محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٤ من سورة البقرة في ١٠٩ كتب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٤ من سورة البقرة

١٠٩ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾
قد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت، وأيّ أجناس الناس هم. غير أنا نذكر ما روي في ذلك عمن روي عنه في تأويله قوله :
فحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس :﴿وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي يصدقونك بما جئت به من الله جل وعز، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من عند ربهم.
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب. القول في تأويل قوله تعالى :
وبالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.
قال أبو جعفر : أما الاَخرة، فإنها صفة للدار، كما قال جل ثناؤه :( وَإِنّ الدّارَ الاَخِرَةِ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخرة لأولى كانت قبلها كما تقول للرجل : أنعمت عليك مرة بعد أخرى فلم تشكر لي الأولى ولا الاَخرة. وإنما صارت الاَخرة آخرة للأولى، لتقدم الأولى أمامها، فكذلك الدار الاَخرة سميت آخرة لتقدم الدار الأولى أمامها، فصارت التالية لها آخرة. وقد يجوز أن تكون سميت آخرة لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا دنيا لدنوّها من الخلق. وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين بما أنزل إلى نبيه محمد ﷺ، وما أنزل إلى من قبله من المرسلين من إيقانهم به من أمر الاَخرة، فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين، من البعث والنشر والثواب والعقاب والحساب والميزان، وغير ذلك مما أعدّ الله لخلقه يوم القيامة. كما :
حدثنا به محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : وبالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك، ويكفرون بما جاءك من ربك.
وهذا التأويل من ابن عباس قد صرّح عن أن السورة من أولها، وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين، تعريض من الله عز وجل بذم الكفار أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه مصدقون وهم بمحمد عليه الصلاة والسلام مكذبون، ولما جاء به من التنزيل جاحدون، ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله :﴿الم ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى للْمُتّقِينَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ وَيُقيمُونَ الصّلاةَ وممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. وأخبر جل ثناؤه عباده أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد ﷺ، وبما جاء به المصدقين بما أنزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى خاصة، دون من كذب بمحمد ﷺ وبما جاء به، وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل وبما جاء به من الكتب. ثم أكد جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب المصدقين بمحمد عليه الصلاة والسلام وبما أُنزل إليه وإلى من قبله من الرسل بقوله :﴿أُولئِكَ على هدَىً مِنْ رَبّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم، وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسار.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
النبي صلى الله عليه وسلم،"ومما رَزقناهم ينفقون": هي َنفقَةُ الرّجل على أهله. وهذا قبل أن تنزِل الزكاة (١).
وأوْلى التأويلات بالآية وأحقُّها بصفة القوم: أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مُؤدِّين، زكاةً كان ذلك أو نفَقةَ مَنْ لزمتْه نفقتُه، من أهل وعيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نَفَقتُه بالقرابة والمِلك وغير ذلك. لأن الله جل ثناؤه عَمّ وصفهم إذْ وصَفهم بالإنفاق مما رزقهم، فمدحهم بذلك من صفتهم. فكان معلومًا أنه إذ لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمودِ عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.
* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾


قد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت، وأي أجناس الناس هم (٢). غير أنَّا نذكر ما رُوي في ذلك عمن روي عنه في تأويله قولٌ:
٢٨٩- فحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،"والذين يؤمنون بما أنزِل إليك وما أنزل من قبلك": أي يصدِّقونك
(١) الخبر ٢٨٨- نقله ابن كثير أيضًا. ونقله السيوطي مختصرًا، وجعله من كلام ابن مسعود وحده. وقلده الشوكاني دون بحث.
(٢) انظر ٢٣٧ - ٢٤١.
بما جئت به من الله جلّ وعز وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين، لا يفرِّقون بينهم، ولا يجْحَدون ما جاءوهم به من عند ربهم (١).
٢٩٠- حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،"والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون": هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب (٢).
* * *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾


قال أبو جعفر: أما الآخرةُ فإنها صفة للدار، كما قال جل ثناؤه (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [سورة العنكبوت: ٦٤]. وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخِرةً لأولى كانت قبلها، كما تقول للرجل:"أنعمتُ عليك مرَّة بعد أخرى، فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة"، وإنما صارت آخرة للأولى، لتقدُّم الأولى أمامها. فكذلك الدارُ الآخرة، سُمِّيت آخرةً لتقدُّم الدار الأولى أمامها، فصارت التاليةُ لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سُمِّيت آخرةً لتأخُّرها عن الخلق، كما سميت الدنيا"دنيا" لِدُنُوِّها من الخلق.
(١) الخبر ٢٨٩- ذكره ابن كثير ١: ٧٩ مع باقيه الآتي: ٢٩١. وذكره السيوطي ١: ٢٧، والشوكاني ١: ٢٥ بزيادة أخرى على الروايتين، منسوبًا لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٢) الخبر ٢٩٠- وهذا ذكره ابن كثير أيضًا، لكن بالإشارة إليه دون سياقة لفظه. وقلده الشوكاني.
وعلى الأصل المخطوط بعد هذا ما نصه
سمع أحمد ومحمد والحسن، بنو عبد الله بن أحمد الفرغاني جميعه.
سمع محمد بن محمد الطر سوسي والحسن بنو محمد بن عبدان، والحسن بن إبراهيم الحناس جميعه. والحمد لله كثيرًا.
وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين - بما أنزل إلى نبيه محمد ﷺ وما أنزل إلى من قبله من المرسلين - من إيقانهم به من أمر الآخرة، فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين: من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان، وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة. كما:-
٢٩١- حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) : أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي، لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك، ويكفرون بما جاءك من ربك (١).
وهذا التأويل من ابن عباس قد صرح عن أن السورة من أولها - وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين - تعريض من الله عز وجل بذم كفار أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم - بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه - مصدقون، وهم بمحمد صلى الله عليه مكذبون، ولما جاء به من التنزيل جاحدون، ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله: (ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). وأخبر جل ثناؤه عباده: أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، المصدقين بما أنزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى - خاصة، دون من كذب بمحمد ﷺ وبما جاء به، وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل
(١) الخبر ٢٩١- هو تتمة الخبر السابق ٢٨٩ وقد أشرنا إليه هناك.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال ابن عباس :﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي : يصدقون بما جئت به من الله، وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي : بالبعث والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان.
وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا، وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هاهنا : هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ومن هم ؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير :
أحدهما(١) : أن الموصوفين أوّلا هم الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم، قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة.
والثاني : هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى :﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ١ - ٥] وكما قال الشاعر :
إلى الملك القَرْم وابن الهُماموليثِ الكتيبة في المُزْدَحَم
فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد.
والثالث : أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيا بقوله :﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية مؤمنو(٢) أهل الكتاب، نقله السدي في تفسيره، عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، واختاره ابن جرير، ويستشهد لما قال بقوله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، وبقوله تعالى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]. وثبت في الصحيحين، من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى : أن رسول الله ﷺ قال :«ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها »(٣).
وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين : منافق وكافر، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى عربي وكتابي.
قلت : والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري، عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير واحد، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه قال : أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين، فهذه الآيات الأربع عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي، وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، وما جاء به مَنْ قبله من الرسل والإيقان بالآخرة، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك، كما قال :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦]. وقال :﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦]. وقال تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى :﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك، فقال تعالى :﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٥] وقال :﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] وغير ذلك من الآيات الدالة على أمْر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه. لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم(٤) مفصلا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان، بما تقدم مجملا كما جاء في الصحيح :«إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، ولكن قولوا : آمنا بالذي(٥) أنزل إلينا وأنزل إليكم »(٦) ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم [ قد ](٧) يحصل له من التصديق ما يُنيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم، والله أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا : مؤمنون خُلّص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خلص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون، وهم قسمان : خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لُمَعٌ من الإيمان وتارة يخبو(١٥) وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه(١٦) من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن(١٧) وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور، بالمصباح(١٨) في الزجاجة التي كأنها كوكب دُرّي، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب، في قوله :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٣٩].
ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال [ الله ](١٩) فيهم :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين : داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣].
وقال بعده :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨](٢٠) وقد قسم الله(٢١) المؤمنين في أول الواقعة وآخرها(٢٢) وفي سورة الإنسان، إلى قسمين : سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.
فتلخص(٢٣) من مجموع هذه الآيات الكريمات : أن المؤمنين صنفان : مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان : دعاة ومقلدون، وأن المنافقين - أيضًا - صنفان : منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي ﷺ :«ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها : من إذا حَدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»(٢٤).
استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق. إما عَمَلي لهذا الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما تقدم، وكما سيأتي، إن شاء الله. قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد، قال : قال رسول الله ﷺ :«القلوب أربعة : قلب أجرد، فيه مثل السراج يُزْهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مُصَفَّح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة، يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المدّتين(٢٥) غلبت على الأخرى غلبت عليه»(٢٦). وهذا إسناد جيد حسن.
وقوله :﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى :﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال : لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن عباس(٢٧) أي إنّ الله على كل ما أراد بعباده من نقمة، أو عفو، قدير.
وقال ابن جرير : إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، و[ أنه ](٢٨) على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾ قادر، كما أن معنى ﴿عَلِيمٌ﴾ عالم.
[ وذهب ابن جرير الطبري ومن تبعه من كثير من المفسرين أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون " أو " في قوله تعالى :﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بمعنى الواو، كقوله تعالى :﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أو تكون للتخبير، أي : اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، قاله القرطبي. أو للتساوي مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري : أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله : سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.
قلت : وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى أن قال :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ الآية [النور: ٣٩، ٤٠]، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب ](٢٩).


١ في جـ، ط، ب، أ، و: "أحدها"..
٢ في جـ، ط، ب: "لمؤمني"..
٣ صحيح البخاري برقم (٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٤).
.

٤ في جـ: "بما في أيديهم"..
٥ في طـ، ب، أ، و: "بما"..
٦ صحيح البخاري برقم (٤٤٨٥، ٧٣٦٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٧ زيادة من طـ، ب.
.

المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُونَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلَا يجحدون ما جاؤوهم بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أَيْ: بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْحِسَابِ، وَالْمِيزَانِ.
وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْآخِرَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّنْيَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمَوْصُوفِينَ هَاهُنَا: هَلْ هُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٣] وَمَنْ هُمْ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ:
أَحَدُهُمَا (١) : أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ أَوَّلًا هُمُ الْمَوْصُوفُونَ ثَانِيًا، وَهُمْ كُلُّ مُؤْمِنٍ، مُؤْمِنُو الْعَرَبِ وَمُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ.
وَالثَّانِي: هُمَا وَاحِدٌ، وَهُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعَلَى هَذَيْنِ تَكُونُ الْوَاوُ عَاطِفَةُ صِفَاتٍ عَلَى صِفَاتٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الْأَعْلَى: ١-٥] وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِلَى الْمَلِكِ القَرْم وَابْنِ الهُمام... وليثِ الْكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَم...
فَعَطَفَ الصِّفَاتِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَالْمَوْصُوفُ وَاحِدٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَوْصُوفِينَ أَوَّلًا مُؤْمِنُو الْعَرَبِ، وَالْمَوْصُوفُونَ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الْآيَةَ مُؤْمِنُو (٢) أَهْلِ الْكِتَابِ، نَقَلَهُ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَيُسْتَشْهَدُ لِمَا قَالَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٩]، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٢-٥٤]. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي، وَرَجُلٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا" (٣).
وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ فَمَا اسْتَشْهَدَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ إِلَّا بِمُنَاسَبَةٍ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، فَكَمَا أَنَّهُ صَنَّفَ الْكَافِرِينَ إِلَى صِنْفَيْنِ: مُنَافِقٌ وَكَافِرٌ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ صَنَّفَهُمْ إِلَى عَرَبِيٍّ وَكِتَابِيٍّ.
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِيمَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، عن
(١) في جـ، ط، ب، أ، و: "أحدها".
(٢) في جـ، ط، ب: "لمؤمني".
(٣) صحيح البخاري برقم (٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٤).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم قال :﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن والسنة، قال تعالى :﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول، ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه، فيؤمنون ببعضه، ولا يؤمنون ببعضه، إما بجحده، أو تأويله على غير مراد الله ورسوله، كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة، الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم، بما حاصله عدم التصديق بمعناها، وإن صدقوا بلفظها، فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا.
وقوله :﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يشمل الإيمان بالكتب(١)  السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه، خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية(٢)  وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم.
ثم قال :﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ و " الآخرة " اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [ بالذكر ] بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و " اليقين " هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل.
١ - في ب: بجميع الكتب..
٢ - في ب: بالكتب السماوية كلها..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٥} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
تقدم الكلام على البسملة. وأما الحروف المقطعة في أوائل السور، فالأسلم فيها، السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي]، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.
وقوله ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة، المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم،
والحق المبين. فـ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه، يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة، أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض، لا مدح فيه.
فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة، وقال ﴿هُدًى﴾ وحذف المعمول، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء الفلاني، لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم، في دنياهم وأخراهم.
وقال في موضع آخر: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ فعمم، وفي هذا الموضع وغيره ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق. فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا، ولم يقبلوا هدى الله، فقامت عليهم به الحجة، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر، لحصول الهداية، وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه، بامتثال أوامره، واجتناب النواهي، فاهتدوا به، وانتفعوا غاية الانتفاع. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية، والآيات الكونية.
ولأن الهداية نوعان: هداية البيان، وهداية التوفيق. فالمتقون حصلت لهم الهدايتان، وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق. وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها، ليست هداية حقيقية [تامة].
ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة، والأعمال الظاهرة، لتضمن التقوى لذلك فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به، لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية، لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله.
ويدخل في الإيمان بالغيب، [الإيمان بـ] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها، [وما أخبرت به الرسل من -[٤١]- ذلك] فيؤمنون بصفات الله ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا كيفيتها.
ثم قال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة. فإقامة الصلاة، إقامتها ظاهرا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها. وإقامتها باطنا (١) بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وهي التي يترتب عليها الثواب. فلا ثواب للإنسان (٢) من صلاته، إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها.
ثم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة، والنفقة على الزوجات والأقارب، والمماليك ونحو ذلك. والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. ولم يذكر المنفق عليهم، لكثرة أسبابه وتنوع أهله، ولأن النفقة من حيث هي، قربة إلى الله، وأتى بـ "من "الدالة على التبعيض، لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم.
وفي قوله: ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي خولكم، وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده، فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم، وواسوا إخوانكم المعدمين.
وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان.
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول، ولا يفرقون بين بعض ما أنزل إليه، فيؤمنون ببعضه، ولا يؤمنون ببعضه، إما بجحده أو تأويله، على غير مراد الله ورسوله، كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة، الذين يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم، بما حاصله عدم التصديق بمعناها، وإن صدقوا بلفظها، فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا.
وقوله: ﴿وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يشمل الإيمان بالكتب (٣) السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه، خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية (٤) وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم.
ثم قال: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ و "الآخرة "اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر، أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و "اليقين "هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على هدى عظيم، لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة، وهل الهداية [الحقيقية] إلا هدايتهم، وما سواها [مما خالفها]، فهو (٥) ضلالة.
وأتى بـ "على "في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ "في "كما في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتَقر.
ثم قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ والفلاح [هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبيل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك.
فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين حقا، ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم، المعاندين للرسول، فقال:
(١) كذا في ب، وفي أ: وباطنها.
(٢) في ب: للعبد.
(٣) في ب: بجميع الكتب.
(٤) في ب: بالكتب السماوية كلها.
(٥) في ب: فهي ضلالة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٩ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
أصل الإنزال التّصيير إلى جهة السّفل، وكذلك التّنزيل.
وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
قبل: لما مضى من الزّمان نقيض «بعد» .
هُمْ يُوقِنُونَ
الإيقان: علم [حاصل] بالاستدلال.

إعراب الآية ٤ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

فلما قلت: يؤمنون فزالت إحدى الهمزتين همزت على الأصل، وإن خفّفت قلت: يؤمنون بغير همز. ويؤمنون مثل يكرمون الأصل فيه يؤكرمون لأن سبيل المستقبل أن يكون زائدا على الماضي حرفا إلّا أنه حذف منه الزائد لأن الضمّة تدلّ عليه ولو جئت به على الأصل لاجتمعت الهمزات. والمضمر في يؤمنون يعود على الذين، وهذيل تقول: الّذون في موضع الرفع، ومن العرب من يقول: الذي في الجمع كما قال: [الطويل] ٥-
أو إنّ الّذي حانت بفلج دماؤهمهم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد «١»
بِالْغَيْبِ مخفوض بالباء الزائدة والباء متصل بيؤمنون وَيُقِيمُونَ معطوف على يؤمنون والأصل يقومون قلبت كسرة على القاف فانقلبت ياء، الصَّلاةَ منصوبة بيقيمون، وجمعها صلوات، وصلاءة، وصلاوة. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ «ما» في موضع خفض بمن وهي مصدر لا يحتاج إلى عائد، ويجوز أن يكون بمعنى الذي وتحذف العائد، والنون والألف رفع بالفعل والهاء والميم نصب به ومن متصلة بينفقون أي وينفقون مما رزقناهم.

[سورة البقرة (٢) : آية ٤]

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ عطف على الذين الأولين بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ «ما» خفض بالباء والضمير الذي في أنزل يعود على «ما» وهو اسم ما لم يسمّ فاعله والكاف خفض بإلى والأصل الاك أبدل من الألف ياء للفرق بين الألفات المتمكّنة، والتي ليست بمتمكنة ويلزمها الإضافة، وأجاز الكسائي حذف الهمزة وأن يقرأ: وما أنزلّيك، وشبّهه بقوله لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف: ٣٨] قال ابن كيسان: ليس مثله لأنّ النون من لكن ساكنة واللام من أنزل متحركة. وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ عطف. وقَبْلِكَ مخفوض بمن والكاف خفض بإضافة قبل إليها. وَبِالْآخِرَةِ خفض بالباء والباء متعلقة بيوقنون وهُمْ رفع بالابتداء ويُوقِنُونَ فعل مستقبل في موضع الخبر.

[سورة البقرة (٢) : آية ٥]

أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
أُولئِكَ ابتداء والخبر عَلى هُدىً وأهل نجد يقولون: ألّاك «٢»، وبعضهم
(١) الشاهد للأشهب بن رميلة في خزانة الأدب ٦/ ٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥١٧، والكتاب ١/ ١٨٧، ولسان العرب (فلج)، والمؤتلف والمختلف ص ٣٣، والمحتسب ١/ ١٨٥، والمقاصد النحوية ١/ ٤٨٢، والمقتضب ٤/ ١٤٦، والمنصف ١/ ٦٧، وللأشهب أو لحريث بن مخفض في الدرر ١/ ١٤٨، وبلا نسبة في الأزهية ص ٩٩، وخزانة الأدب ٢/ ٣١٥، والدرر ٥/ ١٣١، ورصف المباني ص ٣٤٢، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٥٣٧، وشرح المفصل ٣/ ١٥٥، ومغني اللبيب ١/ ١٩٤.
(٢) انظر همع الهوامع ١/ ٧٤.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

آيات مشابهة للآية ٤ من سورة البقرة

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٤ من سورة البقرة

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآيات

١١ قولًا
١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: هذه الأربع الآيات من فاتحة السورة في المؤمنين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٩ (٨٧).
٢
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: من أول البقرة أربع آيات في نَعْت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين، ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص ١٩٥، وأخرج نحوه ابن جرير ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦. وعزاه السيوطي إلى الفِرْيابيِّ، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الضريس.
٣
عن مجاهد، قال: هؤلاء الآيات الأربع في أول سورة البقرة إلى ﴿المفلحون﴾ نزلت في نعت المؤمنين، واثنتان من بعدها إلى ﴿عظيم﴾ نزلت في نعت الكافرين، وإلى العشرين نزلت في المنافقين١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى وكيع، ومن طريقه أخرج ابن جرير ١/ ٢٤٦ نحوه عن رجل عن مجاهد. وعند الواحدي في أسباب النزول ص ١٢١ نحوه من طريق ابن أبي نجيح.
٤
عن عبد العزيز: سأله١ عطاء بن أبي رباح عن قومٍ يشهدون على الناس بالشرك والكفر. فأنكر ذلك وأباه، ثم قال: أنا أقرأ عليك بعث٢ المؤمنين، وبعث الكافرين، وبعث المنافقين، ففيها: بسم الله الرحمن٣ ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ إلى قوله: ﴿عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾، ثم قال: هذا بعث المؤمنين، وبعث الكافرين، وبعث المنافقين٤
التخريج
  1. ١كذا في المصدر، ولعل الصواب دون هاء.
  2. ٢كذا في المطبوع في جميع المواطن من هذه الرواية (بعث)، وفي طبعة أخرى من الحلية: (نعت) أي: صفة، وهو أشبه.
  3. ٣كذا في المطبوع دون (الرحيم).
  4. ٤أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٨/ ١٩٣.
٥
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين﴾ حتى بلغ: ﴿فما ربحت تجرتهم وما كانوا مهتدين﴾، قال: هذه في المنافقين١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٣٩.
٦
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- قال: أربع آيات من فاتحة سورة البقرة في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٤٥.
٧
قال أبو رَوْق عطية بن الحارث الهمداني -من طريق الهُذَيْل بن حبيب-: هذه١ للعرب خاصة٢
التخريج
  1. ١قوله: «هذه» يشير إلى قول الله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ إلى قوله: ﴿ينفقون﴾.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٢٩.
٨
عن [محمد بن السائب] الكلبي -من طريق الهُذَيل بن حبيب-: قالت اليهود -جُدَيٌّ، وحُيَيٌّ، ومَن معهما-: نَحْنُ المتقون، الَّذِين يؤمنون بالغيب، آمنا بمحمد قبل أن يُبْعَث. قال الكلبي: هاتان الآيتان١ نزلتا فى اليهود٢
التخريج
  1. ١قوله: «هاتان الآيتان» يشير إلى قول الله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ إلى قوله: ﴿ينفقون﴾.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٢٩.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذلك الكتاب﴾ وذلك أنّ كعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد لَمّا دعاهما النبي - ﷺ - إلى الإسلام قالا: ما أنزل الله كتابًا من بعد موسى. تكذيبًا به، فأنزل الله - عز وجل - في قولهما: ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨١.
١٠
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا سمع أبو ياسر بن أخْطَب اليهودي بهؤلاء الآيات قال لأخيه جُدَيّ بن أخطب: لقد سمعتُ من محمد كلمات أنزلهن الله على موسى بن عمران. فقال جُدَيٌّ لأخيه: لا تَعْجَل حتى تَتَثَبَّتَ في أمره. فعَمَدَ أبو ياسر وجُدَيُّ ابنا أخْطَب، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن الضَّيْف، وحُيَيّ بن أخْطَب، وسعيد بن عمرو الشاعر، وأبو لُبابة بن عمرو، ورؤساء اليهود، فأتَوُا النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ للنبي - ﷺ -: يا أبا القاسم، أخْبَرَني أبو ياسر بكلمات تقولهنَّ آنفًا. فقرأهنَّ النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ: صدقتم، أمّا ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ فنحن هم، وأما ﴿الذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ فهو كتابك، ﴿وما أنزل من قبلك﴾ فهو كتابنا، ﴿وبالآخرة هم يوقنون (٤) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ فأنتم هم، قد آمنتم بما أُنزِل إليكم وإلينا، وآمنتم بالجنة والنار، فآيتان فينا، وآيتان فيكم. ثم قالوا للنبي - ﷺ -: نَنشُدُكَ بالله أنّها نزلت عليك من السماء؟ فقال النبي - ﷺ -: «أشهد بالله أنها نزلت عَلَيَّ من السماء». فذلك قوله سبحانه في يونس: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي﴾، يعني: ويستخبرونك أحق هو؟ ﴿قل إي وربي﴾ يعني: بلى وربي، ﴿إنه لحق﴾...١. فآيتان من أول هذه السورة نزلتا في أصحاب النبي - ﷺ - المهاجرين والأنصار، والآيتان اللتان تلِيانِهِما نزلتا في مشركي العرب، وثلاث عشرة آية في المنافقين من أهل التوراة٢
التخريج
  1. ١ذكر هنا القصة بطولها بنحو ما في حديث جابر بن عبد الله بن رِئاب السابق في حساب الجُمَّل، ثم أورد أيضًا نزول أول سورة آل عمران لنفس السبب.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨٤ - ٨٨.
١١
عن سفيان الثوري: نزلت أربعُ آيات من أول البقرة في نعت المؤمنين، وثلاث آيات في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين١
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ص ٤١.

نزول الآية

٣ أقوال
١
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح- ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾: المؤمنون من أهل الكتاب١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١/ ٢٥١، وأخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٣٨ من قول السدي -كما سيأتي-. وعزاه السيوطي إلى ابن جرير مقتصرًا على ابن مسعود.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجَّح ابنُ جرير (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧) مستندًا إلى أحوال النزول، والسياق، ودلالة العقل، قولَ ابن مسعود، وابن عباس من طريق السدي: أنّ المراد بقوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾: مؤمنو العرب، وأنّ المراد بقوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾: مؤمنو أهل الكتاب، وذلك أنه تعالى قال: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾، ولم يكن للعرب كتابٌ قبل الكتاب الذي أنزله الله - عز وجل - على محمد - ﷺ -، وبأنّ الله صنَّف الكافرين في الآيات بعدها إلى صنفين: منافق، وكافر، فكذلك المؤمنون صنَّفهم إلى عربيٍّ، وكتابيٍّ. وانتقد ابنُ تيمية (١/ ١٢٧) هذا القول، ووصفه بالغلط؛ لأن «مشركي العرب إن لم يؤمنوا بما أنُزِل إليه وما أنُزِل من قبله لم يكونوا مُفْلِحين، وأهل الكتاب إن لم يؤمنوا بالغيب ويقيموا الصلاة ومما رزقناهم ينفقون لم يكونوا مفلحين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾، فدلَّ على أنهم صنف واحد». ولم ير ابنُ عطية (١/ ١٠٨) تعارضًا بين قول من جعل الآيتين في صنف واحد، أو فسر كل آية بصنف منهما، فقال: «وهذه الأقوال لا تتعارض». ورجَّح ابنُ تيمية (١/ ١٢٧ - ١٢٨، ١٤٢) أن الآيات صفة لموصوف واحد، وأن عطف الشيء على الشيء قد يكون لتغاير الصفات، وإن كانت الذات واحدة. وبنحوه قال ابنُ كثير (١/ ٢٧٢ - ٢٧٤)، فقد رجَّح أن الآيات عامة في كل مؤمن اتصف بها، وذلك أنه ليس تصح واحدة من هذه الصفات دون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، وقوّى قولَه بعدد من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه، كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦]، وقوله: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وغيرها. وبيَّن ابنُ عطية (١/ ١٠٨) اختلاف الإعراب على كلا القولين، فقال: «فمن جعل الآيتين في صنف واحد فإعراب ﴿والَّذِينَ﴾ خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعًا على الاستئناف، أي: وهم الذين. ومن جعل الآيتين في صنفين فإعراب ﴿والذين﴾ رفع على الابتداء، وخبره ﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً﴾، ويحتمل أن يكون عطفًا».
٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هم يوقنون﴾، قال: هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٤٠.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر مؤمني أهل التوراة؛ عبد الله بن سَلام وأصحابه، منهم أُسَيْد بن زيد، وأسد بن كعب، وسَلام بن قيس، وثعلبة بن عمر، وابن يامين واسمه سَلام، فقال: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨١.

تفسير

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾، أي: يُصَدِّقُونك بما جئتَ به من الله، وما جاء به مَن قبلك مِن المرسلين، لا يُفرِّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠ -، وابن جرير ١/ ٢٥٠، وابن أبي حاتم ١/ ٣٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ جرير (١/ ٢٥٢) على أثر ابن عباس بأنه وإن كانت الآيات في صفات المؤمنين إلا أنها تعريض بذم كفار أهل الكتاب في زعمهم الإيمانَ بالرسل، وأنهم مهتدون، وأنّه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وهم كاذبون فيما زعموا.
٢
عن قتادة، في قوله: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ قال: هو الفرقان الذي فرق الله به بين الحق والباطل، ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ قال: الكتب التي خَلَت قبله١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. وأخرج ابن أبي حاتم ١/ ٣٨ نحوه من طريق سعيد.
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يعني: يُصَدِّقون بما أنزل إليك يا محمد من القرآن أنّه من الله، ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ على الأنبياء، يعني: التوراة، والإنجيل، والزبور١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨١.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿وبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، أي: بالبعث، والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان، أي: لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك، ويَكْفُرُون بما جاءك من ربك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام ١/ ٥٣٠ -، وابن جرير ١/ ٢٥٢، وابن أبي حاتم ١/ ٣٨.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: يُصَدِّقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال بأنّه كائن١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٨١ - ٨٢.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٤ من سورة البقرة

٦ وقفات في هذه الآية

  • قال ابن القيم : «الله تعالى إذا ذكر (الفلاح) في القرآن، علقه بفعل المفلح». وليتضح كلامه ، تأمل أوائل سورة البقرة ؛ فإن الله تعالى بين أن سبب فلاح أولئك المتقين هو إيمانهم بالغيب، وإقامتهم للصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله... إلى آخر صفاتهم، وعلى هذا فقس، زادك الله فهمًا..

    — ابن قيم الجوزية (ابن القيم)

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 4 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • { وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} واليقين أعلى درجات العلم، وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه. *المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 1 / 86 وكلما عظم العلم بالآخرة؛ عظم العمل لها،..

    — مجالس التدبر

  • آية (٤) : (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) * تقديم الجار والمجرور على الفعل ولم يقل وهم يوقنون بالآخرة هنا قدم الآخرة لأهميتها للاهتمام والقصر. لأن الإيقان بالآخرة صعب ومقتضاه شاق فكثير من الناس يؤمنون بالله لكن لا يؤمنون بالآخرة .

    — مختصر لمسات بيانية

  • قوله تعالى: (هُمْ يُوقِنُونَ) أي يعلمون. واليقينُ: العلمُ بعد أن لم يكن، ولهذا لا يُقال لعلم اللَّهِ يقينٌ.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • التفسير الفقهي سورة البقرة آية 4

    — سعد الشثري

ترجمات معاني الآية ٤ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(4) And who believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال