البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
التصديق : اعتقاد حقيقة الشيء ومطابقته للمخبر به، والتكذيب يقابله.
أول : عند سيبويه : أفعل، وفاؤه وعينه واوان، ولم يستعمل منه فعل لاستثقال اجتماع الواوين، فهو مما فاؤه وعينه من جنس واحد، لم يحفظ منه إلا : ددن، وققس، وببن، وبابوس.
وقيل : إن بابوساً أعجمي، وعند الكوفيين أفعل من وأل إذا لجأ، فأصله أوأل، ثم خفف بإبدال الهمزة واواً، ثم بالإدغام، وهذا تخفيف غير قياسي، إذ تخفيف مثل هذا إنما هو بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها.
وقال بعض الناس : هو أفعل من آل يؤل، فأصله أأول، ثم قلب فصار أوأل أعفل، ثم خفف بإبدال الهمزة واواً، ثم بالإدغام.
وهذان القولان ضعيفان، ويستعمل أول استعمالين : أحدهما : أن يجري مجرى الأسماء، فيكون مصروفاً، وتليه العوامل نحو : أفكل، وإن كان معناه معنى قديم، وعلى هذا قول العرب : مما تركت له أولاً ولا آخراً، أي ما تركت له قديماً ولا حديثاً.
والاستعمال الثاني : أن يجري مجرى أفعل التفضيل، فيستعمل على ثلاثة أنحائه من كونه بمن ملفوظاً بها، أو مقدرة، وبالألف واللام، وبالإضافة.
وقالت العرب : ابدأ بهذا أول، فهذا مبني على الضم باتفاق، والخلاف في علة بنائه ذلك لقطعه عن الإضافة، والتقدير : أول الأشياء، أم لشبه القطع عن الإضافة، والتقدير : أول من كذا.
والأولى أن تكون العلة القطع عن الإضافة، والخلاف إذا بني، أهو ظرف أو اسم غير ظرف ؟ وهو خلاف مبني على أن الذي يبنى للقطع شرطه أن يكون ظرفاً، أو لا يشترط ذلك فيه، وكل هذا مستوفى في علم النحو.
الثمن : العوض المبذول في مقابلة العين المبيعة، وقال :
أي من عوض.
القليل : يقابله الكثير، واتفقا في زنة اسم الفاعل، واختلفا في زنة الفعل، فماضي القليل فعل، وماضي الكثير فعل، وكان القياس أن يكون اسم الفاعل من قل على فاعل نحو : شذ يشذ، فهو شاذ، لكن حمل على مقابله.
ومثل قلّ فهو قليل، صح فهو صحيح.
﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ : ظاهره أنه أمر لبني إسرائيل، لأن المأمورين قبل هم، وهذا معطوف على ما قبله، فظاهره اتحاد المأمور.
وقيل : أنزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، علماء اليهود ورؤسائهم، والظاهر الأول، ويندرج فيه كعب ومن معه.
وما في قوله :﴿بما أنزلت﴾ موصولة، أي بالذي أنزلت، والعائد محذوف تقديره : أنزلته، وشروط جواز الحذف فيه موجودة، والذي أنزل تعالى هو القرآن، والذي معهم هو التوراة والإنجيل.
وقال قتادة : المراد ﴿بما أنزلت﴾ : من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وأبعد من جعل ما مصدرية، وأن التقدير : وآمنوا بإنزالي لما معكم من التوراة، فتكون اللام في لما من تمام المصدر لا من تمام.
﴿مصدّقاً﴾.
وعلى القول الأول يكون ﴿لما معكم﴾ من تمام ﴿مصدقاً﴾، واللام على كلا التقديرين في لما مقوية للتعدية، كهي في قوله تعالى :﴿فعال لما يريد﴾ وإعراب مصدقاً على قول من جعل ما مصدرية حال من ما في قوله :﴿لما معكم﴾.
ولا نقول : يبعد ذلك لدخول حرف الجر على ذي الحال، لأن حرف الجر كما ذكرناه هو مقوّ للتعدية، فهو كالحرف الزائد، وصار نظير : زيد ضارب، مجردة لهند، التقدير : ضارب هنداً مجردة، ثم تقدمت هذه الحال، وهذا جائز عندنا، ويبعد أن يكون حالاً من المصدر المقدر لوجهين : أحدهما : الفصل بين المصدر ومعموله الحال المصدر.
والوجه الثاني : أنه يبعد وصف الإنزال بالتصديق إلا أن يتجوّز به، ويراد به المنزل، وعلى هذا التقدير لا يكون لما معكم من تمامه، لأنه إذا أريد به المنزل لا يكون متعدياً للمفعول.
والظاهر أن مصدقاً حال من الضمير العائد على الموصول المحذوف، وهي حال مؤكدة، والعامل فيها أنزلت.
وقيل : حال من ما في قوله : بما أنزلت، وهي حال مؤكدة أيضاً.
﴿ولا تكونوا أوّل كافر به﴾ : أفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة غير صفة، فإنه يبقى مفرداً مذكراً، والنكرة تطابق ما قبلها، فإن كان مفرداً كان مفرداً، وإن كان تثنية كان تثنية، وإن كان جمعاً كان جمعاً، فتقول : زيد أفضل رجل، وهند أفضل امرأة، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال.
ولا تخلو تلك النكرة المضاف إليها أفعل التفضيل من أن تكون صفة أو غير صفة، فإن كانت غير صفة فالمطابقة كما ذكرنا.
وأجاز أبو العباس : إخوتك أفضل رجل، بالإفراد، ومنع ذلك الجمهور.
وإن كانت صفة، وقد تقدم أفعل التفضيل جمع جازت المطابقة وجاز الإفراد، قال الشاعر : أنشده الفراء :
فأفرد بقوله : طاعم، وجمع بقوله : جياع.
وإذا أفردت النكرة الصفة، وقبل أفعل التفضيل جمع، فهو عند النحويين متأوّل، قال الفراء : تقديره من طعم، وقال غيره : يقدر وصفاً لمفرد يؤدي معنى جمع، كأنه قال : فألأم طاعم، وحذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه، فيكون ما أضيف إليه في التقدير وفق ما تقدمه.
وقال بعض الناس : يكون التجوز في الجمع، فإذا قيل مثلاً الزيدون أفضل عالم، فالمعنى : كل واحد من الزيدين أفضل عالم.
وهذه النكرة أصلها عند سيبويه التعريف والجمع، فاختصروا الألف واللام وبناء الجمع.
وعند الكوفيين أن أفعل التفضيل هو النكرة في المعنى، فإذا قلت : أبوك أفضل عالم، فتقديره : عندهم أبوك الأفضل العالم، وأضيف أفضل إلى ما هو هو في المعنى.
وجميع أحكام أفعل التفضيل مستوفاة في كتب النحو.
وعلى ما قررناه تأولوا أول كافر بمن كفر، أو أول حزب كفر، أو لا يكن كل واحد منكم أول كافر.
والنهي عن أن تكونوا أول كافر به لا يدل ذلك على إباحة الكفر لهم ثانياً أو آخراً، فمفهوم الصفة هنا غير مراد.
ولما أشكلت الأولية هنا زعم بعضهم أن أول صلة يعني زائدة، والتقدير : ولا تكونوا كافرين به، وهذا ضعيف جداً.
وزعم بعضهم أن ثم محذوفاً معطوفاً تقديره : ولا تكونوا أوّل كافر به ولا آخر كافر، وجعل ذلك مما حذف فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه، وخص الأولية بالذكر لأنها أفحش، لما فيها من الابتداء بها، وهذا شبيه بقول الشاعر :
لا يريد أن فيهم فحشاً آجلاً، بل أراد لافحش عندهم، لا عاجلاً، ولا آجلاً، وتأوله بعضهم على حذف مضاف، أي : ولا تكونوا مثل أول كافر به، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة موصوفاً مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له، وبعضهم على صفة محذوفة، أي أول كافر به من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في هذا مظنون بهم علم، وبعضهم على حذف صلة يصح بها المعنى، التقدير : ولا تكونوا أول كافر به مع المعرفة، لأن كفر قريش كان مع الجهل، وهذا القول شبيه بالذي قبله.
وبعضهم قدر صلة غير هذه، أي ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم لذكره، بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه.
وقيل : ذكر الأولية تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول مؤمن به، لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا هم المبشرين بزمانه والمستفتحين على الذين كفروا به، فلما بعث كان أمرهم على العكس، قال تعالى :﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾
وقال القشيري : لا تسنوا الكفر سنة، فإن وزر المبتدئين فيما يسنون أعظم من وزر المقتدين فيما يتبعون.
والضمير في به عائد على الموصول في بما أنزلت، وهو القرآن، قاله ابن جريج، أو على محمد ﷺ، ودل عليه المعنى، لأن ذكر المنزل يدل على ذكر المنزل عليه، قاله أبو العالية، أو على النعمة على معنى الإحسان، ولذلك ذكر الضمير، قاله الزجاج، أو على الموصول في لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدقه، فقد كفروا به، والأرجح الأول، لأنه أقرب، وهو منطوق به مقصود للحديث عنه، بخلاف الأقوال الثلاثة.
﴿ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً﴾.
الاشتراء هنا مجاز يراد به الاستبدال، كما قال :
كما اشترى المسلم إذ تنصرا***
وقال آخر :
فإني شريت الحلم بعدك بالجهل***
ولما كان المعنى على الاستبدال، جاز أن تدخل الباء على الآيات، وإن كان القياس أن تدخل على ما كان ثمناً، لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشترى به، لكن لما دخل الكلام على معنى الاستبدال جاز ذلك، لأن معنى الاستبدال يكون المنصوب فيه هو الحاصل، وما دخلت عليه الباء هو الزائل، بخلاف ما يظن بعض الناس أن قولك : بدلت أو أبدلت درهماً بدينار معناه : أخذت الدينار بدلاً عن الدرهم، والمعنى، والله أعلم : ولا تستبدلوا بآياتي العظيمة أشياء حقيرة خسيسة.
ولو أدخل الباء على الثمن دون الآيات لانعكس هذا المعنى، إذ كان يصير المعنى : أنهم هم بذلوا ثمناً قليلاً وأخذوا الآيات.
قال المهدوي : ودخول الباء على الآيات كدخولها على الثمن، وكذلك كلّ ما لا عين فيه، وإذا كان في الكلام دنانير أو دراهم دخلت الباء على الثمن، قاله الفراء.
انتهى كلام المهدوي ومعناه : أنه إذا لم يكن دنانير ولا دراهم في البيع صح أن يكون كل واحد من المبذول ثمناً ومثمناً، لكن يختلف دخول الباء بالنسبة لمن نسب الشراء إلى نفسه من المتعاقدين جعل ما حصل هو المثمن، فلا تدخل عليه الباء، وجعل ما بذل هو الثمن فأدخل عليه الباء، ونفس الآيات لا يشترى بها، فاحتيج إلى حذف مضاف، فقيل تقديره : بتعليم آياتي، قاله أبو العالية، وقيل : بتغيير آياتي، قاله الحسن.
وقيل : بكتمان آياتي، قاله السدي.
وقيل : لا يحتاج إلى حذف مضاف، بل كنى بالآيات عن الأوامر والنواهي.
وعلى الأقوال الثلاثة التي قبل هذا القول تكون الآيات، ما أنزل من الكتب، أو القرآن، أو ما أوضح من الحجج والبراهين، أو الآيات المنزلة عليهم في التوراة والإنجيل المتضمنة الأمر بالإيمان برسول الله ﷺ.
وعلى الأقاويل في ذلك المضاف المقدر، والقول بعدها اختلفوا في المعنى بقوله : ثمناً قليلاً.
فمن قال : إن المضاف هو التعليم، قال : الثمن القليل هو الأجرة على التعليم، وكان ذلك ممنوعاً منه في شريعتم، أو الراتب المرصد لهم على التعليم، فنهوا عنه، ومن قال : هو التغيير، قال الثمن القليل هو الرّياسة التي كانت في قومهم خافوا فواتها لو صاروا أتباعاً لرسول الله ﷺ.
ومن جعل الآيات كناية عن الأوامر والنواهي، جعل الثمن القليل هو ما يحصل لهم من شهوات الدنيا التي اشتغلوا بها عن إيقاع ما أمرالله به واجتناب ما نهى عنه، ووصف الثمن بالقليل، لأن ما حصل عوضاً عن آيات الله كائناً ما كان لا يكون إلا قليلاً، وإن بلغ ما بلغ، كما قال تعالى :﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ فليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف التي تخصص النكرات، بل من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات، إذ لا يكون إلا قليلاً.
ويحتمل أن يكون ثم معطوف تقديره : ثمناً قليلاً ولا كثيراً، فحذف لدلالة المعنى عليه.
وقد استدل بعض أهل العلم بقوله :﴿ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً﴾ على منع جواز أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله والعلم.
وقد روي في ذ
أول : عند سيبويه : أفعل، وفاؤه وعينه واوان، ولم يستعمل منه فعل لاستثقال اجتماع الواوين، فهو مما فاؤه وعينه من جنس واحد، لم يحفظ منه إلا : ددن، وققس، وببن، وبابوس.
وقيل : إن بابوساً أعجمي، وعند الكوفيين أفعل من وأل إذا لجأ، فأصله أوأل، ثم خفف بإبدال الهمزة واواً، ثم بالإدغام، وهذا تخفيف غير قياسي، إذ تخفيف مثل هذا إنما هو بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها.
وقال بعض الناس : هو أفعل من آل يؤل، فأصله أأول، ثم قلب فصار أوأل أعفل، ثم خفف بإبدال الهمزة واواً، ثم بالإدغام.
وهذان القولان ضعيفان، ويستعمل أول استعمالين : أحدهما : أن يجري مجرى الأسماء، فيكون مصروفاً، وتليه العوامل نحو : أفكل، وإن كان معناه معنى قديم، وعلى هذا قول العرب : مما تركت له أولاً ولا آخراً، أي ما تركت له قديماً ولا حديثاً.
والاستعمال الثاني : أن يجري مجرى أفعل التفضيل، فيستعمل على ثلاثة أنحائه من كونه بمن ملفوظاً بها، أو مقدرة، وبالألف واللام، وبالإضافة.
وقالت العرب : ابدأ بهذا أول، فهذا مبني على الضم باتفاق، والخلاف في علة بنائه ذلك لقطعه عن الإضافة، والتقدير : أول الأشياء، أم لشبه القطع عن الإضافة، والتقدير : أول من كذا.
والأولى أن تكون العلة القطع عن الإضافة، والخلاف إذا بني، أهو ظرف أو اسم غير ظرف ؟ وهو خلاف مبني على أن الذي يبنى للقطع شرطه أن يكون ظرفاً، أو لا يشترط ذلك فيه، وكل هذا مستوفى في علم النحو.
الثمن : العوض المبذول في مقابلة العين المبيعة، وقال :
| إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها | فما أصبت بترك الحج من ثمن |
القليل : يقابله الكثير، واتفقا في زنة اسم الفاعل، واختلفا في زنة الفعل، فماضي القليل فعل، وماضي الكثير فعل، وكان القياس أن يكون اسم الفاعل من قل على فاعل نحو : شذ يشذ، فهو شاذ، لكن حمل على مقابله.
ومثل قلّ فهو قليل، صح فهو صحيح.
﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ : ظاهره أنه أمر لبني إسرائيل، لأن المأمورين قبل هم، وهذا معطوف على ما قبله، فظاهره اتحاد المأمور.
وقيل : أنزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، علماء اليهود ورؤسائهم، والظاهر الأول، ويندرج فيه كعب ومن معه.
وما في قوله :﴿بما أنزلت﴾ موصولة، أي بالذي أنزلت، والعائد محذوف تقديره : أنزلته، وشروط جواز الحذف فيه موجودة، والذي أنزل تعالى هو القرآن، والذي معهم هو التوراة والإنجيل.
وقال قتادة : المراد ﴿بما أنزلت﴾ : من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وأبعد من جعل ما مصدرية، وأن التقدير : وآمنوا بإنزالي لما معكم من التوراة، فتكون اللام في لما من تمام المصدر لا من تمام.
﴿مصدّقاً﴾.
وعلى القول الأول يكون ﴿لما معكم﴾ من تمام ﴿مصدقاً﴾، واللام على كلا التقديرين في لما مقوية للتعدية، كهي في قوله تعالى :﴿فعال لما يريد﴾ وإعراب مصدقاً على قول من جعل ما مصدرية حال من ما في قوله :﴿لما معكم﴾.
ولا نقول : يبعد ذلك لدخول حرف الجر على ذي الحال، لأن حرف الجر كما ذكرناه هو مقوّ للتعدية، فهو كالحرف الزائد، وصار نظير : زيد ضارب، مجردة لهند، التقدير : ضارب هنداً مجردة، ثم تقدمت هذه الحال، وهذا جائز عندنا، ويبعد أن يكون حالاً من المصدر المقدر لوجهين : أحدهما : الفصل بين المصدر ومعموله الحال المصدر.
والوجه الثاني : أنه يبعد وصف الإنزال بالتصديق إلا أن يتجوّز به، ويراد به المنزل، وعلى هذا التقدير لا يكون لما معكم من تمامه، لأنه إذا أريد به المنزل لا يكون متعدياً للمفعول.
والظاهر أن مصدقاً حال من الضمير العائد على الموصول المحذوف، وهي حال مؤكدة، والعامل فيها أنزلت.
وقيل : حال من ما في قوله : بما أنزلت، وهي حال مؤكدة أيضاً.
﴿ولا تكونوا أوّل كافر به﴾ : أفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة غير صفة، فإنه يبقى مفرداً مذكراً، والنكرة تطابق ما قبلها، فإن كان مفرداً كان مفرداً، وإن كان تثنية كان تثنية، وإن كان جمعاً كان جمعاً، فتقول : زيد أفضل رجل، وهند أفضل امرأة، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال.
ولا تخلو تلك النكرة المضاف إليها أفعل التفضيل من أن تكون صفة أو غير صفة، فإن كانت غير صفة فالمطابقة كما ذكرنا.
وأجاز أبو العباس : إخوتك أفضل رجل، بالإفراد، ومنع ذلك الجمهور.
وإن كانت صفة، وقد تقدم أفعل التفضيل جمع جازت المطابقة وجاز الإفراد، قال الشاعر : أنشده الفراء :
| وإذا هم طعموا فألأم طاعم | وإذا هم جاعوا فشرّ جياع |
وإذا أفردت النكرة الصفة، وقبل أفعل التفضيل جمع، فهو عند النحويين متأوّل، قال الفراء : تقديره من طعم، وقال غيره : يقدر وصفاً لمفرد يؤدي معنى جمع، كأنه قال : فألأم طاعم، وحذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه، فيكون ما أضيف إليه في التقدير وفق ما تقدمه.
وقال بعض الناس : يكون التجوز في الجمع، فإذا قيل مثلاً الزيدون أفضل عالم، فالمعنى : كل واحد من الزيدين أفضل عالم.
وهذه النكرة أصلها عند سيبويه التعريف والجمع، فاختصروا الألف واللام وبناء الجمع.
وعند الكوفيين أن أفعل التفضيل هو النكرة في المعنى، فإذا قلت : أبوك أفضل عالم، فتقديره : عندهم أبوك الأفضل العالم، وأضيف أفضل إلى ما هو هو في المعنى.
وجميع أحكام أفعل التفضيل مستوفاة في كتب النحو.
وعلى ما قررناه تأولوا أول كافر بمن كفر، أو أول حزب كفر، أو لا يكن كل واحد منكم أول كافر.
والنهي عن أن تكونوا أول كافر به لا يدل ذلك على إباحة الكفر لهم ثانياً أو آخراً، فمفهوم الصفة هنا غير مراد.
ولما أشكلت الأولية هنا زعم بعضهم أن أول صلة يعني زائدة، والتقدير : ولا تكونوا كافرين به، وهذا ضعيف جداً.
وزعم بعضهم أن ثم محذوفاً معطوفاً تقديره : ولا تكونوا أوّل كافر به ولا آخر كافر، وجعل ذلك مما حذف فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه، وخص الأولية بالذكر لأنها أفحش، لما فيها من الابتداء بها، وهذا شبيه بقول الشاعر :
| من أناس ليس في أخلاقهم | عاجل الفحش ولا سوء جزع |
وبعضهم قدر صلة غير هذه، أي ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم لذكره، بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه.
وقيل : ذكر الأولية تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول مؤمن به، لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا هم المبشرين بزمانه والمستفتحين على الذين كفروا به، فلما بعث كان أمرهم على العكس، قال تعالى :﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾
وقال القشيري : لا تسنوا الكفر سنة، فإن وزر المبتدئين فيما يسنون أعظم من وزر المقتدين فيما يتبعون.
والضمير في به عائد على الموصول في بما أنزلت، وهو القرآن، قاله ابن جريج، أو على محمد ﷺ، ودل عليه المعنى، لأن ذكر المنزل يدل على ذكر المنزل عليه، قاله أبو العالية، أو على النعمة على معنى الإحسان، ولذلك ذكر الضمير، قاله الزجاج، أو على الموصول في لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدقه، فقد كفروا به، والأرجح الأول، لأنه أقرب، وهو منطوق به مقصود للحديث عنه، بخلاف الأقوال الثلاثة.
﴿ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً﴾.
الاشتراء هنا مجاز يراد به الاستبدال، كما قال :
كما اشترى المسلم إذ تنصرا***
وقال آخر :
فإني شريت الحلم بعدك بالجهل***
ولما كان المعنى على الاستبدال، جاز أن تدخل الباء على الآيات، وإن كان القياس أن تدخل على ما كان ثمناً، لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشترى به، لكن لما دخل الكلام على معنى الاستبدال جاز ذلك، لأن معنى الاستبدال يكون المنصوب فيه هو الحاصل، وما دخلت عليه الباء هو الزائل، بخلاف ما يظن بعض الناس أن قولك : بدلت أو أبدلت درهماً بدينار معناه : أخذت الدينار بدلاً عن الدرهم، والمعنى، والله أعلم : ولا تستبدلوا بآياتي العظيمة أشياء حقيرة خسيسة.
ولو أدخل الباء على الثمن دون الآيات لانعكس هذا المعنى، إذ كان يصير المعنى : أنهم هم بذلوا ثمناً قليلاً وأخذوا الآيات.
قال المهدوي : ودخول الباء على الآيات كدخولها على الثمن، وكذلك كلّ ما لا عين فيه، وإذا كان في الكلام دنانير أو دراهم دخلت الباء على الثمن، قاله الفراء.
انتهى كلام المهدوي ومعناه : أنه إذا لم يكن دنانير ولا دراهم في البيع صح أن يكون كل واحد من المبذول ثمناً ومثمناً، لكن يختلف دخول الباء بالنسبة لمن نسب الشراء إلى نفسه من المتعاقدين جعل ما حصل هو المثمن، فلا تدخل عليه الباء، وجعل ما بذل هو الثمن فأدخل عليه الباء، ونفس الآيات لا يشترى بها، فاحتيج إلى حذف مضاف، فقيل تقديره : بتعليم آياتي، قاله أبو العالية، وقيل : بتغيير آياتي، قاله الحسن.
وقيل : بكتمان آياتي، قاله السدي.
وقيل : لا يحتاج إلى حذف مضاف، بل كنى بالآيات عن الأوامر والنواهي.
وعلى الأقوال الثلاثة التي قبل هذا القول تكون الآيات، ما أنزل من الكتب، أو القرآن، أو ما أوضح من الحجج والبراهين، أو الآيات المنزلة عليهم في التوراة والإنجيل المتضمنة الأمر بالإيمان برسول الله ﷺ.
وعلى الأقاويل في ذلك المضاف المقدر، والقول بعدها اختلفوا في المعنى بقوله : ثمناً قليلاً.
فمن قال : إن المضاف هو التعليم، قال : الثمن القليل هو الأجرة على التعليم، وكان ذلك ممنوعاً منه في شريعتم، أو الراتب المرصد لهم على التعليم، فنهوا عنه، ومن قال : هو التغيير، قال الثمن القليل هو الرّياسة التي كانت في قومهم خافوا فواتها لو صاروا أتباعاً لرسول الله ﷺ.
ومن جعل الآيات كناية عن الأوامر والنواهي، جعل الثمن القليل هو ما يحصل لهم من شهوات الدنيا التي اشتغلوا بها عن إيقاع ما أمرالله به واجتناب ما نهى عنه، ووصف الثمن بالقليل، لأن ما حصل عوضاً عن آيات الله كائناً ما كان لا يكون إلا قليلاً، وإن بلغ ما بلغ، كما قال تعالى :﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ فليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف التي تخصص النكرات، بل من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات، إذ لا يكون إلا قليلاً.
ويحتمل أن يكون ثم معطوف تقديره : ثمناً قليلاً ولا كثيراً، فحذف لدلالة المعنى عليه.
وقد استدل بعض أهل العلم بقوله :﴿ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً﴾ على منع جواز أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله والعلم.
وقد روي في ذ