روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
صفة للمتقين قبل، فإن أريد بالتقوى أولى مراتبها فمخصصة أو ثانيتها فكاشفة أو ثالثتها فمادحة. وفي «شرح المفتاح الشريفي » إن حمل المتقي على معناه الشرعي أعني الذي يفعل الواجبات ويترك السيآت فإن كان المخاطب جاهلاً بذلك المعنى كان الوصف كاشفاً وإن كان عالماً كان مادحاً وإن حمل على ما يقرب من معناه اللغوي كان مخصصاً، واستظهر كون الموصول مفصولاً قصد الإخبار عنه بما بعده لا إثباته لما قبله وإن فهم ضمناً فهو وإن لم يجر عليه كالجاري وهذا كاف في الارتباط، والاستئناف إما نحوي أو بياني كأنه قيل ما بال المتقين خصوا بذلك الهدى، والوقف على ﴿المتقين﴾ [البقرة: ٢] تام على هذا الوجه حسن على الوجه الأول. والإيمان في اللغة التصديق أي إذعان حكم المخبر وقبوله وجعله صادقاً وهو إفعال من الأمن كأن حقيقة آمن به آمنه التكذيب والمخالفة ويتعدى باللام كما في قوله تعالى :﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١] وبالباء كما في قوله ﷺ :«الإيمان أن تؤمن بالله » الحديث، قالوا : والأول باعتبار تضمينه معنى الإذعان والثاني باعتبار تضمينه معنى الاعتراف إشارة إلى أن التصديق لا يعتبر ما لم يقترن به الاعتراف وقد يطلق بمعنى الوثوق من حيث إن الواثق صار ذا أمن وهو فيه حقيقة عرفية أيضاً كما في «الأساس » ويفهم مجازيته ظاهر كلام «الكشاف » وأما في الشرع فهو : التصديق بما على مجيء النبي ﷺ به ضرورة تفصيلاً فيما علم تفصيلاً وإجمالاً فيما علم إجمالاً، وهذا مذهب جمهور المحققين لكنهم اختلفوا في أن مناط الأحكام الأخروية مجرد هذا المعنى أم مع الإقرار ؟ فذهب الأشعري وأتباعه إلى أن مجرد هذا المعنى كاف لأنه المقصود والإقرار إنما هو ليعلم وجوده فإنه أمر باطن ويجري عليه الأحكام فمن صدق بقلبه وترك الإقرار مع تمكنه منه كان مؤمناً شرعاً فيما بينه وبين الله تعالى ويكون مقره الجنة لكن ذكر ابن الهمام أن أهل هذا القول اتفقوا على أنه يلزم أن يعتقد أنه متى طلب منه الإقرار أتى به، فإن طولب ولم يقر فهو كفر عناد، وذهب إمامنا أبو حنيفة رحمه الله وغالب من تبعه إلى أن الإقرار وما في حكمه كإشارة الأخرس لا بد منه فالمصدق المذكور لا يكون مؤمناً إيماناً يترتب عليه الأحكام الأخروية كالمصلي مع الرياء فإنه لا تنفعه صلاته ولعل هذا لأنه تعالى ذم المعاندين أكثر مما ذم الجاهلين المقصرين وللمانع أن يجعل الذم للإنكار اللساني ولا شك أنه علامة التكذيب أو للإنكار القلبي الذي هو التكذيب، وحاصل ذلك منع حصول التصديق للمعاند فإنه ضد الإنكار وإنما الحاصل له المعرفة التي هي ضد النكارة والجهالة، وقد اتفقوا على أن تلك المعرفة خارجة عن التصديق اللغوي وهو المعتبر في الإيمان نعم اختلفوا في أنها هل هي داخلة في التصور أم في التصديق المنطقي فالعلامة الثاني على الأول وأنه يجوز أن تكون الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصوراً وأن التصديق المنطقي بعينه التصديق اللغوي ؛ ولذا فسره رئيسهم في الكتب الفارسية ( بكر ويدن ) وفي العربية بما يخالف التكذيب والإنكار وهذا بعينه المعنى اللغوي ويؤيده ما أورده السيد السند في «حاشية شرح التلخيص » أن المنطقي إنما يبين ما هو في العرف واللغة إلا أنه يرد أن المعنى المعبر عنه ( بكر ويدن ) أمر قطعي وقد نص عليه العلامة في «المقاصد » ولذا يكفي في باب الإيمان التصديق البالغ حد الجزم والإذعان مع أن التصديق المنطقي يعم الظني بالاتفاق فإنهم يقسمون العلم بالمعنى الأعم تقسيماً حاصراً إلى التصور والتصديق توسلاً به إلى بيان الحاجة إلى المنطق بجميع أجزائه التي منها القياس الجدلي المتألف من المشهورات والمسلمات ومنها القياس الخطابي المتألف من المقبولات والمظنونات، والشعري المتألف من المخيلات فلو لم يكن التصديق المنطقي عاماً لم يثبت الاحتياج إلى هذه الأجزاء وهو ظاهر، وصدر الشريعة على الأخير فإن الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصديق قطعاً فإن كان حاصلاً بالقصد والاختيار بحيث يستلزم الإذعان والقبول فهو تصديق لغوي وإن لم يكن كذلك كمن وقع بصره على شيء فعلم أنه جدار مثلاً فهو معرفة يقينية وليس بتصديق لغوي فالتصديق اللغوي عنده أخص من المنطقي.
وذهب الكرامية إلى أن الإيمان شرعاً إقرار اللسان بالشهادتين لا غير، والخوارج والعلاف وعبد الجبار من المعتزلة إلى أن كل طاعة إيمان فرضاً كانت أو نفلاً، والجبائي وابنه وأكثر معتزلة البصرة إلى أنه الطاعات المفترضة دون النوافل منها، والقلانسي من أهل السنة والنجار من المعتزلة وهو مذهب أكثر أهل الأثر إلى أنه المعرفة بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، قيل : وسر هذا الاختلاف، الاختلاف في أن المكلف هو الروح فقط أو البدن فقط أو مجموعهما ؟ والحق أن منشأ كل مذهب دليل دعا صاحبه إلى السلوك فيه، وأوضح المذاهب أنه التصديق ؛ ولذا قال يعسوب المؤمنين عليّ كرم الله تعالى وجهه إن الإيمان معرفة والمعرفة تسليم والتسليم تصديق، ويؤيد هذا المذهب قوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ [ المجادله : ٢٢ ] وقوله تعالى :﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الايمان في قُلُوبِكُمْ﴾ [ الحجرات : ٤ ١ ] وقوله تعالى :﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] وقوله ﷺ :«اللهم ثبت قلبي على دينك » حيث نسبه فيها وفي نظائرها الغير المحصورة إلى القلب فدل ذلك على أنه فعل القلب وليس سوى التصديق إذ لم يبين في الشرع بمعنى آخر فلا نقل وإلا لكان الخطاب بالإيمان خطاباً بما لا يفهم ولأنه خلاف الأصل فلا يصار إليه بلا دليل واحتمال أن يراد بالنصوص الإيمان اللغوي فهو الذي محله القلب لا الإيمان الشرعي فيجوز أن يكون الإقرار أو غيره جزءاً من معناه يدفعه أن الإيمان من المنقولات الشرعية بحسب خصوص المتعلق ولذا بين ﷺ متعلق دون معناه فقال : أن تؤمن بالله وملائكته » الحديث فهو في المعنى اللغوي مجاز في كلام الشارع والأصل في الإطلاق الحقيقة، وأيضاً ورد في عطف الأعمال على الإيمان كقوله تعالى :﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [ البقرة : ٧٧ ٢ ] والجزء لا يعطف على كله ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح﴾ [القدر: ٤] على أحد الوجهين بتأويل الخروج لاعتبار خطابي وتخصيصها بالنوافل بناء على خروجها خلاف الظاهر وكفى بالظاهر حجة، وأيضاً جعل الإيمان شرط صحة الأعمال كقوله تعالى :﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [ طه : ٢ ١١ ] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء لنفسه إذ جزء الشرط شرط، وأيضاً ورد إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى :﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] مع أنه لا يتحقق للشيء بدون ركنه، وأيضاً ما ذكرناه أقرب إلى الأصل إذ لا فرق بينهما إلا باعتبار خصوص المتعلق كما لا يخفى، وقد أورد الخصم وجوهاً في الإلزام، الأول : أن الإيمان لو كان عبارة عن التصديق لما اختلف مع أن إيمان الرسول ﷺ لا يشبهه إيمان العوام بل ولا الخواص، الثاني : أن الفسوق يناقض الإيمان ولا يجامعه، بنص ﴿ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق﴾ [الحجرات: ٧] ولو كان بمعنى التصديق لما امتنع مجامعته، الثالث : أن فعل الكبيرة مما ينافيه لقوله تعالى :﴿وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً﴾ [ الأحزاب : ٣ ٤ ] مع قوله تعالى في المرتكب :﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] ولو كان بمعنى التصديق ما نافاه، الرابع : أن المؤمن غير مخزي لقوله تعالى :﴿يَوْمٌ لاَّ يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ [التحريم: ٨] وقال سبحانه في قطاع الطريق :﴿ذلك لَهُمْ خِزْي في الدنيا وَلَهُمْ في الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] فهم ليسوا بمؤمنين مع أنهم مصدقون. الخامس : مستطيع الحج إذا تركه من غير عذر كافر لقوله تعالى :﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [ آل عمران : ٧ ٩ ] مع أنه مصدق، السادس : من لم يحكم بما أنزل الله مصدق مع أنه كافر بنص ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] السابع : أن الزاني كذلك بنص قوله ﷺ :«لا يزني الزاني وهو مؤمن » وكذا تارك الصلاة عمداً من غير عذر وأمثال ذلك، الثامن : أن المستخف بنبي مثلاً مصدق مع أنه كافر بالإجماع. التاسع : أن فعل الواجبات هو الدين لقوله تعالى :﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ [البينة: ٥] والدين هو الإسلام لقوله تعالى :﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: ٩] والإسلام هو الإيمان لأنه لو كان غير لما قبل من مبتغيه لقوله سبحانه :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [ آل عمران : ٥ ٨ ] العاشر : أنه لو كان هو التصديق لما صح وصف المكلف به حقيقة إلا وقت صدوره منه كما في سائر الأفعال مع أن النائم والغافل يوصفان به إجماعاً مع أن التصديق غير باق فيهما، الحادي عشر : أنه يلزم أن يقال لمن صدق بآلهية غير الله سبحانه مؤمن وهو خلاف الاجماع، الثاني عشر : أن الله تعالى وصف بعض المؤمنين به عز وجل بكونه مشركاً فقال :﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [ يوسف : ٠٦ ١ ] ولو كان هو التصديق لامتنع مجامعته للشرك، سلمنا أنه هو ولكن ما المانع أن يكون هو التصديق باللسان كما قاله الكرامية، كيف وأهل اللغة لا يفهمون من التصديق غير التصديق باللسان ؟ وأجيب عن الأول بأن التصديق الواحد وإن سلمنا عدم الزيادة والنقصان فيه من النبي والواحد منا إلا أنه لا يمتنع التفاوت بين الإيمانين بسبب تخلل الفعلة والقوة بين أعداد الإيمان المتجددة وقلة تخللها أو بسبب عروض الشبه والتشكيكات وعدم عروضها، وللنبي الأكمل الأكمل ﷺ.
وعن الثاني بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن الفسوق لا يجامع الإيمان فإنه لو قيل حبب إليكم العلم وكره إليكم الفسوق لم يدل على المناقضة بين العلم والفسوق وكون الكفر مقابلاً للإيمان لم يستفد من الآية بل من خارج ولئن سلمنا دلالة الآية على ما ذكرتم إلا أن ذلك معارض بما يدل على عدمه كقوله تعالى :﴿الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ﴾ [ الأنعام : ٢ ٨ ] فإنه يدل على مقارنة الظلم للايمان في بعض، وعن الثالث بأنا لا نسلم أن فعل الكبيرة مناف للايمان ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ الله﴾ [النور: ٢] على معنى لا تحملنكم الشفقة على إسقاط حدود الله تعالى بعد وجوبها، وعن الرابع بأن ما ذكر من الآيتين ليس فيه دلالة لأن آية نفي الخزي إنما دلت على نفيه في الآخرة عن ال
وذهب الكرامية إلى أن الإيمان شرعاً إقرار اللسان بالشهادتين لا غير، والخوارج والعلاف وعبد الجبار من المعتزلة إلى أن كل طاعة إيمان فرضاً كانت أو نفلاً، والجبائي وابنه وأكثر معتزلة البصرة إلى أنه الطاعات المفترضة دون النوافل منها، والقلانسي من أهل السنة والنجار من المعتزلة وهو مذهب أكثر أهل الأثر إلى أنه المعرفة بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، قيل : وسر هذا الاختلاف، الاختلاف في أن المكلف هو الروح فقط أو البدن فقط أو مجموعهما ؟ والحق أن منشأ كل مذهب دليل دعا صاحبه إلى السلوك فيه، وأوضح المذاهب أنه التصديق ؛ ولذا قال يعسوب المؤمنين عليّ كرم الله تعالى وجهه إن الإيمان معرفة والمعرفة تسليم والتسليم تصديق، ويؤيد هذا المذهب قوله تعالى :﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ [ المجادله : ٢٢ ] وقوله تعالى :﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الايمان في قُلُوبِكُمْ﴾ [ الحجرات : ٤ ١ ] وقوله تعالى :﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] وقوله ﷺ :«اللهم ثبت قلبي على دينك » حيث نسبه فيها وفي نظائرها الغير المحصورة إلى القلب فدل ذلك على أنه فعل القلب وليس سوى التصديق إذ لم يبين في الشرع بمعنى آخر فلا نقل وإلا لكان الخطاب بالإيمان خطاباً بما لا يفهم ولأنه خلاف الأصل فلا يصار إليه بلا دليل واحتمال أن يراد بالنصوص الإيمان اللغوي فهو الذي محله القلب لا الإيمان الشرعي فيجوز أن يكون الإقرار أو غيره جزءاً من معناه يدفعه أن الإيمان من المنقولات الشرعية بحسب خصوص المتعلق ولذا بين ﷺ متعلق دون معناه فقال : أن تؤمن بالله وملائكته » الحديث فهو في المعنى اللغوي مجاز في كلام الشارع والأصل في الإطلاق الحقيقة، وأيضاً ورد في عطف الأعمال على الإيمان كقوله تعالى :﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ [ البقرة : ٧٧ ٢ ] والجزء لا يعطف على كله ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح﴾ [القدر: ٤] على أحد الوجهين بتأويل الخروج لاعتبار خطابي وتخصيصها بالنوافل بناء على خروجها خلاف الظاهر وكفى بالظاهر حجة، وأيضاً جعل الإيمان شرط صحة الأعمال كقوله تعالى :﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [ طه : ٢ ١١ ] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط لامتناع اشتراط الشيء لنفسه إذ جزء الشرط شرط، وأيضاً ورد إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى :﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] مع أنه لا يتحقق للشيء بدون ركنه، وأيضاً ما ذكرناه أقرب إلى الأصل إذ لا فرق بينهما إلا باعتبار خصوص المتعلق كما لا يخفى، وقد أورد الخصم وجوهاً في الإلزام، الأول : أن الإيمان لو كان عبارة عن التصديق لما اختلف مع أن إيمان الرسول ﷺ لا يشبهه إيمان العوام بل ولا الخواص، الثاني : أن الفسوق يناقض الإيمان ولا يجامعه، بنص ﴿ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق﴾ [الحجرات: ٧] ولو كان بمعنى التصديق لما امتنع مجامعته، الثالث : أن فعل الكبيرة مما ينافيه لقوله تعالى :﴿وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً﴾ [ الأحزاب : ٣ ٤ ] مع قوله تعالى في المرتكب :﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] ولو كان بمعنى التصديق ما نافاه، الرابع : أن المؤمن غير مخزي لقوله تعالى :﴿يَوْمٌ لاَّ يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ [التحريم: ٨] وقال سبحانه في قطاع الطريق :﴿ذلك لَهُمْ خِزْي في الدنيا وَلَهُمْ في الأخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] فهم ليسوا بمؤمنين مع أنهم مصدقون. الخامس : مستطيع الحج إذا تركه من غير عذر كافر لقوله تعالى :﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ [ آل عمران : ٧ ٩ ] مع أنه مصدق، السادس : من لم يحكم بما أنزل الله مصدق مع أنه كافر بنص ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤] السابع : أن الزاني كذلك بنص قوله ﷺ :«لا يزني الزاني وهو مؤمن » وكذا تارك الصلاة عمداً من غير عذر وأمثال ذلك، الثامن : أن المستخف بنبي مثلاً مصدق مع أنه كافر بالإجماع. التاسع : أن فعل الواجبات هو الدين لقوله تعالى :﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ [البينة: ٥] والدين هو الإسلام لقوله تعالى :﴿إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: ٩] والإسلام هو الإيمان لأنه لو كان غير لما قبل من مبتغيه لقوله سبحانه :﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [ آل عمران : ٥ ٨ ] العاشر : أنه لو كان هو التصديق لما صح وصف المكلف به حقيقة إلا وقت صدوره منه كما في سائر الأفعال مع أن النائم والغافل يوصفان به إجماعاً مع أن التصديق غير باق فيهما، الحادي عشر : أنه يلزم أن يقال لمن صدق بآلهية غير الله سبحانه مؤمن وهو خلاف الاجماع، الثاني عشر : أن الله تعالى وصف بعض المؤمنين به عز وجل بكونه مشركاً فقال :﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [ يوسف : ٠٦ ١ ] ولو كان هو التصديق لامتنع مجامعته للشرك، سلمنا أنه هو ولكن ما المانع أن يكون هو التصديق باللسان كما قاله الكرامية، كيف وأهل اللغة لا يفهمون من التصديق غير التصديق باللسان ؟ وأجيب عن الأول بأن التصديق الواحد وإن سلمنا عدم الزيادة والنقصان فيه من النبي والواحد منا إلا أنه لا يمتنع التفاوت بين الإيمانين بسبب تخلل الفعلة والقوة بين أعداد الإيمان المتجددة وقلة تخللها أو بسبب عروض الشبه والتشكيكات وعدم عروضها، وللنبي الأكمل الأكمل ﷺ.
| وللزنبور والبازي جميعا | لدى الطيران أجنحة وخفق |
| ولكن بين ما يصطاد باز | وما يصطاده الزنبور فرق |