مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ اعلم أن فيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف :﴿الذين يؤمنون﴾ إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون، أو هم الذين، وإما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب﴿أولئك على هدى﴾ فإذا كان موصولا كان الوقف على المتقين حسنا غير تام، وإذا كان منقطعا كان وقفا تاما.
المسألة الثانية : قال بعضهم ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلا للحسنات وتاركا للسيئات، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب -وهو قوله ﴿الذين يؤمنون﴾- وإما أن يكون فعل الجوارح، وأساسه الصلاة والزكاة والصدقة ؛ لأن العبادة إما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة، أو مالية، وأجلها الزكاة ؛ ولهذا سمى الرسول عليه السلام «الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام » وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله تعالى ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ والأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيرا لكونهم متقين ؛ وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي، فالترك هو التقوى، والفعل إما فعل القلب، وهو الإيمان، أو فعل الجوارح، وهو الصلاة والزكاة، وإنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة، لأن القلب كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة، واللوح يجب تطهيره أولا عن النقوش الفاسدة، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه، وكذا القول في الأخلاق، فلهذا السبب قدم التقوى وهو ترك ما لا ينبغي، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي.
المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : الإيمان إفعال من الأمن، ثم يقال آمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى «أقر وأعترف » وأما ما حكى أبو زيد : ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت، فحقيقته صرت ذا أمن، أي ذا سكون وطمأنينة وكلا الوجهين حسن في ﴿يؤمنون بالغيب﴾ أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق. وأقول : اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع.
الفرقة الأولى : الذين قالوا : الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية، وأهل الحديث، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلا عقليا أو نقليا من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيرا كان أو كبيرا. فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدى بالباء فالمراد به التصديق، ولذلك يقال فلان آمن بالله وبرسوله، ويكون المراد التصديق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام، بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى لله، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة، أما إذا ذكر مطلقا غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي -الذي هو التصديق- إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه. أحدها : أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد. وثانيها : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم. وثالثها : أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله كل من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد، وهو قول النظام، ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها. وأما أهل الحديث فذكروا وجهين. الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيمانا إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئا من الطاعات إيمانا ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجحود والإنكار، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب. الثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئا من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه، ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.
الفرقة الثانية : الذين قالوا : الإيمان بالقلب واللسان معا، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول : أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين. أحدهما : اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم -سواء كان اعتقادا تقليديا أو كان علما صادرا عن الدليل- وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال. وثانيهما : اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا ؟ قال بعض المتكلمين : هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف. وقال أهل الإنصاف : المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد ﷺ، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالما بالعلم أو عالما لذاته وبكونه مرئيا أو غيره لا يكون داخلا في مسمى الإيمان. القول الثاني : إن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معا، وهو قول بشر بن عتاب المريسي، وأبي الحسن الأشعري، والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس. القول الثالث : قول طائفة من الصوفية : الإيمان إقرار باللسان، وإخلاص بالقلب.
الفرقة الثالثة : الذين قالوا : الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين : أحدهما : أن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان. أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان. وحكى الكعبي عنه : أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد ﷺ. وثانيهما : أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي.
الفرقة الرابعة : الذين قالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم فريقان : الأول : أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولا لغيلان. الثاني : أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع، والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ونفتقر ههنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول : أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفا بالحدوث، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثا، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص، واختلاف الصيغ والعبارات مع كون الحكم الذهني أمرا واحدا يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير العلم، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني، بقي ههنا بحث لفظي وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهني أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد ذكرناه في أصول الفقه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد ﷺ مع الاعتقاد. فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة :
القيد الأول : أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه : الأول : أنه كان في أصل اللغة للتصديق، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلما بغير كلام العرب، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربيا. الثاني : أن الإيمان أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين فلو صار منقولا إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع. الثالث : أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدى كذلك. الرابع : أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال ﴿من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ وقوله ﴿وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ ﴿ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾. الخامس : أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل الصالح داخلا في الإيمان لكان ذلك تكرارا. السادس : أنه تعالى كثيرا ذكر الإيمان وقرنه وبالمعاصي، قال ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ من ثلاثة أوجه : أحدهما : أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فدل على أنه مؤمن. وثانيها : قوله ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾ وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان، لقوله تعالى ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وثالثها : قوله ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ وهذا لا يليق إلا بالمؤمن، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى ﴿الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ وقوله ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل أيضا عليه قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ وقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله { وتوبوا إلى الله جميعا أيه الم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى