البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ : الإيمان : التصديق، ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾، وأصله من الأمن أو الأمانة، ومعناهما الطمأنينة، منه : صدقه، وأمن به : وثق به، والهمزة في أمن للصيرورة كأعشب، أو لمطاوعة فعل كأكب، وضمن معنى الاعتراف أو الوثوق فعدى بالباء، وهو يتعدى بالباء واللام ﴿فما آمن لموسى﴾ والتعدية باللام في ضمنها تعد بالباء، فهذا فرق ما بين التعديتين.
الغيب : مصدر غاب يغيب إذا توارى، وسمى المطمئن من الأرض غيباً لذلك أو فعيل من غاب فأصله غيب، وخفف نحو لين في لين، والفارسي لا يرى ذلك قياساً في بنات الياء، فلا يجيز في لين التخفيف ويجيزه في ذوات الواو، ونحو : سيد وميت، وغيره قاسه فيهما.
وابن مالك وافق أبا علي في ذوات الياء.
وخالف الفارسي في ذوات الواو، فزعم أنه محفوظ لا مقيس، وتقرير هذا في علم التصريف.
وقرأ الجمهور : يؤمنون بالهمزة ساكنة بعد الياء، وهي فاء الكلمة، وحذف همزة أفعل حيث وقع ذلك ورش وأبو عمر، وإذا أدرج بترك الهمز.
وروي هذا عن عاصم، وقرأ رزين بتحريك الهمزة مثل : يؤخركم، ووجه قراءته أنه حذف الهمزة التي هي فاء الكلمة لسكونها، وأقر همزة أفعل لتحركها وتقدمها واعتلالها في الماضي والأمر، والياء مقوية لوصول الفعل إلى الاسم، كمررت بزيد، فتتعلق بالفعل، أو للحال فتتعلق بمحذوف، أي ملتبسين بالغيب عن المؤمن به، فيتعين في هذا الوجه المصدر، وأما إذا تعلق بالفعل فعلى معنى الغائب أطلق المصدر وأريد به اسم الفاعل، قالوا : وعلى معنى الغيب أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول نحوه : هذا خلق الله، ودرهم ضرب الأمير، وفيه نظر لأن الغيب مصدر غاب اللازم، أو على التخفيف من غيب كلين، فلا يكون إذ ذاك مصدراً وذلك على مذهب من أجاز التخفيف، وأجاز ذلك في الغيب الزمخشري، ولا يصار إلى ذلك حتى يسمع منقلاً من كلام العرب.
والغيب هنا القرآن، قاله عاصم بن أبي الجود، أو ما لم ينزل منه، قاله الكلبي ؛ أو كلمة التوحيد وما جاء به محمد ﷺ، قاله الضحاك، أو علم الوحي، قاله ابن عباس، وزر بن حبيش، وابن جريج، وابن وافد، أو أمر الآخرة، قاله الحسن، أو ما غاب من علوم القرآن، قاله عبد الله بن هانئ، أو الله عز وجل، قاله عطاء، وابن جبير، أو ما غاب عن الحواس مما يعلم بالدلالة، قاله ابن عيسى، أو القضاء والقدر، أو معنى بالغيب بالقلوب، قاله الحسن ؛ أو ما أظهره الله على أوليائه من الآيات والكرامات، أو المهدي المنتظر، قاله بعض الشيعة، أو متعلق بما أخبر به الرسول ﷺ من تفسير الإيمان حين سئل عنه وهو : الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، خيره وشره، وإياه نختار لأنه شرح حال المتقين بأنهم الذين يؤمنون بالغيب.
والإيمان المطلوب شرعاً هو ذاك، ثم إن هذا تضمن الاعتقاد القلبي، وهو الإيمان بالغيب، والفعل البدني، وهو الصلاة، وإخراج المال. وهذه الثلاثة هي عمد أفعال المتقي، فناسب أن يشرح الغيب بما ذكرنا.
﴿ويقيمون الصلاة﴾ والإقامة : التقويم، أقام العود قومه، أو الأدامة أقامت الغزالة سوق الضراب، أي أدامتها من قامت السوق، أو التشمر والنهوض من قام بالأمر، والهمزة في أقام للتعدية.
الصلاة : فعلة، وأصله الواو لاشتقاقه من الصلى، وهو عرق متصل بالظهر يفترق من عند عجب الذنب، ويمتد منه عرقان في كل ورك، عرق يقال لهما الصلوان فإذا ركع المصلي انحنى صلاة وتحرك فسمي بذلك مصلياً، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل لأنه يأتي مع صلوى السابق.
قال ابن عطية : فاشتقت الصلاة منه إما لأنها جاءت ثانية الإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد ينثني صلواه، والصلاة حقيقة شرعية تنتظم من أقوال وهيئآت مخصوصة، وصلى فعل الصلاة، وأما صلى دعا فمجاز وعلاقته تشبيه الداعي في التخشع والرغبة بفاعل الصلاة، وجعل ابن عطية الصلاة مما أخذ من صلى بمعنى دعا، كما قال :
وقال :
قال : فلما كانت الصلاة في الشرع دعاء، وانضاف إليه هيئآت وقراءة، سمى جميع ذلك باسم الدعاء والقول إنها من الدعاء أحسن، انتهى كلامه.
وقد ذكر أن ذلك مجاز عندنا، وذكرنا العلاقة بين الداعي وفاعل الصلاة.
وما فسر به الإقامة قبل يصلح أن يفسر به قوله :﴿ويقيمون الصلاة﴾، وقالوا : وقد يعبر بالإقامة عن الأداء، وهو فعلها في الوقت المحدود لها، قالوا : لأن القيام بعض أركانها، كما عبر عنه بالقنوت، والقنوت القيام بالركوع والسجود. قالوا : سبح إذا صلى لوجود التسبيح فيها، ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾، قاله الزمخشري ولا يصح إلا بارتكاب مجاز بعيد، وهو أن يكون الأصل قامت الصلاة بمعنى أنه كان منها قيام ثم دخلت الهمزة للتعدية فقلت : أقمت الصلاة، أي جعلتها تقوم، أي يكون منها القيام، والقيام حقيقة من المصلي لا من الصلاة، فجعل منها على المجاز إذا كان من فاعلها. والصلاة هنا الصلوات الخمس، قاله مقاتل : أو الفرائض والنوافل، قاله الجمهور.
و " مِنْ " حرف جر.
وزعم الكسائي أن أصلها منا مستدلاً بقول بعض قضاعة :
وتأول ابن جني، رحمه الله، على أنه مصدر على فعل من منى بمنى أي قدر.
واغتر بعضهم بهذا البيت فقال : وقد يقال منا.
وقد تكون لابتداء الغاية وللتبعيض، وزائدة وزيد لبيان الجنس، وللتعليل، وللبدل، وللمجاوزة والاستعلاء، ولانتهاء الغاية، وللفصل، ولموافقة في مثل ذلك : سرت من البصرة إلى الكوفة، أكلت من الرغيف، ما قام من رجل، ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾ ﴿في آذانهم من الصواعق﴾ ﴿بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ ﴿غدوت من أهلك﴾ قربت منه، ﴿ونصرناه من القوم﴾ ﴿يعلم المفسد من المصلح﴾ ﴿ينظرون من طرف خفي﴾ ﴿ماذا خلقوا من الأرض﴾ ما تكون موصولة، واستفهامية، وشرطية، وموصوفة، وصفة، وتامة.
مثل ذلك :﴿ما عندكم ينفد﴾ مال هذا الرسول، ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة﴾، مررت بما معجب لك، لأمر ما جدع قصير أنفه، ما أحسن زيداً.
﴿رزقناهم﴾ الرزق : العطاء، وهو الشيء الذي يرزق كالطحن، والرزق المصدر، وقيل الرزق أيضاً مصدر رزقته أعطيته، ﴿ومن رزقناه منا رزقاً حسناً﴾، وقال :
وقيل : أصل الرزق الحظ، ومعاني فعل كثيرة ذكر منها : الجمع، والتفريق، والإعطاء، والمنع، والامتناع، والإيذاء، والغلبة، والدفع، والتحويل، والتحول، والاستقرار، والسير، والستر، والتجريد، والرمي، والإصلاح، والتصويت.
مثل ذلك : حشر، وقسم، ومنح، وغفل، وشمس، ولسع، وقهر، ودرأ، وصرف، وظعن، وسكن، ورمل، وحجب، وسلخ، وقذف، وسبح، وصرخ.
وهي هنا للإعطاء نحو : نحل، ووهب، ومنح.
﴿ينفقون﴾، الإنفاق : الإنفاذ، أنفقت الشيء وأنفذته بمعنى واحد، والهمزة للتعدية، يقال نفق الشيء نفذ، وأصل هذه المادة تدل على الخروج والذهاب، ومنه : نافق، والنافقاء، ونفق.
والرزق قيل : هو الحلال، قاله أصحابنا، لكن المراد هنا الحلال لأنه في معرض وصف المتقي. ومن كتبت متصلة بما محذوفة النون من الخط، وكان حقها أن تكوم منفصلة لأنها موصولة بمعنى الذي، لكنها وصلت لأن الجار والمجرور كشيء واحد، ولأنها قد أخفيت نون من في اللفظ فناسب حذفها في الخطأ، وهنا للتبعيض، إذ المطلوب ليس إخراج جميع ما رزقوا لأنه منهي عن التبذير والإسراف. والنفقة التي في الآية هي الزكاة الواجبة، قاله ابن عباس، أو نفقة العيال، قاله ابن مسعود وابن عباس ؛ أو التطوع قبل فرض الزكاة، قاله الضحاك معناه، أو النفقة في الجهاد أو النفقة التي كانت واجبة قبل وجوب الزكاة، وقالوا إنه كان الفرض على الرجل أن يمسك مما في يده بمقدار كفايته في يومه وليلته ويفرق باقيه على الفقراء، ورجح كونها الزكاة المفروضة لاقترانها بأختها الصلاة في عدة مواضع من القرآن والسنة، ولتشابه أوائل هذه السورة بأول سورة النمل وأول سورة لقمان، ولأن الصلاة طهرة للبدن، والزكاة طهرة للمال والبدن، ولأن الصلاة شكر لنعمة البدن، والزكاة شكر لنعمة المال، ولأن أعظم ما لله على الأبدان من الحقوق الصلاة، وفي الأموال الزكاة، والأحسن أن تكون هذه الأقوال تمثيلاً للمتفق لا خلافاً فيه.
وكثيراً ما نسب الله الرزق لنفسه حين أمر بالإنفاق، أو أخبر به، ولم ينسب ذلك إلى كسب العبد ليعلم أن الذي يخرجه العبد ويعطيه هو بعض ما أخرجه الله له ونحله إياه، وجعل صلات الذين أفعالاً مضارعة، ولم يجعل الموصول أل فيصله باسم الفاعل لأن المضارع فيما ذكر البيانيون مشعر بالتجدد والحدوث بخلاف اسم الفاعل، لأنه عندهم مشعر بالثبوت والأمدح في صفة المتقين تجدد الأوصاف، وقدم المنفق منه على الفعل اعتناءً بما خول الله به العبد وإشعاراً أن المخرج هو بعض ما أعطى العبد، ولتناسب الفواصل وحذف الضمير العائد على الموصول لدلالة المعنى عليه، أي ومما رزقناهموه، واجتمعت فيه شروط جواز الحذف من كونه متعيناً للربط معمولاً لفعل متصرف تام.
وأبعد من جعل ما نكرة موصوفة وقدر، ومن شيء رزقناهم ولضعف المعنى بعد عموم المرزوق الذي ينفق منه فلا يكون فيه ذلك التمدح الذي يحصل يجعل ما موصولة لعمومها، ولأن حذف العائد على الموصول أو جعل ما مصدرية، فلا يكون في رزقناهم ضمير محذوف بل ما مع الفعل بتأويل المصدر، فيضطر إلى جعل ذلك المصدر المقدر بمعنى المفعول، لأن نفس المصدر لا ينفق منه إنما ينفق من المرزوق، وترتيب الصلاة على حسب الإلزام.
فالإيمان بالغيب لازم للمكلف دائماً، والصلاة لازمة في أكثر الأوقات، والنفقة لازمة في بعض الأوقات، وهذا من باب تقديم الأهم فالأهم.
وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات من قوله تعالى :﴿الم﴾ إلى قوله :﴿المفلحون﴾ أقوالاً : أحدها : أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب دون غيرهم، وهو قول ابن عباس وجماعة.
الثاني : نزلت في جميع المؤمنين، قاله مجاهد.
وذكروا في هذه الآية من ضروب الفصاحة أنواعاً : الأول : حسن الافتتاح، وأنه تعالى افتتح بما فيه غموض ودقة لتنبيه السامع على النظر والفكر والاستنباط.
الثاني : الإشارة في قوله ذلك أدخل اللام إشارة إلى بعد المنازل.
الثالث : معدول الخطاب في قوله تعالى :﴿لا ريب فيه﴾ صيغته خبر ومعناه أمر، وقد مضى الكلام فيه.
الرابع : الاختصاص هو في قوله ﴿هدى للمتقين﴾.
الخامس : التكرار في قوله تعالى :﴿يؤمنون بالغيب﴾، ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾، وفي قوله :﴿الذين، والذين﴾، إن كان الموصوف واحداً فهو تكرار اللفظ والمعنى، وإن كان مختلفاً كان من تكرار اللفظ دون المعنى، ومن التكرار ﴿أولئك، وأولئك﴾.
السادس : تأكيد المظهر بالمضمر في قوله :﴿وأولئك هم المفلحون﴾، وفي قوله :﴿هم يوقنون﴾.
السابع : الحذف، وهو في مواضع أحدها هذه ألم عند من يقدر ذلك، وهو هدى، وينفقون في الطاعة، وما أنزل إليك من القرآن، ﴿ومن قبلك﴾، أي قبل إرسالك، أو قبل الإنزال، ﴿وبالآخرة﴾، أي بجزاء الآخرة، و ﴿يوقنون﴾ بالمصير إليها، و ﴿على هدى﴾، أي أسباب هدى، أو على نور هدى، ﴿والمفلحون﴾، أي الباقون في نعيم الآخرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تقدم لنا بعض كلام على تناسق الآي التي تقدم الكلام عليها، ونحن نلخص ذلك هنا، فنقول : افتتح تعالى هذه السورة بوصف كلامه المبين، ثم بين أنه هدى لمؤمني هذه الأمة ومدحهم، ثم مدح من ساجلهم في الإيمان وتلاهم من مؤمني أهل الكتاب، وذكر ما هم عليه من الهدى في الحال ومن الظفر في المآل، ثم تلاهم بذكر أضدادهم المختوم على قلوبهم وأسماعهم المغطي أبصارهم الميؤوس من إيمانهم، وذكر ما أعد لهم من العذاب العظيم، ثم أتبع هؤلاء بأحوال المنافقين المخادعين المستهزئين وأخر ذكرهم وإن كانوا أسوأ أحوالاً من المشركين، لأنهم اتصفوا في الظاهر بصفات المؤمنين وفي الباطن بصفات الكافرين، فقدم الله ذكر المؤمنين، وثنّى بذكر أهل الشقاء الكافرين، وثلّث بذكر المنافقين الملحدين، وأمعن في ذكر مخازيهم فأنزل فيهم ثلاث عشرة آية، كل ذلك تقبيح لأحوالهم وتنبيه على مخازي أعمالهم، ثم لم يكتف بذكر ذلك حتى أبرز أحوالهم في صورة الأنفال، فكان ذلك أدعى للتنفير عما اجترحوه من قبيح الأفعال.
فانظر إلى حسن هذا السياق الذي نوقل في ذروة الإحسان وتمكن في براعة أقسام البديع وبلاغة معاني البيان.
الغيب : مصدر غاب يغيب إذا توارى، وسمى المطمئن من الأرض غيباً لذلك أو فعيل من غاب فأصله غيب، وخفف نحو لين في لين، والفارسي لا يرى ذلك قياساً في بنات الياء، فلا يجيز في لين التخفيف ويجيزه في ذوات الواو، ونحو : سيد وميت، وغيره قاسه فيهما.
وابن مالك وافق أبا علي في ذوات الياء.
وخالف الفارسي في ذوات الواو، فزعم أنه محفوظ لا مقيس، وتقرير هذا في علم التصريف.
وقرأ الجمهور : يؤمنون بالهمزة ساكنة بعد الياء، وهي فاء الكلمة، وحذف همزة أفعل حيث وقع ذلك ورش وأبو عمر، وإذا أدرج بترك الهمز.
وروي هذا عن عاصم، وقرأ رزين بتحريك الهمزة مثل : يؤخركم، ووجه قراءته أنه حذف الهمزة التي هي فاء الكلمة لسكونها، وأقر همزة أفعل لتحركها وتقدمها واعتلالها في الماضي والأمر، والياء مقوية لوصول الفعل إلى الاسم، كمررت بزيد، فتتعلق بالفعل، أو للحال فتتعلق بمحذوف، أي ملتبسين بالغيب عن المؤمن به، فيتعين في هذا الوجه المصدر، وأما إذا تعلق بالفعل فعلى معنى الغائب أطلق المصدر وأريد به اسم الفاعل، قالوا : وعلى معنى الغيب أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول نحوه : هذا خلق الله، ودرهم ضرب الأمير، وفيه نظر لأن الغيب مصدر غاب اللازم، أو على التخفيف من غيب كلين، فلا يكون إذ ذاك مصدراً وذلك على مذهب من أجاز التخفيف، وأجاز ذلك في الغيب الزمخشري، ولا يصار إلى ذلك حتى يسمع منقلاً من كلام العرب.
والغيب هنا القرآن، قاله عاصم بن أبي الجود، أو ما لم ينزل منه، قاله الكلبي ؛ أو كلمة التوحيد وما جاء به محمد ﷺ، قاله الضحاك، أو علم الوحي، قاله ابن عباس، وزر بن حبيش، وابن جريج، وابن وافد، أو أمر الآخرة، قاله الحسن، أو ما غاب من علوم القرآن، قاله عبد الله بن هانئ، أو الله عز وجل، قاله عطاء، وابن جبير، أو ما غاب عن الحواس مما يعلم بالدلالة، قاله ابن عيسى، أو القضاء والقدر، أو معنى بالغيب بالقلوب، قاله الحسن ؛ أو ما أظهره الله على أوليائه من الآيات والكرامات، أو المهدي المنتظر، قاله بعض الشيعة، أو متعلق بما أخبر به الرسول ﷺ من تفسير الإيمان حين سئل عنه وهو : الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، خيره وشره، وإياه نختار لأنه شرح حال المتقين بأنهم الذين يؤمنون بالغيب.
والإيمان المطلوب شرعاً هو ذاك، ثم إن هذا تضمن الاعتقاد القلبي، وهو الإيمان بالغيب، والفعل البدني، وهو الصلاة، وإخراج المال. وهذه الثلاثة هي عمد أفعال المتقي، فناسب أن يشرح الغيب بما ذكرنا.
﴿ويقيمون الصلاة﴾ والإقامة : التقويم، أقام العود قومه، أو الأدامة أقامت الغزالة سوق الضراب، أي أدامتها من قامت السوق، أو التشمر والنهوض من قام بالأمر، والهمزة في أقام للتعدية.
الصلاة : فعلة، وأصله الواو لاشتقاقه من الصلى، وهو عرق متصل بالظهر يفترق من عند عجب الذنب، ويمتد منه عرقان في كل ورك، عرق يقال لهما الصلوان فإذا ركع المصلي انحنى صلاة وتحرك فسمي بذلك مصلياً، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل لأنه يأتي مع صلوى السابق.
قال ابن عطية : فاشتقت الصلاة منه إما لأنها جاءت ثانية الإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل، وإما لأن الراكع والساجد ينثني صلواه، والصلاة حقيقة شرعية تنتظم من أقوال وهيئآت مخصوصة، وصلى فعل الصلاة، وأما صلى دعا فمجاز وعلاقته تشبيه الداعي في التخشع والرغبة بفاعل الصلاة، وجعل ابن عطية الصلاة مما أخذ من صلى بمعنى دعا، كما قال :
| عليك مثل الذي صليت فاغتمضي | نوماً فإن لجنب المرء مضطجعاً |
| لها حارس لا يبرح الدهر بيتها | وإن ذبحت صلى عليها وزمزما |
وقد ذكر أن ذلك مجاز عندنا، وذكرنا العلاقة بين الداعي وفاعل الصلاة.
وما فسر به الإقامة قبل يصلح أن يفسر به قوله :﴿ويقيمون الصلاة﴾، وقالوا : وقد يعبر بالإقامة عن الأداء، وهو فعلها في الوقت المحدود لها، قالوا : لأن القيام بعض أركانها، كما عبر عنه بالقنوت، والقنوت القيام بالركوع والسجود. قالوا : سبح إذا صلى لوجود التسبيح فيها، ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾، قاله الزمخشري ولا يصح إلا بارتكاب مجاز بعيد، وهو أن يكون الأصل قامت الصلاة بمعنى أنه كان منها قيام ثم دخلت الهمزة للتعدية فقلت : أقمت الصلاة، أي جعلتها تقوم، أي يكون منها القيام، والقيام حقيقة من المصلي لا من الصلاة، فجعل منها على المجاز إذا كان من فاعلها. والصلاة هنا الصلوات الخمس، قاله مقاتل : أو الفرائض والنوافل، قاله الجمهور.
و " مِنْ " حرف جر.
وزعم الكسائي أن أصلها منا مستدلاً بقول بعض قضاعة :
| بذلنا مارن الخطى فيهم | وكل مهند ذكر حسام |
| منا أن ذر قرن الشمس حتى | أغاب شريدهم قتر الظلام |
واغتر بعضهم بهذا البيت فقال : وقد يقال منا.
وقد تكون لابتداء الغاية وللتبعيض، وزائدة وزيد لبيان الجنس، وللتعليل، وللبدل، وللمجاوزة والاستعلاء، ولانتهاء الغاية، وللفصل، ولموافقة في مثل ذلك : سرت من البصرة إلى الكوفة، أكلت من الرغيف، ما قام من رجل، ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾ ﴿في آذانهم من الصواعق﴾ ﴿بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ ﴿غدوت من أهلك﴾ قربت منه، ﴿ونصرناه من القوم﴾ ﴿يعلم المفسد من المصلح﴾ ﴿ينظرون من طرف خفي﴾ ﴿ماذا خلقوا من الأرض﴾ ما تكون موصولة، واستفهامية، وشرطية، وموصوفة، وصفة، وتامة.
مثل ذلك :﴿ما عندكم ينفد﴾ مال هذا الرسول، ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة﴾، مررت بما معجب لك، لأمر ما جدع قصير أنفه، ما أحسن زيداً.
﴿رزقناهم﴾ الرزق : العطاء، وهو الشيء الذي يرزق كالطحن، والرزق المصدر، وقيل الرزق أيضاً مصدر رزقته أعطيته، ﴿ومن رزقناه منا رزقاً حسناً﴾، وقال :
| رزقت مالاً ولم ترزق منافعه | إن الشقي هو المحروم ما رزقا |
مثل ذلك : حشر، وقسم، ومنح، وغفل، وشمس، ولسع، وقهر، ودرأ، وصرف، وظعن، وسكن، ورمل، وحجب، وسلخ، وقذف، وسبح، وصرخ.
وهي هنا للإعطاء نحو : نحل، ووهب، ومنح.
﴿ينفقون﴾، الإنفاق : الإنفاذ، أنفقت الشيء وأنفذته بمعنى واحد، والهمزة للتعدية، يقال نفق الشيء نفذ، وأصل هذه المادة تدل على الخروج والذهاب، ومنه : نافق، والنافقاء، ونفق.
والرزق قيل : هو الحلال، قاله أصحابنا، لكن المراد هنا الحلال لأنه في معرض وصف المتقي. ومن كتبت متصلة بما محذوفة النون من الخط، وكان حقها أن تكوم منفصلة لأنها موصولة بمعنى الذي، لكنها وصلت لأن الجار والمجرور كشيء واحد، ولأنها قد أخفيت نون من في اللفظ فناسب حذفها في الخطأ، وهنا للتبعيض، إذ المطلوب ليس إخراج جميع ما رزقوا لأنه منهي عن التبذير والإسراف. والنفقة التي في الآية هي الزكاة الواجبة، قاله ابن عباس، أو نفقة العيال، قاله ابن مسعود وابن عباس ؛ أو التطوع قبل فرض الزكاة، قاله الضحاك معناه، أو النفقة في الجهاد أو النفقة التي كانت واجبة قبل وجوب الزكاة، وقالوا إنه كان الفرض على الرجل أن يمسك مما في يده بمقدار كفايته في يومه وليلته ويفرق باقيه على الفقراء، ورجح كونها الزكاة المفروضة لاقترانها بأختها الصلاة في عدة مواضع من القرآن والسنة، ولتشابه أوائل هذه السورة بأول سورة النمل وأول سورة لقمان، ولأن الصلاة طهرة للبدن، والزكاة طهرة للمال والبدن، ولأن الصلاة شكر لنعمة البدن، والزكاة شكر لنعمة المال، ولأن أعظم ما لله على الأبدان من الحقوق الصلاة، وفي الأموال الزكاة، والأحسن أن تكون هذه الأقوال تمثيلاً للمتفق لا خلافاً فيه.
وكثيراً ما نسب الله الرزق لنفسه حين أمر بالإنفاق، أو أخبر به، ولم ينسب ذلك إلى كسب العبد ليعلم أن الذي يخرجه العبد ويعطيه هو بعض ما أخرجه الله له ونحله إياه، وجعل صلات الذين أفعالاً مضارعة، ولم يجعل الموصول أل فيصله باسم الفاعل لأن المضارع فيما ذكر البيانيون مشعر بالتجدد والحدوث بخلاف اسم الفاعل، لأنه عندهم مشعر بالثبوت والأمدح في صفة المتقين تجدد الأوصاف، وقدم المنفق منه على الفعل اعتناءً بما خول الله به العبد وإشعاراً أن المخرج هو بعض ما أعطى العبد، ولتناسب الفواصل وحذف الضمير العائد على الموصول لدلالة المعنى عليه، أي ومما رزقناهموه، واجتمعت فيه شروط جواز الحذف من كونه متعيناً للربط معمولاً لفعل متصرف تام.
وأبعد من جعل ما نكرة موصوفة وقدر، ومن شيء رزقناهم ولضعف المعنى بعد عموم المرزوق الذي ينفق منه فلا يكون فيه ذلك التمدح الذي يحصل يجعل ما موصولة لعمومها، ولأن حذف العائد على الموصول أو جعل ما مصدرية، فلا يكون في رزقناهم ضمير محذوف بل ما مع الفعل بتأويل المصدر، فيضطر إلى جعل ذلك المصدر المقدر بمعنى المفعول، لأن نفس المصدر لا ينفق منه إنما ينفق من المرزوق، وترتيب الصلاة على حسب الإلزام.
فالإيمان بالغيب لازم للمكلف دائماً، والصلاة لازمة في أكثر الأوقات، والنفقة لازمة في بعض الأوقات، وهذا من باب تقديم الأهم فالأهم.
وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات من قوله تعالى :﴿الم﴾ إلى قوله :﴿المفلحون﴾ أقوالاً : أحدها : أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب دون غيرهم، وهو قول ابن عباس وجماعة.
الثاني : نزلت في جميع المؤمنين، قاله مجاهد.
وذكروا في هذه الآية من ضروب الفصاحة أنواعاً : الأول : حسن الافتتاح، وأنه تعالى افتتح بما فيه غموض ودقة لتنبيه السامع على النظر والفكر والاستنباط.
الثاني : الإشارة في قوله ذلك أدخل اللام إشارة إلى بعد المنازل.
الثالث : معدول الخطاب في قوله تعالى :﴿لا ريب فيه﴾ صيغته خبر ومعناه أمر، وقد مضى الكلام فيه.
الرابع : الاختصاص هو في قوله ﴿هدى للمتقين﴾.
الخامس : التكرار في قوله تعالى :﴿يؤمنون بالغيب﴾، ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾، وفي قوله :﴿الذين، والذين﴾، إن كان الموصوف واحداً فهو تكرار اللفظ والمعنى، وإن كان مختلفاً كان من تكرار اللفظ دون المعنى، ومن التكرار ﴿أولئك، وأولئك﴾.
السادس : تأكيد المظهر بالمضمر في قوله :﴿وأولئك هم المفلحون﴾، وفي قوله :﴿هم يوقنون﴾.
السابع : الحذف، وهو في مواضع أحدها هذه ألم عند من يقدر ذلك، وهو هدى، وينفقون في الطاعة، وما أنزل إليك من القرآن، ﴿ومن قبلك﴾، أي قبل إرسالك، أو قبل الإنزال، ﴿وبالآخرة﴾، أي بجزاء الآخرة، و ﴿يوقنون﴾ بالمصير إليها، و ﴿على هدى﴾، أي أسباب هدى، أو على نور هدى، ﴿والمفلحون﴾، أي الباقون في نعيم الآخرة.
فانظر إلى حسن هذا السياق الذي نوقل في ذروة الإحسان وتمكن في براعة أقسام البديع وبلاغة معاني البيان.