فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
و﴿مُصَدّقًا﴾ حال من «ما » في قوله :﴿مَا أُنزِلَتْ﴾ أو من ضميرها المقدّر بعد الفعل، أي : أنزلته. وقوله :﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ إنما جاء به مفرداً، ولم يقل كافرين حتى يطابق ما قبله لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد اللفظ، متعدد المعنى نحو فريق أو فوج. وقال الأخفش والفراء : إنه محمول على معنى الفعل ؛ لأن المعنى أوّل من كفر. وقد يكون من باب قولهم هو أظرف الفتيان، وأجمله، كما حكى ذلك سيبويه، فيكون هذا المفرد قائماً مقام الجمع، وإنما قال :﴿أوّل﴾ مع أنه قد تقدّمهم إلى الكفر به كفار قريش ؛ لأن المراد أوّل كافر به من أهل الكتاب ؛ لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء، وما يلزم من التصديق، والضمير في ﴿به﴾ عائد إلى النبي ﷺ أي : لا تكونوا أوّل كافر بهذا النبي مع كونكم قد وجدتموه مكتوباً عندكم في التوراة، والإنجيل، مبشراً به في الكتب المنزلة عليكم. وقد حكى الرازي في تفسيره في هذا الموضع ما وقف عليه من البشارات برسول الله ﷺ في الكتب السالفة، وقيل : إنه عائد إلى القرآن المدلول عليه بقوله :﴿بِمَا أَنزَلْتُ﴾ وقيل : عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله :﴿لمَا مَعَكُمْ﴾ وقوله :﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بآياتي﴾ أي : بأوامري ونواهيّ ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي : عيشاً نزراً، ورئاسة لا خطر لها. جعل ما اعتاضوه ثمناً، وأوقع الاشتراء عليه، وإن كان الثمن هو المشترى به، لأن الاشتراء هنا مستعار للاستبدال، أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وكثيراً ما يقع مثل هذا في كلامهم، وقد قدّمنا الكلام عليه في تفسير قوله تعالى :﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [البقرة: ١٦]، ومن إطلاق اسم الثمن على نيل عرض من أعراض الدنيا قول الشاعر :
وهذه الآية، وإن كانت خطاباً لبني إسرائيل ونهياً لهم فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به، فقد اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً، وقوله :﴿وإياى فاتقون﴾ الكلام فيه كالكلام في قوله تعالى :﴿وإياى فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠] وقد تقدم قريباً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : أوفوا لي بما افترضت عليكم أوف لكم بما وعدتكم. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿وإياى فارهبون﴾ قال : فاخشون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جريج، عن مجاهد في قوله :﴿وَءامِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ﴾ قال القرآن :﴿مُصَدّقاً لمَا مَعَكُمْ﴾ قال التوراة والإنجيل. وأخرج ابن جريج، عن ابن جرير في قوله :﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ قال : بالقرآن. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال : يقول يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقاً لما معكم ؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل ﴿وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي : أوّل من كفر بمحمد ﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بآياتي﴾ يقول : لا تأخذوا عليه أجراً، قال : وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل : يابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً. وأخرج أبو الشيخ عنه قال : لا تأخذ على ما علمت أجراً، إنما أجر العلماء، والحكماء، والحلماء على الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَلْبِسُوا الحق بالباطل﴾ قال : لا تخلطوا الصدق بالكذب ﴿وَتَكْتُمُوا الحق﴾ قال : لا تكتموا الحق، وأنتم قد علمتم أن محمداً رسول الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله :﴿وَلاَ تَلْبِسُوا﴾ الآية، قال : لا تلبسوا اليهودية، والنصرانية بالإسلام ﴿وَتَكْتُمُوا الحق﴾ قال : كتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : الحق التوراة، والباطل الذي كتبوه بأيديهم.
| إن كُنتَ حَاوْلتَ دُنْيَا أوْ ظَفِرتَ بِها | فَمَا أصَبْت بترك الحج مِنْ ثَمن |