأنهم لم يخافوا، وقدم عدم الخوف على عدم الحزن، لأن انتفاء الخوف فيما هو آت آكد من انتفاء الحزن على ما فات، ولذلك أبرزت جملته مصدرة بالنكرة التي هي أوغل في باب النفي، وأبرزت الثانية مصدرة بالمعرفة في قوله :﴿ولا هم يحزنون﴾.
وفي قوله :﴿ولا هم يحزنون﴾ إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن، وأن غيرهم يحزن، ولو لم يشر إلى هذا المعنى لكان : ولا يحزنون، كافياً.
ولذلك أورد نفي الحزن عنهم وإذهابه في قوله :﴿إن الذين سبقت لهم﴾ إلى قوله :﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة﴾ ومعلوم أن هذين الخبرين وما قبلهما من الخبر مختص بالذين سبقت لهم من الله الحسنى، وفي قوله
والخوف : الفزع، خاف، يخاف خوفاً وتخوف تخوفاً، فزع، ويتعدى بالهمز وبالتضعيف، ويكون للأمر المستقبل.
وأصل الحزن : غلظ الهم، مأخوذ من الحزن : وهو ما غلظ من الأرض، يقال : حزن يحزن حزناً وحزناً، ويعدى بالهمزة وبالفتحة، نحو : شترت عين الرجل، وشترها الله، وفي التعدية بالفتحة خلاف، ويكون للأمر الماضي.
﴿قلنا هبطوا﴾، كرّر القول، إما على سبيل التأكيد المحض، لأن سبب الهبوط كان أول مخالفة، فكرّر تنبيهاً على ذلك، أو لاختلاف متعلقيهما، لأن الأول علق به العداوة، والثاني علق بإتيان الهدى.
وأما لا على سبيل التأكيد، بل هما هبوطان حقيقة، الأول من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض.
وضعف هذا الوجه بقوله في الهبوط الأول :﴿ولكم في الأرض مستقر﴾، ولم يحصل الاستقرار على هذا التخريج إلا بالهبوط الثاني، فكان ينبغي الاستقرار أن يذكر فيه وبقوله في الهبوط الثاني منها، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة، فاقتضى ذلك أن يكون الهبوط الثاني منهما.
﴿جميعاً﴾ : حال من الضمير في اهبطوا، وقد تقدم الكلام في لفظة جميعاً وأنها تقتضي التعميم في الحكم، لا المقارنة في الزمان عند الكلام على قوله تعالى :﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ فهنا يدل على أنهم كلهم خوطبوا بالهبوط، فقد دلا على اتحاد زمان الهبوط.
وأبعد ابن عطية في قوله : كأنه قال هبوطاً جميعاً، أو هابطين جميعاً، فجعله نعتاً لمصدر محذوف، أو لاسم فاعل محذوف، كل منهما يدل عليه الفعل.
قال : لأن جميعاً ليس بمصدر ولا اسم فاعل، مع منافاة ما قدره للحكم الذي صدره، لأنه قال : أولاً وجميعاً حال من الضمير في اهبطوا.
فإذا كان حالاً من الضمير في اهبطوا على ما قرر أولاً، فكيف يقدر ثانياً ؟ كأنه قال : هبوطاً جميعاً، أو هابطين جميعاً.
فكلامه أخيراً يعارض حكمه أولاً، ولا ينافي كونه ليس بمصدر ولا اسم فاعل وقوعه حالاً حتى يضطر إلى هذا التقدير الذي قدره.
وأبعد غيره أيضاً في زعمه أن التقدير : وقلنا اهبطوا مجتمعين، فهبطوا جميعاً، فجعل ثم حالاً محذوفة لدلالة جميعاً عليها، وعاملاً محذوفاً لدلالة اهبطوا عليه.
ولا يلتئم هذا التقدير مع ما بعده إلا على إضمار قول : أي فقلنا : إما يأتينكم.
وقد تقدم الكلام في المأمورين بالهبوط، وعلى تقدير أن يكون هبوطاً ثانياً، فقيل يخص آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخصا بخطاب الجمع تشريفاً لهما.
وقيل : يندرج في الخطاب لأن إبليس مخاطب بالإيمان بالإجماع، وإن شرطية وما زائدة بعدها للتوكيد، والنون في يأتينكم نون التوكيد، وكثر مجيء هذا النحو في القرآن :﴿فإما ترين﴾ ﴿وإما ينزغنك﴾ ﴿فإما تذهبن﴾ قال أبو العباس المهدوي : إن : هي، التي للشرط زيدت عليها ما للتأكيد ليصح دخول النون للتوكيد في الفعل، ولو سقطت، يعني ما لم تدخل النون، فما تؤكد أول الكلام، والنون تؤكد آخره.
وتبعه ابن عطية في هذا فقال : فإن هي للشرط، دخلت ما عليها مؤكدة ليصح دخول النون المشددة، فهي بمثابة لام القسم التي تجيء لمجيء النون، انتهى كلامه.
وهذا الذي ذهبا إليه من أن النون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت إن بما، هو مذهب المبرد والزجاج، زعما أنها تلزم تشبيهاً بما زيدت للتأكيد في لام اليمين نحو : والله لأخرجن.
وزعموا أن حذف النون إذا زيدت ما بعد إن ضرورة.
وذهب سيبويه والفارسي وجماعة من المتقدمين إلى أن ذلك لا يختص بالضرورة، وأنه يجوز في الكلام إثباتها وحذفها، وإن كان الإثبات أحسن.
وكذلك يجوز حذف ما وإثبات النون، قال سيبويه : في هذه المسألة وإن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجيء بما، انتهى كلامه.
وقد كثر السماع بعدم النون بعد إما، قال الشنفري :
| فإما تريني كابنة الرمل ضاحياً | على رقة أحفى ولا أتنعل |
| يا صاح إما تجدني غير ذي جدة | فما التخلي عن الإخوان من شيمي |
| زعمت تماضر أنني إما أمت | تسدد أبينوها الأصاغر خلتي |
| إمّا أقمت وإمّا كنت مرتحلا | فالله يحفظ ما تبقي وما تذر |
واختلف في هذه الفتحة أهي للبناء، أم بني على السكون وحرك بالفتحة لالتقاء الساكنين : وقد أوضحنا ذلك في كتابنا المسمى ( بالتكميل لشرح التسهيل ).
﴿مني﴾ : متعلق بيأتينكم، وهذا شبيه بالالتفات، لأنه انتقل من الضمير الموضوع للجمع، أو المعظم نفسه، إلى الضمير الخاص بالمتكلم المفرد.
وقد ذكرنا حكمة ذاك الضمير في : قلنا، عند شرح قوله :﴿وقلنا يا آدم اسكن﴾ وحكمة هذا الانتقال هنا أن الهدى لا يكون إلا منه وحده تعالى، فناسب الضمير الخاص كونه لا هادي إلا هو تعالى، فأعطى الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره الضمير الخاص الذي لا يحتمل غيره تعالى.
وفي قوله : مني، إشارة إلى أن الخير كله منه، ولذلك جاء :﴿قد جاءكم برهان من ربكم﴾ ﴿وقد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء﴾ فأتى بكلمة : من، الدالة على الابتداء في الأشياء، لينبه على أن ذلك صادر منه ومبتدأ من جهته تعالى، وأتى بأداة الشرط في قوله :﴿فإما يأتينكم مني هدى﴾، وهي تدخل على ما يتردد في وقوعه، والذي أنبهم زمان وقوعه، وإتيان الهدى واقع لا محالة، لأنه أنبهم وقت الإتيان، أو لأنه آذن ذلك بأن توحيد الله تعالى ليس شرطاً فيه إتيان رسل منه، ولا إنزال كتب بذلك، بل لو لم يبعث رسلاً، ولا أنزل كتباً، لكان الإيمان به واجباً، وذلك لما ركب فيهم من العقل، ونصب لهم من الأدلة، ومكن لهم من الاستدلال، كما قال :
| وفي كل شيء له آية | تدل على أنه واحد |
﴿هدى﴾ : تقدم الكلام على الهدى في قوله :﴿هدى للمتقين﴾ ونكره لأن المقصود هو المطلق، ولم يسبق عهد فيه فيعرّف.
والهدى المذكور هنا : الكتب المنزلة، أو الرسل، أو البيان، أو القدرة على الطاعة، أو محمد رسول الله ﷺ، أقوال.
فمن تبع : الفاء مع ما دخلت عليه جواب لقوله :﴿فإما يأتينكم﴾.
وقال السجاوندي : الجواب محذوف تقديره فاتبعوه، انتهى.
فكأنه على رأيه حذف لدلالة قوله بعده :﴿فمن تبع هداي﴾.
وتظافرت نصوص المفسرين والمعربين على أن : من، في قوله : فمن تبع، شرطية، وأن جواب هذا الشرط هو قوله :﴿فلا خوف﴾، فتكون الآية فيها شرطان.
وحكى عن الكسائي أن قوله :﴿فلا خوف﴾ جواب للشرطين جميعاً، وقد أتقنا مسألة اجتماع الشرطين في ( كتاب التكميل )، ولا يتعين عندي أن تكون من شرطية، بل يجوز أن تكون موصولة، بل يترجح ذلك لقوله في قسيمه :﴿والذين كفروا وكذبوا﴾، فأتى به موصولاً، ويكون قوله :﴿فلا خوف﴾ جملة في موضع الخبر.
وأما دخول الفاء في الجملة الواقعة خبراً، فإن الشروط المسوّغة لذلك موجودة هنا.
وفي قوله :﴿فمن تبع هداي﴾، تنزيل الهدى منزلة الإمام المتبع المقتدى به، فتكون حركات التابع وسكناته موافقة لمتبوعه، وهو الهدى، فحينئذ يذهب عنه الخوف والحزن.
وفي إضافة الهدى إليه من تعظيم الهدى ما لا يكون فيه لو كان معرّفاً بالألف واللام، وإن كان سبيل مثل هذا أن يعود بالألف واللام نحو قوله :﴿إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول﴾ والإضافة تؤدي معنى الألف واللام من التعريف، ويزيد على ذلك بمزية التعظيم والتشريف.
وقرأ الأعرج : هداي بسكون الياء، وفيه الجمع بين ساكنين، كقراءة من قرأ : ومحياي، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف.
وقرأ عاصم الجحدري وعبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن أبي عمر : هديّ، بقلب الألف ياء وإدغامها في ياء المتكلم، إذ لم يمكن كسر ما قبل الياء، لأنه حرف لا يقبل الحركة، وهي لغة هذيل، يقلبون ألف المقصور ياء ويدغمونها في ياء المتكلم، وقال شاعرهم :
| سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم | فتخرموا ولكل قوم مصرع |
قال ابن عطية : والرفع على إعمالها إعمال ليس، ولا يتعين ما قاله، بل الأولى أن يكون مرفوعاً بالابتداء لوجهين : أحدهما : أن إعمال لا عمل ليس قليل جداً، ويمكن النزاع في صحته، وإن صح فيمكن النزاع في اقتياسه.
والثاني : حصول التعادل بينهما، إذ تكون لا قد دخلت في كلتا الجملتين على مبتدأ ولم تعمل فيهما.
ووجه قراءة الزهري ومن وافقه أن ذلك نص في العموم، فينفي كل فرد من مدلول الخوف، وأما الرفع فيجوزه وليس نصاً، فراعوا ما دل على العموم بالنص دون ما يدل عليه بالظاهر.
وأما قراءة ابن محيصن فخرجها ابن عطية على أنه من إعمال لا عمل ليس، وأنه حذف التنوين تخفيفاً لكثرة الاستعمال.
وقد ذكرنا ما في إعمال لا عمل ليس، فالأولى أن يكون مبتدأ، كما ذكرناه، إذا كان مرفوعاً منوناً، وحذف تنوينه كما قال لكثرة الاستعمال، ويجوز أن يكون عري من التنوين لأنه على نية الألف واللام، فيكون التقدير : فلا الخوف عليهم، ويكون مثل ما حكى الأخفش عن العرب : سلام عليكم، بغير تنوين.
قالوا : يريدون السلام عليكم، ويكون هذا التخريج أولى، إذ يحصل التعادل في كون لا دخلت على المعرفة في كلتا الجملتين، وإذا دخلت على المعارف لم تجر مجرى ليس، وقد سمع من ذلك بيت للنابغة الجعدي، وتأوله النحاة وهو :
| وحلت سواء القلب لا أنا باغياً | سواها ولا في حبها متراخيا |
فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقياً***
وكنى بقوله :﴿عليهم﴾ عن الاستيلاء والإحاطة، ونزل المعنى منزلة الجرم، ونفى كونه معتلياً مستولياً عليهم.
وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أن الخوف لا ينتفي بالكلية، ألا ترى إلى انصباب النفي على كينونة الخوف عليهم ؟ ولا يلزم من كينونة استعلاء الخوف انتفاء الخوف في كل حال، ولذلك قال بعض المفسرين : ليس في قوله :﴿فلا خوف عليهم﴾ دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها عن المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة، إلا أنها مخففة عن المطيعين.
فإذا صاروا إلى رحمته، فكأنهم لم يخافوا، وقدم عدم الخوف على عدم الحزن، لأن انتفاء الخوف فيما هو آت آكد من انتفاء الحزن على ما فات، ولذلك أبرزت جملته مصدرة بالنكرة التي هي أوغل في باب النفي، وأبرزت الثانية مصدرة بالمعرفة في قوله :﴿ولا هم يحزنون﴾.
وفي قوله :﴿ولا هم يحزنون﴾ إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن، وأن غيرهم يحزن، ولو لم يشر إلى هذا المعنى لكان : ولا يحزنون، كافياً.
ولذلك أورد نفي الحزن عنهم وإذهابه في قوله :﴿إن الذين سبقت لهم﴾ إلى قوله :﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة﴾ ومعلوم أن هذين الخبرين وما قبلهما من الخبر مختص بالذين سبقت لهم من الله الحسنى، وفي قوله