محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ٤﴾.
﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ والمراد ﴿بما أنزل إليك﴾ الكتاب المنزل كله، وإنما عبر عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد. كما أن المراد من قوله :﴿وما أنزل من قبلك﴾ الكتب الإلهية السالفة كلها. وهذا كقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ (١) الآية. والإنزال النقل من الأعلى إلى الأسفل. فنزول الكتب الإلهية إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يتلقاها جبريل من جنابه عز وجل فينزل بها إلى الرسل عليهم السلام. ولهذا يقال : القرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ أي تكلم به حقيقة لا مجازا.
قال الإمام أحمد وغيره : وإليه يعود أي لا يبقى له أثر في الوجود أي هو المتكلم به. قال تعالى :﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق﴾ (٢). وقال تعالى :﴿قل نزّله / روح القدس من ربك بالحق﴾ (٣). وقال تعالى :﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ (٤).
﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ الآخرة في الأصل : تأنيث الآخر هو نقيض الأول وهي صفة الدار، بدليل قوله تعالى :﴿تلك الدار الآخرة﴾ (٥). سميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا. وقيل للدنيا : دنيا، لأنها أدنى من الآخرة. وهما من الصفات الغالبة. ومع ذلك فقد جريا مجرى الأسماء، إذ قد غلب ترك ذكر اسم موصوفهما معهما، كأنهما ليسا من الصفات.
والإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. وفي تقديم ﴿الآخرة﴾ وبناء ﴿يوقنون﴾ على ﴿هم﴾ تعريض بأهل الكتاب، وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته. كزعمهم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى(٦) ؛ وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة(٧)، واختلافهم في أن نعيم الجنة هل هو من قبيل نعيم الدنيا أو لا ؟ وهل هو دائم أو لا ؟ فاعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة، فضلا عن الوصول إلى مرتبة اليقين !
١ [٤/ النساء/ ١٣٦] ونصها: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ١٣٦﴾..
٢ [٦ / الأنعام/ ١١٤] ونصها: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزّل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ١١٤﴾..
٣ [١٦/ النحل / ١٠٢] ونصها: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ١٠٢﴾..
٤ [٣٩/ الزمر/ ١]..
٥ [٢٨/ القصص/ ٨٣] ونصها: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ٨٣﴾..
٦ إشارة إلى قوله تعالى [٢/ البقرة/ ١١١] ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ١١١﴾..
٧ إشارة إلى قوله تعالى في [٢/ البقرة/ ٨٠] ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ٨٠﴾.
وقوله تعالى في: [٣/ آل عمران/ ٢٤ ] ﴿ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ٢٤﴾.
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى