محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣ من سورة البقرة في ١١٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٥٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣ من سورة البقرة

١١٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :( الّذينَ يُؤْمنُونَ ) قال : يصدقون.
حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس : يُؤْمِنُونَ يصدّقون.
حدثني المثنى بن إبراهيم، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : يُؤْمِنُونَ يخشون.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال : حدثنا محمد بن ثور عن معمر، قال : قال الزهري : الإيمان : العمل.
وحدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن العلاء ابن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله، قال : الإيمان : التصديق.
ومعنى الإيمان عند العرب : التصديق، فيُدْعَى المصدّق بالشيء قولاً مؤمنا به، ويُدْعَى المصدّق قوله بفعله مؤمنا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه :( وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صَادِقِينَ ) يعني : وما أنت بمصدق لنا في قولنا. وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل. والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية وأشبه بصفة القوم : أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب، قولاً، واعتقادا، وعملاً، إذ كان جل ثناؤه لم يحصرهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى، بل أجمل وصفهم به من غير خصوص شيء من معانيه أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل.

القول في تأويل قوله تعالى : بالغَيْبِ.


حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : بالغيب قال : بما جاء منه، يعني من الله جل ثناؤه.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي : بالغيب أما الغيب : فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن. لم يكن تصديقهم بذلك يعني المؤمنين من العرب من قِبَلِ أصل كتاب أو علم كان عندهم.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال : حدثنا سفيان عن عاصم، عن زر، قال : الغيب : القرآن.
حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروة، عن قتادة في قوله :( الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْب ) قال : آمنوا بالجنة والنار والبعث بعد الموت وبيوم القيامة، وكل هذا غيب.
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس :( الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ ) : آمنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب. وأصل الغيب : كل ما غاب عنك من شيء، وهو من قولك : غاب فلان يغيب غيبا.
وقد اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم، وفي نعتهم وصفتهم التي وصفهم بها من إيمانهم بالغيب، وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيره. فقال بعضهم : هم مؤمنو العرب خاصة، دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب. واستدلوا على صحة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم بالآية التي تتلو هاتين الاَيتين، وهو قول الله عز وجل :﴿وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قالوا : فلم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي أنزله الله عز وجل على محمد ﷺ تدين بتصديقه والإقرار والعمل به، وإنما كان الكتاب لأهل الكتابين غيرها. قالوا : فلما قص الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب، علمنا أن كل صنف منهم غير الصنف الاَخر، وأن المؤْمنين بالغيب نوع غير النوع المصدّق بالكتابين اللذين أحدهما منزل على محمد ﷺ، والآخر منهما على من قبله من رسل الله تعالى ذكره. قالوا : وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى :﴿الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ﴾ إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار والثواب والعقاب والبعث، والتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله وجميع ما كانت العرب لا تدين به في جاهليتها، بما أوجب الله جل ثناؤه على عباده الدينونة به دون غيرهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، ﴿وَيقِيمُونَ الصلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أما الغيب : فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وما ذكر الله في القرآن. لم يكن تصديقهم بذلك من قِبَلِ أصلِ كتابٍ أو علم كان عندهم. ﴿وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب.
وقال بعضهم : بل نزلت هذه الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة، لإيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرّونها، فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه ﷺ على ذلك منهم في تنزيله أنه من عند الله جل وعز، فآمنوا بالنبي ﷺ وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها لما استقرّ عندهم بالحجة التي احتجّ الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه، من الإخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم أن جميع ذلك من عند الله.
وقال بعضهم : بل الاَيات الأربع من أول هذه السورة أنزلت على محمد ﷺ بوصف جميع المؤمنين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم وأهل الكتابين و سواهم، وإنما هذه صفة صنف من الناس، والمؤمن بما أنزل الله على محمد ﷺ وما أنزل من قبله هو المؤمن بالغيب. قالوا : وإنما وصفهم الله بالإيمان بما أنزل إلى محمد وبما أنزل إلى من قبله بعد تَقَضّي وصفه إياهم بالإيمان بالغيب لأن وصفه إياهم بما وصفهم به من الإيمان بالغيب كان معنيا به أنهم يؤمنون بالجنة والنار والبعث، وسائر الأمور التي كلفهم الله جل ثناؤه بالإيمان بها مما لم يروه ولم يأت بَعْدُ مما هو آت، دون الإخبار عنهم أنهم يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ ومن قبله من الرسل والكتب. قالوا : فلما كان معنى قوله :﴿وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ غير موجود في قوله :( الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ) كانت الحاجة من العباد إلى معرفة صفتهم بذلك ليعرفوهم نظير حاجتهم إلى معرفتهم بالصفة التي وصفوا بها من إيمانهم بالغيب ليعلموا ما يرضي الله من أفعال عباده، ويحبه من صفاتهم، فيكونوا به إن وفقهم له ربهم. مؤمنين. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، قال : حدثنا أبو عاصم الضحاك ابن مخلد، قال : حدثنا عيسى بن ميمون المكي، قال : حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد بمثله.
وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال حدثنا موسى بن مسعود، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
وحدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع بن أنس، قال : أربع آيات من فاتحة هذه السورة يعني سورة البقرة في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب.
وأولى القولين عندي بالصواب وأشبههما بتأويل الكتاب، القول الأول، وهو : أن الذين وصفهم الله تعالى ذكره بالإيمان بالغيب، وما وصفهم به جل ثناؤه في الاَيتين الأوّلَتين غير الذين وصفهم بالإيمان بالذي أنزل على محمد والذي أنزل إلى من قبله من الرسل لما ذكرت من العلل قبل لمن قال ذلك، ومما يدل أيضا مع ذلك على صحة هذا القول إنه جَنّسَ بعد وصف المؤمنين بالصفتين اللتين وصف، وبعد تصنيفه كل صنف منهما على ما صنف الكفار جِنْسَين، فجعل أحدهما مطبوعا على قلبه مختوما عليه مأيوسا من إيمانه، والاَخر منافقا يرائي بإظهار الإيمان في الظاهر، ويستسرّ النفاق في الباطن، فصير الكفار جنسين كما صير المؤمنين في أول السورة جنسين. ثم عرّف عباده نعت كل صنف منهم وصفتهم وما أعدّ لكل فريق منهم من ثواب أو عقاب، وذمّ أهل الذمّ منهم، وشكر سعي أهل الطاعة منهم. القول في تأويل قوله تعالى :﴿ويُقِيمُونَ﴾.
إقامتها : أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها على ما فُرضت عليه، كما يقال : أقام القوم سوقهم، إذا لم يعطلوها من البيع والشراء فيها، وكما قال الشاعر :
أقَمْنا لأِهْلِ العِرَاقَيْنِ سُوقَ الضِْرابِ فخَاموا ووَلّوْا جَمِيعَا
وكما حدثنا محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :( وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ ) قال : الذين يقيمون الصلاة بفروضها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد عن بشر بن عمار، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس :( وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ ) قال : إقامة الصلاة : تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿الصّلاةَ﴾.


حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا جويبر عن الضحاك في قوله :( الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاةَ ) يعني الصلاة المفروضة.
وأما الصلاة في كلام العرب فإنها الدعاء كما قال الأعشى :
لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدّهْرَ بَيْتَهَاوَإنْ ذُبِحَتْ صَلّى عَلَيْهَا وَزَمْزَما
يعني بذلك : دعا لها، وكقول الاَخر أيضا :
وَقابَلَها الرّيحَ في دَنّهاوَصَلّى على دَنّها وَارْتَسَمَ
وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة لأن المصلي متعرّض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته تعرض الداعي بدعائه ربه استنجاح حاجاته وسؤله.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.


اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فقال بعضهم بما :
حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسح
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه، فأطاعوه بأدائها. وذلك أنّ الله عزّ وجلّ وصَفهم بالتقوَى، فلم يحصُرْ تقواهم إياه على بعضِ ما هو أهلٌ له منهم دون بعض (١). فليس لأحد من الناس أن يحصُر معنى ذلك، على وَصْفهم بشيء من تَقوى الله عز وجل دون شيء، إلا بحجة يجبُ التسليمُ لها. لأن ذلك من صفة القوم -لو كان محصورًا على خاصّ من معاني التقوى دون العامّ منها- لم يدعِ الله جل ثناؤه بيانَ ذلك لعباده: إما في كتابه، وإما على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، إذْ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التقوى.
فقد تبيّن إذًا بذلك فسادُ قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو: الذين اتَّقَوُا الشرك وبرئوا من النِّفاق. لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسقٌ غيرُ مستَحِق أن يكون من المتقين، إلا أن يكون -عند قائل هذا القول- معنى النفاق: ركوبُ الفواحش التي حَرَّمها الله جل ثناؤه، وتضييعُ فرائضه التي فرضها عليه. فإن جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمِّي من كان يفعل ذلك منافقًا. فيكون -وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم- مصيبًا تأويلَ قول الله عز وجل"للمتقين".
* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾


٢٦٧- حدثنا محمد بن حُميد الرازي، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"الذين يؤمنون"، قال: يصدِّقون.
٢٦٨- حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السَّهمي، قال: حدثنا أبو صالح،
(١) في المطبوعة: "وذلك أن الله عز وجل إنما وصفهم"، ولا فائدة من زيادة"إنما". ثم جاء في المخطوطة والمطبوعة: "فلم يحصر تقواهم إياه على بعضها من أهل منهم دون بعض"؛ وهو كلام مختلط، وصوابه ما أثبته، وهو معنى الكلام كما ترى بعد.
قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يؤمنون": يصدِّقون (١).
٢٦٩- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"يؤمنون": يخشَوْنَ.
٢٧٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن مَعْمَر، قال: قال الزهري: الإيمانُ العملُ (٢).
٢٧١- حُدِّثْتُ عن عمّار بن الحسن قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن العلاء بن المسيَّب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: الإيمان: التَّصْديق (٣).
ومعنى الإيمان عند العرب: التصديق، فيُدْعَى المصدِّق بالشيء قولا مؤمنًا به، ويُدْعى المصدِّق قولَه بفِعْله، مؤمنًا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [سورة يوسف: ١٧]، يعني: وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا. وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القولِ بالعمل. والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرارَ بالله وكتُبه ورسلِه، وتصديقَ الإقرار بالفعل. وإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآيةِ، وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغَيْبِ قولا واعتقادًا وعملا إذ كان جلّ ثناؤه لم يحصُرْهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى، بل أجمل وصْفهم به، من غير خُصوصِ شيء من معانيه أخرجَهُ من صفتهم بخبرٍ ولا عقلٍ.
* * *
(١) الأثر ٢٦٧- سيأتي باقيه بهذا الإسناد: ٢٧٢. ونقلهما ابن كثير ١: ٧٣ مفرقين. ونقل ٢٦٨ مع أولهما. ونقل السيوطي ١: ٢٥ الثلاثة مجتمعة.
(٢) الأثران ٢٦٩ - ٢٧٠: ذكرهما ابن كثير ١: ٧٣
(٣) الخبر ٢٧١- عبد الله: هو ابن مسعود. وقد نقل ابن كثير هذا الخبر وحده ١: ٧٣، ثم نقل الخبر الآتي ٢٧٣ وحده. وفصل إسناد كل واحد منهما. أما السيوطي ١: ٢٥ فقد جمع اللفظين دون بيان، وأدخل معهما لفظ الخبر ٢٧٧! وهو تصرف غير سديد، لاختلاف الإسنادين أولا، ولأن ٢٧٣، ٢٧٧ ليسا عن ابن مسعود وحده، كما ترى.

القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿بِالْغَيْبِ﴾


٢٧٢- حدثنا محمد بن حُميد الرازي، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"بالغيب"، قال: بما جاء منه، يعني: من الله جل ثناؤه.
٢٧٣- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،"بالغيب": أما الغيْبُ فما غابَ عن العباد من أمر الجنة وأمرِ النار، وما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن. لم يكن تصديقهُم بذلك -يعني المؤمنين من العرب- من قِبَل أصْل كتابٍ أو عِلْم كان عندَهم.
٢٧٤- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزّبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرٍّ، قال: الغيبُ القرآن (١).
٢٧٥- حدثنا بشر بن مُعَاذ العَقَدي، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله"الذين يُؤمنون بالغيب"، قال: آمنوا بالجنّة والنار، والبَعْث بعدَ الموت، وبيوم القيامة، وكلُّ هذا غيبٌ (٢).
٢٧٦- حُدِّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر،
(١) الأثر ٢٧٤- سفيان: هو الثوري، عاصم: هو ابن أبي النجود -بفتح النون- القارئ. زر، بكسر الزاي وتشديد الراء: هو ابن حبيش، بضم الحاء. وهو تابعي كبير إمام. وهذا الأثر عند ابن كثير ١: ٧٣ - ٧٤.
(٢) الأثر ٢٧٥- ذكره ابن كثير والسيوطي أيضًا.
عن أبيه، عن الربيع بن أنس،"الذين يؤمنون بالغيب": آمنوا بالله وملائكته ورُسُلِه واليومِ الآخِر، وجَنّته وناره ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت. فهذا كله غيبٌ (١).
وأصل الغيب: كُلّ ما غاب عنك من شيءٍ. وهو من قولك: غاب فُلان يغيبُ غيبًا.
وقد اختلفَ أهلُ التأويل في أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم، وفي نَعْتهم وصِفَتهم التي وَصفَهم بها، من إيمانهم بالغيب، وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيرَه.
فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصة، دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب.
واستدَلُّوا على صحّة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم، بالآية التي تتلو هاتين الآيتين، وهو قول الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ). قالوا: فلم يكن للعرب كتابٌ قبل الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجلّ على محمد صلى الله عليه وسلم، تدينُ بتصديقِه والإقرار والعملِ به. وإنما كان الكتابُ لأهل الكتابين غيرِها. قالوا: فلما قصّ الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله -بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب- علمنا أن كلَّ صِنفٍ منهم غيرُ الصنف الآخر، وأن المؤمنين بالغيب نوعٌ غيرُ النوع المصدِّق بالكتابين اللذين أحدهما مُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والآخرُ منهما على مَنْ قَبْلَ رسول الله (٢).
(١) الأثر ٢٧٦- ذكره ابن كثير ١: ٧٣ هكذا: "قال أبو جعفر الرازي عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية... ". وذكره السيوطي ١: ٢٥ هكذا: "وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية.. ". فأخشى أن يكون ذكر"عن أبي العالية" سقط من الإسناد من نسخ الطبري، لثبوته عند هذين الناقلين عنه.
(٢) في المخطوطة: "والآخر منهما على من قبله رسول الله"، والظاهر أن صوابها: "على من قبل رسول الله"، كما أثبتناها. وأما المطبوعة ففيها: "على من قبله من رسل الله تعالى ذكره".
قالوا: وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار، والثَّواب والعقاب والبعث، والتصديقِ بالله ومَلائكته وكُتُبه ورسله، وجميع ما كانت العرب لا تدينُ به في جاهليِّتها، مما أوجب الله جل ثناؤه على عِبَاده الدَّيْنُونة به - دون غيرهم.
* ذكر من قال ذلك:
٢٧٧- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أما (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)، فهم المؤمنون من العرب، (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وما ذكر الله في القرآن. لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم. (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب (١).
وقال بعضهم: بل نزلت هذه الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة، لإيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرونها، فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه ﷺ على ذلك منهم في تنزيله، أنه من عند الله جل وعز، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها، لما استقر عندهم - بالحجة التي احتج الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه، من الإخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم - أن جميع ذلك من عند الله.
(١) الخبر ٢٧٧- سبق أوله بهذا الإسناد: ٢٧٣. ولم يذكره ابن كثير بهذا اللفظ المطول. وقد مضى في شرح ٢٧١ أن السيوطي جمع الألفاظ الثلاثة: ٢٧١، ٢٧٣، ٢٧٧ في سياقة واحدة!
وقال بعضهم: بل الآيات الأربع من أول هذه السورة، أنزلت على محمد ﷺ بوصف جميع المؤمنين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم، وأهل الكتابين وسواهم (١). وإنما هذه صفة صنف من الناس، والمؤمن بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل من قبله، هو المؤمن بالغيب.
قالوا: وإنما وصفهم الله بالإيمان بما أنزل إلى محمد وبما أنزل إلى من قبله، بعد تقضي وصفه إياهم بالإيمان بالغيب، لأن وصفه إياهم بما وصفهم به من الإيمان بالغيب، كان معنيا به أنهم يؤمنون بالجنة والنار والبعث وسائر الأمور التي كلفهم الله جل ثناؤه الإيمان بها، مما لم يروه ولم يأت بعد مما هو آت، دون الإخبار عنهم أنهم يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ ومن قبله من الرسل ومن الكتب.
قالوا: فلما كان معنى قوله تعالى ذكره: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ) غير موجود في قوله (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) - كانت الحاجة من العباد إلى معرفة صفتهم بذلك ليعرفوهم، نظير حاجتهم إلى معرفتهم بالصفة التي وصفوا بها من إيمانهم بالغيب، ليعلموا ما يرضى الله من أفعال عباده ويحبه من صفاتهم، فيكونوا به -إن وفقهم له ربهم-[مؤمنين] (٢).
* ذكر من قال ذلك:
٢٧٨- حدثني محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا عيسى بن ميمون المكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين،
(١) في المطبوعة والمخطوطة"وأهل الكتابين سواهم"، والصواب أن يقال"وسواهم". فقد ذكر الطبري ثلاثة أقوال: أما الأول: فهو أن المعنى به العرب خاصة، والثاني: أن المعنى به أهل الكتاب خاصة، فيكون الثالث: أن يعني به الصنفين جميعا وسواهم من الناس.
(٢) هذه الزيادة بين القوسين واجبة لتمام المعنى. وليست في المطبوعة ولا المخطوطة.
وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين (١).
٢٧٩- حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، بمثله (٢).
٢٨٠- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا موسى بن مسعود، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله (٣).
٢٨١- حُدِّثت عن عمار بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: أربعُ آياتٍ من فاتحة هذه السورة -يعني سورة البقرة- في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب.
وأولى القولين عندي بالصواب، وأشبههما بتأويل الكتاب، القولُ الأول، وهو: أنّ الذين وَصَفهم الله تعالى ذِكره بالإيمان بالغيب، وبما وصفهم به جَلَّ ثناؤه في الآيتين الأوَّلتَيْن (٤)، غير الذين وصفهم بالإيمان بالذي أنزِل على محمد والذي أنزل على مَنْ قبله من الرسل، لما ذكرت من العلل قبلُ لمن قال ذلك.
ومما يدلّ أيضًا مع ذلك على صحّة هذا القول، أنه جنَّسَ - بعد وصف المؤمنين بالصِّفتين اللتين وَصَف، وبعد تصنيفه كلَّ صنف منهما على ما صنَّف الكفار -
(١) الأثر ٢٧٨- أبو عاصم: هو النبيل، الحافظ الكبير. عيسى بن ميمون المكي: هو المعروف بابن داية، قال ابن عيينة: "كان قارئًا للقرآن. قرأ على ابن كثير". وثقه أبو حاتم وغيره.
(٢) الأثر ٢٧٩- هذا إسناد ضعيف، بضعف سفيان بن وكيع، ولإبهام الرجل الذي روى عنه سفيان الثوري. ولكن الأثر موصول بالإسنادين اللذين قبله وبعده.
(٣) الأثر ٢٨٠- موسى بن مسعود: هو أبو حذيفة النهدي، وهو ثقة، روى عنه البخاري في صحيحه، ووثقه ابن سعد والعجلي. وترجمه البخاري في الكبير ٤/١/ ٢٩٥. شبل: هو ابن عباد المكي القارئ، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما.
وهذا الأثر، بأسانيده الثلاثة، ذكره ابن كثير ١: ٨٠ دون تفصيلها، قال: "والظاهر قول مجاهد - فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، أنه قال... ".
(٤) الأولة: الأولى، وليست خطأ.
جنْسَيْن (١) فجعل أحدهما مطبوعًا على قلبه، مختومًا عليه، مأيوسًا من إيابه (٢) والآخرَ منافقًا، يُرائي بإظهار الإيمان في الظاهر، ويستسرُّ النفاق في الباطن. فصيَّر الكفار جنسَيْن، كما صيَّر المؤمنين في أول السورة جِنْسين. ثم عرّف عباده نَعْتَ كلِّ صنف منهم وصِفَتَهم، وما أعدَّ لكلّ فريق منهم من ثواب أو عقاب، وَذمّ أهل الذَّم منهم، وشكرَ سَعْيَ أهل الطاعة منهم.
* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيُقِيمُونَ﴾


وإقامتها: أداؤها -بحدودها وفروضها والواجب فيها- على ما فُرِضَتْ عليه. كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها، وكما قال الشاعر:
أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الــضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا (٣)
٢٨٢- وكما حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس،"ويقيمون الصلاة"، قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفرُوضها.
٢٨٣- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس،"ويقيمون الصلاة" قال: إقامة
(١) سياقه: "جنَّس... جنسين"، وما بينهما فصل، وجنس الشيء: جعله أجناسًا، كصنفه أصنافًا.
(٢) في المطبوعة: "إيمانه"، وهي صحيحة المعنى أيضًا. والإياب: الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
(٣) في المطبوعة"فحاسوا"، وفي المخطوطة"مجآمرا". وخام في الحرب عن قرنه بخيم خيمًا: جبن ونكص وانكسر. ولم أعرف قائل البيت.
الصلاة تمامُ الرُّكوع والسُّجود، والتِّلاوةُ والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها (١).
* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الصَّلاةَ﴾


٢٨٤- حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا جُوَيْبر، عن الضحاك في قوله:"الذين يقيمون الصلاة": يعني الصلاة المفروضة (٢).
وأما الصلاةُ فإنها في كلام العرب الدُّعاءُ، كما قال الأعشى:
لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَاوَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا (٣)
يعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا (٤).
وَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَاوصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
(١) الخبران ٢٨٢، ٢٨٣- في تفسير ابن كثير ١: ٧٧، والدر المنثور ١: ٢٧، والشوكاني ١: ٢٥.
(٢) الأثر ٢٨٤- إسناده ضعيف جدًّا. يحيى بن أبي طالب جعفر بن الزبرقان: قال الذهبي: "محدث مشهور... وثقه الدارقطني وغيره... والدارقطني من أخبر الناس به". مات سنة ٢٧٥ عن ٩٥ سنة. يزيد: هو ابن هارون، أحد الحفاظ الأعلام المشاهير، من شيوخ الأئمة أحمد وابن معين وابن راهويه وابن المديني. جويبر - بالتصغير: هو ابن سعيد الأزدي البلخي، ضعيف جدًّا، ضعفه يحيى القطان، فيما روى عنه البخاري في الكبير ١/٢/ ٢٥٦، والصغير: ١٧٦، وقال النسائي في الضعفاء: ٨"متروك الحديث"، وفي التهذيب ٢: ١٢٤"قال أبو قدامة السرخسي: قال يحيى القطان: تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث. ثم ذكر الضحاك وجويبرًا ومحمد بن السائب. وقال: هؤلاء لا يحتمل حديثهم، ويكتب التفسير عنهم".
(٣) ديوانه: ٢٠٠، يذكر الخمر في دنها. وزمزم العلج من الفرس: إذا تكلف الكلام عند الأكل وهو مطبق فمه بصوت خفي لا يكاد يفهم. وفعلهم ذلك هو الزمزمة. "ذبحت" أي بزلت وأزيل ختمها. وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة، فيخسر.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "وكقول الآخر أيضًا"، والصواب أنه الأعشى، وسبق قلم الناسخ.
(١)
وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت"صلاة"، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ.
* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾


اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فقال بعضهم بما:-
٢٨٥- حدثنا به ابن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،"ومما رزقناهم ينفقون"، قال: يؤتون الزكاة احتسابًا بها.
٢٨٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس،"ومما رزقناهم ينفقون"، قال: زكاةَ أموالهم (٢).
٢٨٧- حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا جُوَيْبر، عن الضحاك،"ومما رزقناهم يُنفقون"، قال: كانت النفقات قُرُبات يتقرَّبون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجُهْدهم، حتى نَزَلت فرائضُ الصدقات: سبعُ آيات في سورة براءَة، مما يذكر فيهنّ الصدقات، هنّ المُثْبَتات الناسخات (٣).
وقال بعضهم بما:-
٢٨٨- حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّي في خبر ذَكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب
(١) ديوان الأعشى: ٢٩. وقوله"وقابلها الريح" أي جعلها قبالة مهب الريح، وذلك عند بزلها وإزالة ختمها. ويروى: "فأقبلها الريح" وهو مثله. وارتسم الرجل: كبر ودعا وتعوذ، مخافة أن يجدها قد فسدت، فتبور تجارته.
(٢) الخبر ٢٨٦- في المخطوطة"ابن المثنى"، وهو خطأ. والخبر ذكره ابن كثير ١: ٧٧.
(٣) الأثر ٢٨٧- ذكره ابن كثير ١: ٧٧، والسيوطي ١: ٢٧، والشوكاني ١: ٢٥. وقوله"المثبتات": بفتح الباء، أي التي أثبت حكمها ولم ينسخ، ويجوز كسرها، بمعنى أنها أثبتت الفريضة بعد نسخها ما سبقها في النزول. وبدلها عند السيوطي والشوكاني"الناسخات المبينات". وليس بشيء

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال : الإيمان التصديق.
وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون.
وقال مَعْمَر عن الزهري : الإيمان العمل.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس :﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يخشون.
قال ابن جرير وغيره : والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادًا وعملا قال : وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت : أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى :﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم :﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال ؛ كقوله :﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ الإنشقاق : ٢٥، والتين : ٦ ]، فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملا.
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا(١) الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
ومنهم من فسره بالخشية، لقوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢]، وقوله :﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]، والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى :﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله :﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال : يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله.
وكذا قال قتادة بن دعامة.
وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي(٢) ﷺ : أما الغَيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة، وأمر النار، وما ذكر في القرآن.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿بِالْغَيْبِ﴾ قال : بما جاء منه، يعني : مِنَ الله تعالى.
وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زِرّ، قال : الْغَيْب القرآن.
وقال عطاء بن أبي رباح : من آمن بالله فقد آمن بالغيب.
وقال إسماعيل بن أبي خالد :﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال : بغيب الإسلام.
وقال زيد بن أسلم :﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال : بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد ؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.
وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد(٣) قال : كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحَاب النبي ﷺ وما سبقوا به، قال : فقال عبد الله : إن أمر محمد ﷺ كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ :﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إلى قوله :﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١ - ٥](٤).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، من طرق، عن الأعمش، به(٥).
وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [ الإمام ](٦) أحمد، حدثنا أبو المغيرة، أخبرنا الأوزاعي، حدثني أسيد(٧) بن عبد الرحمن، عن خالد بن دُرَيك، عن ابن مُحَيريز، قال : قلت لأبي جمعة : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال : نعم، أحدثك حديثًا جيدًا : تغدينا(٨) مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال : يا رسول الله، هل أحد(٩) خير منا ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال :«نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني »(١٠).
طريق أخرى : قال أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره : حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن صالح بن جُبَيْر، قال : قدم علينا أبو جمعة الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس، ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف(١١) خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال : إن لكم جائزة وحقا، أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ، قلنا : هات رحمك الله قال : كنا مع رسول الله ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا : يا رسول الله، هل من قوم أعظم أجرًا منا ؟ آمنا بك واتبعناك، قال :«ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا » مرتين(١٢).
ثم رواه من حديث ضَمْرَة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، بنحوه(١٣).
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوِجَادة التي اختلف فيها أهل الحديث، كما قررته في أول شرح البخاري ؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقا.
وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي : حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال : قال رسول الله ﷺ :«أي الخلق أعجب إليكم إيمانا ؟ ». قالوا : الملائكة. قال :«وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ ». قالوا : فالنبيون. قال :«وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ ». قالوا : فنحن. قال :«وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ ». قال : فقال رسول الله ﷺ :«ألا إن أعجب الخلق إليّ إيمانا لَقَوْمٌ يكونون من بعدكم يَجدونَ صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها »(١٤).
قال أبو حاتم الرازي : المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.
قلت : ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ، بمثله أو نحوه. وقال الحاكم : صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(١٥) وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعًا(١٦)، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، حدثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته تويلة(١٧) بنت أسلم، قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء(١٨)، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا : أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت(١٩) الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون(٢٠) البيت الحرام.
قال إبراهيم : فحدثني رجال من بني حارثة : أن رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك قال :«أولئك قوم آمنوا بالغيب »(٢١).
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومما رزقناهم ينفقون﴾
قال ابن عباس : أي : يقيمون الصلاة بفروضها.
وقال الضحاك، عن ابن عباس : إقامة(٢٢) الصلاة إتمام(٢٣) الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.
وقال قتادة : إقامة(٢٤) الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها.
وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها(٢٥) وتمام ركوعها وسجودها(٢٦) وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ، فهذا إقامتها.
وقال علي بن أبي طلحة، وغيره عن ابن عباس :﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال : زكاة أموالهم.
وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله(٢٧)﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال : هي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
وقال جُوَيْبر، عن الضحاك : كانت النفقات قربات(٢٨) يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات : سبعُ آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهن الصدقات، هن الناسخات المُثْبَتَات.
وقال قتادة :﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها.
واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال : وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم : أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مُؤَدّين، زكاة كان ذلك أو نفقة مَنْ لزمته نفقته، من أهل أو عيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك ؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
قلت : كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه ؛ والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى :﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر : أن رسول الله ﷺ قال :«بُنِيَ الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت »(٢٩). والأحاديث في هذا كثيرة.
وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء، قال الأعشى :
لها حارس لا يبرحُ الدهرَ بَيْتَهاوإن ذُبحَتْ صلى عليها وزَمْزَما(٣٠)
وقال أيضًا(٣١) وقابلها الريح في دَنّهاوصلى على دَنّها وارتسم(٣٢)
أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك.
وقال الآخر - وهو الأعشى أيضًا - :
تقول بنتي وقد قَرَّبتُ مرتحلايا رب جنب أبي الأوصابَ والوَجَعَا
عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضينوما فإن لِجَنب المرء مُضْطجعا
يقول : عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها، وأنواعها [ المشروعة ](٣٣) المشهورة.
وقال ابن جرير : وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة ؛ لأن المصلي
١ في جـ، ط: "وأفردنا"..
٢ في جـ، ط: "رسول الله".
.

٣ في أ: "زيد"..
٤ سنن سعيد بن منصور برقم (١٨٠) تحقيق د. الحميد..
٥ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٤) والمستدرك (٢/٢٦٠)..
٦ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
٧ في هـ: "أسد"..
٨ في جـ: "فعدنا"..
٩ في جـ: "أأحد"..
١٠ المسند (٤/١٠٦) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤/٣٣): "واختلف فيه على الأوزاعي، فقال الأكثر: عن أسيد عن خالد بن دريك عن ابن محيريز. وقال ابن شماسة: عن الأوزاعي عن أسيد عن صالح بن محمد حدثني أبو جمعة به" وقال في فتح الباري (٧/٦): "إسناده حسن"..
١١ في جـ: "انصرفنا"..
١٢ ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/٢٣) عن بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح به..
١٣ ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/٢٣) من طريق ضمرة بن ربيعة به..
١٤ جزء الحسن بن عرفة برقم (١٩)..
١٥ مسند أبي يعلى (١/١٤٧) والمستدرك (٤/٨٥) وتعقب الذهبي الحاكم فقال: "بل ضعفوه"..
١٦ رواه البزار في مسنده (٢٨٤٠) "كشف الأستار" من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، وقال: "غريب من حديث أنس"..
١٧ في هـ: "نويلة"..
١٨ في جـ: "المسجد الأقصى"..
١٩ في جـ، ط: "بيت الله"..
٢٠ في طـ، ب، أ، و: "مستقبلوا"..
٢١ تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٦) وفي إسناده إسحاق بن إدريس قال البخاري: "تركه الناس". وقال ابن معين: "يضع الحديث". ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/٢٠٧) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه به نحوه..
٢٢ في جـ، ط: "إقام"..
٢٣ في جـ، ط، ب: "تمام"..
٢٤ في طـ: "إقام"..
٢٥ في جـ: "لها"..
٢٦ في جـ: "وإتمام الركوع والسجود"..
٢٧ في جـ: "وإتمام الركوع والسجود"..
٢٨ في جـ، ط، ب: "قربانا"..
٢٩ صحيح البخاري برقم (٨) وصحيح مسلم برقم (١٦)..
٣٠ البيت في تفسير الطبري (١/٢٤٢)..
٣١ في ب: "الآخر"..
٣٢ البيت في تفسير الطبري (١/٢٤٢)..
٣٣ زيادة من ط..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، يَعْنِي الرَّازِيَّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَفِيفٍ، مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ، فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: يَا أَبَا عَفِيفٍ، أَلَا تُحَدِّثُنَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ؟ قَالَ: بَلَى سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُحْبَسُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ المتَّقون؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَفٍ مِنَ الرَّحْمَنِ لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَا يَسْتَتِرُ. قُلْتُ: مَنِ المتَّقون؟ قَالَ: قَوْمٌ اتَّقوا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَأَخْلَصُوا لِلَّهِ الْعِبَادَةَ، فَيَمُرُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ (١).
وَأَصْلُ التَّقْوَى: التَّوَقِّي مِمَّا يَكْرَهُ لِأَنَّ أَصْلَهَا وَقْوَى مِنَ الْوِقَايَةِ. قَالَ النَّابِغَةُ:
سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ...
وَقَالَ الْآخَرُ:
فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونَهُ الشَّمْسُ وَاتَّقَتْ... بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٌّ وَمِعْصَمُ...
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ التَّقْوَى، فَقَالَ لَهُ: أَمَا سَلَكْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ، قَالَ: فَذَلِكَ التَّقْوَى.
وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ الْمُعْتَزِّ فَقَالَ:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا... وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى...
وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ... ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى...
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً... إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى...
وَأَنْشَدَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمًا:
يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ... وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا أَرَادَا...
يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي... وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا...
وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا اسْتَفَادَ الْمَرْءُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنَّ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ" (٢).
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ.
(١) تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٣) وفي إسناده ميمون القصاب ضعيف.
(٢) سنن ابن ماجة برقم (١٨٥٧) من طريق عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زيد عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه، وقال البوصيري في الزوائد (٢/٧٠) :"هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه".
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقُونَ.
وَقَالَ مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِيِّ: الْإِيمَانُ الْعَمَلُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ يَخْشَوْنَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا وَعَمَلًا قَالَ: وَقَدْ تَدْخُلُ الْخَشْيَةُ لِلَّهِ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ، الَّذِي هُوَ تَصْدِيقُ الْقَوْلِ بِالْعَمَلِ، وَالْإِيمَانُ كَلِمَةٌ جامعةٌ لِلْإِقْرَارِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَتَصْدِيقُ الْإِقْرَارِ بِالْفِعْلِ. قُلْتُ: أَمَّا الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ فَيُطْلَقُ عَلَى التَّصْدِيقِ الْمَحْضِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْآنِ، وَالْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦١]، وَكَمَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يُوسُفَ: ١٧]، وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتُعْمِلَ مَقْرُونًا مَعَ الْأَعْمَالِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الِانْشِقَاقِ: ٢٥، وَالتِّينِ: ٦]، فَأَمَّا إِذَا اسْتُعْمِلَ مُطْلَقًا فَالْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمَطْلُوبُ لَا يَكُونُ إِلَّا اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا.
هَكَذَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ، بَلْ قَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيد وَغَيْرُ وَاحِدٍ إِجْمَاعًا: أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَحَادِيثُ أَوْرَدْنَا (١) الْكَلَامَ فِيهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْخَشْيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الْمُلْكِ: ١٢]، وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣]، وَالْخَشْيَةُ خُلَاصَةُ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٨].
وَأَمَّا الْغَيْبُ الْمُرَادُ هَاهُنَا فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِيهِ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ تَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مُرَادٌ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قَالَ: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَجَنَّتِهِ وَنَارِهِ وَلِقَائِهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ، فَهَذَا غَيْبٌ كُلُّهُ.
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ (٢) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا الغَيب فَمَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ، وَأَمْرِ النَّارِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمة، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ قَالَ: بِمَا جَاءَ مِنْهُ، يَعْنِي: مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عاصم، عن زِرّ، قال: الْغَيْب القرآن.
(١) في جـ، ط: "وأفردنا".
(٢) في جـ، ط: "رسول الله".
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدْ آمَنَ بِالْغَيْبِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قَالَ: بِغَيْبِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قَالَ: بِالْقَدَرِ. فَكُلُّ هَذِهِ مُتَقَارِبَةٌ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ (١) قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا، فَذَكَرْنَا أصحَاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا سَبَقُوا بِهِ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١-٥] (٢).
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، من طرق، عن الْأَعْمَشِ، بِهِ (٣).
وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَفِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ [الْإِمَامُ] (٤) أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي أُسَيْدُ (٥) بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيك، عَنِ ابْنِ مُحَيريز، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جُمُعَةَ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نَعَمْ، أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا جَيِّدًا: تَغَدَّيْنَا (٦) مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَحَدٌ (٧) خَيْرٌ مِنَّا؟ أَسْلَمْنَا مَعَكَ وَجَاهَدْنَا مَعَكَ. قَالَ: "نَعَمْ"، قَوْمٌ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي" (٨).
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ جُبَيْر، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو جُمُعَةَ الْأَنْصَارِيُّ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَمَعَنَا يَوْمَئِذٍ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ (٩) خَرَجْنَا نُشَيِّعُهُ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَالَ: إِنَّ لَكُمْ جَائِزَةً وَحَقًّا؛ أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْنَا: هَاتِ رَحِمَكَ اللَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَاشِرُ عَشَرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ قَوْمٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَّا؟ آمَنَّا بك واتبعناك، قال:
(١) في أ: "زيد".
(٢) سنن سعيد بن منصور برقم (١٨٠) تحقيق د. الحميد.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٤) والمستدرك (٢/٢٦٠).
(٤) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٥) في هـ: "أسد".
(٦) في جـ: "فعدنا".
(٧) في جـ: "أأحد".
(٨) المسند (٤/١٠٦) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤/٣٣) :"واختلف فيه على الأوزاعي، فقال الأكثر: عن أسيد عَنْ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ. وقال ابن شماسة: عن الأوزاعي عن أسيد عن صالح بن محمد حدثني أبو جمعة به" وقال في فتح الباري (٧/٦) :"إسناده حسن".
(٩) في جـ: "انصرفنا".
"مَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ يَأْتِيكُمْ بِالْوَحْيِ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِكُمْ يَأْتِيهِمْ كِتَابٌ بَيْنَ لَوْحَيْنِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ، أُولَئِكَ أَعْظَمُ مِنْكُمْ أَجْرًا" مَرَّتَيْنِ (١).
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ ضَمْرَة بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ مَرْزُوقِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي جُمُعَةَ، بِنَحْوِهِ (٢).
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْعَمَلِ بالوِجَادة الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ، كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَدَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا مُطْلَقًا.
وَكَذَا الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ الْعَبْدِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ قَيْسٍ التَّمِيمِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا؟ ". قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ. قَالَ: "وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ ". قَالُوا: فَالنَّبِيُّونَ. قَالَ: "وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ؟ ". قَالُوا: فَنَحْنُ. قَالَ: "وَمَا لَكَمَ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ ". قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا إِنَّ أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِلَيَّ إِيمَانًا لَقَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجدونَ صُحُفًا فِيهَا كِتَابٌ يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا" (٣).
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: الْمُغِيرَةُ بْنُ قَيْسٍ الْبَصْرِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
قُلْتُ: وَلَكِنْ قَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمِثْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ (٤) وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا (٥)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَحْمُودٍ، عَنْ جَدَّتِهِ تَوِيلَةَ (٦) بِنْتِ أَسْلَمَ، قَالَتْ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ فِي مَسْجِدِ بَنِي حَارِثَةَ، فَاسْتَقْبَلْنَا مَسْجِدَ إِيلِيَاءَ (٧)، فَصَلَّيْنَا سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَنَا مَنْ يُخْبِرُنَا: أَنَّ رسول الله ﷺ قد اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ (٨) الْحَرَامَ، فَتَحَوَّلَ النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ، وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ، فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، وَنَحْنُ مُسْتَقْبِلُونَ (٩) الْبَيْتَ الْحَرَامَ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَحَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ قَالَ: "أولئك قوم
(١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/٢٣) عن بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح به.
(٢) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/٢٣) من طريق ضمرة بن ربيعة به.
(٣) جزء الحسن بن عرفة برقم (١٩).
(٤) مسند أبي يعلى (١/١٤٧) والمستدرك (٤/٨٥) وتعقب الذهبي الحاكم فقال: "بل ضعفوه".
(٥) رواه البزار في مسنده (٢٨٤٠) "كشف الأستار" من طريق سعيد بن بشير، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقال: "غريب من حديث أنس".
(٦) في هـ: "نويلة".
(٧) في جـ: "المسجد الأقصى".
(٨) في جـ، ط: "بيت الله".
(٩) في طـ، ب، أ، و: "مستقبلوا".
آمَنُوا بِالْغَيْبِ" (١).
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ٣﴾
قَالَ ابن عباس: أَيْ: يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ بِفُرُوضِهَا.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِقَامَةُ (٢) الصَّلَاةِ إِتْمَامُ (٣) الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.
وَقَالَ قَتَادَةُ: إِقَامَةُ (٤) الصَّلَاةِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَوُضُوئِهَا، وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا.
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: إِقَامَتُهَا: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا، وَإِسْبَاغُ الطُّهُورِ فِيهَا (٥) وَتَمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا (٦) وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ فِيهَا، وَالتَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهَذَا إِقَامَتُهَا.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قَالَ: زَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (٧) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قَالَ: هِيَ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الزَّكَاةُ.
وَقَالَ جُوَيْبر، عَنِ الضَّحَّاكِ: كَانَتِ النَّفَقَاتُ قُرُبَاتٍ (٨) يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَلَى قَدْرِ مَيْسَرَتِهِمْ وَجُهْدِهِمْ، حَتَّى نَزَلَتْ فَرَائِضُ الصَّدَقَاتِ: سبعُ آيَاتٍ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ، مِمَّا يُذْكَرُ فِيهِنَّ الصَّدَقَاتُ، هُنَّ النَّاسِخَاتُ المُثْبَتَات.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فَأَنْفِقُوا مِمَّا أَعْطَاكُمُ اللَّهُ، هَذِهِ الْأَمْوَالَ عَوَارِيٌّ وَوَدَائِعُ عِنْدَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، يُوشِكُ أَنْ تُفَارِقَهَا.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَاتِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ وَأَحَقُّهَا بِصِفَةِ الْقَوْمِ: أَنْ يَكُونُوا لِجَمِيعِ اللَّازِمِ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مُؤَدّين، زَكَاةً كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَفَقَةَ مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ، مِنْ أَهْلٍ أَوْ عِيَالٍ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ نَفَقَتُهُ بِالْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَمَّ وَصَفَهُمْ وَمَدَحَهُمْ بِذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَالزَّكَاةِ مَمْدُوحٌ بِهِ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: كَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْإِنْفَاقِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ حَقُّ اللَّهِ وَعِبَادَتُهُ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَتَمْجِيدِهِ وَالِابْتِهَالِ إِلَيْهِ، وَدُعَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ والإنفاق هو
(١) تفسير ابن أبي حاتم (١/٣٦) وفي إسناده إسحاق بن إدريس قال البخاري: "تركه الناس". وقال ابن معين: "يضع الحديث". ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/٢٠٧) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن إبراهيم بن جعفر عن أبيه به نحوه.
(٢) في جـ، ط: "إقام".
(٣) في جـ، ط، ب: "تمام".
(٤) في طـ: "إقام".
(٥) في جـ: "لها".
(٦) في جـ: "وإتمام الركوع والسجود".
(٧) في جـ: "النبي".
(٨) في جـ، ط، ب: "قربانا".
الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِالنَّفْعِ الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِمْ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْقَرَابَاتُ وَالْأَهْلُونَ وَالْمُمَالِيكُ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ، فَكُلٌّ مِنَ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ" (١). وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
وَأَصْلُ الصَّلَاةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الدُّعَاءُ، قَالَ الْأَعْشَى:
لَهَا حَارِسٌ لَا يبرحُ الدهرَ بَيْتَهاوَإِنْ ذُبحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وزَمْزَما (٢)
وَقَالَ أَيْضًا (٣) وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنّهاوَصَلَّى عَلَى دَنّها وَارْتَسَمَ (٤)
أَنْشَدَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ مُسْتَشْهِدًا عَلَى ذلك.
وقال الآخر -وهو الأعشى أيضًا-:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبتُ مُرْتَحِلًا... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الأوصابَ والوَجَعَا...
عليكِ مثلُ الَّذِي صليتِ فَاغْتَمِضِي... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنب الْمَرْءِ مُضْطجعا...
يَقُولُ: عَلَيْكِ مِنَ الدُّعَاءِ مِثْلَ الَّذِي دَعَيْتِهِ لِي. وَهَذَا ظَاهِرٌ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ الصَّلَاةُ فِي الشَّرْعِ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَخْصُوصَةِ، بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ، وَصِفَاتِهَا، وَأَنْوَاعِهَا [الْمَشْرُوعَةِ] (٥) الْمَشْهُورَةِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ سُمِّيَتْ صَلَاةً؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَعَرَّضُ لِاسْتِنْجَاحِ طلبتَه مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ بِعَمَلِهِ، مَعَ مَا يَسْأَلُ رَبَّهُ مِنْ (٦) حَاجَتِهِ (٧).
[وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصلَوَيْن إِذَا تَحَرَّكَا فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ (٨) الرُّكُوعِ، وَهُمَا عِرْقَانِ يَمْتَدَّانِ مِنَ الظَّهْرِ حَتَّى يَكْتَنِفَا (٩) عَجْبَ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ سُمِّي الْمُصَلِّي؛ وَهُوَ الثَّانِي لِلسَّابِقِ فِي حَلْبَةِ الْخَيْلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصَّلَى، وَهُوَ الْمُلَازَمَةُ لِلشَّيْءِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَصْلاهَا﴾ أَيْ: يَلْزَمُهَا وَيَدُومُ فِيهَا ﴿إِلا الأشْقَى﴾ [اللَّيْلِ: ١٥] وَقِيلَ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَصْلِيَةِ الْخَشَبَةِ فِي النَّارِ لِتُقَوَّمَ، كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَوِّمُ عِوَجَهُ بِالصَّلَاةِ: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٤٥] وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الدُّعَاءِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ] (١٠).
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا في موضعه، إن شاء الله.
(١) صحيح البخاري برقم (٨) وصحيح مسلم برقم (١٦).
(٢) البيت في تفسير الطبري (١/٢٤٢).
(٣) في ب: "الآخر".
(٤) البيت في تفسير الطبري (١/٢٤٢).
(٥) زيادة من ط.
(٦) في جـ، ط، ب، أ، و: "فيها".
(٧) في أ، و: "حاجاته".
(٨) في أ: "في".
(٩) في أ: "يكشفا".
(١٠) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة، والأعمال الظاهرة، لتضمن التقوى لذلك فقال :﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ حقيقة الإيمان : هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به، لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية، لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله.
ويدخل في الإيمان بالغيب، [ الإيمان ب ] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها، [ وما أخبرت به الرسل من ذلك ] فيؤمنون بصفات الله ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا كيفيتها.
ثم قال :﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ لم يقل : يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة. فإقامة الصلاة، إقامتها ظاهرا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها. وإقامتها باطنا(١)  بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها :﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وهي التي يترتب عليها الثواب. فلا ثواب للإنسان(٢)  من صلاته، إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها.
ثم قال :﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة، والنفقة على الزوجات والأقارب، والمماليك ونحو ذلك. والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. ولم يذكر المنفق عليهم، لكثرة أسبابه وتنوع أهله، ولأن النفقة من حيث هي، قربة إلى الله، وأتى ب " من " الدالة على التبعيض، لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم.
وفي قوله :﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي خولكم، وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده، فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم، وواسوا إخوانكم المعدمين.
وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.
١ - كذا في ب، وفي أ: وباطنها..
٢ - في ب: للعبد.
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٥} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
تقدم الكلام على البسملة. وأما الحروف المقطعة في أوائل السور، فالأسلم فيها، السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي]، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.
وقوله ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة، المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم،
والحق المبين. فـ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه، يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة، أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه.
فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة، وقال ﴿هُدًى﴾ وحذف المعمول، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني، لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم.
وقال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ فعمم، وفي هذا الموضع وغيره ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق. فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا، ولم يقبلوا هدى الله، فقامت عليهم به الحجة، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر، لحصول الهداية، وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه، بامتثال أوامره، واجتناب النواهي، فاهتدوا به، وانتفعوا غاية الانتفاع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية، والآيات الكونية.
ولأن الهداية نوعان: هداية البيان، وهداية التوفيق. فالمتقون حصلت لهم الهدايتان، وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق. وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها، ليست هداية حقيقية [تامة].
ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة، والأعمال الظاهرة، لتضمن التقوى لذلك فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به، لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية، لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله.
ويدخل في الإيمان بالغيب، [الإيمان بـ] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها، [وما أخبرت به الرسل من -[٤١]- ذلك] فيؤمنون بصفات الله ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا كيفيتها.
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة. فإقامة الصلاة، إقامتها ظاهرا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها. وإقامتها باطنا (١) بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وهي التي يترتب عليها الثواب. فلا ثواب للإنسان (٢) من صلاته، إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها.
ثم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة، والنفقة على الزوجات والأقارب، والمماليك ونحو ذلك. والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. ولم يذكر المنفق عليهم، لكثرة أسبابه وتنوع أهله، ولأن النفقة من حيث هي، قربة إلى الله، وأتى بـ "من "الدالة على التبعيض، لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم.
وفي قوله: ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي خولكم، وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده، فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم، وواسوا إخوانكم المعدمين.
وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول، ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه، فيؤمنون ببعضه، ولا يؤمنون ببعضه، إما بجحده أو تأويله، على غير مراد الله ورسوله، كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة، الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم، بما حاصله عدم التصديق بمعناها، وإن صدقوا بلفظها، فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا.
وقوله: ﴿وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يشمل الإيمان بالكتب (٣) السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه، خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية (٤) وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم.
ثم قال: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ و "الآخرة "اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و "اليقين "هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على هدى عظيم، لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة، وهل الهداية [الحقيقية] إلا هدايتهم، وما سواها [مما خالفها]، فهو (٥) ضلالة.
وأتى بـ "على "في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ "في "كما في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتَقر.
ثم قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ والفلاح [هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبيل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك.
فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين حقا، ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم، المعاندين للرسول، فقال:
(١) كذا في ب، وفي أ: وباطنها.
(٢) في ب: للعبد.
(٣) في ب: بجميع الكتب.
(٤) في ب: بالكتب السماوية كلها.
(٥) في ب: فهي ضلالة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
يصدّقون بأخبار الله- تعالى- عن الجنّة والنار والقيامة والحساب، وأشباه ذلك .والمؤمن: المصدّق، والله- تعالى- مؤمن، أي مصدّق ما وعد. ويكون أيضامن الأمان، أي لا يأمن إلا من أمنه .والغيب: ما غاب عن الحاسّة مما يعلم بالأدلة.
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
إقامتها: أن يؤتى بها بحقوقها، كما فرضها الله تعالى. يقال: قام بالأمر وأقام الأمر، إذا جاء به معطى حقوقه [زه] والصلاة هنا ذات الرّكوع والسّجود، وتأتي على أربعة أوجه أخر: الدّعاء، والتّرحّم، والاستغفار، والدّين .
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
أي يزكّون ويتصدّقون .

إعراب الآية ٣ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

ويليه فيهي هدى بإثبات الياء وهي قراءة ابن كثير، ويجوز فيهو هدى بالواو ويجوز فِيهِ هُدىً مدغما والأصل «فيهو هدى» الاسم الهاء وزيدت الواو عند الخليل لأن الهاء خفيّة فقويت بحرف جلد متباعد منها وتبدل منها ياء لأن قبلها ياء أو يحذف لاجتماع الواو والياء عند سيبويه «١»، ولاجتماع الساكنين عند أبي العباس، وكذا الياء، ويدغم لاجتماع هاءين وليس بجيد، لأنّ حروف الحلق ليست أصلا بالإدغام ويجتمع ساكنان، وقال سيبويه:
إنّما زيدت الواو كما زيدت الألف في المؤنث. وفي «هدى» ستة أوجه: تكون في موضع رفع خبرا عن ذلك، وعلى إضمار مبتدأ وعلى أن تكون خبرا بعد خبر، وعلى أن تكون رفعا بالابتداء. قال أبو إسحاق: يكون المعنى فيه هدى ولا ريب. فهذه أربعة أوجه. في الرفع، ويكون على وجه خامس وهو أن يكون، على موضع لا ريب فيه أي حق هدى، ويكون نصبا على الحال من ذلك والكوفيون يقولون: قطع «٢»، ويكون حالا من الكتاب وتكون حالا من الهاء، قال الفرّاء: بعض بني أسد يؤنّث الهدى فيقول: هذه هدى حسنة، ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا يحرّك. ثم قال جلّ وعزّ لِلْمُتَّقِينَ مخفوض باللّام الزائدة، ولغة أهل الحجاز: فلان موتق. وهذا هو الأصل والتّقيّة أصلها الوقيّة من وقيت أبدلت من الواو تاء لأنها أقرب الزوائد إليها وقد فعلوا ذلك من غير أن يكون ثمّ تاء، كما حدّثنا عليّ بن سليمان عن محمد بن يزيد عن المازني قال: سألت الأصمعي عن قول الشاعر: [الرجز] ٤-
فإن يكن أمسى البلى تيقوري «٣»
وقلت له: قال الخليل: هو فيعول من الوقار فأبدل من الواو تاء فقال: هذا قول الأشياخ والأصل للمتّقين بياءين مخفّفتين وحذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين،
ثم قال جلّ وعزّ:

[سورة البقرة (٢) : آية ٣]

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
الَّذِينَ: في موضع خفض نعت للمتقين ويجوز أن يكون نصب بمعنى أعني، ورفعا من جهتين بالابتداء، والخبر أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وعلى إضمار «هم».
يُؤْمِنُونَ بالهمز لأن أصل آمن: أأمن كره الجمع بين همزتين فأبدلت من الثانية ألف
(١) انظر الكتاب ٤/ ٣٠٥.
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٢. [.....]
(٣) الشاهد من أرجوزة للعجاج في ديوانه ١/ ٣٤٠، ولسان العرب (هير)، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٤٢٣، والكتاب ٤/ ٣٣٢، والتنبيه والإيضاح ٢/ ٢٢٩، وتهذيب اللغة ٩/ ٢٨١، وكتاب المعين ٥/ ٢٠٧، وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب ١/ ١٤٦، وشرح المفصل ١٠/ ٣٨، والمنصف ١/ ٢٢٧، والمخصص ٣/ ١٨، ٧ ١٨٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

آيات مشابهة للآية ٣ من سورة البقرة

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣ من سورة البقرة

٧ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآيات

١١ قولًا
١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: هذه الأربع الآيات من فاتحة السورة في المؤمنين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٩ (٨٧).
٢
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: من أول البقرة أربع آيات في نَعْت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين، ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص ١٩٥، وأخرج نحوه ابن جرير ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦. وعزاه السيوطي إلى الفِرْيابيِّ، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الضريس.
٣
عن مجاهد، قال: هؤلاء الآيات الأربع في أول سورة البقرة إلى ﴿المفلحون﴾ نزلت في نعت المؤمنين، واثنتان من بعدها إلى ﴿عظيم﴾ نزلت في نعت الكافرين، وإلى العشرين نزلت في المنافقين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى وكيع، ومن طريقه أخرج ابن جرير ١/ ٢٤٦ نحوه عن رجل عن مجاهد. وعند الواحدي في أسباب النزول ص ١٢١ نحوه من طريق ابن أبي نجيح.
٤
عن عبد العزيز: سأله١ عطاء بن أبي رباح عن قومٍ يشهدون على الناس بالشرك والكفر. فأنكر ذلك وأباه، ثم قال: أنا أقرأ عليك بعث٢ المؤمنين، وبعث الكافرين، وبعث المنافقين، ففيها: بسم الله الرحمن٣ ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ إلى قوله: ﴿عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾، ثم قال: هذا بعث المؤمنين، وبعث الكافرين، وبعث المنافقين٤
التخريج
  1. ١كذا في المصدر، ولعل الصواب دون هاء.
  2. ٢كذا في المطبوع في جميع المواطن من هذه الرواية (بعث)، وفي طبعة أخرى من الحلية: (نعت) أي: صفة، وهو أشبه.
  3. ٣كذا في المطبوع دون (الرحيم).
  4. ٤أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٨/ ١٩٣.
٥
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين﴾ حتى بلغ: ﴿فما ربحت تجرتهم وما كانوا مهتدين﴾، قال: هذه في المنافقين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٩.
٦
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- قال: أربع آيات من فاتحة سورة البقرة في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٥.
٧
قال أبو رَوْق عطية بن الحارث الهمداني -من طريق الهُذَيْل بن حبيب-: هذه١ للعرب خاصة٢
التخريج
  1. ١قوله: «هذه» يشير إلى قول الله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ إلى قوله: ﴿ينفقون﴾.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٢٩.
٨
عن [محمد بن السائب] الكلبي -من طريق الهُذَيل بن حبيب-: قالت اليهود -جُدَيٌّ، وحُيَيٌّ، ومَن معهما-: نَحْنُ المتقون، الَّذِين يؤمنون بالغيب، آمنا بمحمد قبل أن يُبْعَث. قال الكلبي: هاتان الآيتان١ نزلتا فى اليهود٢
التخريج
  1. ١قوله: «هاتان الآيتان» يشير إلى قول الله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ إلى قوله: ﴿ينفقون﴾.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٢٩.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذلك الكتاب﴾ وذلك أنّ كعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد لَمّا دعاهما النبي - ﷺ - إلى الإسلام قالا: ما أنزل الله كتابًا من بعد موسى. تكذيبًا به، فأنزل الله - عز وجل - في قولهما: ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨١.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا سمع أبو ياسر بن أخْطَب اليهودي بهؤلاء الآيات قال لأخيه جُدَيّ بن أخطب: لقد سمعتُ من محمد كلمات أنزلهن الله على موسى بن عمران. فقال جُدَيٌّ لأخيه: لا تَعْجَل حتى تَتَثَبَّتَ في أمره. فعَمَدَ أبو ياسر وجُدَيُّ ابنا أخْطَب، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن الضَّيْف، وحُيَيّ بن أخْطَب، وسعيد بن عمرو الشاعر، وأبو لُبابة بن عمرو، ورؤساء اليهود، فأتَوُا النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ للنبي - ﷺ -: يا أبا القاسم، أخْبَرَني أبو ياسر بكلمات تقولهنَّ آنفًا. فقرأهنَّ النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ: صدقتم، أمّا ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ فنحن هم، وأما ﴿الذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ فهو كتابك، ﴿وما أنزل من قبلك﴾ فهو كتابنا، ﴿وبالآخرة هم يوقنون (٤) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ فأنتم هم، قد آمنتم بما أُنزِل إليكم وإلينا، وآمنتم بالجنة والنار، فآيتان فينا، وآيتان فيكم. ثم قالوا للنبي - ﷺ -: نَنشُدُكَ بالله أنّها نزلت عليك من السماء؟ فقال النبي - ﷺ -: «أشهد بالله أنها نزلت عَلَيَّ من السماء». فذلك قوله سبحانه في يونس: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي﴾، يعني: ويستخبرونك أحق هو؟ ﴿قل إي وربي﴾ يعني: بلى وربي، ﴿إنه لحق﴾...١. فآيتان من أول هذه السورة نزلتا في أصحاب النبي - ﷺ - المهاجرين والأنصار، والآيتان اللتان تلِيانِهِما نزلتا في مشركي العرب، وثلاث عشرة آية في المنافقين من أهل التوراة٢
التخريج
  1. ١ذكر هنا القصة بطولها بنحو ما في حديث جابر بن عبد الله بن رِئاب السابق في حساب الجُمَّل، ثم أورد أيضًا نزول أول سورة آل عمران لنفس السبب.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨٤ - ٨٨.
١١
عن سفيان الثوري: نزلت أربعُ آيات من أول البقرة في نعت المؤمنين، وثلاث آيات في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين١
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ص ٤١.

تفسير

٣٩ قولًا
١
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الأحوص- قال: الإيمان: التصديق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٠.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة، وابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿الذين يؤمنون﴾، قال: يُصَدِّقون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٠ - ٢٤١. وينظر: سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠.
٣
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق مَعْمَر- قال: الإيمانُ العملُ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (١/ ٢٤١) شمول معنى الإيمان للقول والاعتقاد والعمل، فقال: «والإيمان: كلمة جامعةٌ للإقرار بالله، وكتُبه، ورسلِه، وتصديق الإقرار بالفعل. وإذْ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الآيةِ، وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغَيْبِ قولًا واعتقادًا وعملًا؛ إذ كان -جلّ ثناؤه- لم يحصُرْهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى». وقال ابنُ كثير (١/ ٢٦٤): «أما الإيمان في اللغة: فيطلق على التصديق المحض. وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ [التوبة: ٦١]... ، وكذلك إذا اسْتُعْمِل مقرونًا مع الأعمال؛ كقوله: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الانشقاق: ٢٥]، فأما إذا اسْتُعْمِل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا».
٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- ﴿يؤمنون﴾: يخشون١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢بيَّن ابنُ جرير (١/ ٢٤١) اندراج الخشية تحت معنى الإيمان، فقال: «وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل».
٥
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّي، عن أبي مالك وأبي صالح-: أمّا ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وما ذكر الله في القرآن لم يكن تصديقهم بذلك من قِبَل أصلِ كتاب أو علم كان عندهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤١. وعزاه السيوطي إليه مقتصرًا على ابن مسعود.
٦
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٦.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿بالغيب﴾، قال: بما جاء منه، يعني: من الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠ -، وابن جرير ١/ ٢٤٠ - ٢٤١ واللفظ له.
٨
عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرْني عن قوله - عز وجل -: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾. قال: ما غاب عنهم من أمر الجنة والنار. قال: وهل تعرفالعرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث يقول: وبالغيب آمنّا وقد كان قومُنا... يُصَلُّون للأوثان قبل محمد١
التخريج
  1. ١مسائل نافع بن الأزرق (٢٧٢).
٩
عن زِرِّ بن حُبَيْش -من طريق عاصم- قال: الغيب: القرآن١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٦ (٦٩)، وفي تفسير الثعلبي ١/ ١٤٧، وتفسير البغوي ١/ ٦٢: بالوحي.
١٠
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، قال: بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت، وبالبعث؛ فهذا غيب كله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٦ (٦٧)، وهو عند ابن جرير من قول الربيع -كما سيأتي-.
١١
عن مجاهد -من طريق عثمان بن الأسود- ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، قال: يؤمنون بالله١
التخريج
  1. ١أخرجه الحربي في غريب الحديث ٢/ ٦١١.
١٢
قال الحسن [البصري]: يعني: بالآخرة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٤٧.
١٣
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق عثمان بن الأسود- في قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، قال: مَن آمن بالله فقد آمن بالغيب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٦ (٧٠).
١٤
عن قتادة -من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة- في قوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، قال: آمنوا بالبعث بعد الموت، والحساب، والجنة، والنار، وصدَّقوا بموعود الله الذي وعد في القرآن١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وأخرجه يحيى بن سلّام في تفسيره ١/ ٢٣١، وابن جرير ١/ ٢٤٢ بنحوه.
١٥
عن زيد بن أسلم -من طريق عبد الله بن جعفر- ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، قال: بالقدر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٦.
١٦
عن الربيع بن أنس، ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾: آمنوا بالله، وملائكته، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وجَنّته، وناره، ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت؛ فهذا غيبٌ كله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٢.
١٧
عن إسماعيل بن أبي خالد -من طريق إبراهيم بن حميد- ﴿يؤمنون بالغيب﴾، قال: بغيب الإسلام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٦.
١٨
قال محمد بن السائب الكلبي: بما نزل من القرآن، وبما لم يجِئْ بعدُ١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٤٧، وتفسير البغوي ١/ ٦٢.
١٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هدى للمتقين﴾، ثم نعتهم فقال سبحانه: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾، يعني: يؤمنون بالقرآن أنه من الله تعالى جاء، وهو أنزله على محمد - ﷺ -، فيُحِلُّون حلاله، ويُحَرِّمون حرامه، ويعملون بما فيه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل ١/ ٨١.
٢٠
قال ابن جُرَيْج: بالوحي١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ١/ ٦٢.
٢١
قال عبد الله بن هانئ: هو ما غاب عنهم من علوم القرآن١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١/ ١٤٧. وعبد الله بن هانئ لعله أبو الزعراء صاحب ابن مسعود. ينظر: تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٢٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ عطية (١/ ١٠٥)، وابنُ تيمية (١/ ١٣٦)، وابنُ كثير (١/ ٢٦٥) القول بالعموم في معنى الغيب. وجمع ابنُ عطية بين تلك الأقوال بقوله: «وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها». وجمع ابنُ كثير بينها، فقال: «وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد، فكل هذه متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به».
٢٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ويُقِيمُونَ الصلاة﴾، قال: الصلوات الخمس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١/ ٣٠، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٦٢. وعزاه السيوطي إلى ابن إسحاق.
٢٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿ويُقِيمُونَ الصلاة﴾، قال: يُقِيمُونها بفروضها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٧، وابن أبي حاتم ١/ ٣٧. وعزاه السيوطي إلى ابن إسحاق.
٢٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: إقامة الصلاة: إتمامُ الركوعِ والسجودِ والتلاوةِ، والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٨.
٢٥
عن الضحاك -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿ويُقِيمُونَ الصلاة﴾، يعني: الصلاة المفروضة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٨.
٢٦
عن أبي سعيد، أنّه سمع الحسن يقول في قول الله: ﴿ويقيمون الصلاة﴾، قال:يقيمون الصلوات الخمس بوضوئها، وركوعها، وسجودها، وخشوعها، في مواقيتها١
التخريج
  1. ١أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة ص ١٣٤.
٢٧
عن قتادة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ويُقِيمُونَ الصلاة﴾، قال: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُقِيمُونَ الصلاة﴾ المكتوبة الخمس، يعني: يقيمون ركوعها، وسجودها، في مواقيتها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨١.
٢٩
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله: ﴿ويُقِيمُونَ الصلاة﴾، قال: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القران فيها، والتشهد، والصلاة على النبي - ﷺ -؛ فهذا إقامتها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٧.
٣٠
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّي، عن أبي مالك وأبي صالح-: هي نَفقَةُ الرَّجُل على أهله، وهذا قبل أن تنزِل الزكاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٥٠.
٣١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، قال: زكاة أموالهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ١١، ٤٩، ٢/ ٣٠، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٦٣.
٣٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، قال: يُؤَدُّون الزكاة احتسابًا لها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠ -، وابن جرير ١/ ٢٤٩، وابن أبي حاتم ١/ ٣٧.
٣٣
عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، قال: إنما يعني الزكاة خاصة، دون سائر النفقات، لا يَذكرُ الصلاة إلا ذَكرَ معها الزكاة، فإذا لميُسَمِّ الزكاة قال في إثر ذكر الصلاة: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٣٤
عن الضحاك -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، قال: كانت النفقات قُرْبانًا يتقربون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجُهْدِهم، حتى نزلت فرائض الصدقات في سورة براءة، هُنَّ الناسخات المُبَيِّنات١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٩.
٣٥
عن قتادة، في قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، قال: أنفَقوا في فرائض الله التي افترض الله عليهم في طاعته وسبيله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٦
عن قتادة -من طريق سعيد- ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، قال: فأنفِقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عَوارٍ وودائع عندك، يا ابن آدم، أوشكت أن تفارقها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٨.
٣٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ فهي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٨.
٣٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ من الأموال ﴿يُنْفِقُونَ﴾ يعني: الزكاة المفروضة. نظيرها في لقمان١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨١. وآخره يشير إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤].
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (١/ ٢٥٠)، وابنُ عطية (١/ ١٠٧)، وابنُ كثير (١/ ٢٦٩ - ٢٧٠) شمول معنى ﴿ينفقون﴾ لكل أنواع النفقات؛ لأن الله مدحهم بالإنفاق، ولم يخصص نوعًا من أنواع الإنفاق. ووجَّه ابن عطية أقوال السلف بأن: «الآية تعمّ الجميع، وهذه الأقوال تمثيل لا خلاف».
٣٩
قال أبو توبة الربيع بن نافع: سئل سفيان بن عيينة عن قوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾. قال: القرآن؛ ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: ٨٧]، وإلى قوله: ﴿ورزق ربك خير وأبقى﴾ [طه: ١٣١]؟!...١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٧/ ٣٠١.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن تُوَيْلَةَ بنت أسْلَم، قالت: صَلَّيْتُ الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلِياء١، فصلَّيْنا سجدتين، ثم جاءنا مَن يُخْبِرُنا: أنَّ رسول الله - ﷺ - قد استقبل البيت الحرام، فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلَّيْنا السجدتين الباقِيَتَيْن ونحن مستقبلو البيت الحرام، فبلغ رسولَ الله - ﷺ - ذلك، فقال: «أولئك قوم آمنوا بالغيب»٢
التخريج
  1. ١إيلِياء: مدينة بيت المقدس. لسان العرب (إيل). ونقل ابن عطية عن طائفة أن: «معناه: يصدقون إذا غابوا وخلوا، لا كالمنافقين الذين يؤمنون إذا حضروا، ويكفرون إذا غابوا».
  2. ٢أخرجه الطبراني في الكبير ٢٤/ ٢٠٧ (٥٣٠) دون اللفظ النبوي، ورواه ٢٥/ ٤٣ (٨٢) بلفظه الذي هنا، ولكنه سمى الراوية أم نويلة بنت مسلم، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٣٧ (٧٣) بزيادة اللفظ النبوي. قال ابن كثير في تفسيره ١/ ١٦٨ عن رواية ابن أبي حاتم: «هذا حديث غريب من هذا الوجه». وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٤ (١٩٧٨): «فيه إسحاق بن إدريس الأسواري، وهو ضعيف متروك». وقال عن رواية الطبراني التي ليس فيها الزيادة ٢/ ١٤ (١٩٧٧): «رجاله مُوَثَّقُون».
٢
عن الحارث بن قيس، أنّه قال لابن مسعود: عند الله نحتسب ما سبقتمونا به -يا أصحاب محمد- من رؤية رسول الله - ﷺ -. فقال ابن مسعود: عند الله نحتسب إيمانكم بمحمد - ﷺ - ولم تروه، إنّ أمر محمد كان بيّنًا لِمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحدٌ أفضل من إيمان بغيب. ثم قرأ: ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ إلى قوله: ﴿المفلحون﴾١
التخريج
  1. ١جمع السيوطي بين روايتين لهذا الأثر: إحداهما من أوله إلى قوله: «ولم تروه». وقد أخرجها سفيان بن عيينة، وعنه سعيد بن منصور (١٨١ - تفسير) عن الحارث بن قيس. والثانية من قوله: «إن أمر محمد» إلى آخره. وقد أخرجها سعيد بن منصور في سننه (١٨٠ - تفسير)، وابن منيع -كما في المطالب العالية (٣٢١٣) -، وابن أبي حاتم ١/ ٣٦ (٦٦)، والحاكم ٢/ ٢٦٠، وابن مردويه -كما في تفسير ابن كثير ١/ ٦٣ -، وابن منده في الإيمان ٢/ ٣٧١ (٢٠٩)، والبغوي في التفسير ١/ ٦٢ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣ من سورة البقرة

٣٣ وقفةً في هذه الآية

  • "الذين يؤمنون بالغيب" لا تخسر هذه الصفة العظيمة .. بكثرة حرصك على الدراسات العلمية التي تؤيد ما في القرآن والسنة من حقائق.

    — علي الفيفي

  • من أخص خصائص المتقين الإيمان بالغيب ؛ لأنه من تمام التسليم لله تعالى ،و لذلك جاء في بداية سورة البقرة : ﴿ يؤمنون بالغيب ﴾.

    — روائع القرآن

  • " ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون " عنوان سعادة العبد : • إخلاصه للمعبود • وسعيه في نفع الخلق.

    — ابو حمزة الكناني

  • اهتم القرآن الكريم بمدح المنفقين والحث على الإنفاق؛ إذ كان من أعظم الوسائل إلى رقي الأمم وسلامتها من كوارث شتى: كالفقر، والجهل، والأمراض المتفشية، فببذل المال تسد حاجات الفقراء، وتشاد معاهد التعليم، وتقام وسائل حفظ الصحة، إلى ما يشاكل هذا من جلائل الأعمال.

    — محمد الخضر حسين

  • ابحث عن تقوى الله في ثلاث مواطن.. في قلبك.."الذين يؤمنون بالغيب" في بدنك.."ويقيمون الصلاة" في مالك.."ومما رزقناهم ينفقون"

    — محاسن التاويل

  • وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب والمطر فله ملائكة موكلة بالهدى والعلم.. هذا رزق القلوب وقوتها وهذا رزق الأجساد وقوتها.. قال #الحسن_البصري في قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ . قال : إن من أعظم النفقة نفقة العلم، أو نحو هذا الكلام .

    — روائع القرآن

  • {ومما رزقناهم ينفقون} يدخل في معناها: قال الحسن"من أعظم النفقة نفقة العلم" قال أبو الدرداء"ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخوانا له"

    — محاسن التاويل

  • {ويقيمون الصلاة} ولم يقل:يفعلون الصلاة أويأتون بالصلاة لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة فإقامتها بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها وإقامتها باطناً بحضور القلب وتدبر ما يقول ويفعل فهذه الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر وليس للعبد من صلاته إلا ما عقل كما في ورد.

    — تفسير السعدي

  • تطبيقات تدبرية سورة البقرة أية 3

    — فريد الانصاري

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 3 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 3. سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سورة البقرة (3 - 4)

    — محمد الربيعة

و٢١ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٣ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(3) Who believe in the unseen, establish prayer,[9] and spend out of what We[10] have provided for them,
[9]- At its proper times and according to its specified conditions.
[10]- It is to be noted that the reference of Allāh (Subḥānahu wa taʿālā) to Himself as "We" in many Qur’ānic verses is necessarily understood in the Arabic language to denote grandeur and power, as opposed to the more intimate singular form "I" used in specific instances.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال