التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي
عن الكتاب
﴿وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ﴾.
وبعد أن أمر الله - عز وجل - بني إسرائيل، أن يوفوا بعهده عموماً أتبع ذلك بأمرهم بأن يوفوا بأمر خاص وهو القرآن الكريم، وفي التعبير عنه بذلك تعظيم لشأنه، وتقخيم لأمره. وأفرد - سبحانه - أمرهم بأن يؤمنوا به مع إندراجه في قوله - تعالى - ﴿وَأَوْفُواْ بعهدي﴾ للإِشارة إلى أن الوفاء بالعهد لا يحصل منهم إلا إذا صدقوا به.
والمراد بما معهم التوراة، والتعبير عنها بذلك للإِشعار بعلمهم بتصديقه لها. والمعنى : آمنوا يا بني إسرائيل بالكتاب المنزل على محمد ﷺ وهو القرآن الكريم المصدق لكتابكم التوارة، ومن مظاهر هذا التصديق اشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها، من الأمر بتوحيد الله - تعالى - والحث على التمسك بالفضائل، والبعد عن الرذائل، وإخباره بما جاء بها من الإِشارة إلى بعثة النبي ﷺ ومطابقة ما وصفته به مطابقة واضحة جلية وموالفقته لها في أصول الدين الكلية، وهيمنته عليها، ولذا قال - عليه الصلاة والسلام - : " لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي ".
وفي إخبار بني إسرائيل بأن القرآن الكريم مصدق لما معهم، إثارة لهممهم لو كانوا يعقلون - للإِقبيال عليه، متدبرين آياته، حتى تستيقن نفوسهم أنه دعوة الحق والإِصلاح المؤدية إلى السعادة في الدنيا والآخرة وحتى تطمئن قلوبهم إلى أن الإِيمان به معناه الإِيمان بما معهم، والكفر به، كفر بما بين أيديهم، حيث إن ما بين أيديهم قد بشر ببعثة محمد - ﷺ - المنزل عليه القرآن الكريم.
قال الإِمام الرازي :( وهذه الجملة الكريمة تدل على صدق النبي - ﷺ - من وجهين :
أولهما : أن الكتب السابقة قد بشرت به، وشهاداتها لا تكون إلا حقاً.
وثانيهما : أنه - عليه الصلاة والسلام - قد أخبرهم عما في كتبهم بدون معرفة سابقة لها، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الوحي.
وبعد أن أمرهم - سبحانه - بالإِيمان الخالص، عرض بهم لتكذيبهم وجحوهم، فقال - تعالى - :﴿وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي : لا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر بالقرآن الكريم، فيقتدى بكم أناس آخرون وبهذا تصيرون أئمة للكفر مع أن من الواجب عليكم أن تسارعوا إلى الإيمان به لأنكم أدرى الناس بأنهن من عند الله، وأكثرهم علماً بأنه الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن، وهو الصادق الأمين فيما يبلغه عن ربه.
والمقصود من هذه الجملة الكريمة، تبكيتهم على مسارعتهم في الكفر، واستعظام وقوع الجحود منهم، وتوعدهم عليه بسوء المآل.
قال الإِمام الرازي :( هذه الجملة خطاب لبني إسرائيل قبل غيرهم فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لا تكفروا بمحمد، فإنه سيكون بعدكم كفرة، فلا تكونوا أنتم أولهم لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإِثم، وذلك لأنهم إذا سُبقوا إلى الكفر، فإما أن يقتدى بهم غيرهم أولا، فإن اقتدى بهم غيرهم كان عليهم وزره ووزر كل كافر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد بهم غيرهم، اجتمع عليهم أمران : السبق إلى الكفر ؛ والتفرد به وكلاهما منقصة عظيمة، وتؤدى إلى العاقبة الوبيلة ).
ثم نهاهم عن أن يبيعوا دينهم بديناهم، فقال - تعالى - :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
والاشتراء هنا استعارة للاستبدال، والذي استبدل به الثمن القليل هو الإِيمان بالآيات، والمراد بالآيات : البراهين المؤيدة لصدق النبي ﷺ وفي مقدمتها القرآن الكريم والتوراة.
والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه، وما إلى ذلك من الأمور التي خافوا ضياعها لو اتبعوا الرسول ﷺ.
والمعنى : لا تستبدلوا بالإِيمان بما أنزلت مصدقاً لما معكم شيئاً من حطام الدنيا، ولا تختاروا على ثواب الله بديلا من الأموال، فإنها مما كثرت فهي قليلة مسترذلة بالنسبة لما يناله أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية في الدنيا، وخيرات حسان في الأخرى.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بقل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات ؛ إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - عز وجل -.
ونزل تمكينهم من الإِيمان بالآيات لوضوحها منزلة حصوله بالفعل، فكأن الإِيمان كان في حوزتهم، ولكنهم خلعوه، ونبذوه، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير ؛ فباءوا بغضب على غضب لكفرهم بالقرآن الكريم وبتوراتهم التي بشرت بالرسول - عليه الصلاة والسلام-.
ثم حذرهم - سبحانه - من التمادي في الكفر بما أنزل، مصدقاً لما معهم، فقال - تعالى " وإياي فاتقون " الاتقاء معناه الحذر، يقال : فلان اتقى الله أي حذر عقابه وبطشه، والحذر من عقاب الله، يستلزم امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فمعنى " وإياي فاتقون " آمنوا بي، واتبعوا الحق وأعرضوا عن الباطل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: هذا، ونرى من المناسب أن نختم تفسير هذه الآيات الكريمة، وبيان ما اشتملت عليه من توجيه سليم، وتركيب بليغ، بما قاله أبو حيان في تفسيره، فقد قال - رحمه الله - :
" وفي هذه الجمل - وإن كانتة معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيباً - ترتيبٌ عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته : ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإِيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقمة إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإِيفاء أمر بذكر النعمة والإِحسان، وأمر بالخوف من العصيان.
ثم أعقب ذلك بالأمر بإِيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمراً مخالفاً لما في أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم - تعالى - باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإِيمان أمراً بترك الضلال، والنهي عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركاً للإِضلال.
ولما كان الضلال ناشئاً عن أمرين :
إما تمويه الباطل حقاً، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإِيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له - تعالى - مع جملة الخاضعين الطائعين.
فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإِرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله - تعالى - على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهي، وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل في الصورة، إلا أنها عامة في المعنى، فيجب على كل مكلف في كل زمان ومكان أن يعمل به ".
وبعد أن أمر الله - عز وجل - بني إسرائيل، أن يوفوا بعهده عموماً أتبع ذلك بأمرهم بأن يوفوا بأمر خاص وهو القرآن الكريم، وفي التعبير عنه بذلك تعظيم لشأنه، وتقخيم لأمره. وأفرد - سبحانه - أمرهم بأن يؤمنوا به مع إندراجه في قوله - تعالى - ﴿وَأَوْفُواْ بعهدي﴾ للإِشارة إلى أن الوفاء بالعهد لا يحصل منهم إلا إذا صدقوا به.
والمراد بما معهم التوراة، والتعبير عنها بذلك للإِشعار بعلمهم بتصديقه لها. والمعنى : آمنوا يا بني إسرائيل بالكتاب المنزل على محمد ﷺ وهو القرآن الكريم المصدق لكتابكم التوارة، ومن مظاهر هذا التصديق اشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها، من الأمر بتوحيد الله - تعالى - والحث على التمسك بالفضائل، والبعد عن الرذائل، وإخباره بما جاء بها من الإِشارة إلى بعثة النبي ﷺ ومطابقة ما وصفته به مطابقة واضحة جلية وموالفقته لها في أصول الدين الكلية، وهيمنته عليها، ولذا قال - عليه الصلاة والسلام - : " لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي ".
وفي إخبار بني إسرائيل بأن القرآن الكريم مصدق لما معهم، إثارة لهممهم لو كانوا يعقلون - للإِقبيال عليه، متدبرين آياته، حتى تستيقن نفوسهم أنه دعوة الحق والإِصلاح المؤدية إلى السعادة في الدنيا والآخرة وحتى تطمئن قلوبهم إلى أن الإِيمان به معناه الإِيمان بما معهم، والكفر به، كفر بما بين أيديهم، حيث إن ما بين أيديهم قد بشر ببعثة محمد - ﷺ - المنزل عليه القرآن الكريم.
قال الإِمام الرازي :( وهذه الجملة الكريمة تدل على صدق النبي - ﷺ - من وجهين :
أولهما : أن الكتب السابقة قد بشرت به، وشهاداتها لا تكون إلا حقاً.
وثانيهما : أنه - عليه الصلاة والسلام - قد أخبرهم عما في كتبهم بدون معرفة سابقة لها، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الوحي.
وبعد أن أمرهم - سبحانه - بالإِيمان الخالص، عرض بهم لتكذيبهم وجحوهم، فقال - تعالى - :﴿وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي : لا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر بالقرآن الكريم، فيقتدى بكم أناس آخرون وبهذا تصيرون أئمة للكفر مع أن من الواجب عليكم أن تسارعوا إلى الإيمان به لأنكم أدرى الناس بأنهن من عند الله، وأكثرهم علماً بأنه الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن، وهو الصادق الأمين فيما يبلغه عن ربه.
والمقصود من هذه الجملة الكريمة، تبكيتهم على مسارعتهم في الكفر، واستعظام وقوع الجحود منهم، وتوعدهم عليه بسوء المآل.
قال الإِمام الرازي :( هذه الجملة خطاب لبني إسرائيل قبل غيرهم فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لا تكفروا بمحمد، فإنه سيكون بعدكم كفرة، فلا تكونوا أنتم أولهم لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإِثم، وذلك لأنهم إذا سُبقوا إلى الكفر، فإما أن يقتدى بهم غيرهم أولا، فإن اقتدى بهم غيرهم كان عليهم وزره ووزر كل كافر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد بهم غيرهم، اجتمع عليهم أمران : السبق إلى الكفر ؛ والتفرد به وكلاهما منقصة عظيمة، وتؤدى إلى العاقبة الوبيلة ).
ثم نهاهم عن أن يبيعوا دينهم بديناهم، فقال - تعالى - :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
والاشتراء هنا استعارة للاستبدال، والذي استبدل به الثمن القليل هو الإِيمان بالآيات، والمراد بالآيات : البراهين المؤيدة لصدق النبي ﷺ وفي مقدمتها القرآن الكريم والتوراة.
والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه، وما إلى ذلك من الأمور التي خافوا ضياعها لو اتبعوا الرسول ﷺ.
والمعنى : لا تستبدلوا بالإِيمان بما أنزلت مصدقاً لما معكم شيئاً من حطام الدنيا، ولا تختاروا على ثواب الله بديلا من الأموال، فإنها مما كثرت فهي قليلة مسترذلة بالنسبة لما يناله أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية في الدنيا، وخيرات حسان في الأخرى.
وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات، بقل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات ؛ إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - عز وجل -.
ونزل تمكينهم من الإِيمان بالآيات لوضوحها منزلة حصوله بالفعل، فكأن الإِيمان كان في حوزتهم، ولكنهم خلعوه، ونبذوه، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير ؛ فباءوا بغضب على غضب لكفرهم بالقرآن الكريم وبتوراتهم التي بشرت بالرسول - عليه الصلاة والسلام-.
ثم حذرهم - سبحانه - من التمادي في الكفر بما أنزل، مصدقاً لما معهم، فقال - تعالى " وإياي فاتقون " الاتقاء معناه الحذر، يقال : فلان اتقى الله أي حذر عقابه وبطشه، والحذر من عقاب الله، يستلزم امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فمعنى " وإياي فاتقون " آمنوا بي، واتبعوا الحق وأعرضوا عن الباطل.
" وفي هذه الجمل - وإن كانتة معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيباً - ترتيبٌ عجيب من الفصاحة، وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم، إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته : ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم، ثم رغبهم بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم في الإِيفاء بالعهد، ثم أمرهم بالخوف من نقمة إن لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإِيفاء أمر بذكر النعمة والإِحسان، وأمر بالخوف من العصيان.
ثم أعقب ذلك بالأمر بإِيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن، ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمراً مخالفاً لما في أيديهم، لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال إلى المخالف ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم - تعالى - باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبس الحق بالباطل، وعن كتم الحق، فكان الأمر بالإِيمان أمراً بترك الضلال، والنهي عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركاً للإِضلال.
ولما كان الضلال ناشئاً عن أمرين :
إما تمويه الباطل حقاً، إن كانت الدلائل قد بلغت المستمع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين بلا تلبسوا وتكتموا، ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصيل الإِيمان، وإظهار الحق بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن الصلاة آكد العبادات البدنية، والزكاة آكد العبادات المالية ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له - تعالى - مع جملة الخاضعين الطائعين.
فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم، وما بينهما من تكاليف اعتقادية، وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإِرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله - تعالى - على سائر الكلام، وهذه الأوامر والنواهي، وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل في الصورة، إلا أنها عامة في المعنى، فيجب على كل مكلف في كل زمان ومكان أن يعمل به ".