اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :" ما " يجوز أن تكون بمعنى " الذي "، والعائد محذوف، أي : بالذي أنزلته، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع موقع المفعول أي :[ بالمنزل ](١).
و " مصدقاً " نصب على الحال، وصاحبها العائد المَحْذُوف.
وقيل : صاحبها " ما "، والعامل فيها " آمنوا "، وأجاز بعضهم أن تكون " ما " مصدرية من غير جعله المصدر واقعاً موقع مفعول به، وجعل " لما معكم " من تمامه، أي : بإنزالي لما معكم، وجعل " مصدقاً " حالاً من " ما " المجرورة باللاَّم قدمت عليها، وإن كان صاحبها مجروراً ؛ لأن الصَّحيح جواز تقديم حال المجرور بحرف الجر عليه ؛ كقوله :[ الطويل ]
" فِرْغاً " حال من " بِقَتْل "، وأيضاً فهذه " اللام " زائدة، فهي في حكم المطرح، و " مصدقاً " حال مؤكّدة ؛ لأنه لا تكون إلا كذلك.
والظاهر أن " ما " بمعنى " الذي " وأن " مصدقاً " حال من عائد الموصول، وأن اللاّم في " لما " مقوية لتعدية " مصدقاً " ل " ما " الموصولة بالظَّرْفِ.
اعلم أن المخاطبين بقوله :" وآمنوا " هم بنو إسرائيل لعطفه على قوله :﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾، ولقوله :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾.
وقوله :" بِمَا أَنْزَلت " فيه قولان :
أحدهما : أنه القرآن ؛ لأنه وصفه بكونه منزلاً، وبكونه مصدقاً لما معهم.
والثاني : قال قَتَادَةُ : بما أنزلت من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التَّوراة، والإنجيل.
ومن جعل " ما " مصدرية قدّرها ب " إنزالي لما معكم " يعني : التوراة.
وقوله :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ فيه تفسيران :
أحدهما : أن في القرآن أنَّ موسى وعيسى حَقّ، والتوراة والإنجيل حَقّ، فالإيمان بالقرآن مؤكّد للإيمان بالتوراة والإنجيل.
والثاني : أنه حصلت البِشَارَةُ بمحمد عليه الصَّلاة والسَّلام وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بالقرآن، وبمحمد تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيبٌ للتوراة والإنجيل.
قال ابن الخطيب(٣) : وهذا التفسير يدلّ على نبوة محمد عليه الصَّلاة والسَّلام من وجهين :
الأول : أن شهادة كتب الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام لا تكون إلا حقّاً.
والثاني : أنه عليه الصلاة والسَّلام لم يقرأ كتبهم، ولم يكن له معرفة بذلك إلاَّ من قبل الوحي.
قوله :﴿وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
" أول " خبر كان، وفيه أربعة أقوال :
أحدهما وهو مذهب سيبويه - : أنه " أفعل "، وأن فاءه وعينه واو، وتأنيثه " أُوْلَى "، وأصلها :" وُوْلَى "، فأبدلت الواو همزة وجوباً، وليست مثل " وُورِي " في عدم قلبها لسكون الواو بعدها، لأن واو " أُوْلَى " تحركت في الجمع في قولهم " أوْل "، فحمل المفرد على الجمع في ذلك، ولم يتصرف من " أول " فعل لاستثقاله.
وقيل : هو من " وأل " إذا نجا، ففاؤه واو، وعينه همزة، وأصله :" أوأل " فخففت بأن قلبت الهمزة واواً، وأدغمت الواو الأولى فيها فصار :" أول "، وهذا ليس بقياس تخفيفه، بل قياسه أن تلقى حركة الهمزة على " الواو " الساكنة، وتحذف الهمزة، ولكنهم شبهوه ب " خَطِية وَبَرِية " وهو ضعيف، والجمع :" أوَائِل " و " أَوَالي " أيضاً على القلب.
وقيل : هو من " آلَ يَئُولُ " إذا رجع، وأصله :" أَأْوَل " بهمزتين، الأولى زائدة والثانية فاؤه، ثم قلبت فأخرت الفاء بعد العين فصار :" أَوْأَل " بوزن " أَعْفَل "، ثم فعل به ما فعل في الوجه الذي قبله من القلب والإدْغَام، وهو أضعف منه.
وقيل : هو " وَوّل " بوزن " فَوْعَل "، فأبدلت الواو الأولى همزة، وهذا القول أضعفها ؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، والجمع " أوائل "، والأصل :" وواول " فقلبت الأولى همزة لما تقدم، والثالثة أيضاً لوقوعها بعد ألف الجمع، وإنما لم يجمع على " أواول " لاستثقالهم اجتماع واوين بينهما ألف الجمع.
واعلم أن " أوّل " " أفعل " تفضيل، و " أفعل " التفضيل إذا أضيف إلى نكرة كان مفرداً مذكراً مطلقاً، ثم النكرة المضاف إليها " أفعل "، إما أن تكون جامدةً أو مشتقةً، فإن كانت جامدة طابقت ما قبلها نحو : الزّيدان أفضلُ رجلين، الزيدون أفضلُ رجال، الهندات أفضلُ نسوة.
وأجاز المبرد إفرادها مطلقاً.
وإن كانت مشتقة، فالجمهور أيضاً على وجوب المطابقة، نحو :" الزيدون أفضلُ ذاهبين وأكرمُ قادمين "، وأجاز بعضهم المُطَابقة وعدمها ؛ أنشد الفراء :[ الكامل ]
فأفرد في الأول، وطابق في الثاني، ومنه عندهم :﴿وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١].
إذا تقرر هذا، فكان ينبغي على قول الجمهور أن يجمع " كافر "، فأجابوا عن ذلك بأوجه :
أجودها : أن " أفْعَل " في الآية، وفي البيت مُضَاف لاسم مفرد مفهم للجمع حذف، وبقيت صفته قائمةً مقامه، فجاءت النكرة المضاف إليها " أفعل " مفردة اعتباراً بذلك الموصوف المحذوف، والتقدير : ولا تكونوا أوّل فريق أو فَوْجٍ كافر، وكذا " فألأم فرق طاعم "، وقيل : لأنه في تأويل :﴿أَوَّلَ من كَفر بِهِ﴾.
وقيل : لأنه في معنى : لا يكن كل واحد منكم أول كافر، كقولك : كَسَانَا حُلّة أي : كل واحد منَّا، ولا مفهوم لهذه الصفة هنا، فلا يراد : ولا تكونوا أول كافر، بل آخر كافر ؛ لأن ذكر الشّيء ليس فيه دلالة على أن ما عداه بخلافه.
وأيضاً فقوله :﴿وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ دليل على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور، وأيضاً فقوله :﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
[الرعد: ٢] لا يدلّ على وجود عَمَدٍ لا يرونها، وقوله :﴿وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١] لا يدلّ على وقوع قتل الأنبياء بحق.
وقوله بعد هذه الآية :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٤١] لا يدلّ على إبَاحَةِ ذلك بالثّمن الكثير، فكذا هاهنا، ولما اعتقد بعضهم أن لها مفهوماً احتاج إلى تأويل جعل " أول " زائداً، قال تقديره : ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بِشَيْءٍ، وقدّره بعضهم بأن ثَمَّ معطوفاً محذوفاً تقديره : ولا تكونوا أوّل كافر به، ولا آخر كافر، ونصّ على الأول ؛ لأنه أفحش للابتداء به ؛ وهو نظير قوله :[ الرمل ]
لا يريد أن فيهم فحشاً آجلاً، بل يريد لا فحش عندهم لا عاجلاً ولا آجلاً. والهاء في " به " تعود على " ما أنزلت ".
وقيل : على " ما معكم ".
وقيل : على الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لأن التنزيل يستدعي منزلاً إليه.
وقيل : على النعمة ذهاباً بها إلى معنى الإحسان.
فإن قيل : كيف جعلوا أوّل من كفر به، وقد سبقهم إلى الكُفْرِ به مشركو العرب ؟
فالجواب : من وجوه :
أحدها : أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ؛ لأنهم كانوا هم المبشّرين بزمان محمد عليه الصَّلاة والسَّلام والمُسْتفتحين على الذين كفروا به، فلمّا بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى :﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾
[البقرة: ٨٩].
وثانيها : المُرَاد : ولا تكونوا مثل أو كافر به، يعني : من أشرك من أهل " مكة "، أي أنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل، فلا تكونوا مثل من لم يعرفه، وهو مشرك لا كتاب له.
وثالثها : ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب ؛ لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل، وإن كانت قريش كَفَرَتْ به قبل ذلك.
ورابعها : ولا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم، أي : ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم ؛ لأن تكذيبكم بمحمد ﷺ يوجب تَكْذِيبَكُمْ بكتابكم.
وخامسها : ولا تكونوا أوّل كافر به عند سَمَاعكم بذكره، بل تثبَّتوا فيه، وراجعوا عقولكم فيه.
قوله :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
" بآياتي " متعلّق بالاشتراء وضمن الاشتراء معنى الاستبدال، فلذلك دخلت الباء على الآيات، وكان القياس دخولها على ما هو ثَمَن ؛ لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشترى به، لا أن يشترى، لكن لما دخل الكلام معنى الاستبدال جاز ذلك ؛ لأن معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلاً والمجرور بالباء زائلاً.
وقد ظنّ بعضهم أن قولك :" بدلت الدِّرْهَمَ بالدينار " وكذا :" أبدلت " أيضاً أن الدينار هو الحاصل، والدرهم هو الزَّائل، وهو وهم ؛ ومن مجيء " اشترى " بمعنى " استبدل " قوله :[ الجز ]
٤٣٤ كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا(٦) ***. . .
وقول الآخر :[ الطويل ]
وقال المهدوي : دخول " الباء " على " الآيات " كدخولها على " الثَّمن "، وكذلك كل ما لا عَيْنَ فيه، وإذا كان في الكلام دَرَاهم أو دنانير دخلت الباء على الثمن، قاله الفرّاء، يعني أنه إذا لم يكن في الكلام دِرْهَمٌ ولا دينار صحّ أن يكون كلّ من العوضين ثمناً، ومثمناً، لكن يختلف ذلك بالنسبة إلى المُتَعَاقدين، فمن نسب الشراء إلى نفسه أدخل الباء على ما خرج منه، وزال عنه، ونصب ما حصل له، فتقول " اشتريت هذا الثَّوْبَ بهذا العبد ".
وأما إذا كان ثَمّ دراهم أو دنانير كان ثمناً ليس إلا، نحو " اشتريت الثوب بالدرهم "، ولا تقول :" اشتريت الدِّرْهَمَ بالثوب ".
وقدر بعضهم مضافاً فقال : بتعليم آياتي ؛ لأن الآيات نفسها لا يُشْتَرَى بها، ولا حَاجَةَ إلى ذلك ؛ لأن معناه الاستبدال كما تقدم.
و " ثمناً " مفعول به، و " قليلاً " صفته.
و " إيَّايَ فَاتَّقُونِ " كقوله :﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال هنا :" فَاتَّقُونِ " وهناك :" فَارْهَبُونِ " لأن ترك المأمور به هناك معصية، وهي ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعَهْد، وهنا ترك الإيمان بالمنزل والاشتراء به ثمناً قليلاً كفر، فناسب ذكر الرهب هناك ؛ لأنه أخف يجوز العفو عنه لكونه معصية، وذكر التقوى هنا ؛ لأنه كفر لا يجوز العفو عنه ؛ لأن التقوى اتخاذ الوقاية لما هو كائن لا بُدّ منه.
قال ابن عباس : إن رؤساء اليهود مثل كَعْب بن الأَشْرَف وحُيَي بن أَخْطَبَ وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهَدَايا، وعلموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القَدْرُ المحتقر.
قال القرطبي في تفسيره : هذه الآية وإن كانت خاصّة ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رِشْوَةً على تغيير حق، أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه، وقد تعيّن عليه حتى يأخذ عليه أجراً، فقد دخل في مقتضى الآية.
وروى أبو داود عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : قال رسول الله
و " مصدقاً " نصب على الحال، وصاحبها العائد المَحْذُوف.
وقيل : صاحبها " ما "، والعامل فيها " آمنوا "، وأجاز بعضهم أن تكون " ما " مصدرية من غير جعله المصدر واقعاً موقع مفعول به، وجعل " لما معكم " من تمامه، أي : بإنزالي لما معكم، وجعل " مصدقاً " حالاً من " ما " المجرورة باللاَّم قدمت عليها، وإن كان صاحبها مجروراً ؛ لأن الصَّحيح جواز تقديم حال المجرور بحرف الجر عليه ؛ كقوله :[ الطويل ]
| ٤٣١ فَإِنْ يَكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ | فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ(٢) |
والظاهر أن " ما " بمعنى " الذي " وأن " مصدقاً " حال من عائد الموصول، وأن اللاّم في " لما " مقوية لتعدية " مصدقاً " ل " ما " الموصولة بالظَّرْفِ.
فصل في بيان المخاطبين في الآية
اعلم أن المخاطبين بقوله :" وآمنوا " هم بنو إسرائيل لعطفه على قوله :﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾، ولقوله :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾.
وقوله :" بِمَا أَنْزَلت " فيه قولان :
أحدهما : أنه القرآن ؛ لأنه وصفه بكونه منزلاً، وبكونه مصدقاً لما معهم.
والثاني : قال قَتَادَةُ : بما أنزلت من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التَّوراة، والإنجيل.
ومن جعل " ما " مصدرية قدّرها ب " إنزالي لما معكم " يعني : التوراة.
وقوله :﴿مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ فيه تفسيران :
أحدهما : أن في القرآن أنَّ موسى وعيسى حَقّ، والتوراة والإنجيل حَقّ، فالإيمان بالقرآن مؤكّد للإيمان بالتوراة والإنجيل.
والثاني : أنه حصلت البِشَارَةُ بمحمد عليه الصَّلاة والسَّلام وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بالقرآن، وبمحمد تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيبٌ للتوراة والإنجيل.
قال ابن الخطيب(٣) : وهذا التفسير يدلّ على نبوة محمد عليه الصَّلاة والسَّلام من وجهين :
الأول : أن شهادة كتب الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام لا تكون إلا حقّاً.
والثاني : أنه عليه الصلاة والسَّلام لم يقرأ كتبهم، ولم يكن له معرفة بذلك إلاَّ من قبل الوحي.
قوله :﴿وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
" أول " خبر كان، وفيه أربعة أقوال :
أحدهما وهو مذهب سيبويه - : أنه " أفعل "، وأن فاءه وعينه واو، وتأنيثه " أُوْلَى "، وأصلها :" وُوْلَى "، فأبدلت الواو همزة وجوباً، وليست مثل " وُورِي " في عدم قلبها لسكون الواو بعدها، لأن واو " أُوْلَى " تحركت في الجمع في قولهم " أوْل "، فحمل المفرد على الجمع في ذلك، ولم يتصرف من " أول " فعل لاستثقاله.
وقيل : هو من " وأل " إذا نجا، ففاؤه واو، وعينه همزة، وأصله :" أوأل " فخففت بأن قلبت الهمزة واواً، وأدغمت الواو الأولى فيها فصار :" أول "، وهذا ليس بقياس تخفيفه، بل قياسه أن تلقى حركة الهمزة على " الواو " الساكنة، وتحذف الهمزة، ولكنهم شبهوه ب " خَطِية وَبَرِية " وهو ضعيف، والجمع :" أوَائِل " و " أَوَالي " أيضاً على القلب.
وقيل : هو من " آلَ يَئُولُ " إذا رجع، وأصله :" أَأْوَل " بهمزتين، الأولى زائدة والثانية فاؤه، ثم قلبت فأخرت الفاء بعد العين فصار :" أَوْأَل " بوزن " أَعْفَل "، ثم فعل به ما فعل في الوجه الذي قبله من القلب والإدْغَام، وهو أضعف منه.
وقيل : هو " وَوّل " بوزن " فَوْعَل "، فأبدلت الواو الأولى همزة، وهذا القول أضعفها ؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، والجمع " أوائل "، والأصل :" وواول " فقلبت الأولى همزة لما تقدم، والثالثة أيضاً لوقوعها بعد ألف الجمع، وإنما لم يجمع على " أواول " لاستثقالهم اجتماع واوين بينهما ألف الجمع.
واعلم أن " أوّل " " أفعل " تفضيل، و " أفعل " التفضيل إذا أضيف إلى نكرة كان مفرداً مذكراً مطلقاً، ثم النكرة المضاف إليها " أفعل "، إما أن تكون جامدةً أو مشتقةً، فإن كانت جامدة طابقت ما قبلها نحو : الزّيدان أفضلُ رجلين، الزيدون أفضلُ رجال، الهندات أفضلُ نسوة.
وأجاز المبرد إفرادها مطلقاً.
وإن كانت مشتقة، فالجمهور أيضاً على وجوب المطابقة، نحو :" الزيدون أفضلُ ذاهبين وأكرمُ قادمين "، وأجاز بعضهم المُطَابقة وعدمها ؛ أنشد الفراء :[ الكامل ]
| ٤٣٢ وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلأَمُ طَاعِمٍ | وَإِذَا هُمْ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاع(٤) |
إذا تقرر هذا، فكان ينبغي على قول الجمهور أن يجمع " كافر "، فأجابوا عن ذلك بأوجه :
أجودها : أن " أفْعَل " في الآية، وفي البيت مُضَاف لاسم مفرد مفهم للجمع حذف، وبقيت صفته قائمةً مقامه، فجاءت النكرة المضاف إليها " أفعل " مفردة اعتباراً بذلك الموصوف المحذوف، والتقدير : ولا تكونوا أوّل فريق أو فَوْجٍ كافر، وكذا " فألأم فرق طاعم "، وقيل : لأنه في تأويل :﴿أَوَّلَ من كَفر بِهِ﴾.
وقيل : لأنه في معنى : لا يكن كل واحد منكم أول كافر، كقولك : كَسَانَا حُلّة أي : كل واحد منَّا، ولا مفهوم لهذه الصفة هنا، فلا يراد : ولا تكونوا أول كافر، بل آخر كافر ؛ لأن ذكر الشّيء ليس فيه دلالة على أن ما عداه بخلافه.
وأيضاً فقوله :﴿وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾ دليل على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور، وأيضاً فقوله :﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
[الرعد: ٢] لا يدلّ على وجود عَمَدٍ لا يرونها، وقوله :﴿وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١٨١] لا يدلّ على وقوع قتل الأنبياء بحق.
وقوله بعد هذه الآية :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٤١] لا يدلّ على إبَاحَةِ ذلك بالثّمن الكثير، فكذا هاهنا، ولما اعتقد بعضهم أن لها مفهوماً احتاج إلى تأويل جعل " أول " زائداً، قال تقديره : ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بِشَيْءٍ، وقدّره بعضهم بأن ثَمَّ معطوفاً محذوفاً تقديره : ولا تكونوا أوّل كافر به، ولا آخر كافر، ونصّ على الأول ؛ لأنه أفحش للابتداء به ؛ وهو نظير قوله :[ الرمل ]
| ٤٣٣ مِنْ أُنَاسٍ لَيْسَ في أَخْلاَقِهِمْ | عَاجِلُ الفُحْشِ وَلاَ سُوءُ الجَزَعْ(٥) |
وقيل : على " ما معكم ".
وقيل : على الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لأن التنزيل يستدعي منزلاً إليه.
وقيل : على النعمة ذهاباً بها إلى معنى الإحسان.
فإن قيل : كيف جعلوا أوّل من كفر به، وقد سبقهم إلى الكُفْرِ به مشركو العرب ؟
فالجواب : من وجوه :
أحدها : أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ؛ لأنهم كانوا هم المبشّرين بزمان محمد عليه الصَّلاة والسَّلام والمُسْتفتحين على الذين كفروا به، فلمّا بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى :﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾
[البقرة: ٨٩].
وثانيها : المُرَاد : ولا تكونوا مثل أو كافر به، يعني : من أشرك من أهل " مكة "، أي أنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل، فلا تكونوا مثل من لم يعرفه، وهو مشرك لا كتاب له.
وثالثها : ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب ؛ لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل، وإن كانت قريش كَفَرَتْ به قبل ذلك.
ورابعها : ولا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم، أي : ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم ؛ لأن تكذيبكم بمحمد ﷺ يوجب تَكْذِيبَكُمْ بكتابكم.
وخامسها : ولا تكونوا أوّل كافر به عند سَمَاعكم بذكره، بل تثبَّتوا فيه، وراجعوا عقولكم فيه.
قوله :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
" بآياتي " متعلّق بالاشتراء وضمن الاشتراء معنى الاستبدال، فلذلك دخلت الباء على الآيات، وكان القياس دخولها على ما هو ثَمَن ؛ لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشترى به، لا أن يشترى، لكن لما دخل الكلام معنى الاستبدال جاز ذلك ؛ لأن معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلاً والمجرور بالباء زائلاً.
وقد ظنّ بعضهم أن قولك :" بدلت الدِّرْهَمَ بالدينار " وكذا :" أبدلت " أيضاً أن الدينار هو الحاصل، والدرهم هو الزَّائل، وهو وهم ؛ ومن مجيء " اشترى " بمعنى " استبدل " قوله :[ الجز ]
٤٣٤ كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا(٦) ***. . .
وقول الآخر :[ الطويل ]
| ٤٣٥ فَإِنْ تَزْعُمِيني كُنْتُ أَجْهَلُ فيكُمُ | فَإِنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ(٧) |
وأما إذا كان ثَمّ دراهم أو دنانير كان ثمناً ليس إلا، نحو " اشتريت الثوب بالدرهم "، ولا تقول :" اشتريت الدِّرْهَمَ بالثوب ".
وقدر بعضهم مضافاً فقال : بتعليم آياتي ؛ لأن الآيات نفسها لا يُشْتَرَى بها، ولا حَاجَةَ إلى ذلك ؛ لأن معناه الاستبدال كما تقدم.
و " ثمناً " مفعول به، و " قليلاً " صفته.
و " إيَّايَ فَاتَّقُونِ " كقوله :﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال هنا :" فَاتَّقُونِ " وهناك :" فَارْهَبُونِ " لأن ترك المأمور به هناك معصية، وهي ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعَهْد، وهنا ترك الإيمان بالمنزل والاشتراء به ثمناً قليلاً كفر، فناسب ذكر الرهب هناك ؛ لأنه أخف يجوز العفو عنه لكونه معصية، وذكر التقوى هنا ؛ لأنه كفر لا يجوز العفو عنه ؛ لأن التقوى اتخاذ الوقاية لما هو كائن لا بُدّ منه.
فصل في الباعث على كفر زعماء اليهود
قال ابن عباس : إن رؤساء اليهود مثل كَعْب بن الأَشْرَف وحُيَي بن أَخْطَبَ وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهَدَايا، وعلموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القَدْرُ المحتقر.
قال القرطبي في تفسيره : هذه الآية وإن كانت خاصّة ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رِشْوَةً على تغيير حق، أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه، وقد تعيّن عليه حتى يأخذ عليه أجراً، فقد دخل في مقتضى الآية.
وروى أبو داود عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : قال رسول الله
١ -في أ: بالمقول..
٢ -البيت لطليحة بن خويلد. ينظر المقاصد النحوية: ٣/ ١٥٤، إصلاح المنطق: ١٩، شرح الأشموني: ١/٢٤٩، شرح ابن عقيل: ٣٣١، شرح عمدة الحافظ، والمحتسب: ٢/١٤٨، والتهذيب: ٨/١١٠، (فرع) واللسان (فرع) والدر المصون: ١/٢٠٥..
٣ - ينظر الرازي: ٣/٣٩..
٤ - ينظر النوادر: (١٥٢)، معاني القرآن: (١/٣٣٣)، الطبري: (١/٥٦٢)، البحر: (١/٣٣٢)، مجمع البيان: (١/٢٠٨)، روح المعاني: (١/٢٤٥)، الدر المصون: (١/٢٠٦)..
٥ - البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري من عينيته الشهيرة، ينظر شرح المفضليات للتبريزي: ٢/٨٨٦، والبحر المحيط: ١/ ٣٣٣، مجمع البيان: ١/٢١٠، الدر المصون: ١/٢٠٦..
٦ - ينظر الكشاف (١/١٣١)، البحر المحيط (١/٣٣٣)، الدر المصون (١/٢٠٦)..
٧ - البيت لأبي ذؤيب الهذلي في الأضداد: ١٠٧ و ١٨٦، وتخليص الشواهد : ٤٢٨، وخزانة الأدب: ١١/٢٤٩، والدرر: ٢/٢٤٢، شرح أبيات سيبويه: ١/ ٨٦ و ٣٥١، شرح أشعار الهذليين: ١/٩٠، شرح شواهد الإيضاح: ١١٩، شرح شواهد المغني: ٢/٦٧١، والكتاب: ١/١٢١، ولسان العرب [زعم]، مغني اللبيب: ٢/٤١٦، المقاصد النحوية: ٢/ ٣٨٨، شرح ابن عقيل: ٢١٤، همع الهوامع: ١/١٤٨، والدر المصون: ١/٢٠٧..
٢ -البيت لطليحة بن خويلد. ينظر المقاصد النحوية: ٣/ ١٥٤، إصلاح المنطق: ١٩، شرح الأشموني: ١/٢٤٩، شرح ابن عقيل: ٣٣١، شرح عمدة الحافظ، والمحتسب: ٢/١٤٨، والتهذيب: ٨/١١٠، (فرع) واللسان (فرع) والدر المصون: ١/٢٠٥..
٣ - ينظر الرازي: ٣/٣٩..
٤ - ينظر النوادر: (١٥٢)، معاني القرآن: (١/٣٣٣)، الطبري: (١/٥٦٢)، البحر: (١/٣٣٢)، مجمع البيان: (١/٢٠٨)، روح المعاني: (١/٢٤٥)، الدر المصون: (١/٢٠٦)..
٥ - البيت لسويد بن أبي كاهل اليشكري من عينيته الشهيرة، ينظر شرح المفضليات للتبريزي: ٢/٨٨٦، والبحر المحيط: ١/ ٣٣٣، مجمع البيان: ١/٢١٠، الدر المصون: ١/٢٠٦..
٦ - ينظر الكشاف (١/١٣١)، البحر المحيط (١/٣٣٣)، الدر المصون (١/٢٠٦)..
٧ - البيت لأبي ذؤيب الهذلي في الأضداد: ١٠٧ و ١٨٦، وتخليص الشواهد : ٤٢٨، وخزانة الأدب: ١١/٢٤٩، والدرر: ٢/٢٤٢، شرح أبيات سيبويه: ١/ ٨٦ و ٣٥١، شرح أشعار الهذليين: ١/٩٠، شرح شواهد الإيضاح: ١١٩، شرح شواهد المغني: ٢/٦٧١، والكتاب: ١/١٢١، ولسان العرب [زعم]، مغني اللبيب: ٢/٤١٦، المقاصد النحوية: ٢/ ٣٨٨، شرح ابن عقيل: ٢١٤، همع الهوامع: ١/١٤٨، والدر المصون: ١/٢٠٧..