تفسير التستري — سهل التستري

عن الكتاب
وأصل التقوى : مباينة النفس، فيباينها في ذلك، ولا يساكنها شيئا من ملاذ هواها، ولا ما تدعوه إليه من حظوظها التي لم تتعذر فيها.
فقيل له : ما معنى قوله :﴿وإياي فاتقون﴾ [ ٤١ ] قال(١) : أراد بذلك موضع علمه السابق فيهم، أي لا تأمنوا المكر والاستدراج، فتسكن قلوبكم إلى ملاحظة سلامتكم في الدنيا مع الإقامة على التقصير، وإلى حلمي عنكم في المعاجلة لكم في نفس أمنكم واغتراركم وغفلتكم فتهلكوا.
اعلم أن الناس يتفاضلون في القيامة على قدر نور يقينهم، فمن كان أوزن يقينا كان أثقل ميزانا، وكان من دونه في ميزانه. قيل : بم تعرف صحة يقين العبد ؟ قال : بقوة ثقته بالله تعالى، وحسن ظنه به، فالثقة بالله مشاهدة باليقين، وعين اليقين وكليته وكماله ونهايته الوصول إلى الله عز وجل.
وقال النبي ﷺ «لو زاد في اليقين عيسى بن مريم لمشى على الهواء كما مشى على الماء »(٢)، وقد مشى نبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء على الهواء لقوة نور يقينه التي أعطاه الله تعالى من نوره زيادة نور إلى نور كان من الله تعالى.
وقوله ﷺ :«لو ثبتت المعرفة على قلب داود صلوات الله عليه ولم يغفل ما عصى » فلعمري أن المعرفة أدرجت في أوطانها لتجري عليه ما كان من علم الله سابقا فيه، فلابد من إظهاره على أوصافه إذا كان على حتم لا يتغير العلم إلى غير ما علم العالم جل وعز، فإنما ستر الله عز وجل في أوطان داود صلوات الله عليه نور اليقين الذي به يبصر عين اليقين وكليته، ليتم حكم الله تعالى فيه، ألا ترى أن العبد إنما ينظر إلى الحق بسبب لطيفة من الحق بوصولها إلى قلبه هي من أوصاف ربه ليست بمكونة ولا مخلوقة و لا موصولة ولا مقطوعة، وهي سر من سر إلى سر وغيب من غيب إلى غيب، فبالله اليقين، والعبد موقن بسبب منه إليه على قدر ما قسم الله له من الموهبة وجملة سويداء قلبه. وللإيمان وطنان، وهو ما سكن فلم يخرج، ونور اليقين خطرات، فإذا سكن واستقر صار إيمانا، واليقين خطرات بعده، فهو في المريد هكذا حاله أبدا.
١ - حلية الأولياء ١٠/١٩٩..
٢ - كتاب الزهد الكبير ٢/٣٥٧.
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى