تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
﴿وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾.
شروع في دعوة بني إسرائيل إلى الإسلام وهدي القرآن وهذا هو المقصود من خطابهم ولكن قدم بين يديه ما يهيىء نفوسهم إلى قبوله كما تتقدم المقدمة على الغرض، والتخليةُ على التحلية.
والإيمان بالكتاب المنزل من عند الله أو بكتب الله وإن كان من جملة ما شمله العهد المشار إليه بقوله :﴿وأوفوا بعهدي﴾ [البقرة: ٤٠] إلا أنه لم يلتفت إليه هنا من تلك الجهة لأنهم عاهدوا الله على أشياء كثيرة كما تقدم ومن جملتها الإيمان بالرسل والكتب التي تأتي بعد موسى عليه السلام إلا أن ذلك مجمل في العهد فلا يتعين أن يكون ما جاء به محمد ﷺ هو مما عاهدوا الله عليه بل حتى يصدقوا بأنه من عند الله وأن الجائي به رسول من الله فهم مدعوُّون إلى ذلك التصديق هنا. فعطفُ قوله :﴿وآمنوا﴾ على قوله :﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] كعطف المقصد على المقدمة، وعطفهُ على قوله :﴿وأوفوا بعهدي﴾ من قبيل عطف الخاص على العام في المعنى ولكن هذا من عطف الجمل فلا يقال فيه عطف خاص على عام لأنه إنما يكون في عطف الجزئي على الكلي من المفردات لا في عطف الجمل وإنما أردنا تقريب موقع الجملة وتوجيه إيرادها موصولة غير مفصولة.
وفي تعليق الأمر باسم الموصول وهو ﴿ما أنزلت﴾ دون غيره من الأسماء نحو الكتاب أو القرآن أو هذا الكتاب إيماءٌ إلى تعليل الأمر بالإيمان به وهو أنه منزل من الله وهم قد أوصوا بالإيمان بكل كتاب يَثبتُ أنه منزل من الله. ولهذا أتى بالحال التي هي علة الصلة إذ جعل كونه مصدقاً لما في التوراة علامةً على أنه من عند الله. وهي العلامة الدينية المناسبة لأهل العلم من أهل الكتاب فكما جعل الإعجاز اللفظي علامة على كون القرآن من عند الله لأهل الفصاحة والبلاغة من العرب كما أشير إليه بقوله :﴿ألم ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١، ٢] إلى قوله :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] ؛ كذلك جعل الإعجاز المعنوي وهو اشتماله على الهدى الذي هو شأن الكتب الإلهية علامة على أنه من عنده لأهل الدين والعلمِ بالشرائع. ثم الإيمانُ بالقرآن يستلزم الإيمان بالذي جاء به وبالذي أنزله.
والمراد بما معهم كتب التوراة الأربعة وما ألحق بها من كتب الأنبياء من بني إسرائيل كالزبور، وكتاب أشعياء، وأرمياء، وحزقيال، ودانيال وغيرها ولذا اختير التعبير بما معكم دون التوراة مع أنها عبر بها في مواضع غير هذا لأن في كتب الأنبياء من بعد موسى عليه السلام بشاراتٍ ببعثة محمد ﷺ أصرحُ مما في التوراة فكان التنبيه إليها أوقع.
والمراد من كون القرآن مصدقاً لما معهم أنه يشتمل على الهدى الذي دعت إليه أنبياؤهم من التوحيد والأمر بالفضائل واجتناب الرذائل وإقامة العدل ومن الوعيد والوعد والمواعظ والقَصص فما تماثل منه بها فأمره ظاهر وما اختلفَ فإنما هو لاختلاف المصالح والعصور مع دخول الجميع تحت أصل واحد، ولذلك سمي ذلك الاختلاف نسخاً لأن النسخ إزالة حكم ثابت ولم يسم إبطالاً أو تكذبياً فظهر أنه مصدق لما معهم حتى فيما جاء مخالفاً فيه لما معهم لأنه ينادي على أن المخالفة تغيير أحكام تبعاً لتغير أحوال المصالح والمفاسد بسبب تفاوت الأعصار بحيث يكون المغيِّر والمغيَّر حقاً بحسب زمانه وليس ذلك إبطالاً ولا تكذيباً قال تعالى :﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات﴾ [النساء: ١٦٠] الآية. فالإيمان بالقرآن لا ينافي تمسكهم القديم بدينهم ولا ما سبق من أخذ رسلهم عليهم العهد باتباعه. ومما يشمله تصديق القرآن لما معهم أن الصفات التي اشتمل عليها القرآن ودين الإسلام والجائي به موافقة لما بشرت به كتبهم فيكون وروده معجزة لأنبيائهم وتصديقاً آخر لدينهم وهو أحد وجهين ذكرهما الفخر والبيضاوي فيلزم تأويل التصديق بالتحقيق لأن التصديق حقيقة في إعلام المخبَر ( بفتح الباء ) بأن خبر المخبِر مطابق للواقع إما بقوله صدقت أو صدقَ فلان كما ورد في حديث جبريل في « صحيح البخاري » لما سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان أنه لما أخبره قال السائل صدقتَ قال : فعَجِبْنا له يَسْأَلُه ويُصدقه، وإما بأن يخبر الرجل بخبر مثل ما أخبر به غيره فيكون إخباره الثاني تصديقاً لإخبار الأول. وأما إطلاق التصديق على دلالة شيء على صدقِ خبرٍ مَّا فهو إطلاق مجازي والمقصود وصف القرآن بكونه مصدقاً لما معهم بأخباره وأحكامه لا وصف الدين والنبوة كما لا يخفى.
﴿وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
جمع الضمير في ﴿تكونوا﴾ مع إفراد لفظ ﴿كافر﴾ يدل على أن المراد من الكافر فريق ثبت له الكفر لا فرد واحد فإضافة ﴿أول﴾ إلى ﴿كافر﴾ بيانية تفيد معنى فريق هو أول فرق الكافرين. والضمير المجرور في ﴿به﴾ ظاهره أنه عائد إلى ﴿ما أنزلت﴾ لأنه المقصود. وهو عطف على جملة ﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ وهو ارتقاء في الدعوة واستجلاب القلوب فإنه لما أمرهم بالإيمان بالقرآن وكانت صيغة الأمر محتملة لطلب الامتثال بالفور أو بالتأخير وكانوا معروفين بشدة العداوة لدين الإسلام، عطف على أمرهم بالإيمان بالقرآن نهيهم عن أن يكونوا أول كافر بالقرآن وذلك يصدق بمعان بعضها يستفاد من حق التركيب وبعضها من لوازمه وبعضها من مستتبعاته وكلها تحتملها الآية، فالمعنى الأول أن يحمل قوله :﴿أول كافر﴾ على حقيقة معنى الأول وهو السابق غيره فيحصل من الجملة المعطوفة تأكيد الجملة المعطوف عليها بدلالة المطابقة فالنهي عن الكفر بالقرآن يؤكد قوله :﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ ثم إن وصف ﴿أول﴾ يشعر بتقييد النهي بالوصف ولكن قرينة السياق دالة على أنه لا يراد تقييد النهي عن الكفر بحالة أوليتهم في الكفر، إذ ليس المقصود منه مجرد النهي عن أن يكونوا مبادرين بالكفر ولا سابقين به غيرهم لقلة جدوى ذلك ولكن المقصود الأهم منه أن يكونوا أول المؤمنين فأفيد ذلك بطريق الكناية التلويحية فإن وصف أول أصله السابق غيره في عمل يعمل أو شيء يذكر فالسبق والمبادرة من لوازم معنى الأولى لأنها بعض مدلول اللفظ ولما كان الإيمان والكفر نقيضين إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر كان النهي عن أن يكونوا أول الكافرين يستلزم أن يكونوا أول المؤمنين.
والمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام فيكون هذا المركب قد كني به عن معنيين من ملزوماته، هما معنى المبادرة إلى الإسلام ومعنى التوبيخ المكنى عنه بالنهي، فيكون معنى النهي مراداً ولازمه وهو الأمر بالمبادرة بالإيمان مراداً وهو المقصود فيكون الكلام كناية اجتمع فيها الملزوم واللازم معاً، فباعتبار اللازم يكون النهي في معنى الأمر فيتأكد به الأمر الذي قبله كأنه قيل : وآمنوا بما أنزلت وكونوا أول المؤمنين، وباعتبار الملزوم يكون نهياً عن الكفر بعد الأمر بالإيمان فيحصل بذلك غرضان.
وهذه الكناية تعريضية لأن غرض المعنى الكنائي غير غرض المعنى الصريح وهذا هو الذي استخلصته في تحقيق معنى التعريض وهو أن يكون غرض الحكم المشار إليه به غير غرض الحكم المصرح به، أو أن يكون المحكوم له به غيرَ المحكوم له بالصريح. وهذا الوجه مستند إلى الظاهر والتحقيق بين متناثر كلامهم في التعريض المعروف من الكناية(١) ويندفع بهذا سؤالان مستقلان أحدهما ناشىء عما قبله : الأول كيف يصح النهي عن أن يكونوا أول الكافرين ومفهومه يقتضي أنهم لو كفروا به ثانياً لما كان كفرهم منهيًّا عنه ؟ الثاني أنه قد سبقهم أهل مكة للكفر لأن آية البقرة في خطاب اليهود نزلت في المدينة فقد تحقق أن اليهود لم يكونوا أول الكافرين فالنهي عن أن يكونوا أول الكافرين تحصيل حاصل. ووجه الاندفاع أن المقصود الأهم هو المعنى التعريضي وهو يقوم قرينة على أن القصد من النهي أن لا يكونوا من المبادرين بالكفر أي لا يكونوا متأخرين في الإيمان وهذا أول الوجوه في تفسير الآية عند صاحب « الكشاف » واختاره البيضاوي فاقتصر عليه.
واعلم أن التعريض في خصوص وصف ﴿أول﴾ وأما أصل النهي عن أن يكونوا كافرين به فذلك مدلول اللفظ حقيقة وصريحاً. والتعريض من قبيل الكناية التلويحية لما فيه من خفاء الانتقال من المعنى إلى لوازمه. وبعض التعريض يحصل من قرائن الأحوال عند النطق بالكلام ولعل هذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا كناية وهو من مستتبعات التراكيب ودلالتها العقلية وسيجيء لهذا زيادة بيان عند قوله تعالى :﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: ٢٣٥] في هذه السورة.
المعنى الثاني أن يكون المقصود التعريض بالمشركين وأنهم أشد من اليهود كفراً أي لا تكونوا في عدادهم ولعل هذا هو مراد صاحب « الكشاف » من قوله :« ويجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة » ولا يريد أنه تشبيه بليغ وإن كان كلامه يوهمه وسكت عنه شراحه.
المعنى الثالث : أن يراد من ﴿أول﴾ المبادرُ والمستعجِل لأنه من لوازم الأولية كما قال تعالى :﴿فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١] وقال سعيد بن مقروم الضبي :
فقوله : أول نازل لا يريد تحقيق أنه لم ينزل أحد قبله وإنما أراد أنه بادر مع الناس فإن الشأن أنه إذا دعا القوم نزالِ أن ينزل السامعون كلهم ولكنه أراد أنه ممن لم يتربص. ويكون المعنى ولا تعجَلوا بالتصريح بالكفر قبل التأمل، فالمراد من الكفر هنا التصميم عليه لا البقاء على ما كانوا عليه فتكون الكناية بالمفرد وهو كلمة ( أول ).
المعنى الرابع : أن يكون ﴿أول﴾ كناية عن القدوة في الأمر لأن الرئيس وصاحب اللواء ونحوهما يتقدمون القوم، قال تعالى :﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾ [هود: ٩٨] وقال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهذلي :
أي الأجدر والناصر لسنة، والمعنى ولا تكونوا مقرين للكافرين بكفركم فإنهم إن شاهدوا كفركم كفروا اقتداء بكم وهذا أيضاً كناية بالمفرد.
المعنى الخامس : أن يكون المراد الأول بالنسبة إلى الدعوة الثانية وهي الدعوة في المدينة لأن ما بعد الهجرة هو حال ثانية للإسلام، فيها ظهر الإسلام متميزاً مستقلاً.
هذا كله مبني على جعل الضمير المجرور بالباء في قوله :﴿كافر به﴾ عائداً على ما ﴿ما أنزلتُ﴾ أي القرآن وهو الظاهر لأنه ذكر في مقابل الإيمان به. وقيل إن الضمير عائد على ما معكم وهو التوراة قال ابن عطية :« وعلى هذا القول يجيء ﴿أول كافر﴾ مستقيماً على ظاهره في الأولية » ولا يخفى أن هذا الوجه تكلف لأنه مؤول بأن كفرهم بالقرآن وهو الذي جاء على نحوما وصفت التوراةُ وكتبُ أنبيائهم في بشاراتهم بنبىءٍ وكتاب يكونان من بعد موسى فإذا كذبوا بذلك فقد كفروا بصحة ما في التوراة فيُفضي إلى الكفر بما معهم.
قال التفتزاني : وهذا كله إنما يتم لو كان كفرهم به بمعنى ادعائهم أنه كله كذب وأما إذا كفروا بكونه كلام الله واعتقدوا أن فيه صدقاً وكذباً فلا يتم، ولهذا كان هذا الوجه مرجوحاً، ورده عبد الحكيم بما لا يليق به.
وبهذا كله يتضح أن قوله :﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ لا يتوهم منه أن يكون النفي منصباً على القيد بحيث يفيد عدم النهي عن أن يكونوا ثاني كافر أو
شروع في دعوة بني إسرائيل إلى الإسلام وهدي القرآن وهذا هو المقصود من خطابهم ولكن قدم بين يديه ما يهيىء نفوسهم إلى قبوله كما تتقدم المقدمة على الغرض، والتخليةُ على التحلية.
والإيمان بالكتاب المنزل من عند الله أو بكتب الله وإن كان من جملة ما شمله العهد المشار إليه بقوله :﴿وأوفوا بعهدي﴾ [البقرة: ٤٠] إلا أنه لم يلتفت إليه هنا من تلك الجهة لأنهم عاهدوا الله على أشياء كثيرة كما تقدم ومن جملتها الإيمان بالرسل والكتب التي تأتي بعد موسى عليه السلام إلا أن ذلك مجمل في العهد فلا يتعين أن يكون ما جاء به محمد ﷺ هو مما عاهدوا الله عليه بل حتى يصدقوا بأنه من عند الله وأن الجائي به رسول من الله فهم مدعوُّون إلى ذلك التصديق هنا. فعطفُ قوله :﴿وآمنوا﴾ على قوله :﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] كعطف المقصد على المقدمة، وعطفهُ على قوله :﴿وأوفوا بعهدي﴾ من قبيل عطف الخاص على العام في المعنى ولكن هذا من عطف الجمل فلا يقال فيه عطف خاص على عام لأنه إنما يكون في عطف الجزئي على الكلي من المفردات لا في عطف الجمل وإنما أردنا تقريب موقع الجملة وتوجيه إيرادها موصولة غير مفصولة.
وفي تعليق الأمر باسم الموصول وهو ﴿ما أنزلت﴾ دون غيره من الأسماء نحو الكتاب أو القرآن أو هذا الكتاب إيماءٌ إلى تعليل الأمر بالإيمان به وهو أنه منزل من الله وهم قد أوصوا بالإيمان بكل كتاب يَثبتُ أنه منزل من الله. ولهذا أتى بالحال التي هي علة الصلة إذ جعل كونه مصدقاً لما في التوراة علامةً على أنه من عند الله. وهي العلامة الدينية المناسبة لأهل العلم من أهل الكتاب فكما جعل الإعجاز اللفظي علامة على كون القرآن من عند الله لأهل الفصاحة والبلاغة من العرب كما أشير إليه بقوله :﴿ألم ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١، ٢] إلى قوله :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] ؛ كذلك جعل الإعجاز المعنوي وهو اشتماله على الهدى الذي هو شأن الكتب الإلهية علامة على أنه من عنده لأهل الدين والعلمِ بالشرائع. ثم الإيمانُ بالقرآن يستلزم الإيمان بالذي جاء به وبالذي أنزله.
والمراد بما معهم كتب التوراة الأربعة وما ألحق بها من كتب الأنبياء من بني إسرائيل كالزبور، وكتاب أشعياء، وأرمياء، وحزقيال، ودانيال وغيرها ولذا اختير التعبير بما معكم دون التوراة مع أنها عبر بها في مواضع غير هذا لأن في كتب الأنبياء من بعد موسى عليه السلام بشاراتٍ ببعثة محمد ﷺ أصرحُ مما في التوراة فكان التنبيه إليها أوقع.
والمراد من كون القرآن مصدقاً لما معهم أنه يشتمل على الهدى الذي دعت إليه أنبياؤهم من التوحيد والأمر بالفضائل واجتناب الرذائل وإقامة العدل ومن الوعيد والوعد والمواعظ والقَصص فما تماثل منه بها فأمره ظاهر وما اختلفَ فإنما هو لاختلاف المصالح والعصور مع دخول الجميع تحت أصل واحد، ولذلك سمي ذلك الاختلاف نسخاً لأن النسخ إزالة حكم ثابت ولم يسم إبطالاً أو تكذبياً فظهر أنه مصدق لما معهم حتى فيما جاء مخالفاً فيه لما معهم لأنه ينادي على أن المخالفة تغيير أحكام تبعاً لتغير أحوال المصالح والمفاسد بسبب تفاوت الأعصار بحيث يكون المغيِّر والمغيَّر حقاً بحسب زمانه وليس ذلك إبطالاً ولا تكذيباً قال تعالى :﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات﴾ [النساء: ١٦٠] الآية. فالإيمان بالقرآن لا ينافي تمسكهم القديم بدينهم ولا ما سبق من أخذ رسلهم عليهم العهد باتباعه. ومما يشمله تصديق القرآن لما معهم أن الصفات التي اشتمل عليها القرآن ودين الإسلام والجائي به موافقة لما بشرت به كتبهم فيكون وروده معجزة لأنبيائهم وتصديقاً آخر لدينهم وهو أحد وجهين ذكرهما الفخر والبيضاوي فيلزم تأويل التصديق بالتحقيق لأن التصديق حقيقة في إعلام المخبَر ( بفتح الباء ) بأن خبر المخبِر مطابق للواقع إما بقوله صدقت أو صدقَ فلان كما ورد في حديث جبريل في « صحيح البخاري » لما سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان أنه لما أخبره قال السائل صدقتَ قال : فعَجِبْنا له يَسْأَلُه ويُصدقه، وإما بأن يخبر الرجل بخبر مثل ما أخبر به غيره فيكون إخباره الثاني تصديقاً لإخبار الأول. وأما إطلاق التصديق على دلالة شيء على صدقِ خبرٍ مَّا فهو إطلاق مجازي والمقصود وصف القرآن بكونه مصدقاً لما معهم بأخباره وأحكامه لا وصف الدين والنبوة كما لا يخفى.
﴿وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
جمع الضمير في ﴿تكونوا﴾ مع إفراد لفظ ﴿كافر﴾ يدل على أن المراد من الكافر فريق ثبت له الكفر لا فرد واحد فإضافة ﴿أول﴾ إلى ﴿كافر﴾ بيانية تفيد معنى فريق هو أول فرق الكافرين. والضمير المجرور في ﴿به﴾ ظاهره أنه عائد إلى ﴿ما أنزلت﴾ لأنه المقصود. وهو عطف على جملة ﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ وهو ارتقاء في الدعوة واستجلاب القلوب فإنه لما أمرهم بالإيمان بالقرآن وكانت صيغة الأمر محتملة لطلب الامتثال بالفور أو بالتأخير وكانوا معروفين بشدة العداوة لدين الإسلام، عطف على أمرهم بالإيمان بالقرآن نهيهم عن أن يكونوا أول كافر بالقرآن وذلك يصدق بمعان بعضها يستفاد من حق التركيب وبعضها من لوازمه وبعضها من مستتبعاته وكلها تحتملها الآية، فالمعنى الأول أن يحمل قوله :﴿أول كافر﴾ على حقيقة معنى الأول وهو السابق غيره فيحصل من الجملة المعطوفة تأكيد الجملة المعطوف عليها بدلالة المطابقة فالنهي عن الكفر بالقرآن يؤكد قوله :﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ ثم إن وصف ﴿أول﴾ يشعر بتقييد النهي بالوصف ولكن قرينة السياق دالة على أنه لا يراد تقييد النهي عن الكفر بحالة أوليتهم في الكفر، إذ ليس المقصود منه مجرد النهي عن أن يكونوا مبادرين بالكفر ولا سابقين به غيرهم لقلة جدوى ذلك ولكن المقصود الأهم منه أن يكونوا أول المؤمنين فأفيد ذلك بطريق الكناية التلويحية فإن وصف أول أصله السابق غيره في عمل يعمل أو شيء يذكر فالسبق والمبادرة من لوازم معنى الأولى لأنها بعض مدلول اللفظ ولما كان الإيمان والكفر نقيضين إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر كان النهي عن أن يكونوا أول الكافرين يستلزم أن يكونوا أول المؤمنين.
والمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام فيكون هذا المركب قد كني به عن معنيين من ملزوماته، هما معنى المبادرة إلى الإسلام ومعنى التوبيخ المكنى عنه بالنهي، فيكون معنى النهي مراداً ولازمه وهو الأمر بالمبادرة بالإيمان مراداً وهو المقصود فيكون الكلام كناية اجتمع فيها الملزوم واللازم معاً، فباعتبار اللازم يكون النهي في معنى الأمر فيتأكد به الأمر الذي قبله كأنه قيل : وآمنوا بما أنزلت وكونوا أول المؤمنين، وباعتبار الملزوم يكون نهياً عن الكفر بعد الأمر بالإيمان فيحصل بذلك غرضان.
وهذه الكناية تعريضية لأن غرض المعنى الكنائي غير غرض المعنى الصريح وهذا هو الذي استخلصته في تحقيق معنى التعريض وهو أن يكون غرض الحكم المشار إليه به غير غرض الحكم المصرح به، أو أن يكون المحكوم له به غيرَ المحكوم له بالصريح. وهذا الوجه مستند إلى الظاهر والتحقيق بين متناثر كلامهم في التعريض المعروف من الكناية(١) ويندفع بهذا سؤالان مستقلان أحدهما ناشىء عما قبله : الأول كيف يصح النهي عن أن يكونوا أول الكافرين ومفهومه يقتضي أنهم لو كفروا به ثانياً لما كان كفرهم منهيًّا عنه ؟ الثاني أنه قد سبقهم أهل مكة للكفر لأن آية البقرة في خطاب اليهود نزلت في المدينة فقد تحقق أن اليهود لم يكونوا أول الكافرين فالنهي عن أن يكونوا أول الكافرين تحصيل حاصل. ووجه الاندفاع أن المقصود الأهم هو المعنى التعريضي وهو يقوم قرينة على أن القصد من النهي أن لا يكونوا من المبادرين بالكفر أي لا يكونوا متأخرين في الإيمان وهذا أول الوجوه في تفسير الآية عند صاحب « الكشاف » واختاره البيضاوي فاقتصر عليه.
واعلم أن التعريض في خصوص وصف ﴿أول﴾ وأما أصل النهي عن أن يكونوا كافرين به فذلك مدلول اللفظ حقيقة وصريحاً. والتعريض من قبيل الكناية التلويحية لما فيه من خفاء الانتقال من المعنى إلى لوازمه. وبعض التعريض يحصل من قرائن الأحوال عند النطق بالكلام ولعل هذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا كناية وهو من مستتبعات التراكيب ودلالتها العقلية وسيجيء لهذا زيادة بيان عند قوله تعالى :﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: ٢٣٥] في هذه السورة.
المعنى الثاني أن يكون المقصود التعريض بالمشركين وأنهم أشد من اليهود كفراً أي لا تكونوا في عدادهم ولعل هذا هو مراد صاحب « الكشاف » من قوله :« ويجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة » ولا يريد أنه تشبيه بليغ وإن كان كلامه يوهمه وسكت عنه شراحه.
المعنى الثالث : أن يراد من ﴿أول﴾ المبادرُ والمستعجِل لأنه من لوازم الأولية كما قال تعالى :﴿فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١] وقال سعيد بن مقروم الضبي :
| فدَعَوْا نَزَالِ فكنتُ أولَ نازل | وعلاَمَ أركَبُه إذا لم أنزِلِ |
المعنى الرابع : أن يكون ﴿أول﴾ كناية عن القدوة في الأمر لأن الرئيس وصاحب اللواء ونحوهما يتقدمون القوم، قال تعالى :﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾ [هود: ٩٨] وقال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهذلي :
| فلا تَجْزَعَنْ من سُنةٍ أنتَ سِرْتَها | فأول راضٍ سُنةً مَن يسِيرها |
المعنى الخامس : أن يكون المراد الأول بالنسبة إلى الدعوة الثانية وهي الدعوة في المدينة لأن ما بعد الهجرة هو حال ثانية للإسلام، فيها ظهر الإسلام متميزاً مستقلاً.
هذا كله مبني على جعل الضمير المجرور بالباء في قوله :﴿كافر به﴾ عائداً على ما ﴿ما أنزلتُ﴾ أي القرآن وهو الظاهر لأنه ذكر في مقابل الإيمان به. وقيل إن الضمير عائد على ما معكم وهو التوراة قال ابن عطية :« وعلى هذا القول يجيء ﴿أول كافر﴾ مستقيماً على ظاهره في الأولية » ولا يخفى أن هذا الوجه تكلف لأنه مؤول بأن كفرهم بالقرآن وهو الذي جاء على نحوما وصفت التوراةُ وكتبُ أنبيائهم في بشاراتهم بنبىءٍ وكتاب يكونان من بعد موسى فإذا كذبوا بذلك فقد كفروا بصحة ما في التوراة فيُفضي إلى الكفر بما معهم.
قال التفتزاني : وهذا كله إنما يتم لو كان كفرهم به بمعنى ادعائهم أنه كله كذب وأما إذا كفروا بكونه كلام الله واعتقدوا أن فيه صدقاً وكذباً فلا يتم، ولهذا كان هذا الوجه مرجوحاً، ورده عبد الحكيم بما لا يليق به.
وبهذا كله يتضح أن قوله :﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ لا يتوهم منه أن يكون النفي منصباً على القيد بحيث يفيد عدم النهي عن أن يكونوا ثاني كافر أو
١ - والتكني عن الاتصاف بالنقيض بلفظ النهي عن أن يكون أول في نقيضه طريقة عربية ورد عليها قول أبي العاص الثقفي لقومه ثقيف حين وهموا بالارتداد مع أن من ارتد من العرب بعد وفاة النبي ﷺ :" يا معشر ثقيف كنتم آخر العرب إسلاما فلا تكونوا أولهم ارتدادا" أي دوموا على الإيمان وهو عكس الآية وليس المراد كونوا آخر الناس ارتدادا..